يسوِّينَا في الصفوفِ كما يقوِّم [القداحُ](1)، حتى إذا ظنَّ أن قدْ أخذْنا ذلكَ عنهُ وفقِهْنَا أقبلَ ذاتَ يومٍ بوجههِ إذا رجلٌ منتبذٌ بصدره فقالَ: لتسوُّنَّ صفوفَكم أو ليخالفَنَّ اللهُ بينَ وجوهِكم". وأخرج(2) أيضًا من حديثٍ البراءِ بن عازبٍ رضي الله عنه قالَ: "كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يتخلَّلُ الصفَّ من ناحيةٍ إلى ناحيةٍ، يمسحُ صدورَنا ومناكبَنا ويقول: لا تختلفُوا فتختلفَ قلوبُكم".
وهذه الأحاديثُ والوعيدُ الذي فيها دالةٌ على وجوب ذلكَ، وهوَ مما تساهل فيهِ الناسُ كما تساهلُوا فيما يفيدُهُ حديثُ أنسٍ عنهُ صلى الله عليه وسلم: "أتمُّوا الصفَّ المقدمَ، ثمَّ الذي يليهِ فما كانَ من نقصٍ فليكنْ في الصفِّ المؤخَّرِ" أخرجهُ أبو داودَ(3)، فإنكَ ترى الناسَ في المسجدِ يقومونَ للجماعةِ وهم لا يملأونَ الصفَّ الأولَ لو قامُوا فيهِ، فإذا أقيمتِ الصلاةُ يتفرَّقونَ صفوفًا على اثنينِ، وعلى ثلاثةٍ ونحوهِ. وأخرجَ أبو داودَ(4) من حديثٍ جابرٍ بن سمرةَ: "قال: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ألا تصفُّونَ كما تصفُّ الملائكةُ عندَ ربِّهم، قلنا: وكيفَ تصفُّ الملائكةُ عندَ ربِّهم؟ قالَ: يتمُّونَ الصفوفَ المقدَّمةَ ويتراصُّونَ في الصفِّ".
وقد وردَ في سدِّ الفُرَج في الصفوفِ أحاديثُ؛ كحديثِ ابن عمرَ: "ما منْ خطوةٍ أعظمُ أجرًا من خطوةٍ مشاها الرجلُ في فرجةٍ في الصفِّ فسدَّها"، أخرجهُ الطبراني في الأوسطِ(5)، وأخرجَ أيضًا(6) فيهِ من حديثٍ عائشةَ قالَ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سدَّ فرجةً في صفٍّ رفعهُ اللهُ بها درجةً، وبَنَى لَهُ بيتًا في الجنةِ". قالَ الهيثمي: فيهِ مسلمُ بنُ خالدٍ الزنجي، وهو ضعيفٌ وثَّقُهُ ابنُ حبانَ(7).--------------------------------------------
(1) في (أ): "القدح". والقدح: خشب السهم إذا بري وأُصلح قبل أن يركب فيه النصل والريش.
(2) في "السنن" (1/ 432 رقم 664)، وهو حديث صحيح.
(3) في "السنن" (1/ 435 رقم 671).
قلت: وأخرجه النسائي (2/ 93 رقم 818)، وهو حديث صحيح.
(4) في "السنن" (1/ 431 رقم 661).
قلت: وأخرجه مسلم (119/ 430)، والنسائي (2/ 92 رقم 816)، وابن ماجه (992).
(5) كما في "مجمع الزوائد" (2/ 90) وقال الهيثمي: في إسناده ليث بن حماد ضعفه الدارقطني.
(6) كما في "مجمع الزوائد" (2/ 91).
(7) في "الثقات" (7/ 448).

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 84)