والظاهر أن المراد بها من تأخر إسلامه وصحبته منهم، كما في الآية المتقدمة، بدليل قوله: {جَاءُوا} بلفظ الماضي، فهو أولى من حمله على التابعين، لما فيه من التجوز بلفظ الماضي عن الاستقبال.
وقال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} الآية، وهي خاصة بأهل بيعة الرضوان منهم. بخلاف الآيات المتقدمة فإنها تعم جميع الصحابة رضي الله عنهم. ولكنها –أعني هذه الآية- مفيدة التمسك بها في حق من لابس الفتن من أهل الحديبية. فقد تقدم فيهم الخلاف مطلقاً. والله سبحانه وتعالى أخبر أنه قد رضي عمن بايع تحت الشجرة فيستصحب هذا الحكم فيهم إلى أن يتبين خلافه عن الله تعالى، كما تقدم قريباً.
واحتج جماعة من المصنفين بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} .. الآية1.
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الوسط. العدل" 2.
وبقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} 3 الآية.--------------------------------------------
1 سورة البقرة الآية 143.
2 حديث صحيح. رواه البخاري في صحيحه.
انظر فتح الباري 8/171، 13/316، تفسير ابن كثير 1/190 للنظر في طرقه المتعددة.
3 سورة آل عمران الآية 110.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
وأعترض بعضهم على ذلك. بأن المراد بالآيتين جميع الأمة إلى قيام الساعة فلا يتخصص بها بعضهم لما يلزم في ذلك من إستعمال اللفظ في معنيين مختلفين. وهوالمجموع من حيث هو مجموع الأمة، وعصر الصحابة دون غيرهم.
ويمكن الجواب عنه بوجهين:
أحدهما: إلتزام جواز استعمال اللفظ في المعنيين بناء على جواز التمسك به في الحقيقة والمجاز جميعاً. وهو مذهب الشافعي كما في حمل اللفظ المشترك على كلا المعنيين.
وثانيهما: أن دلالة الآيتين وإن كان شاملاً لجميع الأمة، فهي متضمنة الثناء عليهم بأنهم خير أمة، ووصفهم بالعدالة في الآية الأولى. وقد خرج من هذا الوصف من بعد الصحابة بالإجماع على أنه لا بد من معرفة ذلك فيهم بالبحث عن أحوالهم. فبقي في الصحابة على مقتضى الآية. وإذا كانت الآية الأخرى متضمنة وصف الأمة كلهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس. فلا ريب في أن الصحابة رضي الله عنهم أولى الناس بالاتصاف بذلك وأعلاهم رتبة فيه. فلا أعدل ممن ارتضاه الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته والسبق إليه. ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منه.
الوجه الثاني من الأدلة:
ثناء النبي صلى الله عليه وسلم وإخباره بما منحهم الله تعالى من كونهم خير القرون من أمته وأفضلها وإن أحداً ممن يأتي بعدهم لا يبلغ أدنى جزء من شأنهم ولو أنفق ملء الأرض ذهباً في سبيل الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
ففي الصحيحين من طريق عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
7- "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" 1.
ومن حديث زهدم الجرمي عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
8- "خير الناس قرني الذي أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" قال عمران: فلا أدري أذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. متفق عليه – أيضاً2.
ورواه الترمذي من حديث الأعمش عن علي بن مدرك عن هلال إبن يساف عن عمران رضي الله عنه3.
وأخرج مسلم أيضاً من حديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:--------------------------------------------
1 رواه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ومسلم في باب فضل الصحابة رضي الله عنهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
فتح الباري 7/3، صحيح مسلم 16/86.
2 رواه البخاري بلفظ: "خير أمتي قرني". ومسلم بلفظ: "إن خيركم قرني".
فتح الباري 7/3، صحيح مسلم 16/87.
