وقال علي رضي الله عنه أيضاً غير مرة1:
36- "إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير يوم القيامة ممن قال الله تعالى فيهم {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} .
والآثار في ذلك كثيرة معروفة في كتب أهل التاريخ.
الوجه الثاني:
إن كلما قدح به المبتدعة في الصحابة الذين أسقطوا عدالتهم يتصور عليهم مثله في الصحابة الذين لم يقدحوا في عدالتهم.
فإن تأولوا أفعال من وافقوا على عدالته وحسنوا لهم المخارج في أمورهم كانوا مقابلين بمثله فيمن خالفونا في عدالته، ولا يجدون فارقاً قاطعاً بين الطائفتين بالنسبة إلى انقداح التأويل وإحسان الظن بهم. وانسداد ذلك في حق الجميع. وحينئذ يؤدي إلى أحد أمرين لا بدّ منهما:
إما التأويل وإحسان الظن في حق الجميع، وهو المطلوب.
وإما إسقاط عدالة الجميع، وذلك أمر عظيم خارق للإجماع القطعي. فإن الأمة كلها ممن يُعتبر بأقوالهم أجمعوا على أنه لا يصح إسقاط عدالة جميع الصحابة كيف وإن ذلك يؤدي إلى هدم الدين وإزالة ما بأيدينا من أمور الشريعة، معاذ الله من ذلك.
وأما من تقدمت الحكاية عنه. بأن كل من لا بس الفتن فهو ساقط العدالة، فهو قول باطل ممن لا يُعتد به.
ونظيره إكفار الخوارج كل--------------------------------------------
1 شذرات الذهب 1/43.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
الفئتين، فلا يرجع هذا القول إلا على قائله. ونسأله الله السلامة من الأهواء المضلة.
فإن قيل: أنتم وإن تأولتم. فإن تأويلكم لا يزيح الشك في أفعالهم، والشك في أفعالهم يلزم منه الشك في عدالتهم.
قلنا: الإجماع الذي حكيناه من إمتناع إسقاط عدالة جميع الصحابة، حجة قاطعة في أن هذا الشك غير مؤثر. فإذا انضم ذلك إلى ما تقدم من الأدلة الدالة على عدالتهم، واستصحبنا ذلك في كل1 فرد منهم كان هذا الشك مندفعاً. كيف ونحن إنما نتأول تأويلاً في كلّ قصة. هو الظاهر المستفاد ظهوره منها كما سيأتي بيان بعضه إن شاء الله تعالى قريباً.
وهذا أمر معمول به –أعني استصحاب العدالة- وأنها لا ترفع بالشك في حق من ثبتت عدالته بشاهدين وشهادتهما لم يفد إلا الظن المجرد. بجريان ذلك في حق من هو مقطوع بعدالته بتعديل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى.
وبهذا يتبين أنه ليس المعنى بعدالة كل واحد من الصحابة رضي الله عنهم أن العصمة له ثابتة والمعصية عليه مستحيلة. ولكن المعنى بهذا أن روايته مقبولة وقوله مصدق ولا يحتاج إلى تزكية كما يحتاج غيره إليها؛ لأن استصحاب الحال لا يفيد إلا ذلك.
هذا ما يتعلق بالطريق الإجمالي. وأما التفصيلي:
فلأئمتنا المتقدمين فيه مصنفات مستقلة، ويطول الكلام به هنا إن تعرضنا للجميع. ولكن نشير إلى فصل موجز يتعلق بوقعة الجمل--------------------------------------------
1 سقط من نسخة كراتشي ما بعد كلمة ((كل)) قدر ثلاث ورقات. وانتهى السقط عند عبارة ((رواية غيره)) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
لندفع به الطعن عن مثل طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم ويكون ذلك مثالاً لغيره.
وهو أن المصيبة بعثمان رضي الله عنه كانت عظيمة. ولم يكن خطر ببال علي ولا غيره من الصحابة رضي الله عنهم أن يُقتل. ولكن ظنوا أن الخوارج الذين حاصروه أعتبوه في شيء وأن الأمر يؤدي إلى تسكين وسلامة. فلما وقع قتله بغتة كان منكراً مهولاً. ولم يكن في قتله بحمد الله أحد ممن ثبتت الصحبة له كما تقدم.
