5592 - عن أبي الجوزاء قال: سمعت ابن عباس يفتي بالصرف. قال: فأفتيت به زمانا. قال: ثم لقيته، فرجع عنه. قال: فقلت له: ولم؟ فقال: إنما هو رأي رأيته. حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نهى عنه.



صحيح: رواه الإمام أحمد (11447) عن وكيع، حدّثنا سليمان بن علي الربعي قال: سمعت أبا الجوزاء فذكره.



ورواه أيضًا (11479) عن يزيد بن هارون، أخبرنا سليمان بن علي الربعي بإسناده، وجاء فيه: سألت ابن عباس عن الصرف يدا بيد، فقال: لا بأس بذلك، اثنين بواحد، أكثر من ذلك وأقل. قال: ثم حججت مرة أخرى، والشيخ حي، فأتيته، فسألته عن الصرف، فقال: وزنا بوزن. قال: فقلت: إنك قد أفتيتني اثنين بواحد، فلم أزل أفتي به منذ أفتيتني. فقال: إن ذلك كان عن رأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يحدث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فتركت رأيي إلى حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.



وإسناده صحيح.



ورواه ابن ماجه (2258) من وجه آخر عن حماد بن زيد، عن سليمان بن علي الربعي بإسناده نحوه.



ورواه البيهقي (5/ 282) من وجه آخر عن معروف بن سعد أنه سمع أبا الجوزاء يقول: كنت أخدم ابن عباس تسع سنين، إذ جاءه رجل، فسأله عن درهم بدرهمين، فصاح ابن عباس، وقال: إن هذا يأمرني أن أطعمه الربا، فقال ناس حوله: إن لنعمل هذا بفتياك. فقال ابن عباس: قد كنت أفتي بذلك، حتى حدثني أبو سعيد، وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، فأنا أنهاكم عنه.

وقد ثبت رجوع ابن عباس، وابن عمر عن الصرف -وهو جواز الزيادة مع اتحاد الجنس إذا كان بدا بيد- حين بلغهما حديث أبي سعيد الخدري، كما مضى، وكما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي نضرة قال: فأتيت ابن عمر بعد، فنهاني. ولم آت ابن عباس، قال: فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه بمكة، فكرهه.



وكذا روى الحاكم (2/ 42 - 43) من طريق حيان العدوي قال: سألت أبا مجلز عن الصرف، فقال: كان ابن عباس رضي الله عنهما لا يرى به بأسا زمانا من عمره ما كان منه عينا بعين -يعني يدا بيد-، فكان يقول: إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد الخدري، فقال له: يا ابن عباس، ألا تتقي اللَّه! إلى متى توكل النّاس الربا؟ أما بلغك أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم - وهو عند زوجته أم سلمة:"إني لأشتهي تمر عجوة". فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار، فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة، فقامت، وقدمته إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلما رآه أعجبه، فتناول تمرة، ثم أمسك، فقال:"من أين لكم هذا؟" فقالت أم سلمة: بعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار، فأتانا بدل صاعين هذا الصاع الواحد، وها هو كل. فألقى التمرة بين يديه، فقال:"ردوه، لا حاجة لي فيه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة يدا بيد عينا بعين مثلا بمثل، فمن زاد فهو ربا". ثم قال:"كذلك ما يكال، ويوزن أيضًا".



فقال ابن عباس:"جزاك اللَّه يا أبا سعيد الجنّة؛ فإنك ذكرتني أمرا كنت نسيته، أستغفر اللَّه، وأتوب إليه. فكان ينهى عنه بعد ذلك أشد النهي".



قال الحاكم:"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة".



وقال الذهبي في تلخيص المستدرك:"حيان فيه ضعف، وليس بحجة". انتهى.



وحيان هو ابن عبيد اللَّه، أبو زهير، شيخ بصري. قال البخاري: ذكر الصلت عنه الاختلاط. وروى عنه مسلم، وموسى التبوذكي، وذكره ابن عدي في الضعفاء. انظر"الميزان" (1/ 623). وقال أبو حاتم:"صدوق".



