القسم الأول: إضافة الصفة إلى الموصوف:
كقوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء مِنْ علمه} [البقرة الآية: 255].
وقوله: {إن الله هو الرَّزَّاق ذو القوَّة} [الذاريات الآية: 58].
فهذا القسم يثبته أهل السنة والكلابية، وينكره المعتزلة.
والقسم الثاني: إضافة المخلوق.
كقوله تعالى: {ناقة الله وسقياها} [الشمس الآية: 13].
وقوله تعالى: {وطهر بيتي للطائفين} [الحج الآية: 26].
وهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق.
والقسم الثالث: ما فيه معنى الصفة والفعل.
كقوله تعالى: {وكلَّم الله موسى تكليما} [النساء الآية: 164].
وقوله تعالى: {إن الله يحكم ما يريد} [المائدة الآية: 1].
وقوله تعالى: {فَبَاءُوا بغضب على غضب} [البقرة. الآية: 90].
فهذا القسم الثالث لا يثبته الكلابية ومن وافقهم على زعم أن الحوادث لا تحل بذاته. فهو على هذا يلحق عندهم بأحد القسمين قبله فيكون:
1 - إما قديماً قائماً به.
2 - وإما مخلوقاً منفصلاً عنه.
ويمتنع عندهم أن يقوم به نعت أو حال أو فعل ليس بقديم ويسمون هذه المسألة: ((مسألة حلول الحوادث بذاته))(1) وذلك مثل صفات الكلام، والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول والإتيان، وغيرها. وبالتالي هم يؤولون النصوص الواردة في ذلك على أحد الوجوه التالية:
الأول: إرجاعها إلى الصفات الذاتية واعتبارها منها، فيجعلون جميع تلك الصفات قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه وإتيانه، وفرحه، وغضبه، ورضاه،--------------------------------------------
(1) - مجموع الفتاوى 6/ 144، 147.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)
ونحو ذلك: قديم أزلي(1) وهذه الصفات جميعها صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره.(2)
الثاني: وإما أن يجعلوها من باب «النسب» و «الإضافة» المحضة بمعنى أن الله خلق العرش بصفة تحت فصار مستوياً عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائياً إليهم ونحو ذلك. وأن التكليم إسماع المخاطب فقط.(3)
فهذه الأمور من صفات الفعل منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به. ولهذا يقول كثير منهم: "إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات.(4)
الثالث: أو يجعلوها «أفعالاً محضة» في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة.(5)
مثل قولهم في الاستواء إنه فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قرباً فيصير مستوياً عليه من غير أن يقوم بالله فعل اختياري.(6)
وكقولهم في النزول إنه يخلق أعراضاً في بعض المخلوقات يسميها نزولاً.(7)
الأمر الثاني: بيان اضطراب الصفاتية في باب الصفات.
ويحسن إعطاء نبذة عن اضطراب قول هؤلاء الصفاتية في باب الصفات.
قال ابن تيمية: "أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب البصري، وأبو الحسن--------------------------------------------
(1) - مجموع الفتاوى 5/ 412.
(2) - مجموع الفتاوى 5/ 410.
(3) - مجموع الفتاوى 6/ 149.
(4) - مجموع الفتاوى 5/ 411، 412.
(5) - مجموع الفتاوى 6/ 149.
(6) - مجموع الفتاوى 5/ 437، الأسماء والصفات للبيهقي ص 517.
(7) - مجموع الفتاوى 5/ 386.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)
الأشعري كانا يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول السنة. ولكن لتقصيرهما في علم السنة وتسليمهما للمعتزلة أصولاً فاسدة، صار في مواضع من قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالفا به السنة، وإن كانا لم يوافقا المعتزلة مطلقاً"(1).
وقال أيضاً: "والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض وتركيب الأجسام، وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها، وأمثال ذلك"(2).
وقد مرت الأشعرية بأطوار ومراحل كان أولها زيادة المادة الكلامية، ثم الجنوح الكبير للمادة الاعتزالية، ثم خلط هذه العقيدة بالمادة الفلسفية.