فأعجل الأمر الصحابة رضي الله عنهم عن القيام على قاتليه بغتة لشوكتهم حينئذ. ورأو المبادرة إلى نصب إمام يجمع الكلمة أولاً. ولم يكن بدّ من متابعة علي رضي الله عنه. لأنه حينئذ أفضل الموجودين بالاتفاق وأحقهم بالإمامة. لسابقته وفضله وشجاعته وغير ذلك. فاجتمعوا عليه وبايعوه وتخلف عنه أهل الشام فلم تجتمع الكلمة عليه ولا انتظم الأمر انتظاماً تاماً يتمكن به علياً رضي الله عنه من الإقادة بدم عثمان رضي الله عنه من قاتليه وقد انضموا إليه. فلو أقاد من أحدهم لتفرق1 بذلك قبائلهم كلها. وكثرت الفتن وزاد الهرج.
فرأى علي رضي الله عنه أن يؤخر ذلك إلى أن تجتمع الكلمة ويتمكن من إقامة الحق من غير فتنة. ورأى طلحة والزبير رضي الله عنهما ومن قام معهما أنهم قد وقعوا في أمر عظيم من خذلان عثمان رضي الله عنه والسكوت عنه إلى أن قتل. وأن ذلك لا يمحوه إلا القيام على قاتليه وطلب الإقادة منهم. ولم يكن عندهم ما رآه علي رضي الله عنه من خوف زيادة الفتنة من قبائلهم مانعاً من المبادرة إلى الطلب بدم عثمان.
فوقع ما قدره الله تعالى مع اجتهاد كل من الطائفتين ليقضي الله--------------------------------------------
1 في الأمريكية: لنفرت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
أمراً كان مفعولا. قدر وقوعه في الأزل. وإن كان اجتهاد علي رضي الله عنه أقرب إلى الحق. وإن أكثر من قام مع طلحة والزبير ممن ليست له صحبة. لم يكن مقصده باطناً للاجتهاد الذي هو مأخذ طلحة والزبير.
بدليل أن مروان بن الحكم كان من جملة من معهما وهو الذي باشر قتل طلحة رضي الله عنه. فالمقصود أن الصحابة رضي الله عنهم إنما قاموا مجتهدين فيما نقلوه والإثم منحط عن المجتهد إذا استفرغ جهده. لا فرق فيه بين الدماء وغيرها.
وذلك يرفع سمة النقص والغض عن أكابر الصحابة رضي الله عنهم. وبسط الكلام يطول به المقام ويخرج عن المقصود. وفي جميع ما تقدم كفاية لمن نور الله قلبه، ولم يمل به الهوى إلى الانحراف. وبالله التوفيق.
وأما معاوية رضي الله عنه وإن كانت فئته باغية على علي رضي الله عنه بنصّ النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال:
37- "تقتل عماراً الفئة الباغية" 1.
فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم بما أطلعه الله عليه أن معاوية سيملك، وقال له:
38- "إن ملكت فاعدل" 2.--------------------------------------------
1 الحديث صحيح. رواه الإمام البخاري في كتاب الصلاة. باب التعاون في بناء المسجد، ولفظه: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار".
ورواه الإمام مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، بلفظ ما في المخطوط.
قال الحافظ ابن حجر: "روى حديث تقتل عماراً الفئة الباغية جماعة من الصحابة. ذكرهم ثم قال: وغالب طرقها صحيحة أو حسنة".
انظر: فتح الباري 1/541-543، صحيح مسلم 18/41.
2 قال الحافظ ابن حجر: "وفي مسند أبي يعلى عن سويد بن شعبة عن عمرو بن يحيى بن سعيد عن جده سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن معاوية قال:
"اتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فلما توضأ نظر إليّ فقال: يا معاوية إن وليت أمراً فاتق الله واعدل. فما زلت أظن أني مبتلى". سويد فيه مقال، وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر.
