• حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا أبو العباس السراج قال ثنا عبيد الله ابن حرب بن جبلة قال ثنا حمزة بن رشيد أبو علي قال حدثني عمرو بن عبد الله القرشي عن أبي حميد الشامي قال: كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز.
وحدثني محمد بن بدر قال: ثنا حماد بن مدرك قال: ثنا يعقوب بن سفيان قال ثنا محمد بن يزيد الليثي قال: ثنا معن بن عيسى قال: ثنا إبراهيم عن عبد الله بن أبي الأسود عن الحسن: أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز - والسياق لأبي حميد الشامي -:
اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى
تركه، وليس ما يفنى وإن كان كان كثيرا يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزا، واحتمال المئونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مئونة باقية، فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة الخاتلة التى قد تزينت بخدعها، وغرت بغرورها، وقتلت أهلها بأملها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة. العيون إليها ناظرة، والنفوس لها عاشقة، والقلوب إليها والهة، ولألبابها دامغة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة. فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بما رأى من الأول مزدجر، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع، ولا العارف [بالله] والمصدق له حين أخبر عنها مذكر. فأبت القلوب لها إلا حبا، وأبت النفوس بها إلا ضنا. وما هذا منالها إلا عشقا، ومن عشق شيئا لم يعقل غيره، ومات في طلبه أو(1) يظفر به، فهما عاشقان طالبان لها؛ فعاشق قد ظفر بها واغتر وطغى ونسى بها المبدأ والمعاد. فشغل بها لبه، وذهل فيها عقله، حتى زلت عنها قدمه، وجاءته أسر ما كانت له منيته(2) فعظمت ندامته، وكسرت حسرته، واشتدت كربته مع ما عالج من سكرته. واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه(3)، وحسرة الموت بغصته، غير موصوف ما نزل به. وآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته فذهب بكربه وغمه لم يدرك منها ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب والنصب. خرجا جميعا بغير زاد، وقدما على غير مهاد.
فاحذرها الحذر كله فإنها مثل الحية لئن مسها وسمها يقتل، فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما عاينت من فجائعها، وأيقنت به من فراقها، وشدد ما اشتد منها لرخاء ما يصيبك(4) وكن [أسر] ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور له أشخصته عنها بمكروه، وكلما ظفر بشيء منها وثنى رجلا عليه انقلبت به،
فالسار فيها غار، والنافع فيها عدا صار(1)، وصل الرخاء فيها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، سرورها مشوب بالحزن، وآخر الحياة فيها الضعف والوهن، فانظر إليها نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر نظر العاشق الوامق واعلم أنها تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المغرور الآمن. لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت فيها فينتظر.
فاحذرها فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر. إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما منية قاضية، فلقد كدت عليه المعيشة إن عقل، وهو من النعماء على خطر، ومن البلوى على حذر، ومن المنايا على يقين؛ فلو كان الخالق تعالى لم يخبر عنها بخبر، ولم يضرب لها مثلا، ولم يأمر فيها بزهد؛ لكانت.
الدار قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله تعالى عنها زاجر، وفيها واعظ. فما لها عند الله عز وجل قدر، ولا لها عند الله تعالى وزن من الصغر، ولا تزن عند الله تعالى مقدار حصاة من الحصا، ولا مقدار ثراة فى جميع الثرى(2)، ولا خلق خلقا - فيما بلغت - أبغض إليه من الدنيا، ولا نظر إليها منذ خلقها مقتالها، ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها ولم ينقصه ذلك عنده جناح بعوضة فأبى أن يقبلها، وما منعه من القبول لها، ولا ينقصه عند الله تعالى شيء إلا أنه علم أن الله تعالى أبغض شيئا فأبغضه، وصغر شيئا فصغره، ووضع شيئا فوضعه، ولو قبلها كان الدليل على حبه إياها قبولها، ولكنه كره أن يحب ما أبغض خالقه، وأن يرفع ما وضع مليكه.