3 باب ما جاء في القرن الثالث. وقال عقبه: هكذا روى محمد بن فضيل هذا الحديث عن الأعمش عن علي بن مدرك عن هلال بن يساف. وروى غير واحد من الحفاظ عن الأعمش عن هلال بن يساف ولم يذكروا علي بن مدرك، وهو أصح عندي من حديث محمد بن فضيل. تحفة الأحوذي 6/470.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
9- "خيركم قرني. ثم الذين يلونهم. قال: فلا أدري ذكر مرتين أو ثلاثاً … الحديث" 1.
وفي مسند أحمد بن حنبل من طريق عاصم بن أبي النجود عن خيثمة، والشعبي عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
10- "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.. الحديث" 2. وإسناده صحيح.
وروينا من حديث أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني ثنا صدقة بن خالد ثنا عمرو بن شراحيل عن بلال بن سعد عن أبيه رضي الله عنه قال: قلنا:
11- "يا رسول الله، أي أمتك خير؟ قال: أنا وأقراني. ثم ماذا؟ قال: ثم القرن الثاني. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم القرن الثالث" 3.
وسعد هذا هو ابن تميم مشهور من الصحابة. وابنه بلال من فضلاء التابعين. وعمرو بن شراحيل وثقه ابن حبان ولم يتكلم فيه أحد. وصدقة بن خالد احتج به البخاري. وأبو مسهر مشهور من رجال الصحيحين.
وقد رواه معلى بن منصور عن صدقة بن خالد أيضاً ولفظه:--------------------------------------------
1 متفق عليه. واللفظ الذي أورده المؤلف هو لفظ رواية عمران بن حصين. أما رواية أبي هريرة فلفظه: "خير أمتي القرن الذي بُعثت فيه..".
انظر: فتح الباري 5/258، صحيح مسلم 16/86.
2 المسند 4/267.
3 رواه الطبراني في الكبير 6/54، وقال الهيثمي: "رجاله ثقات". 10/19.
وانظر: فتح الباري 7/7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
12- "قيل يا رسول الله أي التابعين خير. قال: انا وأصحابي.." وذكر بقيته.
وهذا يؤيد ما تقدم من أن المراد بالتابعين الصحابة الذين تبعوه في الإسلام، دون المعني الاصطلاحي فإنه متأخر.
وروى أبو نعيم الفضل بن دكين وغيره. عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن جعدة بن هبيرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
13- "خير الناس قرني الذين أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.." 1.
وجعدة بن هبيرة هو إبن أم هانئ، أخت علي بن أبي طالب رضي الله عنه2.
أثبت له ابن عبد البر وجماعة الصحبة3.
قال يحيى بن معين: لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً4.
والأول أظهر.
وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من وجوه عديدة أنه قام بالجابية خطيباً فقال:--------------------------------------------
1 رواه ابن أبي شيبة والطبراني. عن عبد الله بن إدريس عن أبيه عن جده.
قال الحافظ ابن حجر: "رجاله ثقات. إلا أن جعدة مختلف في صحبته". وقال الهيثمي: "إدريس بن يزيد الأودي لم يسمع من جعدة".
قلت: وفي إسناده أبي نعيم. داود الأودي، قال فيه الحافظ: ضعيف. أما جعدة فقد أثبت المزي صحبته والحافظ ابن عبد البر وكذلك ابن حجر.
انظر: الاستيعاب 1/240، المصنف 12/176، المعجم الكبير 2/320، تهذيب التهذيب 2/81، الإصابة 1/236، فتح الباري 7/7، مجمع الزوائد 10/20.
2 وهم الحافظ العلائي هنا إذ خلط بين جعدة الأشجعي راوي الحديث وهو صحابي باتفاق. وبين جعدة المخزومي وهو إبن أم هانئ، وليس له تعلق بالحديث، وقد اختلف في صحبته، وذكره الحافظ لأجل ذلك في القسم الثاني.
3 الاستيعاب 1/240.
4 التاريخ 2/83، جامع التحصيل 185، تهذيب التهذيب 2/82.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
14- "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في مثل مقامي هذا فقال: أكرموا أصحابي فإنهم خياركم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" 1. وذكر الحديث.
