290 - عن بريدة قال: سأل رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم جعفرًا حين قدم من الحبشة:"ما أعجبُ شيء رأيتَه؟". قال: رأيتُ امرأةً تحمل على رأسها مكتلًا من طعام، فمر فارس فركضه فأبذره، فجلست تجمع طعامها، ثم التفتتْ فقالت: ويلٌ لك، إذا وضع الملك تبارك وتعالى كرسيَّه فأخذ للمظلوم من الظالم، فقال رسول صلى الله عليه وسلم تصديقا لقولها:"لا قُدِّستْ أمّةٌ -أو كيف تقدّس أمّة- لا يأخذ ضعيفُها حقَّه من شديدها، وهو غير متعتع".



حسن: رواه البزار -كشف الأستار (1596) -، والبيهقي في الأسماء والصفات (860) كلاهما من طريق سعيد بن سليمان، عن منصور بن أبي الأسود، ثنا عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة (وهو سليمان)، عن أبيه بريدة بن الحصيب، فذكره.



قال البزّار:"لا نعلم له عن بريدة طريقًا غير هذا، تفرّد به منصور".



قلت: ليس كما قال، فقد رواه عمرو بن أبي قيس، عن عطاء بن السّائب، ومن طريقه رواه ابن أبي عاصم في السنة (582).



ولكن في الإسناد عطاء بن السّائب وهو مختلط، ومنصور بن أبي الأسود وعمرو بن أبي قيس ليسا ممن سمع منه قبل الاختلاط، ولكن الشّواهد تؤكّد أنّ عطاء بن السّائب لم يختلط في هذا الحديث، ولذا حسّنه ابنُ حجر وغيره.



وللجزء المرفوع شاهد من حديث أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"إنّ اللَّه لا يقدّس أمّة لا يأخذ الضّعيف حقّه من القويّ وهو غير متعتع".



أخرجه الحاكم في المستدرك (3/ 256) ولكن فيه شيخ لم يسم، قال الحاكم:"وقد سمّاه غندر (محمّد بن جعفر) غير أنه لم يذكر أبا سفيان في الإسناد". انتهى.



قلت: فهو إمّا منقطع أو مرسل.



وأما ما روي عن أبي هريرة، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي، فقال: يا أبا هريرة، إنّ اللَّه خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستّة أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والتُقْن يوم الثلاثاء، والنّور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النّهار بعد العصر، وخلق أديم الأرض، أحمرها وأسودها وطيّبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل اللَّه عز وجل من آدم الطيب

والخبيث". فهو غريب.



رواه النسائي في السنن الكبرى (11328) في سورة السجدة عن إبراهيم بن يعقوب، قال: حدثني محمد بن الصّباح، قال: حدثنا أبو عبيد الحدّاد، قال: حدثنا الأخضر بن عجلان، عن ابن جريج المكيّ، عن عطاء، عن أبي هريرة، فذكره.



وأورده الذهبي في"العلو" (205) عن النسائي وقال:"الأخضر وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وليّنه الأزديّ، وحديثه في السنن الأربعة. وهذا الحديث غريب من أفراده". انتهى.



قلت: وهو كما قال، وقد وثقه أيضًا النسائيّ، وذكره ابن حبان في"الثقات" (4/ 63).



ويشهد لمتنه ما رواه مسلم في"صحيحه" في صفات المنافقين (2789) من طرق عن حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد اللَّه بن رافع مولى أمّ سلمة، عن أبي هريرة، قال:"أخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يدي فقال:"خلق اللَّه عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشّجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدّواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر والليل".



ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (8341).



وقد عاب العلماءُ إخراج مسلم هذا الحديث في صحيحه؛ لأنه مخالف لصريح القرآن، لأن اللَّه يقول: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [سورة الأعراف: 54، يونس: 3، هود: 7، الفرقان: 59، السجدة: 4، ق: 38، الحديد: 4]، وقد ثبت أنّ آخر الخلق كان يوم الجمعة، فيلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد، ولو كان أول الخلق يوم السبت وآخره يوم الجمعة لكان قد خلقه في سبعة أيام، وهو خلاف ما أخبر به القرآن.



انظر: مجموع فتاوي شيخ الإسلام (17/ 235)، (18/ 18 - 19).



وقال ابن كثير في تفسيره بعد أن أورد الحديث من طريق مسلم:"هذا الحديث من غرائب صحيح مسلم"، وقد تكلّم عليه ابن المديني، والبخاريّ وغير واحد من الحفّاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنّما اشتبه على بعض الرّواة فجعلوه مرفوعًا".



وقال أيضًا:"وفيه استيعاب الأيام السبعة، واللَّه تعالى قال: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}، ولهذا تكلّم البخاريّ وغير واحد من الحفّاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعًا".



قلت: وهو ما ذكره البخاريّ في"التاريخ الكبير" (1/ 413 - 414) من طريق إسماعيل بن أمية، به ثم قال: وقال بعضهم عن أبي هريرة، عن كعب، وهو أصح".

ورواه البيهقي في"الأسماء والصفات" (812) من طريق مسلم وقال: قال ابن المديني:"وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا عن إبراهيم بن أبي يحيى. قلت (يعني البيهقي): وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الرّبذيّ عن أيوب بن خالد، إلّا أنّ موسى بن عبيدة ضعيف، وروي عن بكر بن الشرود، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سُليم، عن أيوب بن خالد، وإسناده ضعيف".



ويرى بعض أهل العلم أن هذا الحديث يشير إلى تدبير الأرض لا الخلق، ولكن يصادم هذا القول قوله تعالى في سورة فصلت: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} [فصلت: 9، 10] فجعل تدبير الأرض مع خلقها في أربعة أيام: الأحد والاثنين خلق الأرض، والثلاثاء والأربعاء تدبيرها، ثم قال: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ. . .} [فصلت: 12] أي: بقية اليومين من السنة، وهما: الخميس والجمعة.



هكذا تم خلْق السماوات والأرض وما فيهما في ستة أيام كما نص عليه القرآن في عدة آيات في كتاب اللَّه.

আল-জামি` আল-কামিল (290)