قال الإمام السيوطي: "أخرج إبن أبي شيبة والطبراني في الكبير عن عبد الملك بن عمير قال:
قال معاوية: ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معاوية إذا ملكت فأحسن". قال السيوطي: قد ورد في فضله أحاديث قلما تثبت".
انظر: مجمع الزوائد 9/356، الإصابة 3/433، تاريخ الخلفاء 194.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
وعلم أيضاً ببغيه في قتال علي رضي الله عنه. ومع ذلك دعى له في الحديث الذي رواه يونس بن سيف عن الحارث بن زياد عن أبي رهم السمعي عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
39- "اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب" 1.
وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صدّق معاوية في الوتر بركعة واحدة، وقال:
40- "أصاب إنه فقيه"2.
وروى عنه أنه "قصّر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص"3.--------------------------------------------
1 قال الهيثمي:
رواه البزار وأحمد والطبراني. وفيه الحارث بن زياد، ولم أجد من وثقه ولم يرو عنه غير يونس بن سيف، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف".
قلت: الحديث ضعيف قد يرتقي إلى الحسن لغيره بالشواهد والمتابعات. وقد صرّح الإمام السيوطي بأنه ورد في فضل أبي سفيان أحاديث قلما تثبت. والله أعلم.
انظر: فضائل الصحابة للإمام أحمد 2/913، مسند الإمام أحمد 4/127، مجمع الزوائد 9/356.
2 رواه البخاري في صحيحه. باب ذكر معاوية بن أبي سفيان.
فتح الباري 7/103.
3 رواه البخاري في باب الحلق والتقصير عند الإحلال.
ومسلم في باب جواز تقصير المعتمر من شعره.
فتح الباري 3/561، صحيح مسلم بشرح النووي 8/231.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
وكذلك روى أيضاً عن معاوية:
جرير بن عبد الله البجلي، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية بن خديج، والسائب بن يزيد، وجماعة غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
وكل ذلك بعدما وقع منه من قتال علي رضي الله عنه.
واتفق أئمة التابعين بعدهم على الرواية عنه وقبول ما رواه هو وعمرو بن العاص، وكل من قام معهما في الفتنة، فكان ذلك إجماعاً سابقاً على قول من قدح فيهم حتى أن جعفر بن محمد بن علي روى عن القاسم بن محمد عن معاوية حديثاً1.
وقال محمد بن سيرين:
كان معاوية رضي الله عنه لا يتهم في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم2.
قال الإمام أبو بكر البيهقي:
كل من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ممن صحبه أو لقيه فهو ثقة، لم يتهمه أحد ممن يحسن علم الرواية فيما روى.
ومما يتصل بذلك أيضاً:
الكلام في سمرة بن جندب رضي الله عنه.--------------------------------------------
1 الحديث رواه الطبراني في الكبير 19/332، وفيه:
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: "إن صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً".
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد 2/67.
2 وروى عن ابن عباس مثله. المعجم الكبير 19/310.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
فقد تعرض إليه بعضهم لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ولأبي هريرة ولآخر كان معهما1 في بيت.
40- "آخركم موتاً في النار" وكان آخرهم موتاً سمرة.
ولأنه ولي البصرة لزياد بن أبيه ثم لمعاوية أيضاً.
وكان يكثر القتل.
وقد روى شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه أنه قال:
41- "حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتين في الصلاة.. الحديث"2.
وأن عمران بن حصين أنكر ذلك، فكتبوا في ذلك إلى أبي بن كعب فكتب بصدق سمرة، ويقول:
42- "إن سمرة حفظ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم3.
وروى عاصم بن سليمان عن محمد بن سيرين أن ابن عباس رضي الله عنهما أمر الناس بزكاة الفطر فأنكروا ذلك عليه، فأرسل إلى سمرة بن جندب فقال له:--------------------------------------------
1 ذكر الحافظ ابن حجر أنه أبا محذورة.
الإصابة 2/79.
