حدثنا علي بن زيد قال: ثنا موسى بن داود قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن أبي مسلم الخولاني، عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مع صاحب البلاء تواضعا لربك وإيمانا" . فقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم العدوى في هذه الآثار التي ذكرناها، وقال: فمن أعدى الأول؟، أي: لو كان إنما أصاب الثاني لما أعداه الأول، إذا لمَا أصاب الأول شيء، لأنه لم يكن معه ما يعديه، ولكنه لما كان ما أصاب الأول إنما كان بقدر الله عز وجل كان ما أصاب الثاني كذلك. فإن قال قائل: أفنجعل هذا مضادا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يورد ممرض على مصح" كما جعله أبو هريرة رضي الله عنه؟. قلت: لا، ولكن نجعل قوله: "لا عدوى" كما قال النبي صلى الله عليه وسلم على نفي العدوى أن يكون أبدا، ونجعل قوله: "لا يورد ممرض على مصح" على الخوف منه أن يورده عليه فيصيبه بقدر الله عز وجل ما أصاب الأول، فيقول الناس: أعداه الأول. فكره إيراد المصح إلى الممرض خوف هذا القول. وقد روينا عن رسول الله في هذه الآثار أيضا وضعه يد المجذوم في القصعة، فدلّ فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أيضا على نفي الإعداء، لأنه لو كان الإعداء مما يجوز أن يكون إذًا لما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما يخاف ذلك منه، لأن في ذلك جر الله التلف إليه، وقد نهى عز وجل عن ذلك، فقال: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدف مائل فأسرع، فإذا كان يسرع من الهدف المائل مخافة الموت فكيف يجوز عليه أن يفعل ما يخاف منه الإعداء؟. وقد ذكرت فيما تقدم من هذا الباب أيضا معنى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون في نهيه عن الهبوط عليه، وفي نهيه عن الخروج منه، وأن نهيه عن الهبوط عليه خوفا أن يكون قد سبق في علم الله عز وجل أنهم إذا هبطوا عليه أصابهم فيهبطون فيصيبهم فيقولون: أصابنا لأنا هبطنا عليه، ولولا أنا هبطنا عليه لما أصابنا، وأن نهيه عن الخروج منه لئلا يخرج رجل فيسلم، فيقول: سلمت لأني خرجت، ولولا أني خرجت لم أسلم. فلما كان النهي عن الخروج عن الطاعون، وعن الهبوط عليه لمعنى واحد وهو الطيرة لا الإعداء كان كذلك قوله "لا يورد ممرض على مصح" هو الطيرة أيضا لا الإعداء. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا كله عن الأسباب التي من أجلها يتطيرون. وفي حديث أسامة الذي رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا وقع بأرض وهو بها، فلا يخرجه الفرار منه دليل على أنه لا بأس بأن يخرج منها لا على الفرار منه. وقد دل على ذلك أيضا ماتحقيق الشيخ لطيف الرحمن البهرائجي القاسمي : رجاله ثقات.

শারহু মা’আনিল-আসার (6630)