حدثنا روح، ومحمد بن خزيمة، قالا: قال لنا أحمد بن صالح: هذا حديث صحيح وبه أقول. قال روح: قال لي أحمد بن صالح قد حدثنيه الدمشقي يعني: عبد الله بن يوسف عن ابن لهيعة . فأخبر ابن عباس رضي الله عنهما أن الإحباس منهي عنها غير جائزة، وأنها قد كانت قبل نزول الفرائض، بخلاف ما صارت عليه بعد نزول الفرائض، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. وأما وجهه من طريق النظر فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا وزفر رحمهم الله وجميع المخالفين لهم والموافقين قد اتفقوا على أن الرجل إذا وقف داره في مرضه على الفقراء والمساكين ثم توفي في مرضه ذلك أن ذلك جائز من ثلثه وأنها غير موروثة عنه. فاعتبرنا ذلك هل يدل على أحد القولين؟ وكان الرجل إذا جعل شيئًا من ماله من دنانير أو دراهم صدقةً، فلم ينفذ ذلك حتى مات أنه ميراث وسواء جعل ذلك في مرضه أو في صحته إلا أن يجعل ذلك وصيةً بعد موته، فينفذ ذلك بعد موته من ثلث ماله كما تنفذ الوصايا. فأما إذا جعله في مرضه، ولم ينفذه للمساكين بدفعه إياه لهم، فهو كما جعله في صحته، وكان جميع ما يفعله في صحته فينفذ من جميع ماله ولا يكون له عليه بعد ذلك ملك مثل العتاق والهبات والصدقات، هو الذي ينفذ إذا فعله في مرضه من ثلث ماله، وكان الواقف إذا وقف في مرضه داره أو أرضه، وجعل آخرها في سبيل الله كان ذلك جائزا باتفاقهم من ثلث ماله بعد وفاته لا سبيل لوارثه عليه. وليس ذلك بداخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا حبس عن فرائض الله". وكان النظر على ذلك أن يكون كذلك سبيله إذا وقف في الصحة، فيكون نافذًا من جميع المال، ولا يكون له عليه سبيل بعد ذلك قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا. وإلى هذا أذهب وبه أقول من طريق النظر، لا من طريق الآثار، لأن الآثار في ذلك قد تقدم وصفي لها، وبيان معانيها، وكشف وجوهها. فإن قال قائل: أفتخرج الأرض بالوقوف من ملك ربها بوقفه إياها لا إلى ملك مالك؟ قيل له: وما تنكر من هذا وقد اتفقت أنت وخصمك على الأرض يجعلها صاحبها مسجدًا للمسلمين، ويخلي بينهم وبينها أنها قد خرجت بذلك من ملكه لا إلى ملك مالك، ولكن إلى الله عز وجل. فالذي يلزم محالفك فيما احتججت عليه بما وصفنا يلزمك في هذا مثله. فإن قال قائل: فما معنى نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحبس الذي رويته عنه في حديث ابن عباس رضي الله عنهما؟ قيل له: قد قال الناس في ذلك قولين: أحدهما: القول الأول الذي ذكرناه عند روايتنا إياه. والآخر أن ذلك أريد به ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فكانوا يحبسون ما يجعلونه كذلك فلا يورثونه أحدًا، فلما أنزلت سورة النساء وبين الله عز وجل فيها المواريث، وقسم الأموال عليها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حبس". ثم تكلم الذين أجازوا الصدقات الموقوفات فيها بعد تثبيتهم إياها على ما ذكرنا فقال بعضهم: هي جائزة، قبضت من المتصدق بها أو لم تقبض. وممن قال بذلك أبو يوسف رحمه الله. وقال بعضهم: لا تنفذ حتى يخرجها من يده ويقبضها منه غيره، وممن قال بهذا القول ابن أبي ليلى، ومالك بن أنس، ومحمد بن الحسن رحمهم الله. فاحتجنا أن ننظر في ذلك لنستخرج من القولين قولا صحيحا فرأينا أشياء يفعلها العباد على ضروب فمنها: العتاق ينفذ بالقول، لأن العبد إنما يزول ملك مولاه عنه إلى الله عز وجل. ومنها: الهبات والصدقات لا تنفذ بالقول حتى يكون معه القبض من الذي ملكها له. فأردنا أن ننظر حكم الأوقاف بأيها هي أشبه فنعطفه عليه. فرأينا الرجل إذا وقف أرضه أو داره، فإنها ملك الذي أوقفها عليه منافعها، ولم يملكه من رقبتها شيئًا إنما أخرجها من ملك نفسه إلى الله عز وجل، فثبت أن ذلك نظير ما أخرجه من ملكه إلى الله عز وجل، فلما كان ذلك لا يحتاج فيه إلى القبض مع القول كان كذلك الوقف لا يحتاج فيه إلى القبض مع القول. وحجة أخرى أن القبض لو أو جبناه فإنما كان القابض يقبض ما لم يملك بالوقف، فقبضه إياه وغير قبضه إياه سواء. فثبت بما ذكرنا ما ذهب إليه أبو يوسف رحمه الله. ‌‌19 - كتاب الرهنتحقيق الشيخ لطيف الرحمن البهرائجي القاسمي : إسناده ضعيف كسابقه.

শারহু মা’আনিল-আসার (5484)