ويبدو أن ابن عباس كان يفتي برأيه، ولم يسمع شيئًا في ذلك عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقد اعترف هو بذلك أيضًا.



أخرج الحاكم (2/ 19)، والطبراني في الكبير (19/ 268 - 269) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير المكي قال: سمعت أبا سعيد المساعدي، وابن عباس يفتي: الدينار بالدينارين. فقال له أبو أسيد الساعدي، وأغلظ له. قال: فقال ابن عباس: ما كنت أظن أن أحدا يعرف قرابتي من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول لي مثل هذا يا أبا أسيد. فقال أبو أسيد: أشهد لسمعت من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:"الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، وصاع حنطة بصاع حنطة، وصاع شعير بصاع شعير، وصاع ملح بصاع ملح لا فضل بينهما في شيء من ذلك". فقال ابن عباس: إنما هذا شيء كنت

أقوله، ولم أسمع فيه بشيء.



قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه السياقة، وعتيق بن يعقوب شيخ قرشي من أهل المدينة".



فلما بلغه حديث أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت، وغيرهما رجع عما كان يفتي به.



وروى ذلك أيضًا الحازمي في كتابه"الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار" (ص 166 - 167) عن أبي سعيد الرقاشي قال: إن عكرمة مولى ابن عباس قدم البصرة، فجلسنا إليه في المسجد الجامع، فقال: ألا تنهون شيخكم هذا -يعني الحسن بن أبي الحسن- يزعم أن ما تبايع به المسلمون يدا بيد، الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، والزيادة فيه حرام، فأنا أشهد أن ابن عباس أحله. فقال أبو سعيد الرقاشي: فقلت: ويحك! أما تعلم أني كنت جالسا عند رأسه، وأنت عند رجليه، فجاءه رجل، فقال: عليك. فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أردت أن أسأل ابن عباس عن الذهب بالذهب، فقلت: اذهب؛ فإنه يزعم أنه لا بأس به، فكشف عمامته عن وجهه، ثم جلس ابن عباس، فقال:"أستغفر اللَّه، واللَّه ما كنت أرى إلا أن ما تبايع به المسلمون من شيء يدا بيد إلا حلالا، حتى سمعت عبد اللَّه بن عمر، وعمر بن الخطاب حفظا من ذلك عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما لم أحفظ، فأستغفر اللَّه".



وأما ما روي عن سعيد بن جبير أنه لم يرجع عن قوله في الصرف حتى مات. فهو ضعيف مخالف لما ثبت من رجوعه عن الصرف، فلا يلتفت إليه.



وأما حديث أسامة"لا ربا إلا في النسيئة" فبعد صحة إسناده إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لكونه في الصحيحين لا بد من تأويله؛ لأن المسلمين أجمعوا على ترك العمل بظاهره.



فمن جملة تأويلاته ما قاله الإمام الشافعي: قد يكون أسامة بن زيد سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يسأل عن الصنفين المخلفين مثل الذهب بالورق، والتمر بالحنطة، أو ما اختلف جنسه متفاضلا يدا بيد، فقال:"إنما الربا في النسيئة". أو تكون المسألة سبقته بهذا فأدرك الجواب، ولم يحفظ المسألة أو شك فيها. انظر"الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار" (ص 166).



ومنها أن حديث أسامة مجمل، وحديث عبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري وغيرهما مبين، فوجب العمل بالمبين، وتنزيل المجمل عليه. هذا جواب الشافعي رحمه الله أيضًا. انظر شرح النووي على مسلم (11/ 25).



وفي الموضوع تفاصيل أخرى، ذكرتها في"كتاب المدخل إلى السنن الكبرى" (1/ 4 - 9)، وكذلك في"المنة الكبرى" (5/ 41 - 59)، فإني ذكرت فيها كثيرا من التفاصيل عن الربا.

আল-জামি` আল-কামিল (5592)