فالأشعرية المتأخرة مالوا إلى نوع التجهم بل الفلسفة وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه(3).
فقدماء الأشاعرة يثبتون الصفات الخبرية بالجملة، كأبي الحسن الأشعري وأبي عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسن الباهلي والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء(4).
لكن المتأخرين من أتباع أبي الحسن الأشعري كأبي المعالي الجويني وغيره لا يثبتون إلا الصفات العقلية، وأما الخبرية فمنهم من ينفيها ومنهم من يتوقف فيها كالرازي والآمدي وغيرهما.--------------------------------------------
(1) الاستقامة (1/ 212).
(2) درء تعارض العقل والنقل (7/ 97).
(3) درء تعارض العقل والنقل (7/ 97).
(4) مجموع الفتاوى (4/ 147، 148).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)
ونفاة الصفات الخبرية منهم:
• من يتأول نصوصها.
• ومنهم من يفوض معناها إلى الله تعالى.
وأما من أثبتها كالأشعري وأئمة أصحابه. فهؤلاء يقولون: تأويلها بما يقتضي نفيها تأويل باطل، فلا يكتفون بالتفويض بل يبطلون تأويلات النفاة(1).
وهذا الاضطراب في العقيدة الأشعرية بين المتقدمين والمتأخرين سببه ما أسلفنا من ميل الأشاعرة بأشعريتهم إلى الاعتزال أكثر فأكثر بل إنهم خلطوا معها الفلسفة.
وأما عن تأثر الأشعرية بالمعتزلة في قولهم في الصفات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالأشعرية وافق بعضهم المعتزلة في الصفات الخبرية، وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية، وأما الصفات القرآنية فلهم قولان:
فالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها، وبعضهم يقر ببعضها؛ وفيهم تجهم من جهة أخرى.
فإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة، ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم.
وابن الباقلاني أكثر إثباتاً بعد الأشعري، وبعد ابن الباقلاني ابن فورك، فإنه أثبت بعض ما في القرآن.
وأما الجويني ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة فإن أبا المعالي كان--------------------------------------------
(1) منهاج السنة (2/ 223، 224).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)
كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين(1).
فما إن جاء أبوبكر الباقلاني (ت 403 هـ)، فتصدى للإمامة في تلك الطريقة وهذبها ووضع لها المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وجعل هذه القواعد تبعاً للعقائد الإيمانية من حيث وجوب الإيمان بها(2) وأسهم إلى حد كبير في تنظير المذهب الأشعري الكلامي وتنظيمه مما أدى إلى تشابه منهجي بين المذهب الأشعري والمذهب المعتزلي فقد كان الأشعري يجعل النص هو الأساس والعقل عنده تابع، أما الباقلاني فالعقيدة كلها بجميع مسائلها تدخل في نطاق العقل(3) ويعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري(4).
ثم جاء بعده إمام الحرمين الجويني (ت 478 هـ) فاستخدم الأقيسة المنطقية في تأييد هذه العقيدة، وخالف الباقلاني في كثير من القواعد التي وضعها. وإن كان الجويني قد استفاد أكثر مادته الكلامية من كلام الباقلاني، لكنه مزج أشعريته بشيء من الاعتزال استمده من كلام أبي هاشم الجبائي المعتزلي على مختارات له، وبذلك خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة.
وأما كلام أبي الحسن الأشعري فلم يكن يستمد منه، وإنما ينقل كلامه مما يحكيه عنه الناس(5) وعلى طريقة الجويني اعتمد المتأخرون من الأشاعرة، كالغزالي (ت 505 هـ) وابن الخطيب الرازي (ت 606 هـ) وخلطوا مع المادة الاعتزالية التي أدخلها الجويني مادة فلسفية، وبذلك ازدادت الأشعرية بعداً وانحرافاً.--------------------------------------------
(1) منهاج السنة (2/ 223، 224).
(2) مقدمة ابن خلدون (ص 465)، ط: مصطفى محمد.