ولو لم يدله على صغر هذه الدار إلا أن الله تعالى حقرها أن يجعل خيرها ثوابا المطيعين، وأن يجعل عقوبتها عذابا للعاصين. فأخرج ثواب الطاعة منها وأخرج عقوبة المعصية عنها. وقد يدلك على شر هذه الدار أن الله تعالى
زواها عن أنبيائه وأحبائه اختبارا، وبسطا لغيرهم اعتبارا واغترارا؛ ويظن المغرور بها والمفتون عليها أنه إنما أكرمه بها، ونسي ما صنع بمحمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وموسى المختار عليه السلام بالكلام له وبمناجاته. «فأما محمد صلى الله عليه وسلم فشد الحجر على بطنه من الجوع» وأما موسى عليه السلام فرئى خضرة البقل من صفاق بطنه من هزاله، ما سأل الله تعالى يوم أوى إلى الظل إلا طعاما يأكله من جوعه ولقد جاءت الروايات عنه أن الله تعالى أوحى إليه؛ أن يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى قد أقبل فقل ذنب عجلت عقوبته. وإن شئت ثلثته بصاحب الروح والكلمة(1) ففي أمره عجيبة. كان يقول أدمي الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، ودابتي رجلي، وسراجى بالليل القمر، وصلابتى في الشتاء الشمس، وفاكهتي وريحاني ما أنبتت الأرض للسباع والأنعام. أبيت وليس لي شيء وليس أحد أغنى مني. ولو شئت ربعت بسليمان ابن داود عليهما السلام، فليس دونهم في العجب. يأكل خبز الشعير في خاصته ويطعم أهله الخشكار والناس الدرمك(2) فإذا جنه الليل لبس المسوح وغل اليد إلى العنق وبات باكيا حتى يصبح، يأكل الخشن من الطعام ويلبس الشعر من الثياب. كل هذا يبغضون ما أبغض الله عز وجل، ويصغرون ما صغر الله تعالى، ويزهدون فيما فيه زهد. ثم اقتص الصالحون بعد منهاجهم، وأخذوا بآثارهم وألزموا الكد والعير(3). وألطفوا التفكر، وصبروا في مدة الأجل القصير، عن متاع الغرور الذى إلى الفناء يصير، ونظروا إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أولها، ونظروا إلى عاقبة مرارتها ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها؛ ثم ألزموا أنفسهم الصبر أنزلوها من أنفسهم بمنزلة الميتة التي لا يحل الشبع منها إلا في حال الضرورة إليها؛ فأكلوا منها بقدر ما يرد النفس ويقي
الروح. ومكن اليوم(1) وجعلوها بمنزلة الجيفة التى قد اشتد نتن ريحها فكل من مر بها أمسك على أنفه منها، فهم يصيبون منها لحال الضر ولا ينتهون منها إلى الشبع من النتن، فقرنت(2) عنهم وكانت هذه منزلتها من أنفسهم، فهم يعجبون من الآكل منها شبعا، والمتلذذ بها أشرا. ويقولون في أنفسهم أما ترى هؤلاء لا يخافون من الأكل، أما يجدون ريح النتن؟ وهي والله يا أخي في العاقبة والآجلة أنتن من الجيفة المرصوفة، غير أن أقواما استعجلوا الصبر فلا يجدون ريح النتن، والذي نشأ في ريح الإرهاب النتن لا يجد نتنه، ولا يجد من ريحه ما يؤذي المارة والجالس عنده(3)، وقد يكفى العاقل منها أنه من مات عنها وترك مالا كثيرا سره أنه كان فيها فقيرا، أو شريفا أنه كان فيها وضيعا، أو كان فيها معافى سره أنه كان فيها مبتلى، أو كان مسلطنا سره أنه كان فيها سوقة. وإن فارقتها سرك أنك كنت أوضع أهلها ضعة، وأشدهم فيها فاقة، أليس ذلك الدليل على خزيها لمن يعقل أمرها.
