4402 - عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من صام الدَّهر ضُيِّقتْ عليه جهنْم هكذا" وعقد تسعين.



حسن: رواه أبو تميمة عن أبي موسى. واختلف عليه: فرواه الضحاك بن يسار عنه مرفوعًا.



رواه أبو داود الطيالسي (515) ومن طريقه البيهقي (4/ 300)، وابن حبان (3584)، وأحمد (19713)، والبزار -كشف الأستار (1041) - كلّهم من هذا الوجه.



وفي لفظ:"وقبض كفَّه".



والضّحاك بن يسار مختلف فيه، فقال ابن معين: يضعفه البصريون، وقال أبو حاتم: لا بأس به.



وخالفه قتادة، ولكن اختلف عليه أيضًا.



فرواه سعيد بن أبي عروبة عنه، عن أبي تميمة مرفوعًا.



ومن طريقه رواه النسائي كما في"التحفة" (1/ 422) ولم أجده في"الكبرى"، والبزار - كشف الأستار (1040) -، وابن خزيمة (2145، 2155) كلهم من طريق محمد بن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، به.



قال ابن خزيمة: لم يُسند هذا الخبر عن قتادة غير ابن أبي عدي، عن سعيد.



وهي متابعة قويّة للضحاك بن يسار، فإنّ سعيد بن أبي عروبة ثقة حافظ كما قال الحافظ في"التقريب":"وكان من أثبت الناس في قتادة".



ولا يضر تفرد محمد بن علي عن سعيد فإنه ثقة من رجال الجماعة.



ورواه شعبة عن قتادة موقوفًا على أبي موسي.



ومن طريقه رواه أبو داود الطيالسي (515)، وعنه البيهقي (4/ 300)، والإمام أحمد (19712) من وجهين عن وكيع، عن الضحاك كما مضى. وعن شعبة موقوفًا.



قال أبو داود:"لم برفعه شعبة ورفعه سعيد".



ولم يعتمد ابن خزيمة ولا ابن حبان على هذه الرواية كما أنّ البيهقي قدّم رواية الضحاك بن يسار على رواية شعبة عن قتادة. فمن الممكن أن يكون قتادة قد رواه على وجهين، فإنّ همام بن يحيى روى عن قتادة موقوفًا.

وروي عن أبان بن أبي عياش، عن أبي تميمة مرفوعًا. قال همام: فقلت له: فإنّ قتادة لم يرفعه؟ فقال: أبان أخبرني في بيتي مرفوعًا. رواه عبد بن حميد (563، 564).



ولكن أبان بن أبي عياش متروك الحديث كما قال الإمام أحمد.



ولكن الذين ذهبوا إلى ترجيح الوقف قالوا: حكمه الرفع لأن فيه إخبارًا عن الغيبيات. فرجع الأمر إلى ترجيح المرفوع، وإن كان الوقف أقوى سندًا، ولكن الرفع فيه زيادة علم، كما أن مثله لا يقال بالرّأي.



وأما معنى الحديث فنقل ابن خزيمة عن المزني معني غريبًا مخالفًا لما يدل عليه الحديث من كراهية صوم الدّهر، فقال: الله أن يكون معناه: أي ضيقت عنه جهنم فلا يدخل جهنم، ولا يشبه أن يكون معناه غير هذا؛ لأنّ من ازداد الله عملًا وطاعة ازداد عند الله رفعة، وعليه كرامة وإليه قربة".



وقد ردّه ابن حزم بقوله:"وهذه لكنة وكذب. أما اللكنة، فإنه لو أراد هذا لقال:"ضيقت عنه"، ولم يقل:"عليه".



وأما الكذب، فإنما أورده رواته كلّهم على التشديد والنهي عن صومه".



والمعنى الصحيح أنّ جهنّم تضيّق عليه، كما قال الحافظ في"الفتح" (4/ 222):"حصرًا له فيها لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واعتقاده أن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد، فيكون حرامًا".



وفي الباب ما رُوي عن أسماء بنت يزيد، قالت: أُتي النبيّ صلى الله عليه وسلم بشراب، فدار على القوم، وفيهم رجل صائم، فلما بلغه قال له:"اشرب، فقيل: يا رسول الله، إنه ليس يُفطر - أو يصوم الدّهر-، فقال يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا صام من صام الأبد".



رواه الإمام أحمد (27576)، والطبراني في"الكبير" (24/ 179) كلاهما من حديث حسن بن موسي، قال: حدّثنا شيبان، عن ليث، عن شهر، عن أسماء بنت يزيد، فذكرته.



وليث هو ابن أبي سليم سيء الحفظ، اختلط في آخره فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم.



