ولكن على سبيل المواطأة والموافقة، بل على سبيل الاشتراك والمبادلة.
لأن عين الشمس وعين الرأس وعين الركبة والذهب وذات الشيء والماء النابع من الأرض ليست من أفراد لفظ "العين".
وإنما العرب قد وضعوا لفظ "العين" لكل هذه المعاني على سبيل الاستقلال والبدلية والاشتراك.
(34) (قال) شيخ الإسلام ابن تيمبة رحمه الله:
"وقيل له أيضا: أنت في تقابل السلب والإيجاب" 1.
الشرح:
أقول: لقد سبق أن شرحنا: أنواع التقابل كما هي في كتب المنطق: وأعيدها هنا للإيضاح: فأقول: التقابل أنواع:
أ- نوع يسمى تقابل الإيجاب والسلب أو تقابل النقيضين. وهذا التقابل لا يتحقق إلا بين الشيئين اللذين لا يجوز رفعهما ولا يجوز جمعهما ويكون أحدهما وجوديا والآخر عدميا، أي: يكون أحدهما إيجابيا والآخر سلبيا نحو الإنسان واللا إنسان.
والداخل واللا داخل، والخارج واللا خارج.
ب- ونوع يسمى تقابل التضاد.
وهذا التقابل يكون في شيئين وجوديين بحيث لا يجوز الجمع--------------------------------------------
1 التدمرية ص71.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
بينهما ولكن يجوز رفعهما نحو الحجر والشجر، والإنسان والحمار والسماء والأرض. ويسمى المتضادين أيضا.
ج- تقابل التضائف: وهو لا يتحقق إلا في شيئين وجوديين ولكن أحدهما لا يتصور بدون الآخر.
نحو الأب والابن، فالأب لا يكون أبا إلا إذا كان له ابن، وكذا الابن لا يكون ابنا إلا إذا كان له أب.
د- تقابل العدم والملكة:
وهذا التقابل لا يتحقق إلا في شيئين: أحدهما وجودي، وهو الملكة. أي: أمر محبوب وصفة كمال. والثاني عدمي. أي: أمر غير محبوب وصفة نقص، نحو البصر والعمى.
ويكون محل الوجودي صالحا للعدمي، وبالعكس أيضا.
فالبصر ملكة وصفة كمال. وهو شيء وجودي، والعمى صفة نقص، وهو شيء عدمي، ومحل الوجودي –وهو الرجل البصير- صالح العمى لأنه يمكن أن يصير الرجل البصير أعمى، وكذلك العكس، لأنه يمكن أن يصير الرجل الأعمى بصيرا.
(35) (قال) شيخ الإسلام ابن تيمبة رحمه الله:
"الوجه الثالث … " إلخ1.
الشرح:
أقول: حاصل هذا الكلام: أن المتقابلين إن كانا وجوديين أو كانا--------------------------------------------
1 التدمرية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
سلبيين (عدميين) أو كان أحدهما وجوديا والآخر سلبيا (عدميا) فإن كانا وجوديين فإما أن يمكن خلو المحل منهما أم لا.
فالأولان ضدان: نحو البياض والسواد، والحجر والشجر، لأنه يجوز أن يكون هذا اللون لا أبيض ولا أسود بل يكون أحمر ويكون هذا الشيء لا حجرا ولا شجرا بل يكون إنسانا.
والآخران نقيضان عند أهل اللغة وأهل السنة كالوجود والإمكان والحدوث والقدم والدخول والخروج والاتصال والانفصال والمباينة والمجانبة. فهذه الأمور وإن كانت وجودية إيجابية ثبوتية ولكن لا يمكن رفعها معها كالنقيضين عند المناطقة والمتكلمين والجهمية.
وإن كانا وجوديين أيضا ولكن كان تصور أحدهما موقوفا بتصور الآخر.
فهما متضائفان نحو الابن والأب وإن كانا سلبيين:
نحو اللاإنسان واللاحجر. وهذا النوع لا تسميه به، ولكن قد يكون بينهما تصادقا.
نحو الكتاب فالكتاب لا إنسان ولا حجر، وقد يكون ذلك، نحو الإنسان، فإنه لا يقال له: هذا لا إنسان ولا حجر. بل يقال: حجر ولا إنسان. وإما أن يكون أحدهما وجوديا والآخر سلبيا، بحيث لا يجتمعان ولا يرتفعان، فهما نقيضان. نحو الإنسان، واللاإنسان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
(36) (قال) شيخ الإسلام ابن تيمبة رحمه الله:
"الوجه السادس … " إلخ1.