2 رواه الترمذي وقال:
حديث حسن.
وابن ماجه في باب في سكتتي الإمام. والطبراني في الكبير.
انظر: تحفة الأحوذي 2/79، سنن ابن ماجه 1/275، المعجم الكبير 7/254، تحفة الأشراف 4/69.
3 الإستيعاب 2/78.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بها. قال: بلى. قال: فما منعك أن تعلم أهل البلدة.
فلو لم يكن سمرة عند ابن عباس بالمحل الأعلى، لما سأله واستشهد به.
وقال عبد الله بن صبيح عن ابن سيرين:
43- "كان سمرة فيما علمت عظيم الأمانة صدوق الحديث يحب الإسلام وأهله"1.
وأما حديث: "آخركم موتاً في النار".
فقد وقع مصداقه بأن سمرة رضي الله عنه أصابه في آخر عمرة كزاز فكان يعالج منه بأن يغلي له قدر مملوء ماء حاراً، فيقعد عليها يستدفئ ببخارها فسقط فيها وهي أشد ما تكون حراراة، فمات.
فلم يكن مراده صلى الله عليه وسلم إلا نار الدنيا2.
وأما قتله الناس:
فإنما كان يقتل الخوارج المارقين الذي أكفروا الصحابة وقاتلوا الناس3، ولم يكن يقتل أحداً إذا ظفر به رضي الله عنه.
وقد ذكر جماعة من أئمة الأصول في هذا الموضع قصة أبي بكرة، ومن جلد عمر رضي الله عنه في قذف المغيرة بن شعبة وأن ذلك لم يقدح في عدالتهم. لأنهم إنما أخرجوا ذلك مخرج الشهادة ولم يخرجوه مخرج القذف، وجلدهم عمر رضي الله عنه باجتهاده، فلا يجوز رد أخبارهم بل هي كغيرها من أخبار بقية الصحابة رضي الله عنهم.--------------------------------------------
1 الإستيعاب 2/78.
2 المصدر السابق.
3 تهذيب الأسماء 1/236.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
((فصل))
والذي نختتم به الكتاب في هذا المعنى أمر مهم أولع فيه الحنفية في كتبهم ومناظراتهم يفضي إلى خلل عظيم في الإسلام، وذلك يتعلق بأمرين:
أحدهما: في حق أبي هريرة رضي الله عنه على الخصوص، وأن التهمة تطرقت إلى رواياته لكثرة ما روى، ولأنه أنكر عليه جماعة من الصحابة1.
والثاني: فيما يتعلق بأخبار من ليس من فقهاء الصحابة، وإنما يقدم عليها القياس عند المعارضة، ويكون التأويل متطرقاً إليها بخلاف أخبار الفقهاء منهم، وجعلوا هذين الأمرين عمدة لهم في رد كثير من الأحاديث التي صحت على خلاف مذهبهم. والله الموعد.
كما ثبت هذا اللفظ عن أبي هريرة رضي الله عنه، لما قيل له إنه يكثر الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد بالغ بعضهم حتى حكى أبو الحسين بن القطان من أصحابنا عن عيسى بن أبان أنه نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
44- "يخرج من أمتي ثلاثون دجالاً … الحديث".
وأن علياً قال:--------------------------------------------
1 انظر صحيح الإمام مسلم 16/52.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
أنا أشهد أن أبا هريرة منهم.
ونقله عن إبن أبان جماعة من غلاة الحنفية ولكن أبو بكر الرازي منهم. أنكر هذا عن عيسى بن أبان، وقال:
هو كذب على عيسى، ووضعه من لا يرجع إلى دين ولا مرؤة، ولا يتحاشى من الكذب في التثبت.
والذي نقله الرازي عن إبن أبان أنه قال:
يقبل من حديث أبي هريرة ما لم يرده القياس، ولم يخالف نظايره من السنة المعروفة، إلا أن يكون شيء من ذلك قبله الصحابة والتابعون، وذلك لكثرة ما أنكر الناس من حديثه. وشكهم في أشياء من روايته.
