133 - عن أبي هريرة، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"أتاكم أهل اليمن هم أرقُّ أفئدةً، وألينُ قلوبًا، الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانيّة، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسّكينة والوقار في أهل الغنم".



متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (4388)، ومسلم في الإيمان (52) كلاهما من طرق عن أبي هريرة، فذكر الحديث، ولفظهما سواء



وفي رواية عندهما:"جاءكم أهل اليمن، هم أرقُّ أفئدة وأضعف قلوبًا".



وفي رواية عند البخاريّ (4389)"والفتنة هاهنا، هاهنا يطلع قرن الشّيطان".



معنى الحديث: نقل ابن الصلاح في"صيانة صحيح مسلم" (ص 210) وعنه النووي في"شرح مسلم" إن ما ذكر من نسبة الإيمان إلى اليمن وأهله، فقد صرفوه عن ظاهره من حيث أن مبدأ الإيمان من مكة ثم المدينة حرسهما اللَّه.



فذكر أقوال أهل العلم في تعيين أهل اليمن، وقال في نهاية الكلام:"ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره وحمله على أهل اليمن حقيقة؛ لأنّ من اتصف بشيء وقَوي قيامُه به، وتأكد اضطلاعه به نُسب ذلك الشيء إليه إشعارًا بتميّزه به وكمال حاله فيه، وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان، وحال الوافدين منهم في حياته صلى الله عليه وسلم، وفي أعقاب موته كأويس القرني، وأبي مسلم الخولانيّ وأشباههما ممن سلم قلبُه، وقوي إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم لذلك إشعارًا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي لذلك عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله:"الإيمان في أهل الحجاز" [وهو سيأتي]. ثم إنّ المراد بذلك الموجودون منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإنّ اللّفظ لا يقتضيه هذا، واللَّه تعالى أعلم، وهذا هو الحقّ في ذلك، ونشكر اللَّه سبحانه وتعالى على هدايتنا له، واللَّه أعلم" انتهى كلام الشيخ أبي عمرو بن الصّلاح، وأقرّه الشيخ النووي رحمهما اللَّه تعالى.



وأما ما رُوي من زيادة:"وأجد نَفَسَ ربِّكم من قبل اليمن. . ." فيه نظر، رواه الإمام أحمد (10978)، والطبراني في"الأوسط" (4661)، و"مسند الشّاميين" (1083) كلاهما من حديث حريز بن عثمان، عن شبيب أبي روح، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.

قال الطبراني في"الأوسط" عقب الحديث:"لم يرو هذا الحديث عن شبيب إلا حريز بن عثمان".



قلت: وشبيب هو ابن نعيم أبو روح، ويقال: ابن أبي روح؛ قال أبو عبيد الآجري عن أبي داود:"شيوخ حريز بن عثمان كلّهم ثقات"، وذكره ابن حبان في الثقات (4/ 359). لكن ذكره الحافظ في"تهذيبه" فقال:"نقل ابن القطّان عن ابن الجارود قال: قال محمد بن يحيى الذُّهليّ: هذا شعبة وعبد الملك بن عمير في جلالتهما يرويان عن شبيب أبي روح. قال ابن القطّان: شبيب رجل لا تعرف له عدالة. انتهى كلام ابن القطّان. قال الحافظ: وإنّما أراد الذهليّ برواية شعبة عنه أنه روى حديثه لا أنه روى عنه مشافهة، إذ رواية شعبة إنما هي عن عبد الملك عنه، وذكره ابن قانع في الصحابة وساق له حديثًا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأخرج أحمد الحديث في"مسنده" من رواية شعبة، عن عبد الملك، عن شبيب، عن رجل له صحبة، وهو الصّواب". انتهى كلام الحافظ في التهذيب.



فإن صحّتْ هذه الزّيادة فمعناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى -وقد سئل عن هذا الحديث-:"فقوله:"من اليمن" يبين مقصود الحديث، فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات اللَّه تعالى حتى يظن ذلك، ولكن منها جاء الذين يحبّهم ويحبّونه الذين قال فيهم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]. وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية: سئل عن هؤلاء، فذكر أنهم قومُ أبي موسى الأشعري، وجاءت الأحاديث الصحيحة مثل قوله:"أتاكم أهل اليمن أرق قلوبًا، وألين أفئدة، الإيمان يماني، والحكمة يمانية" وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الرّدة، وفتحوا الأمصار، فبهم نفّس الرحمن عن المؤمنين الكربات، ومن خصَّص ذلك بأويس القرني فقد أبعده" انتهى. انظر: فتاواه (6/

আল-জামি` আল-কামিল (133)