فهذا الحديث مستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي بعض ما تقدم من ألفاظه ما يقتضي دخول من رآه صلى الله عليه وسلم في أنه متصف بهذه الخيرية.
وقد روى الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء بن زبر عن عبد الله بن عامر اليحصبي أنه سمع واثلة بن الأسقع رضي الله عنه يقول:
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
15- "لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني.. الحديث" 2. وإسناده صحيح.
وقال صلى الله عليه وسلم:
16- "فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً، ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه". متفق عليه3.
وفي حديث عبد الرحمن بن سالم بن عويم بن ساعدة عن جده رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:--------------------------------------------
1 رواه عبد الرزاق في مصنفه.
والترمذي في جامعه. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقد رواه ابن المبارك عن محمد بن سوقه. وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
المصنف 11/241، تحفة الأحوذي 6/383.
2 قال الهيثمي:
رواه الطبراني من طرق ورجال أحدها رجال الصحيح. مجمع الزوائد 10/20.
3 رواه البخاري في كتاب الفضائل.
ومسلم في باب تحريم سبّ الصحابة.
فتح الباري 7/1، صحيح مسلم 16/93.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
17- " إن الله اختارني واختار لي أصحاباً، وجعل لي منهم وزراء وأنصاراً، فمن سبهم فعليه لعنة الله" 1.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
18- "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه وبعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه صلى الله عليه وسلم يقاتلون عن دينه".
وروى السدي عن أبي مالك عن إبن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:
{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} .
قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم2.
وروى سنيد المصيصي ثنا حجاج عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
19- "لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس. وقال: الناس خير وأنا وأصحابي خير" 3.--------------------------------------------
1 رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.
المستدرك 3/632.
2 تفسير ابن كثير 3/369.
3 رواه الطيالسي في مسنده وأحمد والطبراني باختصار شديد.
قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح.
قلت: لكنه مرسل. لأن أبا البختري لم يسمع من أبي سعيد الخدري.
قال إبن أبي حاتم: لم يدرك أبا ذر ولا أبا سعيد ولا زيد بن ثابت.
انظر: مسند الطيالسي 293. مسند الإمام أحمد 3/22، المراسيل ص76، جامع التحصيل 222، مجمع الزوائد 6/250.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
وصدق أبا سعيد عليه. زيد بن ثابت ورافع بن خديج رضي الله عنهما1.
وفي مسند البزار بسند غريب عن جابر رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
20- "إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين" 2.
الحديث والآثار في هذا المعنى كثيرة.
والخير هنا اسم جنس مضاف، أو ضيغة أفعل مضافة. فتعم جميع أنواع الخير. فمتى جعل أحد من الصحابة في التعديل كمن بعده حتى ينظر في عدالته ويبحث عنها لم يكن خيراً ممن بعده مطلقاً.
فإن قيل هذه الأحاديث معارضة بما روي في حق الأمة من الفضل، كقوله عليه السلام:
21- "وددت أنّا قد رأينا إخواننا. قالوا يا رسول الله. أولسنا إخوانك. قال أنتم أصحابي. وإخواننا الذين لم يأتوا بعد". أخرجه مسلم3، وروى معناه من عدة طرق.
وفي معجم الطبراني من حديث الأوزاعي حدثني أسيد بن عبد الرحمن حدثني صالح بن جبير حدثني أبو جمعة رضي الله عنه قال:--------------------------------------------
1 أنظر تمام القصة في المسند 3/22.
2 قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.
وقال البزار: لا نعلمه عن جابر إلا بهذا الإسناد ولم يشارك عبد الله بن صالح في روايته هذه عن نافع بن يزيد أحداً نعلمه.
كشف الأستار 3/289، مجمع الزوائد 10/16.
3 رواه في باب استحباب إطالة الغرة. صحيح مسلم 3/138.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
22- "تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فقلنا يا رسول الله أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: نعم قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني" 1.
