حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن بكير، عن أبي مرة مولى عقيل، عن حكيم بن عقال، قال: سألت عائشة: ما يحرم عليّ من امرأتي إذا حاضت؟ قالت "فرجها" . قال أبو جعفر: فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. وأما وجهه من طريق النظر، فإنا رأينا المرأة قبل أن تحيض لزوجها أن يجامعها في فرجها، وله منها ما فوق الإزار، وما تحت الإزار أيضا. ثم إذا حاضت حرم عليه الجماع في فرجها، وحل له منها ما فوق الإزار باتفاقهم. واختلفوا فيما تحت الإزار على ما ذكرنا، فأباحه بعضهم، فجعل حكمه حكم ما فوق الإزار، ومنع منه بعضهم وجعل حكمه حكم الجماع في الفرج. فلما اختلفوا في ذلك وجب النظر لنعلم أي الوجهين هو به أشبه، فيحكم له بحكمه، فرأينا الجماع في الفرج يوجب الحد والمهر والغسل، ورأينا الجماع فيما سوى الفرج لا يوجب من ذلك شيئا، ويستوي في ذلك حكم ما فوق الإزار، وما تحت الإزار. فثبت بما ذكرنا أن حكم ما تحت الإزار أشبه بما فوق الإزار منه بالجماع في الفرج. فالنظر على ذلك أن يكون كذلك هو في حكم الحائض، فيكون حكمه حكم الجماع فوق الإزار، لا حكم الجماع في الفرج. وهذا قول محمد بن الحسن رحمه الله، وبه نأخذ. قال أبو جعفر رحمه الله: ثم نظرت بعد ذلك في هذا الباب، وفي تصحيح الآثار فيه، فإذا هي تدل على ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله لا على ما ذهب إليه محمد بن الحسن رحمه الله. وذلك أنا وجدناها على ثلاثة أنواع: فنوع منها ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يباشر نساءه وهن حُيّض فوق الإزار، فلم يكن في ذلك دليل على منع الحيض من المباشرة تحت الإزار لما قد ذكرناه في موضعه من هذا الباب. ونوع آخر منها، وهو ما روى عمير مولى عمر، عن عمر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قد ذكرناه في موضعه. فكان في مثل ذلك دليل منع من جماع الحيض تحت الإزار، لأن ما فيه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكره ما فوق الإزار، فإنما هو جواب لسؤال عمر رضي الله عنه إياه: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ فقال له: ما فوق الإزار فكان ذلك جواب سؤاله لا نقصان فيه ولا تقصير. ونوع آخر وهو: ما روي عن أنس رضي الله عنه على ما قد ذكرناه عنه، فذلك نص على أنه مبيح لإتيان الحيض دون الفرج، وإن كان تحت الإزار. فأردنا أن ننظر أي هذين النوعين تأخر عن صاحبه، فنجعله ناسخا له؟ فنظرنا في ذلك فإذا حديث أنس رضي الله عنه، فيه إخبار عما كانت اليهود عليه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بخلافهم، قد روينا ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما في كتاب الجنائز، وقد أمره الله تعالى في قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] فكان عليه اتباع من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام حتى تحدث له شريعة تنسخ شريعته. فكان الذي نسخ ما كانت اليهود عليه من اجتناب كلام الحائض ومؤاكلتها والاجتماع معها في بيت هو ما في حديث أنس رضي الله عنه لا واسطة بينهما. وفي حديث أنس رضي الله عنه هذا إباحة جماعها فيما دون الفرج. وكان الذي في حديث عمر رضي الله عنه الإباحة لما فوق الإزار والمنع مما تحت الإزار. فاستحال أن يكون ذلك متقدما لحديث أنس رضي الله عنه إذ كان حديث أنس رضي الله عنه هو الناسخ لاجتناب الاجتماع مع الحائض ومؤاكلتها ومشاربتها، وثبت أنه متأخر عنه، وناسخ لبعض الذي أبيح فيه. فثبت بذلك ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله من هذا بتصحيح الآثار، وانتفى ما ذهب إليه محمد رحمه الله.تحقيق الشيخ لطيف الرحمن البهرائجي القاسمي : رجاله ثقات.
শারহু মা’আনিল-আসার (4091)