ولعل هذا منها فإنّ أحدًا من الثقات لم يرو هذا الحديث عن أسماء بنت يزيد، وهي أنصارية أوسية، شهدت اليرموك، وقتلت يومئذ تسعة من الروم، وعاشت بعد ذلك دهرًا.



وترجمها ابن عبد البر في"الاستيعاب":"أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، أحد نساء بني عبد الأشهل، وهي من المبايعات وهي ابنة عمة معاذ بن جبل، نكني أم سلمة، وقيل: أمّ عامر، كانت من ذوات العقل والذين". وشهر هو ابن حوشب، وفيه كلام معروف.



وقوله:"لا صام ولا أفطر" أي لم يصم ولم يفطر، كقوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} [القيامة: 31] أي لم يصدق ولم يصل، أي لم يحصل له أجر الصوم لمخالفة هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يفطر أي

لم يتمتع بالإفطار لإمساكه عن الطعام والشراب. وقد يحتمل أن يكون معناه: الدعاء عليه كراهية لصنيعه، وزجرًا له عن ذلك، ويشبه أن يكون الذي نهى عنه من صوم الدهر هو أن يسرد الصيام أيام السنة كلّها، لا يفطر فيها الأيام المنهي عن صيامها. قاله الخطابيّ.



ولكن الذي يتبادر إلى الذهن أن السائل سال عن صيام الدّهر غير الصيام المنهي عنه، فكان الجواب من النبيّ صلى الله عليه وسلم:"لا صام ولا أفطر" أي ليس لعمله هذا ثواب بخلاف صيام المنهي عنه فإن عليه العقاب.



ثم تفضيل النبيّ صلى الله عليه وسلم صيام داود عليه السلام وهو صيام يوم وإفطار يوم دليل واضح على كراهية سرد الصيام طول الدهر، فلا يمح من ذهب إلى أن من أفطر أيام المنهي عنها من الصيام، ثم صام بقية الأيام طول الدهر فلا حرج فيه.



بل نقول: لا يزال في حرج للنهي العام عن صيام الدّهر.



وقد ذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وإسحاق، وأهل الحديث، وأهل الظاهر إلى كراهية صوم الدّهر متمسكين بظاهر هذه الأحاديث.



وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح -كما قال الحافظ في الفتح (4/ 222) - عن عمرو الشيباني، قال: بلغ عمر أن رجلا يصوم الدهر، فأتاه فعلاه بالدّرة، وجعل يقول:"كلْ يا دهريّ".



ومن طريق أبي إسحاق أن عبد الرحمن بن أبي نعيم كان يصوم الدهر، فقال عمرو بن ميمون: لو رأى هذا أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم لرجموه".



وفي الباب ما رُوي عن عبيد الله بن مسلم القرشيّ، عن أبيه، قال: سألت. أو سُئل -النبيّ صلى الله عليه وسلم عن صيام الدّهر؟ فقال:"إنّ لأهلك عليك حقًّا، صمْ رمضان والذي يليه، وكلّ أربعاء وخميس، فإذا أنت قد صمت الدّهر".



رواه أبو داود (2432)، والترمذيّ (748) كلاهما من حديث عبيد الله بن موسى، أخبرنا هارون ابن سلمان، عن عبد الله بن مسلم، عن أبيه، قال: فذكر الحديث.



قال الترمذي:"حديث مسلم القرشي حديث غريب، وروى بعضهم عن هارون بن سلمان، عن مسلم بن عبيد الله، عن أبيه".



وعبيد الله بن مسلم القرشي أو مسلم بن عبيد الله القرشي. قال الحافظ: وهو الأشهر، كذا في التقريب. وكذلك رجع البغوي وغير واحد أنه مسلم بن عبيد الله كذا في"التهذيب". وذكره ابن حبان في"الثقات" ولم يرو عنه غير هارون بن سلمان فهو في عداد المجهولين.



وفي"الإصابة":"مسلم بن عبيد الله القرشي، وقيل: عبيد الله بن مسلم، وقيل: إنه مسلم بن مسلم حديثه في صيام الدهر يدور على هارون بن سلمان الفراء".



قوله:"والذي يليه" يدخل فيه شوال كله، أو لعله يقصد به ستًا من شوال كما جاء في الأحاديث

الأخرى. ففي الصورة الأولى يزيد على الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها.



وفي الصورة الثانية يكون الدهر، ولكن إذا ضم إليه صوم الأربعاء والخميس يزيد الدهر أيضًا، فلا يستقيم معنى الحديث في الصورتين.

আল-জামি` আল-কামিল (4402)