(3) مقدمة التمهيد للباقلاني (ص 15)، بتحقيق الخضيري وأبو ريدة.
(4) نشأة الأشعرية وتطورها (ص 320).
(5) بغية المرتاد (ص 448، 451)، بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 466)
فالغزالي مادته الكلامية من كلام شيخه الجويني في "الإرشاد" و"الشامل" ونحوهما مضموماً إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني. ومادته الفلسفية من كلام ابن سينا، ولهذا يقال أبو حامد أمرضه "الشفا"، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك.
وأما الرازي فمادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي، وله مادة اعتزالية قوية من كلام أبي الحسين البصري (ت 436 هـ)، وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني ونحوهما(1).
والأشعرية الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام وجبرية في باب القدر، وأما الصفات فليسوا جهمية محضة بل فيهم نوع من التجهم، ولا يرون الخروج على الأئمة بالسيف موافقة لأهل الحديث وهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى أهل السنة والحديث(2).
الأمر الثالث: بيان تناقض الصفاتية في النفي.
فأما التناقض في النفي: فإنهم يقولون بالتفويض أو التأويل المخالف لمقتضى النص، فيقال لهم: لم أولتم هذا وأقررتم هذا؟ فإنهم لا يجدون جوابًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية-موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:
أحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.
والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في--------------------------------------------
(1) بغية المرتاد (ص 448)، بتصرف.
(2) مجموع الفتاوى (6/ 55).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 467)
"الرسالة النظامية" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب.
ثم هؤلاء:
• منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات.
• ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي).(1)
ويقول ابن أبي العز: «ولا شكَّ أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا عن سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن عقلهم دلَّهم عليه»(2).
الأمر الرابع: تناقضهم في الإثبات.
فقول المصنف: "وكذلك تناقضهم في الإثبات، فإن من تأوّل النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها، فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر، لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه، فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب، كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط. ولو فسَّر ذلك بمفعولاته- وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب- فإنّه يلزمه في ذلك نظير ما فرّ منه، فإن الفعل المعقول لا بدّ أن يقوم أولا بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقب، فهم إن أثبتوا الفعل--------------------------------------------
(1) -درء تعارض العقل والنقل 5/ 249.
(2) -شرح العقيدة الطحاوية ص 115.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 468)
على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثّلوا، وإن أثبتوه على خلاف ذلك، فكذلك سائر الصفات".
وأما التناقض في الإثبات: فالذين سلكوا مسلك التأويل للصفات تنوع تأويلهم وانقسم إلى أقسام:
ومعلوم أن قدماء الأشاعرة والكلابية كانوا يُفَوِّضون، وهكذا تبعهم بعض المتأخرين فسكتوا عن هذه الصفات، وأقوالهم متعددة:
فتارة يقولون: الله أعلم بمراده منها، وإن كانوا في نفس الأمر لا يُثبتونها، لكنهم لا يحدِّدون معنًى لتلك الصفات.
وتارةً يقولون: هي صفات ذات لا صفات فعل.
وبخاصةً في صفات الأفعال ينكرون كونها صفة فِعل، على قول بعضهم: إن الحوادث لا تَحل بذات الله تعالى، فبالتالي لا يُثبتون أيَّ صفة من صفات الأفعال.
وتارةً يقولون: هذه الصفات إنما هي فِعل يفعله الله في الشيء، فمثلًا قالوا في الاستواء: الاستواء هو فِعل يفعله الله في العرش(1)؛ فينفون كون الاستواء صفةً لله تعالى. فطرقهم في التأويل متعددة.
وقد ناقش المصنف قسمين من هؤلاء:
فالذين ينكرون صفات الأفعال ويؤولها فإن منهم
القسم الأول: من يؤولها على أنها صفات ذات لا صفات فعل.
وهم المقصودون بقول المصنف: "فإن من تأوّل النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها".