الشرح:
قصد شيخ الإسلام: أنه لا بد في باب اتصاف الله تعالى أن نعلم أن ثبوت الصفات له تعالى ممكن بالإمكان الخارجي. أي: ليس ذلك مجرد الإمكان الذهني فقط، بل من الأمور الممكنة الواقعة في الخارج.
لأن إمكان الوصف لأي شيء لا يعلم إلا بثلاثة طرق:
1- إما أن يوجد ذلك الوصف لهذا الشيء.
2- أو أن يوجد ذلك الوصف لنظير ذلك الشيء.
3- أو أن يجيء ذلك الوصف لما هو أولى، والأخير مثاله.
الكتابة لزيد، ووصف زيد بالكتابة، فههنا ثلاث مراتب:
1-أن وصف زيد بالكتابة ثابت في الواقع لأن زيدا موصوف بالكتابة في الخارج.
2-والمرتبة الثانية ثبوت ذلك الوصف لعمر، فإن عمر من جنس زيد، فإذا ثبتت الكتابة لزيد فعمر يجوز اتصافه بالكتابة أيضا.
3-أن يوصف بذلك الوصف شيء آخر ولكنه أولى بذلك الوصف.
مثال ذلك صفة الكلام في الإنسان صفة كمال، فإذا ثبت ذلك الوصف لمن هو أدنى، فإثباته لمن هو فوق أولى، وذلك بالأدلة العقلية.
الحاصل: أن شيخ الإسلام يقول: إن صفة الكلام صفة خارجية توجد في الخارج عند الموصوفين بها. وذلك أن زيد موصوف بهذه الصفة فعلمنا اتصافه بها لأجل المشاهدة، وكذا نرى أن عمر أو--------------------------------------------
1 التدمرية ص83.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
بكر أو خالدا موصوفون بذلك، فزيد أيضا يتصف بذلك لأنه ممكن لأن زيدا من جنس عمر وكذا إذا نظرنا أن الطفل يتصف بهذا الوصف ويتكلم، فالكبير يتصف بهذه الصفة بالطريق الأولى، فالإنسان إذا اتصف بصفة كمال فالله أولى أن يتصف بها.
(37 (قال) شيخ الإسلام ابن تيمبة رحمه الله:
"من التوحيد هو شهود هذا التوحيد..إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده … " 1.
الشرح:
أقول: مصطلحات الصوفية: القول بوحدة الشهود: وفهم ذلك يتوقف على فهم وحدة الوجود.
فأقول: كثير من الصوفية يعتقدون عقيدة وحدة الوجود، ووحدة الوجود أن يعتقد أنه لا موجود إلا الله تعالى، فليس هناك موجود غير الله، فكل شيء هو الله. فالله عين الكون وعين الشمس والقمر والجبال ونحوها.
أما وحدة الشهود: فهذه أن يعتقد الإنسان أن هناك أشياء موجودة غير الله تعالى.
ولكنها لقوة فنائه في الله تعالى وشدة عقيدته في ربوبية الله تعالى لا يشاهد إلا الله تعالى مع اعتقاده أنه توجد أشياء غير الله تعالى ولكنه لشدة تعلقه بالله لا يشاهد إلا الله تعالى، وذلك كقوة شعاع الشمس فإن--------------------------------------------
1 التدمرية ص85.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
النجوم لا تشاهد عند شعاع الشمس بالنهار مع أنها موجودة.
فلقوة شعاع وجود الرب تعالى لا يرى هذا الرجل، ولا يشاهد إلا الله تعالى مع اعتقاده أن هناك أشياء موجودة غير الله تعالى، فلقوة تعلقه بالله في زعمه لا يلتفت ولا يرى لا زوجة ولا زوجا ولا أكلا ولا شربا ولا مالا، فالعارف يعني الصوفي العارف بالله (في زعمهم) إذا غاب بموجوده أي: بجسمه هو عن وجوده هو فهو لا يشاهد إلا الله تعالى ولا يرى جسمه وإذا غاب بمشهوده أي ربه [لأنه بشهود له فقط] عن شهوده لغيره.
