أُعمر شيئًا فهوَ لِوَرَثَتِهِ). الأصلُ(1) في العُمْرَى والرُّقْبَى أنهُ كانَ في الجاهليةِ يُعْطي الرجلُ الرجلَ الدارَ، ويقولُ أَعْمرْتُك إيَّاها، أي: أَبَحْتَها لكَ مدةَ عُمُرِكَ، فقيلَ لها عُمْرَى لذلكَ، كما أنهُ قيلَ لها رُقْبَى لأنَّ كلًّا منْهما يرقبُ موتَ الآخرِ. وجاءتِ الشريعةُ بتقريرِ ذلكَ؛ ففي الحديثِ دلالةٌ على شَرْعيَّتِها، وأنَّها مُمْلَكَةٌ لمنْ وُهِبَتْ لهُ. وإليهِ ذهبَ العلماءُ (1) كافةً إلا روايةً عنْ داودَ(2) أنَّها لا تصحُّ، [واختلفوا](3) إلى ما يتوجَّهُ التمليكُ؛ فالجمهورُ أنهُ يَتَوَجَّهُ إلى الرقبةِ كغيرِها منَ الهباتِ، وعندَ الشافعيِّ(4) ومالكٍ(5) إلى المنفعةِ دونَ الرقبةِ، وتكونُ على ثلاثةِ أقسامٍ: مؤبدةً إنْ قالَ أبدًا، ومُطْلَقَةً عندَ عدمِ التقييدِ، ومقيَّدَةً بأنْ يقولَ ما عشتَ، فإذا متَّ رجحتْ إليَّ. واختلفَ العلماءُ في ذلكَ، [والصحيح](6) أنَّها صحيحةٌ في جميعِ الأحوالِ، وأنَّ الموهوبَ لهُ يملكُها مُلْكًا تامًّا. يتصرفُ فيها بالبيع وغيرِه منَ التصرفاتِ، وذلكَ لتصريحِ الأحاديثِ بأنَّها لَمِنْ أعمرَها حيًا وميْتًا، وأما قولُه: "فإذا قالَ هي لكَ ما عِشْتَ فإنَّها ترجعُ إلى صاحبها"، فلأنهُ بهذا القَيْدِ قدْ شرطَ أنْ تعودَ إلى الواهبِ بعدَ موتِه، فيكونُ لها حُكْمُ ما إذا صرَّحَ بذلكَ الشرطِ، وهيَ كما لوْ أعمرَهُ شَهرًا، أو سَنَةً، فإنَّها عاريةٌ إجماعًا(7).
وقولُه: "أمسكُوا عليكم أموالَكُم"، وقولُه: "لا ترقُبُوا" محمولٌ على الكراهةِ والإرشادِ لهمْ إلى حِفْظِ أموالهِمِ؛ لأنَّهم كانُوا يعمرِونَ ويرقبونَ، ويرجعُ إليهم إذا ماتَ مَنْ أعمرُوْهُ وأرقَبُوهُ، فجاءَ الشرعُ بمراغمتِهم، وصحَّحَ العقدَ وأبطلَ الشرطَ--------------------------------------------
(1) انظر: "فتح الباري" (5/ 238).
(2) نقل ذلك عنه الماوردي كما بيَّنه الحافظ في "الفتح" (5/ 238)، ثم قال: لكن ابن حزم قال بصحتها وهو شيخ الظاهرية. اهـ، انظر: "المحلى" (9/ 164).
(3) في (ب): "اختُلف".
(4) هذا قول الشافعي في القديم كما بينه الحافظ في "الفتح" (5/ 238).
(5) انظر: "بداية المجتهد" (4/ 166) بتحقيقنا.
(6) في (ب): "والأصح".
(7) قال ابن المنذر في كتاب "الإجماع" له (ص 137): كتاب العُمرى والرقبى لم يثبت فيها إجماع. اهـ، وقال الحافظ: في "الفتح" (5/ 246) نقلًا عن ابن بطال: ولم يختلف العلماء فيمن قال: كسوتك هذا الثوب مدة معينة أن له شرطه. اهـ.

(খণ্ড: 5) (পৃষ্ঠা: 238)