والله لو كانت الدنيا من أراد منها شيئا وجده إلى جنبه من غير طلب ولا نصب غير أنه إذا أخذ منها شيئا لزمته حقوق الله فيه وسأله عنه ووقفه على حسابه لكان ينبغي للعاقل أن لا يأخذ منها إلا قدر قوته وما يكفي، حذر السؤال وكراهية لشدة الحساب، وإنما الدنيا إذا فكرت فيها ثلاثة أيام؛ يوم [مضى] لا ترجوه، ويوم أنت فيه ينبغى لك أن تغتنمه، ويوم [يأتي] لا تدري أنت من أهله أم لا؟ ولا تدري لعلك تموت قبله. فأما أمس فحكيم مؤدب، وأما اليوم فصديق مودع، غير أن أمس وإن كان [قد] فجعك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته، وإن كنت قد أضعته فقد جاءك خلف منه وقد كان عنك طويل الغيبة وهو الآن عنك سريع الرحلة، وغدا أيضا في يديك منه أمله. فخذ الثقة بالعمل، واترك الغرور بالأمل قبل حلول الأجل، وإياك أن تدخل على اليوم هم غد أوهم ما بعده - زدت في حزنك وتعبك وأردت أن
تجمع في يومك ما يكفيك أيامك، هيهات كثر الشعل وزاد الحزن وعظم التعب وأضاع العبد العمل بالأمل. ولو أن الأمل في غدك خرج من قلبك أحسنت اليوم في عملك، واقتصرت لهم يومك، غير أن الأمل منك في الغد دعاك الى التفريط، ودعاك إلى المزيد في الطلب، ولئن شئت واقتصرت لأصفن لك الدنيا ساعة بين ساعتين، ساعة ماضية، وساعة آتية، وساعة أنت فيها. فاما الماضية والباقية فليس تجد لراحتهما لذة، ولا لبلائهما ألما.
خير العواقب، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وحدثني محمد بن بدر قال: ثنا حماد بن مدرك قال: ثنا يعقوب بن سفيان قال ثنا محمد بن يزيد الليثي قال: ثنا معن بن عيسى قال: ثنا إبراهيم عن عبد الله بن أبي الأسود عن الحسن: أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز - والسياق لأبي حميد الشامي -:
اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى
تركه، وليس ما يفنى وإن كان كان كثيرا يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزا، واحتمال المئونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مئونة باقية، فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة الخاتلة التى قد تزينت بخدعها، وغرت بغرورها، وقتلت أهلها بأملها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة. العيون إليها ناظرة، والنفوس لها عاشقة، والقلوب إليها والهة، ولألبابها دامغة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة. فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بما رأى من الأول مزدجر، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع، ولا العارف [بالله] والمصدق له حين أخبر عنها مذكر. فأبت القلوب لها إلا حبا، وأبت النفوس بها إلا ضنا. وما هذا منالها إلا عشقا، ومن عشق شيئا لم يعقل غيره، ومات في طلبه أو(1) يظفر به، فهما عاشقان طالبان لها؛ فعاشق قد ظفر بها واغتر وطغى ونسى بها المبدأ والمعاد. فشغل بها لبه، وذهل فيها عقله، حتى زلت عنها قدمه، وجاءته أسر ما كانت له منيته(2) فعظمت ندامته، وكسرت حسرته، واشتدت كربته مع ما عالج من سكرته. واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه(3)، وحسرة الموت بغصته، غير موصوف ما نزل به. وآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته فذهب بكربه وغمه لم يدرك منها ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب والنصب. خرجا جميعا بغير زاد، وقدما على غير مهاد.