فمن أرجع معاني تلك الصفات التي نفاها إلى معاني الصفات التي يثبتها، أي أنه--------------------------------------------
(1) انظر: «شرح حديث النزول» لابن تيمية (ص 58).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 469)
أرجعها إلى الصفات الذاتية بناء على إنكاره للصفات الفعلية.
وأعطى مثالًا على ذلك بتأويل "محبته ورضاه وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب" فهذا نوع من التأويل حيث أرجع معنى صفة المحبة والرضا والغضب والسخط إلى صفة الإرادة، إذ من المعلوم أن صفة الإرادة هي من الصفات الذاتية التي يثبتها هؤلاء.
فكان جواب المصنف: "كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط".
فإنه يقال لهم: تأويل النصوص على معنى من المعاني التي يثبتونها، فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر، لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه.
فإذا قال قائل: تأويل محبته هي إرادته سبحانه للثواب.
فيقال له: يلزمك أن تؤول الإرادة أيضًا، وإلا فما الفرق بين الإرادة وغيرها من الصفات.
القسم الثاني: من يقول هذه الصفات إنما هي فِعل يفعله الله في الشيء.
وهم المقصودون بقول المصنف: "ولو فسَّر ذلك بمفعولاته- وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب-".
فمثلًا قالوا في الاستواء: الاستواء هو فِعل يفعله الله في العرش(1)؛ فينفون كون الاستواء صفةً لله تعالى.
وأولوا كل ما ورد في النصوص من الأفعال اللازمة فقالوا في المحبة هي ما--------------------------------------------
(1) انظر: «شرح حديث النزول» لابن تيمية (ص 58).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 470)
يخلقه الله تعالى من الثواب.
والرحمة ليست أمراً يقوم بذات الله عز وجل وإنما خلق مباين يخلقه في خلقه والسخط أمر ضار يخلقه في خلقه وكذلك الرضا، وحتى إذا وجدتهم يتأولون الضحك في النصوص بالرحمة فلا تظنن أنهم يريدون الرحمة التي يفهمها كل مسلم من أن الله عز وجل تقوم به صفة اسمها الرحمة ثم لها آثار في خلقه بل لا يريدون إلا أنه يخلق خلقاً في عبيده اسمه رحمة فحسب.
فأجاب المصنف عن هذا النوع من التأويل بقوله: "فإنّه يلزمه في ذلك نظير ما فرّ منه، فإن الفعل المعقول لا بدّ أن يقوم أولا بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقب، فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثّلوا، وإن أثبتوه على خلاف ذلك، فكذلك سائر الصفات"
وكذلك لو فسرت المحبة-مثلًا-بالمفعولات، وهي ما يخلقه الله تعالى من الثواب، فإنه يلزمه نظير ما فر منه، فإن الفعل المعقول لا بدّ أن يقوم أولًا بالفاعل، والثواب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه المثيب.
فالأفعال المنسوبة لله عز وجل على نوعين
النوع الأول: فعل متعدي مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتعذيب والإثابة وهذا الضرب من الأفعال لم ينازع أحد في إثباته لله عز وجل لا الجهمية ولا المعتزلة ولا الكلابية ولا الأشعرية ولا الماتردية ولا أهل الحديث وإنما نازع المعتزلة في خلق أفعال العباد لا ذواتهم
النوع الثاني: فعل لازم يقوم بالذات مبدئيًا وإن كان له أثر على المخلوقات فيما بعد مثل الكلام والرضا والسخط والمحبة والمجيء والنزول والاستواء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 471)
وقد استدل عليهم أهل السنة بآيات من القرآن وأخبار من السنة تفرق بين الفعل المتعدي واللازم وتنسب ذلك كله لله عز وجل مثل قوله تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)] يس: 82].
فقوله: (يقول له كن) هذا الفعل اللازم.
وقوله: (فيكون) هذا الفعل المتعدي.
وقوله تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)] الأعراف: 54].
فقوله: (الخلق) الفعل المتعدي.
وقوله: (الأمر) الفعل اللازم المتعلق بالمشيئة.