قال إبراهيم النخعي:
كانوا لا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان في ذكر الجنة والنار، ولم يقبل ابن عباس روايته في الوضوء مما مست النار، وقال:
45- "أنتوضأ بالحميم وقد أغلي على النار".
فقال له أبو هريرة:
يا ابن أخي إذا جاءك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له الأمثال1.
قال عيسى بن أبان: فلم يرد ابن عباس رواية أبي هريرة لمعارض لها عنده – يعني نسخ الوضوء مما مست النار-، وإنما ردها بالقياس – وكانت عائشة رضي الله عنهما تمشي في الخف الواحد، وتقول:
"لأخشن أبا هريرة".--------------------------------------------
1 مخالفة ابن عباس لأبي هريرة أخرجه البزار في مسنده.
مسند البزار 6/68 ل ب. المعتبر 1/169.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
يعني في روايته المنع من ذلك1.
وأنكرت عليه أيضاً:
46- حديث: "ولد الزنا شر الثلاثة".
وعارضته بقوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} 2.
وقالت لابن أخيها:
لا تعجب من هذا وكثرت حديثه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثاً لو عده العاد أحصاه3.
قال:
وقد أنكر ابن عمرو وغيره من الصحابة عليه كثرة حديثه، ولم يأخذوا بكثير من رواياته حتى يسألوا غيره.
وقال أبو بكر الرازي بعد سياقه هذا الكلام:
لم يظهر من الصحابة من التثبت في حديث غير أبي هريرة مثل ما ظهر منهم في حديثه.
فدل ذلك على أنه متى غلط الراوي وظهر من السلف التثبت في روايته كان ذلك مسوغاً للإجتهاد في مقابلته بالقياس وشواهد الأصول.
ثم ذكر أن عمر رضي الله عنه قال لأبي هريرة لما بلغه أنه يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء لا تعرف:--------------------------------------------
1 الإجابة ص 125.
وقال ابن عبد البر: لم يلتفت أهل العلم إلى ذلك، لأن السنن لا تعارض بالرأي.
2 المصدر السابق ص 119.
3 فتح الباري 6/567، صحيح مسلم 16/53، وليس فيهما قول عائشة: لا تعجب من هذا.. الخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
"لئن لم تكف عن هذا لألحقنك بجبال دوس" 1.
ثم ذكر الرازي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
47- "من يبسط ردائه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئاً سمعه مني. قال أبو هريرة: فبسطت نمرة كانت عليّ حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، فما نسيت شيئاً سمعته منه" 2.
وأجاب عن ذلك: بأن هذا لو كان كذلك لكانت هذه فضيلة اختص بها من بين الصحابة، ولعرفوا له ذلك واشتهر بها حتى كانوا يرجعون إليه ويقدمون روايته على3 رواية غيره، ولم يقع ذلك. بل كانوا ينكرون كثرة روايته.
وأيضاً كيف يكون ذلك وقد روى حديث:
48- "لا عدوى ولا طيرة" 4. ثم نسيه.
وروى حديث:
49- "لا يورد ممرض على مصح". وأنكر أن يكون حديثاً بالخبر الأول5.--------------------------------------------
1 رواه الرامهرمزي. عن عثمان رضي الله عنه.
وابن كثير عن عمر بلفظ لتتركن الحديث.
المحدث الفاصل ص 554، البداية والنهاية 8/106.
2 رواه الإمام مسلم في فضائل أبي هريرة، صحيح مسلم 16/52.
3 انتهى السقط في نسخة كراتشي عند هذه العبارة.
4 رواه الإمام البخاري في كتاب الطب، باب الجذام.
ومسلم في كتاب السلام.
فتح الباري 10/158، صحيح مسلم 14/214.
5 انظر صحيح مسلم 14/215، وفيه خبر إنكاره للحديث الأول.
وسيأتي رد المؤلف بعد قليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
قال: على أنه لو صح الحديث في بسطه النمرة، لكان محمولاً على ما سمعه في ذلك المجلس خاصة دون غيره.
ثم ذكر بعد ذلك توقى من توقى من الصحابة رضي الله عنهم في الرواية وتقليلهم منها.