فاحذرها الحذر كله فإنها مثل الحية لئن مسها وسمها يقتل، فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما عاينت من فجائعها، وأيقنت به من فراقها، وشدد ما اشتد منها لرخاء ما يصيبك(4) وكن [أسر] ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور له أشخصته عنها بمكروه، وكلما ظفر بشيء منها وثنى رجلا عليه انقلبت به،
فالسار فيها غار، والنافع فيها عدا صار(1)، وصل الرخاء فيها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، سرورها مشوب بالحزن، وآخر الحياة فيها الضعف والوهن، فانظر إليها نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر نظر العاشق الوامق واعلم أنها تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المغرور الآمن. لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت فيها فينتظر.
فاحذرها فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر. إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما منية قاضية، فلقد كدت عليه المعيشة إن عقل، وهو من النعماء على خطر، ومن البلوى على حذر، ومن المنايا على يقين؛ فلو كان الخالق تعالى لم يخبر عنها بخبر، ولم يضرب لها مثلا، ولم يأمر فيها بزهد؛ لكانت.
الدار قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله تعالى عنها زاجر، وفيها واعظ. فما لها عند الله عز وجل قدر، ولا لها عند الله تعالى وزن من الصغر، ولا تزن عند الله تعالى مقدار حصاة من الحصا، ولا مقدار ثراة فى جميع الثرى(2)، ولا خلق خلقا - فيما بلغت - أبغض إليه من الدنيا، ولا نظر إليها منذ خلقها مقتالها، ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها ولم ينقصه ذلك عنده جناح بعوضة فأبى أن يقبلها، وما منعه من القبول لها، ولا ينقصه عند الله تعالى شيء إلا أنه علم أن الله تعالى أبغض شيئا فأبغضه، وصغر شيئا فصغره، ووضع شيئا فوضعه، ولو قبلها كان الدليل على حبه إياها قبولها، ولكنه كره أن يحب ما أبغض خالقه، وأن يرفع ما وضع مليكه.
ولو لم يدله على صغر هذه الدار إلا أن الله تعالى حقرها أن يجعل خيرها ثوابا المطيعين، وأن يجعل عقوبتها عذابا للعاصين. فأخرج ثواب الطاعة منها وأخرج عقوبة المعصية عنها. وقد يدلك على شر هذه الدار أن الله تعالى
زواها عن أنبيائه وأحبائه اختبارا، وبسطا لغيرهم اعتبارا واغترارا؛ ويظن المغرور بها والمفتون عليها أنه إنما أكرمه بها، ونسي ما صنع بمحمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وموسى المختار عليه السلام بالكلام له وبمناجاته. «فأما محمد صلى الله عليه وسلم فشد الحجر على بطنه من الجوع» وأما موسى عليه السلام فرئى خضرة البقل من صفاق بطنه من هزاله، ما سأل الله تعالى يوم أوى إلى الظل إلا طعاما يأكله من جوعه ولقد جاءت الروايات عنه أن الله تعالى أوحى إليه؛ أن يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى قد أقبل فقل ذنب عجلت عقوبته. وإن شئت ثلثته بصاحب الروح والكلمة(1) ففي أمره عجيبة. كان يقول أدمي الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، ودابتي رجلي، وسراجى بالليل القمر، وصلابتى في الشتاء الشمس، وفاكهتي وريحاني ما أنبتت الأرض للسباع والأنعام. أبيت وليس لي شيء وليس أحد أغنى مني. ولو شئت ربعت بسليمان ابن داود عليهما السلام، فليس دونهم