فالله يكلم عبيده بكلام يسمعونه منه أو يسمعونه ممن سمعه منه وأولئك رسله.
وأيضاً استدلوا بمثل قوله تعالى (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ)] الزخرف: 55].
فقوله: (آسفونا) ومعناه: أغضبونا، وهذا هو الفعل اللازم.
وقوله: (انتقمنا منهم) هذا هو الفعل المتعدي
ثم إنك تجد كلام السلف واضحاً في إثبات النوعين قال البخاري في خلق أفعال العباد: وقال الفضيل بن عياض: إذا قال لك جهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: "أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء".
وقول الفضيل "يفعل ما يشاء" لا يريد به إلا الفعل اللازم وإلا فالجهمي وكل المنتسبين للملة لا ينكرون الفعل المتعدي، ولو أظهر السلف تفسير الفعل اللازم بالفعل بالمتعدي لانتهى أمرهم مع الجهمية إلى وئام.
وقد سمى بعض السلف الفعل المتعدي (حركة) مثل الدارمي وحرب
واستدلوا عليهم بالمعقول وأن الناس لا يعرفون فعلاً متعدياً دون فعل لازم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 472)
وهذا ظاهر النصوص القطعي قال ابن تيمية: "والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله، إذ كان لا بد له من الفاعل.
وهذا معلوم سمعاً وعقلاً.
أما السمع: فإن أهل اللغة العربية التي نزل بها القرآن، بل وغيرها من اللغات، متفقون على أن الإنسان إذا قال: (قام فلان وقعد) وقال: (أكل فلان الطعام وشرب الشراب) فإنه لا بد أن يكون في الفعل المتعدي إلى المفعول به ما في الفعل اللازم وزيادة، إذ كلتا الجملتين فعلية، وكلاهما فيه فعل وفاعل، والثانية امتازت بزيادة المفعول، فكما أنه في الفعل اللازم معنا فعل وفاعل ففي الجملة المتعدية معنا أيضاً فعل وفاعل وزيادة مفعول به.
ولو قال قائل: الجملة الثانية ليس فيها فعل قائم بالفاعل، كما في الجملة الأولى، بل الفعل الذي هو (أكل) و (شرب) نصب المفعول - من غير تعلق بالفاعل أولاً - لكان كلامه معلوم الفساد، بل يقال: هذا الفعل تعلق بالفاعل أولاً، كتعلق (قام وقعد)، ثم تعدى إلى المفعول، ففيه ما في الفعل اللازم وزيادة التعدي، وهذا واضح لا يتنازع فيه اثنان من أهل اللسان"(1) (وبسط الشيخ الكلام بما يحسن مراجعته).
وهذا النوع هو الذي نازع فيه الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشعرية ومن تأثر بهم من المنتسبين إلى المذاهب الأربعة وفيهم حنابلة لشبهة كلامية اسمها امتناع حلول الحوادث وملخصها "ما حلت به الحوادث لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث".
وملخص الجواب عليها: أن الله عز وجل باتفاق الجميع لا أول له، وجنس أفعاله لا أول له، وكل فعل من أفعاله التي تسمونها حوادث له بداية ونهاية، وحكم الأفراد لا يلزم الجنس، فجنس أحقاب عذاب أهل النار مثلاً لا نهاية لها وكل حقب له بداية--------------------------------------------
(1) درء التعارض 2/ 3 - 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 473)
ونهاية؛ وكذلك جنس أكل أهل الجنة لا نهاية له، وكل أكلة لها بداية ونهاية؛ ومن يعتقد أنه لا بد أن يكون أحد الأفراد مشاركاً للجنس بوصفه فقط غلط ونازع ضرورة المعقول وهذان المثالان أمامك يقر بهما جماهير العقلاء.