قال: وهذا يدل على أن كثيراً1 من الصحابة رضي الله عنهم أشفقوا على حديث النبي صلى الله عليه وسلم من أن يدخله خلل أو وهم.
وإذا كان السهو والغلط جائزين على الرواة ثم ظهر من السلف إنكار لكثرة الرواية على بعضهم، كان ذلك سبباً لاستعمال الرأي والإجتهاد2 فيما يرويه وعرضه على الأصول والنظاير3.
"رد المؤلف على أبي بكر الرازي" 4
وهذا الفصل كما تراه ظاهر الضعف، مقتض لرد كثير من السنة الثابتة لمجرد الظن الفاسد. وليس في شيء مما ذكروه ما يقتضي توقفاً في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ولا تطرق تهمة إليه. معاذ الله من ذلك أنّى وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالحرض على الحديث لمّا قال له:
50- "من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أحد قبلك لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله". أخرجه البخاري5.
وروى في كتاب التاريخ له من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن مالك بن أبي عامر قال:--------------------------------------------
1 في الأمريكية: على أن كبراء الصحابة.
2 في الأمريكية: لاستعمال الرأي والاجتهاد.
وكذلك نسخة كراتشي.
3 انتهى الاعتراض.
4 انتهى الاعتراض.
5 رواه البخاري في باب الحرص على الحديث. فتح الباري 1/193.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
51- "كنت عند طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فدخل عليه رجل فقال:
يا أبا محمد والله ما ندري أهذا اليماني – يعني أبا هريرة – أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، أو هو يقول على النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل؟
فقال: والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم. إنا كنا أغنياء لنا بيوتات وأهلون. وكنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار ثم نرجع. وكان مسكيناً لا مال له ولا أهل. يده مع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان يدور معه حيثما دار. فما نشك أنه قد علم مالم نعلم، وسمع ما لم نسمع، ولن نجد أحداً فيه خير يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل"1.
وروى حفص بن غياث عن أشعث عن مولى لطلحة قال:
52- "كان أبو هريرة جالساً في مسجد الكوفة، فمر رجل بطلحة رضي الله عنه2.
فقال: قد أكثر أبو هريرة.
فقال طلحة: قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا".
وفي تاريخ البخاري أيضاً من طريق إسماعيل بن أمية عن محمد بن قيس بن مخرمة عن أبيه:
53- "أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه فسأله عن شيء فقال: عليك بأبي هريرة فإنا بتنا أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ندعوا الله فجلس إلينا فسكتنا فقال:--------------------------------------------
1 التاريخ الكبير 2/3/132 مع اختلاف يسير.
ورواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
انظر المستدرك 3/511.
2 الإصابة 4/208.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
عودوا للذي كنتم فيه. قال: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا ثم دعى أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي هذان وأسألك علماً لا ينسى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمين. فقلنا يا رسول لاله ونحن لا نسألك علماً لا ينسى. قال: سبقكما بها الغلام الدوسي1.
وروى هشيم عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن بن إبن عمر أنه مر بأبي هريرة رضي الله عنه وهو يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث من تبع جناز فقال:
54- "أنشدك الله يا أبا هريرة أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ قال: اللهم نعم. لم يكن يشغلني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس الردى ولا صفق بالأسواق، لقد كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها".
فقال إبن عمر:
55- "يا أبا هريرة قد كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه".
وهذا إسناد صحيح.
وأصل القصة في صحيح مسلم وفيه أن إبن عمر قال حينئذ: لقد فرطنا في قراريط كثيرة2.--------------------------------------------
1 رواه الحاكم في كتاب معرفة الصحابة وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وتعقبه الإمام الذهبي وقال: حماد ضعيف – يعني حماد بن شعيب الذي روى عن إسماعيل بن أمية.
المستدرك 3/508.
2 صحيح مسلم باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها. والحاكم في كتاب معرفة الصحابة بنحو ما ذكره المؤلف.
