فقال عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقته فسرقت، فارددها عليه! فقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك! قال: ولم؟ قال: أخاف -كما أراد أن لا تسرق فسرقت- أن يريد ردها فلا ترد!! وقال رجل لأبي عصام القسطلاني(1): أرأيت إن منعني الهدى وأوردني الضلال ثم عذبني، أيكون منصفا؟ فقال له أبو عصام: إن يكن الهدى شيئا هو له فله أن يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء.
وأما الأدلة من الكتاب والسنة: فقد قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13]. وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]. وقال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 30]. {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الدهر: 30]. وقال تعالى: {مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39]. وقال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125].
ومنشأ الضلال: من التسوية بين: المشيئة، والإرادة، وبين: المحبة، والرضى، فسوى الجبرية والقدرية، ثم اختلفوا، فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوبا مرضيا. وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه، وقد دل--------------------------------------------
(1) دخل عبد الجبار الهمداني أحد شيوخ المعتزلة على الصاحب ابن عباد وعند أبو إسحاق الإسفراييني أحد أئمة السنة فلما رأى الأستاذ قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فقال الأستاذ فورا: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، فقال القاضي: أيشاء ربنا أن يعصى؟ قال الأستاذ: أيعصي ربنا قهرا؟ فقال القاضي: أرأيت أن منعني الهدى وقضى عليّ بالردى أحسن إليّ أم أساء؟ فقال الأستاذ: إن منعك ما هو لك فقد أساء وإن منعك ما هو له فهو يختص برحمته من يشاء، فبهت القاضي عبد الجبار، وفي "تاريخ الطبري" "8/ 125" أن عيلان قال لميمون بن مهران بحضرة هشام بن عبد الملك الذي أتى به ليناقشه: أشاء الله أن يعصى؟ فقال له ميمون: أفعصي كارها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)