• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن يزيد الحوطي - فيما أرى - ثنا محمد بن مصعب القرقساني ح. وحدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي - واللفظ له - ثنا محمد بن محمد بن سليمان ومحمد بن مخلد قالا: ثنا أحمد بن عبيد بن ناصح حدثني محمد بن مصعب القرقساني حدثني الأوزاعي. قال: بعث إلي أبو جعفر أمير المؤمنين وأنا بالساحل فأتيته، فلما وصلت إليه وسلمت عليه بالخلافة، رد علي واستجلسني ثم قال: ما الذي أبطأ بك عنايا أوزاعي؟ قلت: وما الذي تريد يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم، قلت: يا أمير المؤمنين انظر ولا تجهل شيئا مما أقول لك، قال: وكيف أجهله وأنا أسألك عنه وقد وجهت فيه إليك وأقدمتك له؟ قلت: أن تسمعه ولا تعمل به، قال: فصاح بي الربيع وأهوى بيده إلى السيف، فانتهره المنصور وقال: هذا مجلس مثوبة لا عقوبة، فطابت نفسي وانبسطت في الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عطية - يعنى ابن بسر - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه، فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة عليه من الله ليزداد بها إنما ويزداد الله بها عليه سخطة» يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عطية بن بسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما وال بات غاشا لرعيته حرم الله عليه الجنة» يا أمير المؤمنين من كره الحق فقد كره الله، إن الله هو الحق المبين، يا أمير المؤمنين إن الذي يلين قلوب أمتكم لكم حين ولا كم أمرهم لقرابتكم من النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان
بكم رءوفا رحيما، مواسيا بنفسه لهم في ذات يده وعند الناس، فحقيق أن يقوم لهم فيهم بالحق، وأن يكون بالقسط له فيهم قائما، ولعوراتهم ساترا، لم تغلق عليه دونهم الأبواب، ولم يقم عليه دونهم الحجاب، يبتهج بالنعمة عندهم، ويبتئس بما أصابهم من سوء، يا أمير المؤمنين قد كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك، عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم، أحمرهم وأسودهم، ومسلمهم وكافرهم، فكل له عليك نصيبه من العدل، فكيف إذا اتبعك منهم فئام وراءهم فئام، ليس منهم أحد إلا وهو يشكو بلية أدخلتها عليه، أو ظلامة سقتها إليه، يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عروة بن رويم. قال: «كانت بيد النبي صلى الله عليه وسلم جريدة يستاك بها، ويروع بها المنافقين، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد ما هذه الجريدة التي كسرت بها قرون أمتك، وملأت قلوبهم رعبا؟» فكيف بمن شقق أبشارهم وسفك دماءهم، وحرب ديارهم، وأجلاهم عن بلادهم، وغيبهم الخوف منه، يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى القصاص من نفسه في خدشة خدش أعرابيا لم يتعمدها، فأتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك جبارا ولا مستكبرا، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابى فقال: اقتص مني، فقال الأعرابي: قد أحللتك بأبي أنت وأمي، ما كنت لأفعل ذلك أبدا، ولو أتت على نفسي، فدعا له بخير - يا أمير المؤمنين رض نفسك لنفسك، وخذ لها الأمان من ربك، وارغب في جنة عرضها السموات والأرض التي يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها». يا أمير المؤمنين! إن الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك، وكذلك لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك، يا أمير المؤمنين تدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك؟ {(مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها)} قال: الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك، فكيف بما عملته الأيدي، وحدثته الألسن يا أمير المؤمنين بلغني عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة
لخفت أن أسأل عنها، فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك؟ يا أمير المؤمنين أتدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك؟ {(يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى)} قال: يا داود إذا قعد الخصمان بين يديك فكان لك في أحدهما هوى، فلا تمنين في نفسك أن يكون له الحق فيفلج على صاحبه، فأمحوك من نبوتي، ثم لا تكون خليفتي ولا كرامة، يا داود إنما جعلت رسلي إلى عبادي رعاء كرعاء الإبل، لعلمهم بالرعاية، ورفقهم بالسياسة، ليجبروا الكسير، ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء، يا أمير المؤمنين إنك قد بليت بأمر عظيم لو عرض على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنه وأشفقن منه، يا أمير المؤمنين حدثني يزيد بن مزيد عن جابر عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري: أن عمر بن الخطاب استعمل من الأنصار رجلا على الصدقة، فرآه بعد أيام مقيما، فقال له: ما منعك من الخروج إلى عملك؟ أما علمت: أن لك مثل أجر المجاهدين في سبيل الله؟ قال: لا! قال عمر: وكيف ذاك؟ قال: لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«ما من وال يلي من أمور الناس شيئا إلا أتي به يوم القيامة فيوقف على جسر من نار فينتفض به الجسر انتفاضا يزيل كل عضو منه عن موضعه، ثم يعاد فيحاسب، فإن كان محسنا نجا باحسانه، وإن كان مسيئا انخرق به ذلك الجسر فهوى به فى النار سبعين خريفا». فقال له عمر: ممن سمعت هذا؟ قال من أبي ذر، وسلمان، فأرسل إليهما عمر فسألهما فقالا: نعم! سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: وا عمراه، من يتولاها بما فيها؟ فقال أبو ذر: من سلت الله أنفه، وألصق خده بالأرض. فأخذ أبو جعفر المنديل فوضعه على وجهه فبكى وانتحب حتى أبكاني، فقلت: يا أمير المؤمنين قد سأل جدك العباس النبي صلى الله عليه وسلم إمارة على مكة والطائف، فقال له «يا عباس يا عم النبي! نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها» هي نصيحة منه لعمه وشفقة منه عليه، لأنه لا يغني عنه من الله شيئا، أوحى الله تعالى إليه {(وأنذر عشيرتك الأقربين)} فقال: يا عباس، يا صفية عمة النبي، إني لست أغني عنكم من
الله شيئا إلا لي عملي ولكم عملكم، وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: لا يقيم أمر الناس إلا حصيف(1) العقل: أريب العقدة، لا يطلع منه على عورة، ولا يحنو على حوية ولا تأخذه في الله لومة لائم. وقال: السلطان أربعة أمراء؛ فأمير قوي ظلف نفسه وعماله، فذاك المجاهد في سبيل الله، يد الله باسطة عليه بالرحمة، وأمير ضعيف ظلف نفسه وأرتع عماله فضعف فهو على شفا هلاك إلا أن يرحمه الله، وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه](2) فذلك الحطمة الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «شر الرعاء الحطمة» فهو الهالك وحده، وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعا.
وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتيتك حين أمر الله عز وجل بمنافيخ النار فوضعت على النار تسعر ليوم القيامة، فقال له: يا جبريل صف لي النار. فقال: إن الله أمر بها فأوقدت ألف عام حتى احمرت، ثم أوقد عليها، ألف عام حتى اصفرت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة لا يضئ لهبها ولا جمرها والذي بعثك بالحق لو أن ثوبا من ثياب أهل النار أظهر لأهل الأرض لماتوا جميعا، ولو أن ذنوبا من شرابها صب في ماء الأرض لقتل من ذاقه، ولو أن ذراعا من السلسلة التي ذكر الله تعالى وضع على جبال الأرض جميعا لذابت وما استقرت، ولو أن رجلا دخل النار ثم أخرج منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه، وتشويه خلقه وعظمه. فبكى النبي صلى الله عليه وسلم وبكى جبريل لبكائه، فقال: أتبكي يا محمد وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ ولم بكيت يا جبريل وأنت الروح الأمين أمين الله على وحيه؟ قال: أخاف أن أبتلى بما ابتلى به هاروت وما روت فهو الذي منعني من اتكالي على منزلتي عند ربي، فأكون قد أمنت مكره، فلم يزالا يبكيان حتى نوديا من السماء أن يا جبريل ويا محمد إن الله تعالى قد أمنكما أن تعصياه فيعذبكما، ففضل محمد
على الأنبياء كفضل جبريل على ملائكة السماء كلهم.
وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن عمر بن الخطاب قال: اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من قال الحق من قريب أو بعيد فلا تمهلني طرفة عين، يا أمير المؤمنين إن أشد الشدة القيام لله بحقه، وإن أكرم الكرم عند الله التقوى، إنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله، ومن طلبه بمعصية الله أذله الله ووضعه. هذه نصيحتي والسلام عليك. ثم نهضت فقال لي: إلى أين؟ فقلت: إلى البلد والوطن بإذن أمير المؤمنين إن شاء الله. فقال: قد أذنت وشكرت لك نصيحتك وقبلتها بقبول، والله الموفق للخير والمعين عليه، وبه أستعين وعليه أتوكل وهو حسبي ونعم الوكيل، فلا تخلني من مطالعتك إياي بمثلها، فإنك المقبول غير المتهم في النصيحة. قلت: أفعل إن شاء الله. قال محمد ابن مصعب فأمر له بمال يستعين به على خروجه فلم يقبله. وقال: أنا في غنى عنه وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض من الدنيا كلها، وعرف المنصور مذهبه فلم يجد عليه في رده.
«أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه، فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة عليه من الله ليزداد بها إنما ويزداد الله بها عليه سخطة» يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عطية بن بسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما وال بات غاشا لرعيته حرم الله عليه الجنة» يا أمير المؤمنين من كره الحق فقد كره الله، إن الله هو الحق المبين، يا أمير المؤمنين إن الذي يلين قلوب أمتكم لكم حين ولا كم أمرهم لقرابتكم من النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان
بكم رءوفا رحيما، مواسيا بنفسه لهم في ذات يده وعند الناس، فحقيق أن يقوم لهم فيهم بالحق، وأن يكون بالقسط له فيهم قائما، ولعوراتهم ساترا، لم تغلق عليه دونهم الأبواب، ولم يقم عليه دونهم الحجاب، يبتهج بالنعمة عندهم، ويبتئس بما أصابهم من سوء، يا أمير المؤمنين قد كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك، عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم، أحمرهم وأسودهم، ومسلمهم وكافرهم، فكل له عليك نصيبه من العدل، فكيف إذا اتبعك منهم فئام وراءهم فئام، ليس منهم أحد إلا وهو يشكو بلية أدخلتها عليه، أو ظلامة سقتها إليه، يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عروة بن رويم. قال: «كانت بيد النبي صلى الله عليه وسلم جريدة يستاك بها، ويروع بها المنافقين، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد ما هذه الجريدة التي كسرت بها قرون أمتك، وملأت قلوبهم رعبا؟» فكيف بمن شقق أبشارهم وسفك دماءهم، وحرب ديارهم، وأجلاهم عن بلادهم، وغيبهم الخوف منه، يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى القصاص من نفسه في خدشة خدش أعرابيا لم يتعمدها، فأتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك جبارا ولا مستكبرا، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابى فقال: اقتص مني، فقال الأعرابي: قد أحللتك بأبي أنت وأمي، ما كنت لأفعل ذلك أبدا، ولو أتت على نفسي، فدعا له بخير - يا أمير المؤمنين رض نفسك لنفسك، وخذ لها الأمان من ربك، وارغب في جنة عرضها السموات والأرض التي يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها». يا أمير المؤمنين! إن الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك، وكذلك لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك، يا أمير المؤمنين تدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك؟ {(مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها)} قال: الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك، فكيف بما عملته الأيدي، وحدثته الألسن يا أمير المؤمنين بلغني عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة
لخفت أن أسأل عنها، فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك؟ يا أمير المؤمنين أتدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك؟ {(يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى)} قال: يا داود إذا قعد الخصمان بين يديك فكان لك في أحدهما هوى، فلا تمنين في نفسك أن يكون له الحق فيفلج على صاحبه، فأمحوك من نبوتي، ثم لا تكون خليفتي ولا كرامة، يا داود إنما جعلت رسلي إلى عبادي رعاء كرعاء الإبل، لعلمهم بالرعاية، ورفقهم بالسياسة، ليجبروا الكسير، ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء، يا أمير المؤمنين إنك قد بليت بأمر عظيم لو عرض على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنه وأشفقن منه، يا أمير المؤمنين حدثني يزيد بن مزيد عن جابر عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري: أن عمر بن الخطاب استعمل من الأنصار رجلا على الصدقة، فرآه بعد أيام مقيما، فقال له: ما منعك من الخروج إلى عملك؟ أما علمت: أن لك مثل أجر المجاهدين في سبيل الله؟ قال: لا! قال عمر: وكيف ذاك؟ قال: لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«ما من وال يلي من أمور الناس شيئا إلا أتي به يوم القيامة فيوقف على جسر من نار فينتفض به الجسر انتفاضا يزيل كل عضو منه عن موضعه، ثم يعاد فيحاسب، فإن كان محسنا نجا باحسانه، وإن كان مسيئا انخرق به ذلك الجسر فهوى به فى النار سبعين خريفا». فقال له عمر: ممن سمعت هذا؟ قال من أبي ذر، وسلمان، فأرسل إليهما عمر فسألهما فقالا: نعم! سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: وا عمراه، من يتولاها بما فيها؟ فقال أبو ذر: من سلت الله أنفه، وألصق خده بالأرض. فأخذ أبو جعفر المنديل فوضعه على وجهه فبكى وانتحب حتى أبكاني، فقلت: يا أمير المؤمنين قد سأل جدك العباس النبي صلى الله عليه وسلم إمارة على مكة والطائف، فقال له «يا عباس يا عم النبي! نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها» هي نصيحة منه لعمه وشفقة منه عليه، لأنه لا يغني عنه من الله شيئا، أوحى الله تعالى إليه {(وأنذر عشيرتك الأقربين)} فقال: يا عباس، يا صفية عمة النبي، إني لست أغني عنكم من
الله شيئا إلا لي عملي ولكم عملكم، وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: لا يقيم أمر الناس إلا حصيف(1) العقل: أريب العقدة، لا يطلع منه على عورة، ولا يحنو على حوية ولا تأخذه في الله لومة لائم. وقال: السلطان أربعة أمراء؛ فأمير قوي ظلف نفسه وعماله، فذاك المجاهد في سبيل الله، يد الله باسطة عليه بالرحمة، وأمير ضعيف ظلف نفسه وأرتع عماله فضعف فهو على شفا هلاك إلا أن يرحمه الله، وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه](2) فذلك الحطمة الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «شر الرعاء الحطمة» فهو الهالك وحده، وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعا.
وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتيتك حين أمر الله عز وجل بمنافيخ النار فوضعت على النار تسعر ليوم القيامة، فقال له: يا جبريل صف لي النار. فقال: إن الله أمر بها فأوقدت ألف عام حتى احمرت، ثم أوقد عليها، ألف عام حتى اصفرت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة لا يضئ لهبها ولا جمرها والذي بعثك بالحق لو أن ثوبا من ثياب أهل النار أظهر لأهل الأرض لماتوا جميعا، ولو أن ذنوبا من شرابها صب في ماء الأرض لقتل من ذاقه، ولو أن ذراعا من السلسلة التي ذكر الله تعالى وضع على جبال الأرض جميعا لذابت وما استقرت، ولو أن رجلا دخل النار ثم أخرج منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه، وتشويه خلقه وعظمه. فبكى النبي صلى الله عليه وسلم وبكى جبريل لبكائه، فقال: أتبكي يا محمد وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ ولم بكيت يا جبريل وأنت الروح الأمين أمين الله على وحيه؟ قال: أخاف أن أبتلى بما ابتلى به هاروت وما روت فهو الذي منعني من اتكالي على منزلتي عند ربي، فأكون قد أمنت مكره، فلم يزالا يبكيان حتى نوديا من السماء أن يا جبريل ويا محمد إن الله تعالى قد أمنكما أن تعصياه فيعذبكما، ففضل محمد
على الأنبياء كفضل جبريل على ملائكة السماء كلهم.
وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن عمر بن الخطاب قال: اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من قال الحق من قريب أو بعيد فلا تمهلني طرفة عين، يا أمير المؤمنين إن أشد الشدة القيام لله بحقه، وإن أكرم الكرم عند الله التقوى، إنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله، ومن طلبه بمعصية الله أذله الله ووضعه. هذه نصيحتي والسلام عليك. ثم نهضت فقال لي: إلى أين؟ فقلت: إلى البلد والوطن بإذن أمير المؤمنين إن شاء الله. فقال: قد أذنت وشكرت لك نصيحتك وقبلتها بقبول، والله الموفق للخير والمعين عليه، وبه أستعين وعليه أتوكل وهو حسبي ونعم الوكيل، فلا تخلني من مطالعتك إياي بمثلها، فإنك المقبول غير المتهم في النصيحة. قلت: أفعل إن شاء الله. قال محمد ابن مصعب فأمر له بمال يستعين به على خروجه فلم يقبله. وقال: أنا في غنى عنه وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض من الدنيا كلها، وعرف المنصور مذهبه فلم يجد عليه في رده.
হিলইয়াতুল আওলিয়া (7995)