وصالح بن جبير وثقه إبن معين وغيره2.
وقد رواه عنه أيضاً معاوية بن صالح ولفظه:
23-"قلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجراً". وذكر بقيته كما تقدم.
وفي حديث لأبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
24- "فإن من ورائكم أيام الصبر للعامل منهم في ذلك الزمان أجر خمسين رجلاً، قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلاً منا أو منهم، قال: بل أجر خمسين رجلاً منكم".
رواه أبو داود والترمذي. وإسناد حسن3.
وروى الترمذي أيضاً من حديث حماد بن يحيى الأبح عن ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:--------------------------------------------
1 قال الهيثمي: رواه أحمد وأيو يعلى والطبراني بأسانيد، وأحد أسانيد أحمد رجاله ثقات. وقال الحافظ إبن حجر: أخرجه أحمد والدارمي وصححه الحاكم.
مجمع الزوائد 10/66، الإصابة 4/33.
2 وقال الذهبي: وثقه إبن معين وليس بالمعروف. انتهى وسيأتي توجيه المؤلف لهذه الرواية.
انظر: تاريخ الدارمي ص: 133، ميزان الاعتدال 2/291.
3 رواه أبو داود في كتاب الملاحم 11/493، والترمذي في تفسير سورة المائدة 8/424 وقال عقبه: هذا حديث حسن غريب. وعند ابن كثير 2/109 عن الترمذي حسن غريب صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
25 -" أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أو آخره" 1.
وحماد بن يحيى وثقه إبن معين2.
قلنا: ذهب بعضهم إلى أنه لا يلزم من تفضيل مجموع القرن الأول على من بعده تفضيل كل فرد فرد من القرن الأول، على كل فرد فرد ممن بعدهم ورأو أن في آخر الزمان من يكون أفضل من بعض آحاد الصحابة رضي الله عنهم.
وهذا اختيار ابن عبد البر والقرطبي للجمع بين جميع الأحاديث، واستثنى إبن عبد البر أهل بدر والحديبية للتنصيص على فضلهم على كل هذه الأمة.
والحق الذي ذهب إليه الأكثرون أن فضيلة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم والفوز برؤيته لا يعدل بعمل. وأن من منحه الله تعالى ذلك فهو أفضل ممن جاء بعده على الإطلاق لوجوه:
أحدها: مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم.
وثانيها: فضيلة السبق إلى الإسلام.
وثالثها: فضيلة الذب عن حضرته صلى الله عليه وسلم.
ورابعها: فضيلة الهجرة معه أو إليه أو النصرة له.
وخامسها: ضبطهم الشريعة، وحفظهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وسادسها: تبليغهم إياه إلى من بعدهم.
وسابعها: السبق بالنفقة في أول الإسلام.--------------------------------------------
1 رواه في باب الأمثال 8/170، وقال عقبه: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ويروى عن عبد الرحمن بن مهدي أنه كان يثبت حماد بن يحيى الأبح. وكان يقول هو من شيوخنا.
وقال الحافظ: حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة.
فتح الباري 7/6، وانظر كشف الأستار 3/319.
2 التاريخ الكبير 2/133، وسيأتي رد المؤلف على هذا التوثيق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
وثامنها: إن كل فضل وخير وعلم وجهاد ومعروف عُمل في هذه الشريعة إلى يوم القيامة، فحظهم منه أجل ونوالهم منه أجزل. لأنهم سنوا سنن الخير وفتحوا أبوابه. ونقلوا معالم الدين وتفاصيل الشريعة إلى من بعدهم. وقد قال صلى الله عليه وسلم:
26- "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" 1.
وقال صلى الله عليه وسلم:
27- "من دعى إلى هدى كان له من الأجور مثل أجر من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً "2.
فهم مساهمون لجميع هذه الأمة في كل أجر يحصل لها إلى يوم القيامة، مع ما اختصوا به مما تقدم ذكره.
