271 - عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"لما كانت اللّيلة التي أُسري بي فيها، أتَتْ عليَّ رائحةٌ طيّبةٌ، فقلت: يا جبريل ما هذه الرّائحة الطيّبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها. قال: قلت: وما شأنُها؟ قال: بينا هي تمشطُ ابنةَ فرعون ذات يومٍ إذْ سقطتِ المدرَي من يدها، فقالت: بسم اللَّه، فقالت لها ابنةُ فرعون: أبي؟ قالت: لا ولكن ربّي وربُّ أبيك اللَّه. قالت: أخبرُه بذلك؟ قالت: نعم، فأخبرتْه فدعاها، فقال: يا فلانة إنَّ لكِ ربًّا غيري؟ قالتْ: نعم، ربّي وربُّك اللَّه، فأمر ببقرة من نحاس فأُحْميت، ثم أمر بها أن تُلقى هي وأولادها فيها. قالت له: إنّ لي إليك حاجةً. قال: وما حاجتُك؟ قالت: أحبُّ أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا. قال: ذلك لك علينا من الحقّ. قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدًا واحدًا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضِع، كأنها تقاعستْ من أجله، قال: يا أمَّهْ اقتحمي، فإنّ عذاب الدّنيا أهونُ من عذاب الآخرة فاقتحمتْ". وفي رواية قالت:"ربّي وربُّك الذي في السّماء".

قال ابنُ عباس: تكلّم أربعةٌ صغار: عيسى ابن مريم عليه السلام، وصاحبُ جريج، وشاهد يوسف، وابنُ ماشطة ابنة فرعون.



وفي رواية: قال: والرّابع لا أحفظه.



صحيح: رواه الإمام أحمد (2821)، وأبو يعلى (2517)، والبزّار -كشف الأستار (54) -، والطبرانيّ في الكبير (11/ 451) كلّهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره، واللّفظ لأحمد.



ورواه الدّارميّ في"الرّد على الجهمية" (73)، وأبو يعلى، باللّفظ الثاني وهو:"ربّي وربُّك الذي في السّماء". ومن طريق أبي يعلى أخرجه الذهبيّ في"العلو" وحسّن إسناده.



وإسناده صحيح، عطاء بن السائب ثقة وثّقه الأئمة إلا أنه اختلط لكن حماد بن سلمة روى عنه قبل الاختلاط.



وصحّحه الحاكم (2/ 496) من هذا الوجه.



ولا بأس بالاستشهاد في هذا الباب بحديث جرير بن عبد اللَّه مرفوعًا:"من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء".



أخرجه الطبرانيّ في"الكبير" (2/ 406: 407)، وفي إسناده أبو إسحاق السّبيعيّ، وهو مدلس مختلط، ولم يصرّح بالسّماع.



وبحديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا:"من لم يرحم من في الأرض لم يرحمْه من في السّماء". رواه الطبرانيّ في"الكبير" (10/ 183)، وفي الصغير (1/ 101)، وأبو يعلى، والدارميّ في"الرّد على الجهميّة" (74) كلّهم من طريق أبي عبيدة، عن أبيه عبد اللَّه بن مسعود. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، ففيه انقطاع.



وفي الباب ما رُوي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"مَن اشتكى منكم شيئًا أو اشتكاه أخ فليقل: ربنا اللَّه الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمةٌ مِن رحمتك، وشفاءً من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ".



رواه أبو داود (3892)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (1037)، وابن عدي في الكامل (3/ 1054)، كلهم من حديث الليث، عن زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء فذكره.



وأخرجه الحاكم (1/ 342 - 344) من هذا الوجه، وقال:"احتج الشيخان بجميع رواة هذا الحديث، غير زيادة بن محمد، وهو شيخ من أهل مصر، قليل الحديث"، وتعقبه الذهبي فقال: قال البخاري وغيره:"منكر الحديث".

انظر للمزيد: كتاب الطب باب الرقية.



ما جاء عن الأئمة في صفة العلو:



قال الذّهبيّ في"العلو" (332):"وبلغنا عن أبي مطيع الحكم بن عبد اللَّه البلخيّ صاحب"الفقه الأكبر" قال:"سألتُ أبا حنيفة عمّن يقول: لا أعرفُ ربّي في السّماء أو في الأرض؟ فقال: قد كفر؛ لأنّ اللَّه يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [سورة طه: 5] وعرشه فوق سماواته. فقلتُ له: إنّه يقول: أقول على العرش استوى، ولكن قال: لا يدرى العرش في السماء أو في الأرض؟ فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر".



وقال أيضًا:"واللَّه تعالى يُدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأنّ الأسفل ليس وصف الرّبوبية والألوهية في شيء".



وقال مالك رحمه اللَّه تعالى:"اللَّه في السماء، وعلمه في كلّ مكان لا يخلو منه مكان"."العلو" (343).



وقد سُئل رحمه اللَّه تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ فأطرق مالكٌ وعلاه الرّحضاء (يعني العرق) وانتظر القومُ ما يجيء منه فيه، فرفع رأسه إليه وقال:"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأحبك رجل سَوء، وأمر به فأُخرج". ذكره ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص 38)، والبيهقي في الاعتقاد (ص 116).