صحيح مسلم 3/13، المستدرك 3/510.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
وقال إبن أبي الزناد عن أبيه عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير بضعة عشر رجلاً، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه فيعرفه بعضهم. ثم يحدثهم الحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه حتى فعل ذلك مراراً.
قال: فعرفت يومئذ أنا أبا هريرة أحفظ الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه البخاري في تاريخه أيضاً1.
وقال شعبة عن أشعث بن سليم عن أبيه قال:
56- "قدمت المدينة فإذا أبو أيوب يحدث عن أبي هريرة. فقلت: تحدث عن رجل وقد كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إنه قد سمع2.
(ولأن) 3 أحدث عنه أحب إلي من أن أحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: وممن روى عنه أيضاً من الصحابة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبو أمامة سهل بن حنيف4.
قال البخاري:
روى عنه نحو ثمانمائة نفس من صاحب وتابع من أهل العلم.--------------------------------------------
1 انظر: المستدرك 3/511.
ولم أقف عليه في التاريخ الكبير للإمام البخاري.
2 رواه الحاكم في المستدرك 3/512. ويحمل كلام أبي أيوب على أن الراوي قد يغلظ بزيادة أو نقصان، فيرى أنه لو أخطأ مع راو مثله خير من الخطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3 ما بين القوسين من المستدرك.
4 الإصابة 4/205.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
وهذا يقتضي إجماع الأمة كلها على قبول روايته وعدم التوقف فيها1.
قال أبو صالح:
57- "كان أبو هريرة رضي الله عنه من أحفظ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن بأفضلهم"2.
وقال حماد بن زيد ثنا عمرو بن عبيد الأنصاري قال: ثنا أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم.
58- "أن مروان بن الحكم دعا أبا هريرة، فأقعدني خلف السرير فجعل يسأله وجعلت أكتب، حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به، فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر"3.
قلت:
وهذا كله نتيجة بسط ردائه الذي أشار إليه أبو بكر الرازي، وفي كلامه ما يقتضي تضعيفه. وليس كما ذكر لأنه ثابت في الصحيحين.
وفي بعض طرقه الثابت قال:
59- "حضرت من النبي صلى الله عليه وسلم مجلساً فقال: من يبسط ردائه حتى--------------------------------------------
1 الإصابة 4/205.
وقال الحاكم رحمه الله بلغ عدد من روى عن أبي هريرة من الصحابة ثمانية وعشرين رجلاً.
فأما التابعون فليس فيهم أجل ولا أشهر وأشرف وأعلم من أصحاب أبي هريرة.
المستدرك 3/513.
2 التاريخ الكبير 2/3/133.
3 أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.. المستدرك 7/510.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه فلن ينسى شئياً سمعه مني؟ فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه ثم قبضتها إلي. فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئاً بعده سمعته منه "1.
أخرجاه في الصحيحين من طريق إبن عيينة عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة.
ورواه البخاري أيضاً من طريق إبن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قلت:
60- "يا رسول الله إني أسمع منك حديثاً كثيراً فأنساه، قال: ابسط ردائك فبسطه فغرف بيديه ثم قال: ضمه. فضممته فما نسيت حديثاً قط" 2.
فهاتان الروايتان مصرحة بأن عدم نسيانه لم يكن مختصاً بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المجلس. بل هو شامل لجميع ما سمعه منه في ذلك المجلس وغيره.
وقول الرازي لو كان كذلك لاشتهر به بين سائر الصحابة، ولم يتثبت في حديثه. يقال عليه إنه غير لازم لأن القضية لم تكن بحضور جمع يسمع الحديث منهم. ولم يعرف ذلك إلا من جهته. وقد شهدوا له بالحفظ كما تقدم عن جماعة منهم، ولم يتثبت أحد منهم في حديثه. ولو وقع في بعض ذلك شيء من واحد منهم كان على وجه الاحتياط. كما في قصة أبي بكر رضي الله عنه مع المغيرة في ميراث الجدة3.--------------------------------------------
1 رواه الإمام مسلم. في فضائل أبي هريرة.