فهو لا يشاهد غير مشهوده، وهو الله، وإذا غاب بمعروفه [أي ربه الذي هو معروف لديه] عن معرفته لأشياء أخرى غير الله، فهو لا يعرف شيئا غير الله تعالى، فإنه حينئذ يدخل في فناء التوحيد الكامل وهو توحيد الربوبية عندهم، وهو توحيد كوني.
بحيث يعتقد أن من لم يفن في الأزل فهو فان غير موجود. ونحو الأكل والشرب والزوجة والكون لم يكن موجودا فهو الآن كأنه غير موجود وأن من كان في الأزل، وهو الله فهو باق لم يزل ولا يزال. أما الأشياء الأخرى والموجودات الأخرى كأنها لا وجود لها أصلا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
أقول: هذه الفلسفة الصوفية متضمنة للحق والباطل. فأما الحق فهو أن الكون لم يكن موجودا وسيفنى أيضا والله كان وسيكون لم يزل ولا يزال موجودا. وأما الباطل فهو اعتقاد في هذا الكون أنه غير موجود وأنه غير مشهود وأنه غير معروف وأنه لا تعلق لنا بالدنيا والأكل والشرب والزوج والزوجة أصلا.
(38) (قال) شيخ الإسلام ابن تيمبة رحمه الله:
"أولئك يشبهون المجوس وهؤلاء يشبهون المشركين" 1.
الشرح:
أقول: يقصد شيخ الإسلام أن الصوفية الملاحدة الحلولية والوجودية الذين جل همهم التوحيد الكوني "أن الله حل في الكون، أو الكون هو الله"، ويعرضون عن توحيد الألوهية؛ فلا يتقيدون بالشرع ولا يأتمرون بأوامر الله ولا ينتهون عن نواهي الله تعالى. فهؤلاء الصوفية شرّ من القدرية المعتزلة، لأن القدرية يشبهون المجوس، لقول المعتزلة بأن العبد خالق لأفعاله فقالوا بخالقين تقول المجوس: إن خالق الشر شيء غير الله.
فهم أيضا قالوا بخالقين، ومع ذلك نرى أنهم أهل كتال ولكن هؤلاء الصوفية يشبهون المشركين الذين يعبدون الأوثان والأصنام ولا كتاب لهم.
ولا شك أن المشركين الوثنيين شر من المجوس لأن المجوس يعدون من أهل الكتاب، ولذا قرر الفقهاء أن المشركين لا جزية عليهم ولكن المجوس عليهم الجزية. فأنزلوهم منزلة أهل الكتاب وهم لا شك أنهم مشركون ولكن أخف شركا من شرك المشركين الوثنيين الذين يعبدون الأصنام.--------------------------------------------
1 التدمرية ص92.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
(39) (قال) شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"ومن قال إنه يفعل عندها لا بها فقد خالف ما جاء به القرآن" 1.
الشرح:
قصد شيخ الإسلام: أن الله تعالى –ولا شك- قد قدر الأشياء وعلمها في الأزل وكل ما يحدث في الكون لا يحدث إلا تحت مشيئته وإرادته وتحت علمه وقدرته، ولكن الله تعالى ربط المسببات بالأسباب، فتلك المسببات لا تحدث إلا بتلك الأسباب كما قال: {فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ} 2.
أي: علق إنزال الماء بسبب السحاب، وقال تعالى: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} 3. فعلق الله تعالى إخراج الثمرات بسبب الماء من المطر والعيون ولكن زعم قوم أن الله تعالى يحدث الأشياء ويخلق عند هذه الأسباب ولا يخلقها بها.
وهذا الزعم فاسد باطل مخالف لنصوص الكتاب والسنة، وصاحب هذا الزعم للقوى التي أودعها الله تعالى في الأسباب، فهذا المنكر في الحقيقة منكر للمحسوسات فهو مكابر وليس بمناظر.--------------------------------------------
1 التدمرية ص92.
2 سورة لأعراف: الآية (57) .
3 نفس الآية السابقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
(40) (قال) شيخ الإسلام ابن تيمبة رحمه الله:
"وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه" 1.