وعليه فالقول وما لم تخل منه الحوادث فهو حادث لاستحالة الجمع بين القدم والحدوث، قول باطل إنما يلزم من له بداية، وأما الأول الذي لا بداية له وجنس أفعاله لا بداية له فلا يلزمه شيء من ذلك"
والنزاع في هذه المسألة هو أساس الخلاف في أمر القرآن هل مخلوق أم لا؟ فالذين قالوا هو مخلوق ما قالوا ذلك إلا لأنهم ينكرون أن الله عز وجل يتكلم بما شاء متى شاء فهذا عندهم حلول حوادث ففسروا الكلام على أصلهم في إحالة الأفعال اللازمة إلى الأفعال المتعدية بأنه خلق من خلق الله أسماه كلاماً ولهذا لا يصلح الخوض في مسألة القرآن قبل تحرير هذه المسألة فالقوم دائماً يغالطون بشبهات فرعية كما في حديثهم على صفة النزول مثلاً والواقع أنهم ينكرون أن يفعل الله ما شاء متى شاء"(1).
وبين شيخ الإسلام ابن تيمية خطورة هذه المقولة وضررها فقال: "ومن أعظم أصول التفريق بينهم في هذه المسألة-مسألة أفعال الله تعالى وكلام الله ونحوه ذلك مما يقوم بنفسه ويتعلق بمشيئته وقدرته-فإن هذا الأصل لما أنكره من أنكره من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة ونحوهم وظنوا أنه لا يمكن إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع إلا إثبات حدوث الجسم ولا يمكن إثبات حدوثه إلا بإثبات حدوث ما يقوم به من الصفات والأفعال المتعاقبة ألجأهم ذلك إلى أن ينفوا عن الله صفاته وأفعاله القائمة به المتعلقة بمشيئته وقدرته أو ينفوا بعض ذلك وظنوا أن--------------------------------------------
(1) المصدر: الصفحة التابعة لقناة أبي جعفر عبد الله الخليفي على التليجرام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 474)
الإسلام لا يقوم إلا بهذا النفي وأن الدهرية من الفلاسفة وغيرهم لا يبطل قولهم إلا بهذا الطريق وأخطأوا في هذا وهذا
أما الفلاسفة الدهرية فإن هذه الطريقة زادتهم إغراء وأوجبت لهم حجة عجز هؤلاء عن دفعها إلا بالمكابرة التي لا تزيد الخصم إلا قوة وإغراء فقالو لهم: كيف يحدث الحادث بلا سبب حادث؟ وكيف تكون الذات حالها وفعلها وجميع ماينسب إليها واحدا من الأزل إلى الأبد؟ والعالم يصدر عنها في وقت دون وقت من غير فعل يقوم به ولا سبب حدث؟
فكان ما جعلوه أصل للدين وشرطا في معرفة الله تعالى منافيا للدين ومانعا من كمال معرفة الله وكان ما أحتجوا به من الحجج العقلية هي في الحقيقة على نقيض مطلوبهم أدل فالحوادث لا تحدث إلا بشرط جعلوه مانعا من الحدوث وأما أمور الإسلام: فإن هذا الأصل اضطرهم إلى نفي صفات الله تعالى لئلا تنتقض الحجة ومن لم ينف الصفات نفى الأفعال القائمة به وغيرها مما يتعلق بمشيئته وقدرته، فلزمهم من عدم الإيمان ببعض ما جاء به الرسول ومن جحد بعض ما يستحقه الله تعالى من أسمائه وصفاته ما أوجب له من من التناقض والإرتياب ما تبين لأولى الألباب فلم يعطوا الإيمان بالله ورسوله حقه ولا الجهاد لعدو الله ورسوله حقه وقد قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا} [الحجرات: 15].
هذا مع دعواهم أنهم أعظم علما وإيمانا وتحقيقا لأصول الدين وجهادا لأعدائه بالحجج من الصحابة وإن هم في ذلك إلا كبعض الملوك الذين لم يجاهدوا العدو بل أخذوا منهم بعض البلاد ولا عدلوا في المسلمين العدل الذي شرعه الله للعباد إذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 475)
ادعى أنه أمكن وأعدل من عمر بن الخطاب وأصحابه رضوان الله عليهم"(1)
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "فإن الله سبحانه وتعالى أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات، من أصناف المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبنًا وعسلاً وخمرًا وماء ولحمًا وفاكهة وحريرًا وذهبًا وفضة وحُورًا وقصورًا.