وقال الشّافعي رحمه اللَّه تعالى:"القول في السّنة التي أنا عليها، ورأيتُ أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتُهم وأخذتُ عنهم: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمّدًا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأن اللَّه تعالى على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وأنّ اللَّه تعالى ينزل إلى السّماء الدّنيا كيف شاء".



ذكره الذهبيّ في"العلو" (404) نحوه أو قريبًا منه.



قال الحاكم: سمعتُ الأصمّ يقول: سمعتُ الرّبيع، سمعتُ الشافعيّ -وقد روى حديثًا- فقال له رجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد اللَّه؟ فقال:"إذا رويتُ حديثًا صحيحًا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلم آخذ به فأشهدكم أنّ عقلي قد ذهب"."العلو" (406).



قال عبد اللَّه بن أحمد: قيل لأبي:"ربنا تبارك وتعالى فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: نعم، لا يخلو شيء من علمه". اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم

وقال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [سورة الأعراف: 54، يونس: 3، الرعد: 2، الفرقان: 59، السجدة: 4، الحديد: 4].



ومعنى قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} علا على العرش.



قال ابن عباس:"الكرسيّ موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحدٌ قدره".



رواه الحاكم (2/ 282) وصحّحه وقال: على شرط الشيخين، وأورده الذهبي في"العلو" (148) وقال:"رواته ثقات".



ولما قبض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه:"أيُّها النّاس إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإنه قد مات، وإن كان إلهكم الذي في السماء فإنّ إلهكم حيٌّ لا يموت، ثم تلا: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [سورة آل عمران: 144]". رواه البزّار في البحر الزّخار (103) وقال الهيثميّ في"المجمع" (9/ 37 - 38):"رواه البزّار، ورجاله رجال الصّحيح غير علي بن المنذر وهو ثقة".



قلت: وقد تُوبع، فقد رواه الدّارميّ في"الرّد على الجهميّة" (78) عن عبد اللَّه بن أبي شيبة كلاهما -أعني علي بن المنذر، وعبد اللَّه بن أبي شيبة- عن محمد بن فضيل، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، عن أبي بكر، فذكره. واللفظ للدارميّ، ولفظ البزّار أطول.



وقال ابن خزيمة:"نحن نؤمن بخبر اللَّه -جلّ وعلا- أنّ خالقنا مستوٍ على عرشه، لا نبدّل كلام اللَّه، ولا نقول قولًا غير الذي قيل لنا، كما قالت الجهمية المعطّلة: إنّه استولى على عرشه لا استوى، فبدّلوا قولًا غير الذي قيل لهم، لفعل اليهود كما أُمروا أن يقولوا: حطّة، فقالوا: حنطة، مخالفين لأمر اللَّه جلّ وعلا، كذلك الجهمية". كتاب التوحيد (1/ 230).



وقال الحافظ الذهبيّ رحمه اللَّه تعالى في كتابه"العلو" (1/ 786 - 787):"ومما يدل على أن الباري تعالى عالٍ على الأشياء فوق عرشه المجيد غيرُ حالّ في الأمكنة، قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [سورة البقرة: 255]، وقال: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سورة سبأ: 23]، وقال: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [سورة الرعد: 9]، وقال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [سورة الأعلى: 1]. وقد أمرنا نبيُّنا أن نقول إذا سجدنا:"سبحان ربي الأعلى". وقال تعالى في وصف الشهداء: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [سورة آل عمران: 169]، وقالت امرأة فرعون: {رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [سورة التحريم: 11].



وفي الصّحيحين -كذا قال- (والصّواب عند أبي داود (3854)، وأحمد (12406): أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دعا لقوم فقال:"أكلَ طعامَكم الأبرار، وأفطر عندكم الصّائمون، وصلّت عليكم الملائكة، وذكركم اللَّه فيمن عنده".



قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [سورة الأعراف: 206]، وقال: {وَلَهُ

مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [سورة الأنبياء: 19].



وفي صحيح مسلم (430) من حديث جابر بن سمرة مرفوعًا:"ألا تصفُّون كما تصُفُّ الملائكةُ عند ربّهم، يتمّون الأوّل فالأوّل، ويتراصّون في الصّف".



وفي صحيح مسلم (2652) من طريق يزيد بن هرمز، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"احتج آدم وموسى عند ربِّهما" وذكر الحديث.



قلت: لقد تمّ تخريج جميع هذه الأحاديث التي أوردها الذهبي في مواضعها، وفي هذه الآيات والأحاديث دليل على اختصاص بعض المخلوقات بالعنديّة له سبحانه وتعالى، وفيه دليل على إثبات علوه سبحانه وتعالى، كما هو مستلزم لنفي وجود اللَّه في كل مكان، وعند جميع المخلوقات حسب ما يدّعيه الحلوليون وأصحاب وحدة الوجود.

আল-জামি` আল-কামিল (271)