4341 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ، سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعَهُ مَعِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكَانَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَسْبَ بِالْوِلَايَةِ مِنَ الْهَدَايَا وَمِمَّا أَشْبَهَهَا وَاجِبٌ عَلَى الْوَالِي عَلَيْهَا أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى الْمَالِ الَّذِي وَلِيَ عَلَيْهِ، فَأُهْدِيَ لَهُ مَا أُهْدِيَ لِوَلَايَتِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَهُمَا اللهُ اخْتَلَفَا فِي هَذَا، فَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: مَا أَهْدَى أَهْلُ الْحَرْبِ إِلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لَهُ خَاصَّةً غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ رَدُّهُ إِلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي ذَلِكَ: إِنَّهُ يَرُدُّهُ إِلَى فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَضَعُ خُمُسَهُ فِي مَوْضِعِ الْخُمُسِ، وَيَرُدُّ بَقِيَّتَهُ إِلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ لِلْمَعْنَى الَّذِي أُهْدِيَ إِلَيْهِ مَا أُهْدِيَ مِنْ أَجْلِهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا أَجْوَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا وَأَوْلَاهُمَا بِمَا قَدْ رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِيمَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَتَوَلَّى مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ مَا كَانَ يَتَوَلَّى.
كَمَا حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَهُوَ زَعَمُوا الْحَنَفِيُّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ ابْنَةِ عَلِيٍّ وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَقَالَتِ: " اجْلِسْ حَتَّى أَفْرُغَ، فَإِنِّي أُمَشِّطُ رَأْسِي "، فَكَانَتْ تَأْمُرُنِي بِحَوَائِجَ لَهَا أَشْتَرِيهَا لَهَا، فَجَلَسْتُ، فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، فَرَفَعَا الْحِجَابَ، فَدَخَلَا عَلَيْهَا، فَلَمَّا فَرَغَتْ، أَمَرَتْنِي بِحَاجَتِهَا، وَقَالَتْ: " أَطْعِمُونَا "، فَقُلْتُ: طَعَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، الْآنَ يَأْتُونَا بِأَلْوَانٍ، فَأُتِينَا بِمَرَقَةٍ فِيهَا حُبُوبٌ بَارِدَةٌ، فَقُلْتُ: كُنْتُ أَرَى طَعَامَكُمُ الْأَلْوَانَ الْآنَ، فَقُلْتُ: طَعَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ الْحَسَنُ أَوِ الْحُسَيْنُ: مَا أَتَوْكَ مِنَ الْأُتْرُجِّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَتْ: " فَإِنَّ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُتْرُجٍّ كَثِيرٍ، فَبَعَثَ إِلَى رِجَالٍ، فَأَتَوْهُ فَقَوَّمُوهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ صِبْيَانِهِ أَتَاهُ، فَأَخَذَ أُتْرُجَّةً، فَذَهَبَ لِيَنْزِعَهَا مِنْهُ فَبَكَى، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا فَأَبَى، فَانْتَزَعَهَا مِنْهُ، وَتَرَكَهُ يَبْكِي حَتَّى قَوَّمَهَا، ثُمَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهَا " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَقْوِيمُ عَلِيٍّ مَا أُهْدِيَ لَهُ مِمَّا ذُكِرَ فِيهِ، إِذْ كَانَ لَمْ يَرَهُ يَسَعُهُ الِاسْتِئْثَارُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُهْدِيَ لَهُ لِوِلَايَتِهِ مَا يَتَوَلَّاهُ، وَلَأَنَّ الَّذِي أَهْدَى إِلَيْهِ ذَلِكَ عَظِيمٌ مِنْ عظمائهِ كَانَتْ -[126]- هَدِيَّتُهُ إِلَيْهِ لِمَا حَاوَلَ بِهَا مِنْ وُصُولِهِ بِهَا مِنْ قَلْبِهِ إِلَى إِقْرَارِهِ بِالْمَكَانِ الَّذِي هُوَ بِهِ مِمَّا عُدَّ بِهِ عَظِيمًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ مَنْ أَهْدَى إِلَى مِثْلِهِ مِمَّنْ هُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ كَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِيمَا أَهْدَاهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَبِلَهُ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ لِلدَّيْنِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَبِلَهُ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ رَدَّ الدَّيْنَ إِلَيْهِ، وَفِي هَذَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْهَدَايَا وَمِمَّا أَشْبَهَهَا إِذَا فُعِلَ ذَلِكَ يُرَادُ بِهِ مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ مِنْ كَرَاهَةِ قَبُولِ الْهَدَايَا مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ تَرْكُ الْمُطَالَبَةِ مِنَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ لِلْمَهْدِيِّ بِذَلِكَ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي أَبْوَابِ الرِّبَا الَّتِي يَقَعُ فِيهَا فَاعِلُو ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ يَعْلَمُونَ وَمِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى مَا قَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ.