وأما الأحاديث التي ذكرت:
فحديث "وددت أني رأيت إخواني" لا يلزم منه أن يكونوا أفضل من أصحابه. كيف والأخوة العامة كانت حاصلة أيضاً للصحابة رضي الله عنهم بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} ، وأيضاً فالصحبة فيها قدر زائد على الأخوة. لما يوجد غالباً بين الأخوة من العداوة بخلاف الصحبة.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "للعامل منهم أجر خمسين رجلاً منكم" فلا حجة فيه. لأنه لا--------------------------------------------
1 رواه مسلم في كتاب الزكاة. وكذلك النسائي.
صحيح مسلم 7/102. سنن النسائي 5/76.
2 رواه مسلم في كتاب العلم. صحيح مسلم 16/227.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
يلزم من ثبوت زيادة الأجر في بعض الأعمال ثبوت الفضيلة المطلقة.
وأيضاً فالأجر إنما يكون تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل الذي ترتب الأجر عليه. لا في غيره من الأعمال، فيكون عمل المؤمن في آخر الزمان من قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك. أرجح مما يترتب على مثل ذلك العمل من الصدر الأول1.
وأما الذي فاز به الصحابة رضي الله عنهم من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم والجهاد بين يديه ونقل السنن عنه، فإنه لا يتفق مثله لأحد ممن بعدهم قطعاً، فلا يقع التفاضل فيه. فيبقى لهم من غير مشاركة لهم في مثله. وبه استقرت الفضيلة لهم على من بعدهم. فهذا أشد ما يُجاب به عن هذا الحديث.
وحديث أبي جمعة: لم تتفق الروايات فيه على لفظ: هل أحد خير منا؟ بل قد تقدم رواية معاوية بن صالح له "هل من قوم أعظم منا أجراً"، ومعاوية بن صالح أحفظ من أسيد بن عبد الرحمن. فروايته أرجح. ويتأول الحديث على ما ذكرناه آنفاً بالنسبة إلى بعض الأعمال التي يمكن وقوعها من الطائفتين، دون ما أختص به الصدر الأول من الصحبة.
وأما حديث: "أمتي كالمطر"، فحماد بن يحيى الأبح وإن وثقه إبن معين2.
فقد قال فيه أبو زرعة: ليس بالقوي3.--------------------------------------------
1 انظر قول الحافظ ابن حجر في هذا الموضوع.
فتح الباري 7/6.
2 التاريخ 2/133.
3 الجرح والتعديل 1/2/152 عن أبي زرعة أنه قال: ليس بقوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
وذكره البخاري في كتاب الضعفاء، وقال: يهم في الشيء بعد الشيء1.
وقال الجوزجاني: روى عن الزهري حديثاً معضلاً2.
وقال إبن عدي: بعض حديثه لا يتابع عليه. وذكر من جملة حديثه حديث أنس هذا3. وهو شاذ أو منكر لتفرد حماد بن يحيى به دون أصحاب ثابت البناني، ولا يحتمل منه مثل هذا التفرد.
ثم على تقدير صحته فهو مؤل على أن المؤمنين في آخر الزمان إذا أقاموا الذين وتمسكوا به. وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفتن والهرج وكثرة المعاصي. كانوا في ذلك غرباً. فزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمال أوائل الصحابة عند كثرة المشركين، وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم4.
أو يكون ذلك إشارة إلى أيام نزول عيسى بن مريم عليه السلام ومقامه بالأرض حيث تظهر البركات وينشر العدل ويذهب الفساد في تلك الأيام. وهي من أواخر أزمان هذه الأمة.
فلا يكون في ذلك تفضيل أهل ذلك العصر على الصدر الأول، ولا مساواتهم بل بالنسبة إلى ما ذكرناه، كيف والأحاديث الثابتة في تفضيل الصحابة على من بعدهم صريحة لا تحتمل التأويل، وهي أصح وأكثر من هذه الأحاديث المحتملة، فلا تكون معارضة لها، وبالله التوفيق.--------------------------------------------
1 التاريخ الكبير 1/2/24.