في العجب. يأكل خبز الشعير في خاصته ويطعم أهله الخشكار والناس الدرمك(2) فإذا جنه الليل لبس المسوح وغل اليد إلى العنق وبات باكيا حتى يصبح، يأكل الخشن من الطعام ويلبس الشعر من الثياب. كل هذا يبغضون ما أبغض الله عز وجل، ويصغرون ما صغر الله تعالى، ويزهدون فيما فيه زهد. ثم اقتص الصالحون بعد منهاجهم، وأخذوا بآثارهم وألزموا الكد والعير(3). وألطفوا التفكر، وصبروا في مدة الأجل القصير، عن متاع الغرور الذى إلى الفناء يصير، ونظروا إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أولها، ونظروا إلى عاقبة مرارتها ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها؛ ثم ألزموا أنفسهم الصبر أنزلوها من أنفسهم بمنزلة الميتة التي لا يحل الشبع منها إلا في حال الضرورة إليها؛ فأكلوا منها بقدر ما يرد النفس ويقي
الروح. ومكن اليوم(1) وجعلوها بمنزلة الجيفة التى قد اشتد نتن ريحها فكل من مر بها أمسك على أنفه منها، فهم يصيبون منها لحال الضر ولا ينتهون منها إلى الشبع من النتن، فقرنت(2) عنهم وكانت هذه منزلتها من أنفسهم، فهم يعجبون من الآكل منها شبعا، والمتلذذ بها أشرا. ويقولون في أنفسهم أما ترى هؤلاء لا يخافون من الأكل، أما يجدون ريح النتن؟ وهي والله يا أخي في العاقبة والآجلة أنتن من الجيفة المرصوفة، غير أن أقواما استعجلوا الصبر فلا يجدون ريح النتن، والذي نشأ في ريح الإرهاب النتن لا يجد نتنه، ولا يجد من ريحه ما يؤذي المارة والجالس عنده(3)، وقد يكفى العاقل منها أنه من مات عنها وترك مالا كثيرا سره أنه كان فيها فقيرا، أو شريفا أنه كان فيها وضيعا، أو كان فيها معافى سره أنه كان فيها مبتلى، أو كان مسلطنا سره أنه كان فيها سوقة. وإن فارقتها سرك أنك كنت أوضع أهلها ضعة، وأشدهم فيها فاقة، أليس ذلك الدليل على خزيها لمن يعقل أمرها.
والله لو كانت الدنيا من أراد منها شيئا وجده إلى جنبه من غير طلب ولا نصب غير أنه إذا أخذ منها شيئا لزمته حقوق الله فيه وسأله عنه ووقفه على حسابه لكان ينبغي للعاقل أن لا يأخذ منها إلا قدر قوته وما يكفي، حذر السؤال وكراهية لشدة الحساب، وإنما الدنيا إذا فكرت فيها ثلاثة أيام؛ يوم [مضى] لا ترجوه، ويوم أنت فيه ينبغى لك أن تغتنمه، ويوم [يأتي] لا تدري أنت من أهله أم لا؟ ولا تدري لعلك تموت قبله. فأما أمس فحكيم مؤدب، وأما اليوم فصديق مودع، غير أن أمس وإن كان [قد] فجعك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته، وإن كنت قد أضعته فقد جاءك خلف منه وقد كان عنك طويل الغيبة وهو الآن عنك سريع الرحلة، وغدا أيضا في يديك منه أمله. فخذ الثقة بالعمل، واترك الغرور بالأمل قبل حلول الأجل، وإياك أن تدخل على اليوم هم غد أوهم ما بعده - زدت في حزنك وتعبك وأردت أن
تجمع في يومك ما يكفيك أيامك، هيهات كثر الشعل وزاد الحزن وعظم التعب وأضاع العبد العمل بالأمل. ولو أن الأمل في غدك خرج من قلبك أحسنت اليوم في عملك، واقتصرت لهم يومك، غير أن الأمل منك في الغد دعاك الى التفريط، ودعاك إلى المزيد في الطلب، ولئن شئت واقتصرت لأصفن لك الدنيا ساعة بين ساعتين، ساعة ماضية، وساعة آتية، وساعة أنت فيها. فاما الماضية والباقية فليس تجد لراحتهما لذة، ولا لبلائهما ألما.
خير العواقب، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
হিলইয়াতুল আওলিয়া (1738)