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا شيء ممّا في الجنة إلا الأسماء، فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى - فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق. وهذا بيّنٌ واضح.
الشرح
بعد أن انتهى المصنف رحمه الله من ذكر الأصلين في الرد على المعطلة، شرع هنا في بيان المثلين وهما:
المثل الأول: هو الجنة:
ويمكن في هذا النص تقرير الأمور الآتية:
الأمر الأول: أن الاتفاق في الاسم العام لا يلزم منه التماثل.--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل 2/ 302 - 304.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 476)
فما ذكره الله في الجنة من أنواع المطاعم، والمشارب، والمناكح، والملابس، والمساكن، يشبه ما في الدنيا من هذه الأنواع في الاسم، وفي المعنى العام، وهذا التوافق في الاسم وفي الحقيقة من حيث العموم لم يوجب أن تكون حقائق الآخرة مثل حقائق الدنيا من كل وجه، بل بينهما بون شاسع وفرق بعيد، وقول ابن عباس: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء"(1) معناه أن التفاوت بينهما كبير في اللذة والكمال والعظمة، حتى أنه لا يكاد التوافق يكون بينهما في الاسم لشدة التفاوت.
إذا تقرر هذا، فالرب تبارك وتعالى وإن كان متصفا بالصفات ومسمى بالأسماء، والمخلوق يسمى بتلك الأسماء ويوصف بتلك الصفات فهما متفقان في الاسم وفي المعنى العام، غير أن هذا الاتفاق ليس معناه أنهما متماثلان، بل بينهما تفاوت عظيم وفرق كبير.
الأمر الثاني: أن الإنسان يعتبر بما عرفه على ما لم يعرفه.
قال ابن القيم: "الإنسان يعتبر بما عرفه على ما لم يعرفه، ولولا ذلك لانسدت عليه طرق المعارف للأمور الغائبة، فإن الإنسان يعلم أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير سميع بصير، فإنه لولا تصوره لهذه المعاني من نفسه ونظره إليها لم يمكن أن يفهم ما غاب عنه، كما أنه لولا تصوره لما في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب والفضة لما أمكنه أن يتصور ما أخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا--------------------------------------------
(1) رواه أبو نُعَيْم في "صفة الجنة" (2/ 21)، والبيهقي، والضياء المقدسي في "المختارة"، والسيوطي في الجامع الصغير:) 7614).
وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (4/ 278): "بإسناد جيد"، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (2188)، وفي صحيح الترغيب (3769).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 477)
الأسماء"، فإن هذه الحقائق التي أخبر بها أنها في الجنة ليست مماثلة لهذه الموجودات في الدنيا بحيث يجوز على هذه ما يجوز على تلك، ويجب لها ما يجب لها، ويمتنع ما يمتنع عليها، ويكون مادتها مادتها ويستحيل استحالتها، فإنا نعلم أن ماء الجنة لا يفسد ولا يأسن، ولبنها لا يتغير طعمه، وخمرها لا يصدع شاربها ولا ينزف عقله، فإن ماءها ليس نابعًا من تراب ولا نازلاً من سحاب مثل ما في الدنيا، ولبنها ليس مخلوقًا من أنعام كما في الدنيا وأمثال ذلك.
فإذا كان المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم وبينهما قدر مشترك وتشابه فعلم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة.
فالخالق جل جلاله أبعد عن مماثلة مخلوقاته مما في الجنة لما في الدنيا، فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير لم يلزم أن يكون مماثلاً لخلقه، إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق، وكل واحد من صغار الحيوان له حياة وقوة وعمل وليست مماثلة للملائكة المخلوقين، فكيف يماثل رب العالمين شيئًا من المخلوقين"(1).
الأمر الثالث: عدم العلم بالكيفية لا يقدح في الإيمان بالمغيبات.
"ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله، وما تعبد الناس باعتقاده من ذكر عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، والحوض، والميزان، والصراط، وصفة الجنة وصفة النار، وجدناها أمورًا لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئا من أمور الذين، وعقلناه، وفهمناه، فلله الحمد في ذلك، والشكر ومنه التوفيق، وما لم يمكنَّا إدراكه ولم تبلغه عقولنا آمنا به، وصدقناه، واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه، ومشيئته، قال تعالى:--------------------------------------------
(1) رسالة في العقل والروح لابن تيمية 2/ 42 - 43 (مطبوعة ضمن المجموعة المنيرية) بتصرف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 478)
{وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء}(1) "(2).
فعدم العلم بكيفية صفات الله لا يَقدح في الإيمان بتلك الصفات ومعرفة معانيها؛ لأن الكيفية وراء ذلك، فالسلف يُثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ويفهمون معاني تلك الصفات ويُفسرونها، فإذا أثبتوا لله السَّمع والبصر أثبتوهما حقيقية وفهموا معناهما، وهكذا سائر الصفات يجب أن تَجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كُنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يُكَلِّف العباد ذلك ولا أراده منهم ولم يجعل لهم إليه سبيلاً.
وكثير من المخلوقات لم يجعل الله للعباد سبيلاً إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فهذه أرواح الخلائق التي هي أدنى إليهم مِنْ كل دان قد حُجب عنهم معرفة كنهها وكيفيتها، وقد أخبرنا الله عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار، فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يَعرفوا كيفيته وكنهه، فلا يشكُّ المسلمون أن في الجنة أنهارًا من خمر وأنهارًا من عسل، ولكن لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته؛ كما قال ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء».
فكذا الأسماء والصفات لا يَمنع انتفاء نظيرها في الدنيا مِنْ فهم معانيها وحقائقها والإيمان بذلك واعتقاد اتصاف الله بها(3).
فإيماننا صحيحٌ بحقِّ ما كُلِّفنا به وإن لم نَعرف حقيقة ماهيته وكيفيته، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) الآية 255 من سورة البقرة
(2) الحجة في بيان المحجة 1/ 321 بتصرف
(3) «مدارج السالكين» (3/ 358).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 479)
أقسام الناس في الإيمان بالله واليوم الآخر
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق:
فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وإن مباينة الله لخلقه أعظم.
والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرًا مما أخبر به من الصفات، مثل طوائف من أهل الكلام: المعتزلة ومن وافقهم.
والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا، كالقرامطة الباطنية والفلاسفة أتباع المشائين، ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر".
الشرح
وقد انقسم الناس في باب الإيمان بالله واليوم الآخر ثلاث فرق:
افترق الناس فيما أخبر الله به عن نفسه من حقائق الصفات، وما أخبر به عن اليوم الآخر إلى ثلاث فرق:
الفريق الأول: وهم الذين قال عنهم المصنف: "فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وإن مباينة الله لخلقه أعظم".
فأهل السنة والجماعة آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال ونزهوه عن الند والمثال كما آمنوا بما أخبر الله به عن اليوم الآخر، وما أعد الله لمن أطاعه وعصاه من الجزاء.
وقد قرن الله عز وجل بين باب الإيمان بالله وبين باب الإيمان باليوم الآخر في أكثر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 480)
من آية من كتاب الله عز وجل، ومما وردت به نصوص الكتاب والسنة:
• قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.] البقرة: 62].
• وقال تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر}.] البقرة: 228].
• وقال تعالى: {ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر}.] البقرة 232].
• وقال تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين}.] آل عمران: 113 - 114].
• وقال تعالى: {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما}.] النساء: 162].
وغير ذلك من الآيات التي ورد فيها ذكر الإيمان باليوم الآخر مقترنا بالإيمان بالله في الإثبات.
ومن الآيات التي ذكر فيها الإيمان باليوم الآخر مقترنا بالإيمان بالله في النفي:
• قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8].
• وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر}.] البقرة: 26].
• وقوله تعالى: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 481)