2 تهذيب التهذيب 3/22.
3 الكامل 2/663.
4 انظر ما ذكره الحافظ حول هذا الموضوع في فتح الباري 7/7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
الوجه الثالث:
الإجماع على ذلك ممن يعتد به على أحد الوجهين:
أما على أنه لا اعتداد بأهل البدع في الإجماع والخلاف، فإنه لم يخالف في عدالة الصحابة من حيث الجملة أحد من أهل السنة، وإنما الخلاف عن المعتزلة والخوارج وأمثالهم.
وأما على أن ندرة المخالف مع كثرة المجمعين لا يمنع إنعقاد الإجماع، إن ثبت أن أحداً من أهل البدع، خالف في ذلك.
والطريق الأولى أقوى، ولا فرق في هذا بين من لابس الفتن من الصحابة ومن لم يلابسها.
قال ابن الصلاح:
أجمع العلماء الذين يعتمد بهم في الإجماع على عدالتهم أيضاً إحساناً للظن بهم، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله تعالى أباح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة.
فهذا الوجه وحده كاف في رد قول المخالفين، والله أعلم.
الوجه الرابع:
إنما يكتفي في التعديل بأخبار الواحد منا وتزكيته مع أنه لا يعلم إلا بعض الظواهر، ومع عدم عصمته عن الكذب، فكيف لا يكتفي بتزكية علام الغيوب الذي لا يعزب عن علمه مثال ذرة في الأرض ولا--------------------------------------------
1 علوم الحديث لابن الصلاح ص 265.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
في السماء، وقد أحاط علمه بما سيقع منهم من الفتن والحروب، وأنزل مدحهم والثناء عليهم قرآناً يتلى مستمراً ما بقيت الدنيا، وذلك يقتضي أن الثناء عليهم ومدحهم وتعديلهم مسترماً لا يتغير، وكذلك أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم ما يقع بينهم، وأخبر بذلك إما على وجه الإجمال كقوله صلى الله عليه وسلم:
28- "أرى مواقع الفتن بين يبوتكم كمواقع المطر" 1، ونحو ذلك.
(او تفصيلاً في بعض القضايا، كمن أسر إليه ذلك، كحذيفة رضي الله عنه2، ولم يكن ذلك مانعاً له صلى الله عليه وسلم من الثناء على جميع الصحابة ووصفهم بأنهم خير القرون ونحو ذلك) 3 مما تقدم.
وهذا مع عصمته صلى الله عليه وسلم عن وقوع الكذب في أخباره وبراءته من المداهنة لأحد منهم، فكل هذا يقتضي أن ما وقع بينهم بعده صلى الله عليه وسلم لم يحط من رتبتهم شيئاً ألبتة.
فأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الحوض:
29-"ليختلجن رجال من دوني أعرفهم فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول:--------------------------------------------
1 رواه البخاري في صحيحه باب آطام المدينة بلفظ:
إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع المطر. فتح الباري 4/94.
2 يشير المؤلف إلى حديث حذيفة الذي يقول فيه: لقد حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان وما يكون حتى تقوم الساعة.
وفي الصحيحين أن أبا الدرداء قال لعلقمة: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه أحد غيره..؟
يعني حذيفة. هكذا قال الحافظ.
انظر الإصابة 1/317.
3 ساقط من النسخة الأمريكية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
سحقاً" 1.
وفي رواية:
"فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ} … الآية. فإنه محمول على من ارتد بعده صلى الله عليه وسلم ثم مات على ذلك. بدليل قوله: فيؤخذ بهم ذات الشمال.
وكذلك في الرواية الأخرى: إنهم لم يزالوا مرتيدين على أعقابهم منذ فارقتهم … الحديث.
وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم قد شهد للعشرة رضي الله عنه بأنهم من أهل الجنة، وقال:
30- "لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار" 2.
ولما قال حاطب، 3وقد شكاه، ليدخل حاطب النار.
قال له النبي صلى الله عليه وسلم:
31- "كذب إنه شهد بدراً، وما يدريك أن الله تعالى إطلع على أهل بدر، فقال: إعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" 4.
وقد علم القتال الواقع بين علي وطلحة والزبير رضي الله عنهم، وأن كثيراً من أهل بدر وبيعة الرضوان شهدوا الحروب في تلك الفتن مع قطع النبي صلى الله عليه وسلم لهم بأنهم لا يدخلوا النار، وشهادته للعشرة بأنهم في--------------------------------------------
1 رواه البخاري في كتاب الرقاق 11/464.
ومسلم في الفضائل 15/35.
2 صحيح مسلم 16/58.
3 هكذا في الأصل.
وفي صحيح مسلم 16/57 أن عبداً لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطباً.
4 المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
الجنة، وقد أخبر الزبير بما سيقع بينه وبين علي رضي الله عنهما من القتال.
فتعين أن يكون المراد بالذين يختلجون دونه أهل الردة1.
الوجه الخامس:
أن من اشتهر بالإمامة في العلم والدين، كمالك والسفيانين والشافعي والبخاري ومسلم، وأمثالهم لا يحتاج إلى التعديل، ولا البحث عن حاله بالإتفاق، وهو عمل مستمر لا نزاع فيه.
فالصحابة رضي الله عنهم أولى بذلك، لما تواتر عنهم واشتهر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأولاد وقتل الآباء والأولاد والأقرباء والأهل، ومفارقة الأوطان والأموال.
كل ذلك في موالاة النبي صلى الله عليه وسلم ونصرته لله خالصاً.
ثم ما كانوا عليه دائماً من إشتدادهم في أمور الدين بحيث لا تأخذهم فيه لومة لائم، ومواظبتهم على نشر العلم وفتح البلاد، وتدويخ الأمصار، فيا لله العجب كيف يداني أحداً من هؤلاء من بعدهم فضلاً عن مساواتهم، حتى إنه يحتاج الواحد منهم إلى الكشف عن حاله وتزكيته أو يكون ما صدر عنه عن إجتهاد أو تأويل قادحاً في عدالته وحاطاً له عن علو مرتبته العلية.
إن هذا القول الأعمى في البصيرة، وتوصلاً إلى الطعن في الشريعة والقدح في الدين وإلقاء الشبهة فيه.
ولذلك رد الله تعالى كلام من تكلم فيهم على القادحين، فكان ذلك سبباً لحط مرتبتهم ومقتضياً--------------------------------------------
1 انظر المستدرك 3/366، البداية والنهاية 7/240.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
لجرحهم وفسقهم، ولله الحمد والمنة.
فهذه الأوجه الخمسة كل منها مقتضي للقطع بعدالة الصحابة رضي الله عنهم، والأخير مختص بمن أكثر صحبته صلى الله عليه وسلم وأقام معه مدة، وهاجر معه أو إليه بخلاف الوجه الثاني، فإن من أحاديثه ما هو عام لكل من رآه ولو لحظة، بحيث يعد من الصحابة بل ربما يقال بأنه شامل لكل من كان في عصره من المسلمين وإن لم يثبت له صحبة ولا رؤية.
لكن خرج هؤلاء بالإجماع على أنه لا بد من معرفة عدالتهم بطريقها كمن بعدهم، فتبقى فيمن ثبت له الصحبة أو الرؤية على عمومه وبالله التوفيق.
وأما المخالفون في هذا المقام فقد تعلقوا بقصص كثيرة مما طعن فيه بعض الصحابة على بعض، ونقل منها بعض المصنفين قطعة كبيرة وهي منقسمة إلى:
ما لا يصح عنهم أصلاً.
وإلى ما قد صح، وله محامل صحيحة وتأويلات سائغة.
كقول عائشة في زيد بن أرقم رضي الله عنهما.
32- "أبلغوا زيداً إنه قد أحبط جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب"1.--------------------------------------------
1 أورده عبد الرزاق في مصنفه عن امرأة أبي إسحاق أنها دخلت على عائشة.