كَمَا حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: أَهْدَى رَأْسُ الْجَالُوتِ إِلَى أَبِي مَسْعُودٍ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو مَسْعُودٍ، قَالَتِ امْرَأَتُهُ: يَا بَرْدَهَا عَلَى الْكَبِدِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: رَأْسُ الْجَالُوتِ أَهْدَى لِبَنَاتِي، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: يَا حَرَّهَا عَلَى الْكَبِدِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَتِ امْرَأَتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: " فَمَا قُلْتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: يَا وَاحَرَّهَا عَلَى الْكَبِدِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: " أَجَلْ وَاللهِ، يَا حَرَّهَا عَلَى الْكَبِدِ، مَتَى -[127]- كَانَ رَأْسُ جَالُوتَ يُهْدِي لِبَنَاتِكَ، احْمِلْهَا فَاجْعَلْهَا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ " فَهَذَا عَلِيٌّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ قَدْ رُوِيَ عَنْهُمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدُّهُمَا الْهَدِيَّةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَى أَبِي مَسْعُودٍ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وِلَايَةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِمَا كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ عَلَيْهِ لَهُ مِنْ وِلَايَةِ شُرْطَتِهِ، فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ حُكْمُ الْهَدَايَا إِلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ مِمَّنْ يُحَاوِلُ بِهَدَايَاهُ إِلَيْهِمْ مَا يُحَاوِلُهُ مِمَّنْ عَلَيْهِ أَيُهدِيهِمْ مِنْهُمْ بِهَا، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى مِثْلِ مَا رَدَّهَا عَلِيٌّ إِلَيْهِ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ أَبُو مَسْعُودٍ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَبُولِهِ الْهَدَايَا مِنْ مُلُوكِ الْأَعَاجِمِ وَاسْتِئْثَارِهِ بِهَا، وَمَا رُوِيَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَنْ تَوَلَّى أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ
كَمَا حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَهُوَ زَعَمُوا الْحَنَفِيُّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ ابْنَةِ عَلِيٍّ وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَقَالَتِ: " اجْلِسْ حَتَّى أَفْرُغَ، فَإِنِّي أُمَشِّطُ رَأْسِي "، فَكَانَتْ تَأْمُرُنِي بِحَوَائِجَ لَهَا أَشْتَرِيهَا لَهَا، فَجَلَسْتُ، فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، فَرَفَعَا الْحِجَابَ، فَدَخَلَا عَلَيْهَا، فَلَمَّا فَرَغَتْ، أَمَرَتْنِي بِحَاجَتِهَا، وَقَالَتْ: " أَطْعِمُونَا "، فَقُلْتُ: طَعَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، الْآنَ يَأْتُونَا بِأَلْوَانٍ، فَأُتِينَا بِمَرَقَةٍ فِيهَا حُبُوبٌ بَارِدَةٌ، فَقُلْتُ: كُنْتُ أَرَى طَعَامَكُمُ الْأَلْوَانَ الْآنَ، فَقُلْتُ: طَعَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ الْحَسَنُ أَوِ الْحُسَيْنُ: مَا أَتَوْكَ مِنَ الْأُتْرُجِّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَتْ: " فَإِنَّ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُتْرُجٍّ كَثِيرٍ، فَبَعَثَ إِلَى رِجَالٍ، فَأَتَوْهُ فَقَوَّمُوهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ صِبْيَانِهِ أَتَاهُ، فَأَخَذَ أُتْرُجَّةً، فَذَهَبَ لِيَنْزِعَهَا مِنْهُ فَبَكَى، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا فَأَبَى، فَانْتَزَعَهَا مِنْهُ، وَتَرَكَهُ يَبْكِي حَتَّى قَوَّمَهَا، ثُمَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهَا " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَقْوِيمُ عَلِيٍّ مَا أُهْدِيَ لَهُ مِمَّا ذُكِرَ فِيهِ، إِذْ كَانَ لَمْ يَرَهُ يَسَعُهُ الِاسْتِئْثَارُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُهْدِيَ لَهُ لِوِلَايَتِهِ مَا يَتَوَلَّاهُ، وَلَأَنَّ الَّذِي أَهْدَى إِلَيْهِ ذَلِكَ عَظِيمٌ مِنْ عظمائهِ كَانَتْ -[126]- هَدِيَّتُهُ إِلَيْهِ لِمَا حَاوَلَ بِهَا مِنْ وُصُولِهِ بِهَا مِنْ قَلْبِهِ إِلَى إِقْرَارِهِ بِالْمَكَانِ الَّذِي هُوَ بِهِ مِمَّا عُدَّ بِهِ عَظِيمًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ مَنْ أَهْدَى إِلَى مِثْلِهِ مِمَّنْ هُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ كَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِيمَا أَهْدَاهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَبِلَهُ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ لِلدَّيْنِ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَبِلَهُ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ رَدَّ الدَّيْنَ إِلَيْهِ، وَفِي هَذَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْهَدَايَا وَمِمَّا أَشْبَهَهَا إِذَا فُعِلَ ذَلِكَ يُرَادُ بِهِ مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ مِنْ كَرَاهَةِ قَبُولِ الْهَدَايَا مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ تَرْكُ الْمُطَالَبَةِ مِنَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ لِلْمَهْدِيِّ بِذَلِكَ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي أَبْوَابِ الرِّبَا الَّتِي يَقَعُ فِيهَا فَاعِلُو ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ يَعْلَمُونَ وَمِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى مَا قَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ.
كَمَا حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: أَهْدَى رَأْسُ الْجَالُوتِ إِلَى أَبِي مَسْعُودٍ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو مَسْعُودٍ، قَالَتِ امْرَأَتُهُ: يَا بَرْدَهَا عَلَى الْكَبِدِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: رَأْسُ الْجَالُوتِ أَهْدَى لِبَنَاتِي، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: يَا حَرَّهَا عَلَى الْكَبِدِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَتِ امْرَأَتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: " فَمَا قُلْتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: يَا وَاحَرَّهَا عَلَى الْكَبِدِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: " أَجَلْ وَاللهِ، يَا حَرَّهَا عَلَى الْكَبِدِ، مَتَى -[127]- كَانَ رَأْسُ جَالُوتَ يُهْدِي لِبَنَاتِكَ، احْمِلْهَا فَاجْعَلْهَا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ " فَهَذَا عَلِيٌّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ قَدْ رُوِيَ عَنْهُمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدُّهُمَا الْهَدِيَّةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَى أَبِي مَسْعُودٍ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وِلَايَةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِمَا كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ عَلَيْهِ لَهُ مِنْ وِلَايَةِ شُرْطَتِهِ، فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ حُكْمُ الْهَدَايَا إِلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ مِمَّنْ يُحَاوِلُ بِهَدَايَاهُ إِلَيْهِمْ مَا يُحَاوِلُهُ مِمَّنْ عَلَيْهِ أَيُهدِيهِمْ مِنْهُمْ بِهَا، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى مِثْلِ مَا رَدَّهَا عَلِيٌّ إِلَيْهِ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ أَبُو مَسْعُودٍ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ.
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَبُولِهِ الْهَدَايَا مِنْ مُلُوكِ الْأَعَاجِمِ وَاسْتِئْثَارِهِ بِهَا، وَمَا رُوِيَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَنْ تَوَلَّى أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ
শারহু মুশকিলিল-আসার (4341)