صحيح مسلم 16/52.
2 كتاب العلم. فتح الباري 1/215.
وانظر كلام الحافظ ابن حجر.
3 رواه الإمام مالك في الموطأ باب ميراث الجدة.
والترمذي وقال عقبه: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجه في سننه. وأورده الذهبي في ترجمة الصديق رضي الله عنه مستدلاً به على أنه كان أول من احتاط في قبول الأخبار.
وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح بثقة رجاله، إلا أن صورته مرسل، فإن قبيصة لا يصح له سماع من الصديق ولا يمكن شهوده للقصة.
الموطأ 1/335، تحفة الأحوذي 6/277، سنن ابن ماجه 2/909، تذكرة الحفاظ 1/3، التلخيص الحبير 3/82.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
وقصة عمر رضي الله عنه مع أبي موسى في الإستئذان ثلاثاً1.
ولا يلزم من ذلك تطرق ريبة إليهما.
وكذلك فعل إبن عمر في حديث أبي هريرة في إتباع الجنازة، وقد سلم له أنه كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغيبون في أشغالهم2.
وأما قول عمر رضي الله عنه:
"لألحقنك بجبال دوس"، فلم ثبت عنه3.
وقد ولاه عمر رضي الله عنه البحرين مع عدم مداهنته4.
وقال له عثمان رضي الله عنه:
61- "حفظ الله عليك دينك، كما حفظت علينا ديننا".--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري في باب التسليم والاستئذان ثلاثاً.
ومسلم في باب الإستئذان من كتاب الأدب.
فتح الباري 11/2611، صحيح مسلم 14/130.
2 رواه البخاري في باب فضل اتباع الجنائز.
ومسلم في باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها.
فتح الباري 3/192. صحيح مسلم 7/14.
3 وروى عن عثمان أنه قال مثل هذا القول في أبي هريرة.
ويرى الحافظ إبن كثير أن هذا القول محمول على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس غير مواضعها. وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص. وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك.
انظر المحدث الفاصل ص 574، البداية والنهاية 8/106، السنة قبل التدوين ص 460.
4 ثم طلبه عمر مرة أخرى ليستعمله فأبى.
انظر الإصابة 4/210.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
وإنما عمر رضي الله عنه كان يحب إقلال الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ويوصي بذلك كثيراً من الصحابة. أخذاً بالتوقي والإحتياط وحذراً من زيادة أو نقصان يقعان من الراوي وهو لا يشعر، والروايات عنه بذلك ثابتة. فلم يكن ذلك مختصاً بأبي هريرة دون غيره.
وأما نقض الرازي ذلك بنسيانه حديث:" لا عدوى" فلا يلزم لأنه لم يصرح بأنه نسيه.
وربما كتمه في ذلك الوقت لمصلحة رآها في الحاضرين يومئذ.
ولو سلم أنه نسيه فلا يلزم منه دوام نسيانه، بل ربما تذكره بعد ذلك.
وفي إجماع العلماء كافة على قبول قول أبي هريرة وتلقيه منه غنية ورد على إبن أبان ومن تبعه في رأيه. والله ولي التوفيق.
وأما الكلام في أفراد الصحابة الذين لم يشتهروا بالعلم، وأن حديثهم لا يقبل منه إلا ما وافق القياس، فهو كما تقدم في الضعف، وعلى خلاف ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم.
فقد ثبت عن ابن عباس أن عمر رضي الله عنه سأل عن إملاص المرأة، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال:
62- "كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة.. الحديث".
رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم1.
وأخرجوا أيضاً بسند صحيح أن عمر رضي الله عنه كان يقول:--------------------------------------------
1 أبو داود في باب دية الجنين.
والنسائي في باب قتل المرأة بالمرأة.
والحاكم في كتاب معرفة الصحابة.
وتكلم عليه الحافظ الزركشي في كتابه المعتبر.
انظر: عون المعبود 12/314، سنن النسائي 8/21، المستدرك 3/575، المعتبر 1/164.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)