ورواه الدارقطني بسنده عن يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية قالت: خرجت أنا وأم محبة، وقال عقبه: أم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما.
وقال ابن عبد البر في الإستذكار: هذا الخبر لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولا هو مما يحتج به عندهم. والحديث منكر اللفظ لا أصل له.
انظر: المصنف 8/184، سنن الدارقطني 3/52، سنن البيهقي 5/330، الإجابة ص 153.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
وقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه وقد قيل له إن أبا محمد يزعم:
33- "إن الوتر واجب"1.
فقال: كذب أبو محمد2.
وأبو محمد هذا من الصحابة رضي الله عنهم ونحو ذلك.
فالأمر فيه بين والخطب هين لسهولة تأويلها وإنها لا تعارض نصوص الكتاب والسنة المشهورة.
وأما الذي أولع به أكثر أهل البدع وهو الفتن والحروب التي كانت بينهم، فقطعوا على كل من قاتل علياً رضي الله عنه من أهل الجمل وصفين بالفسق، واستثنى بعضهم من ذلك عائشة طلحة والزبير رضي الله عنهم. قال: لأنهم تابوا من ذلك دون معاوية ومن كان معه.
ولهم في ذلك أقوال كثيرة تقدم بعضها. ويقشعر القلب من سماعها، ثم يعضدون ذلك بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من تحريم الدماء، وذكر ما يترتب على سفكها.
ولأهل السنة عن ذلك أجوبة كثيرة مجملة ومفصلة، وحاصل الإجمالية ترجع إلى وجهين:--------------------------------------------
1 رواه مالك في الموطأ وعبد الرزاق في مصنفه وأبو داود في سننه.
تنوير المحالك 1/110، المصنف 3/5، عون المعبود 4/294.
2 كذب أبو محمد، أي أخطأ.
وسماه كذباً لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق. وهذا الرجل ليس بمخبر، وإنما قاله باجتهاد أداه إلى أن الوتر واجب.
والإجتهاد لا يدخله الكذب، وإنما يدخله الخطأ.
عون المعبود 4/295.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
أحدهما: أن ذلك كان من كل منهم بناء على الإجتهاد منه في ذلك والتأويل المسوغ له للأقدام عليه، ومع هذا فلا يكون شيء من ذلك قادحاً في عدالتهم. لأن جميع تلك الوقائع إن كانت مما يسوغ فيه الإجتهاد فظاهر لأنه حينئذ إن قلنا إن كل مجتهد مصيب فلا يتوجه تخطئته إلى أحد من الفريقين.
وإن قلنا المصيب واحد والثاني مخطئ، فالمخطئ في إجتهاده معذور غير آثم، فلا يخرجه خطؤه عن العدالة.
وإن لم يكن ذلك مما يسوغ فيه الإجتهاد فالمخطئ كان متأولاً فيما فعله.
وإن كان تأوله خطأ فلا يخرج بذلك عن العدالة، كيف وإن عدالتهم ثابتة بما تقدم من الأدلة القطعية، فيستصحب ولا يُزال بالشك والوهم.
لا سيما مع ما تقدم من ثناء الله تعالى عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم مع العلم بما يصدر منهم.
ومما يؤيد أن ذلك من المجتهد فيه قعود جماعة من الصحابة رضي الله عنهم عن الكون مع أحد الفريقين، كسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة وغيرهم لأنه خفي عليهم الأمر.
وروي أن علياً رضي الله عنه دعى سعد بن أبي وقاص إلى أن يكون معه فقال له:
34- "أعطني سيفاً يعرف الحق من الباطل، أو قال: المحق من المبطل، وكان علي رضي الله عنه مع أن الحق معه يغبط سعدً رضي الله عنه بذلك، فكان يقول:
35- "لله در منزل نزله سعد بن مالك، إن كان ذنباً فذنب صغير، وإن كان أجر فأجر عظيم1.--------------------------------------------
1 تذكرة الحفاظ 1/22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)