الشرح:
أقول: "السبب" في اللغة عبارة عن الحبل، ويقال لكل شيء يكون الوصول به إلى شيء آخر: إنه سبب، فالسبب ما يتوصل به إلى المقصود، وهذا المقصود يسمى مسببا. سواء كان حبلا، أو دلوا، أو سلاحا أو شيئا آخر، والسبب في الاصطلاح العام (شرعا وعرفا) :
هو ما يتوقف عليه المقصود.
أي: السبب هو الذي لا يحصل المسبب إلا بوجوده.
كالنصاب: فهو سبب لوجوب الزكاة.
ثم السبب قد يكون تاما، وهو الذي يكون سببا وحيدا لوجود المسبب، وقد يكون نافعا: وهو الذي يكون سببا للمسبب، ولكن هو وحده لا يكون سببا لهذا المسبب؛ بل يكون معه سبب آخر، وإذا اجتمعا يكونان سببا كاملا كالنصاب وحولان الحول كلاهما سبب لوجوب الزكاة. الحاصل: أن قصد شيخ الإسلام هو الرد على من جعل الأسباب مستقلة مستغنية في إيجاب المسببات.
فأراد شيخ الإسلام أن يرد على هؤلاء من وجهين:--------------------------------------------
1 التدمرية ص92.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
الأول: أن الأسباب مفتقرة بعضها إلى بعض، فما من سبب مستغن عن الآخر؛ وما من سبب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه.
الثاني: أنه لا بد في كون الأسباب أسبابا من عدم المانع، فإذا جاء المانع لا ينفع السبب فلا يوجد المسبب فالنار سبب للاحتراق إذا لم يكن هناك مانع؛ وإلا فلا.
فإن إبراهيم عليه السلام ألقي في النار ولم يحترق، فالنار خلق الله فيها الحرارة لا يحصل الإحراق إلا بها ولا بد من المحل الذي يقبل الاحتراق، وإلا لا يوجد الاحتراق أصلا، فإن وقع السمندل والياقوت ونحوهما في النار لا يحصل الاحتراق، وقد يطلى الجسم بما يمنع الإحراق فلا يحصل الاحتراق لوجود المانع.
والشمس سبب لوصول شعاعها إلى الأرض بشرط وجود الجسم الذي يقبل انعكاس الشعاع عليه، فإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل وصول الشعاع إلى التحت.
والحاصل أنه لا شيء يستقل ويستغني إلا الله تعالى، فكل شيء يفتقر إلى الله تعالى والله وحده هو الغني الحميد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
(41) (قال) شيخ الإسلام ابن تيمبة رحمه الله:
"ولهذا من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد … " 1.
الشرح:
أقول قصد شيخ الإسلام – الرد على الفلاسفة اليونانيين الكفرة ومن شابهم من المنتسبين للإسلام كابن سينا والملاحدة؛ حيث قالوا: إن الله فلا يصدر عنه إلا واحد. وفي هذا القول فسادان:
الفساد الأول: أنه يدل على أن الله تعالى غير مريد ولا مختار في خلق المخلوقات.
بل هو مضطر مجبور، حيث صدر منه واحد بالاضطرار بدون الاختيار.
الفساد الثاني: أن هذه القضية كاذبة في نفسها؛ فإنه لا يوجد دليل على أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، بل الحق والصدق أن الواحد يصدر عنه أشياء كثيرة. كما قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} 2. فعلم أن الله خالق الأزواج، وأن خالق الأزواج واحد، والأزواج كثيرة.
فدل ذلك على أن الواحد يخلق أشياء كثيرة.
فبطل قولهم: "إن الواحد لا يصدر منه إلا واحد".
قال شيخ الإسلام: "عارض كالسكر … ".
الشرح:
أقول: "السكر": هو غيبة بوارد قوي، وهو يعطي الطرب--------------------------------------------
1 التدمرية ص94.
2 الذاريات: الآية (49) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
والالتذاذ، وهو أقوى من الغيبة، وأتمّ منها"1.
أقول: حاصل هذا التعريف: أن "السكر" حالة من أحوال الصوفية تحصل بسبب وارد قوي يرد على قلب صوفي، إما من مشاهدته لله تعالى – حسب زعمه في كلب أو خنزير أو قرد- وإما لأجل عقيدته أن هذا الكون كله هو الله تعالى أو لأجل دعواه الكاذبة أن وصل في العشق والمحبة إلى حد فقد حواسه وقواه، من شدة الوجد والفسق والمحبة، حتى سكر لا يعي ما يقول ولا يفهم ولا يحس بالكون ولا بالتكليف كأنه مجنون أو نائم، أو ميت لا حراك له، أو يهذي هذيان المحمومين فيتكلم بكلمات الكفر والارتداد. وهذا كله انحلال وكفر وإلحاد وزندقة أيما زندقة.
ولذلك ترى شيخ الإسلام يرد على هؤلاء الزنادقة بقوله:
"فالأحوال التي يعبر عنها بالاصطلام والفناء والسكر ونحو ذلك –إنما تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض فهي مع ضعف صاحبها توقف تمييزه –لا تنتهي إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقا؛ ومن نفي التمييز في هذا المقام مطلقا، وعظم هذا المقام- فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية قدرا أو شرعا وغلط في خلق الله وفي أمره، [وأوسقط التكليف] ؛ حيث ظن أن وجود هذا [الكون] لا وجود له، [بل كل هذا الكون هو الله، لا موجود إلا الله] إلى آخر كلامه المهم، انظر: التدمرية 95.--------------------------------------------
1 التعريفات 120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
(42) (قال) شيخ الإسلام ابن تيمبة رحمه الله:
"ولكن توهمت طائفة أن للحسن والقبح معنى غير هذا..، وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا … " 1.
الشرح:
أقول: للناس نزاع في أن حسن الأشياء وقبحها عقليان أم شرعيان.
فطائفة ظنت أن القبح والحسن لا يعلمان إلا بالعقل، وطائفة ظنت أن القبح والحسن لا يعلمان إلا بالشرع.
وكلتا هاتين الطائفتين على غطل.
فأراد شيخ الإسلام أن يبين غلطهما وبين الحق وهو القول الوسط.
وهو أن حسن الأشياء بمعنى كونها ملائمة للفاعل وقبحها بمعنى كونها غير ملائمة للفاعل بل منفرة.
أو كون الأشياء مما يحبه الفاعل أو يكرهه أو يتلذذ بها أو يتأذى بها.
فهذا لا شك يعلم تارة بالعقل. كعلمه بأن الطعام يشبع والماء يروي، وتارة يعلم بالشرع. وتارة يعلم بهما جميعا.
ولكن تفاصيل الحسن وتفاصيل القبح لا يعلم إلا بالشرع فقط.--------------------------------------------
1 التدمرية ص94.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
كما قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} 1.
وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} 2. فدلّ ذلك على أن تفاصيل حسن الأمور وقبحها لا يعلم إلا بالوحي الذي هو مبنى الشرع.
والعقل لا يدرك تفاصيل هذه الأمور، فحسن الأشياء وقبحها مركوز في الفطر، والعقل مدرك إجمالا والشرع مزك ومرشد بالتفصيل.
(43) (قال) شيخ الإسلام ابن تيمبة رحمه الله:
"فمن نظر إلى القدر فقط وعظم الفناء في توحيد الربوبية ووقف عند الحقيقة الكونية –لم يميز بين العلم والجهل والصدق والكذب والبر والفجور والعدل والظلم والطاعة والمعصية والهدى والضلال والرشاد والغي وأولياء الله وأعدائه 3.
الشرح:
أقول: مقصود شيخ الإسلام: أن هناك حقيقتين:
الأولى – حقيقة كونية:
وهي ما خلق الله تعالى ودبره وأراده ورباه من الخير والشر--------------------------------------------
1 سورة الشورى، الآية: (52) .
2 سورة السبأ، الآية: (50) .
3 التدمرية ص95.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
والتوحيد والشرك والإسلام والكفر والظلمة والنور والعلم والجهل والظلم والعدل والبر والفجور والهدى والضلال وخلق أولياء له أمثال الأنبياء والمرسلين وخلق أولياء للشيطان أمثال فرعون وقارون وأبي جهل وغير ذلك من الأمور الكونية والموجودات الخارجية بقطع النظر عما يحبه الله وشرعه أو يكرهه ولم يشرعه.
والثانية: حقيقة شرعية:
وهي كل ما يحبه الله تعالى ويرضاه وشرعه لعباده وأمرهم به كالتوحيد والإسلام والإيمان والبر والعلم والعدل وجميع أبواب الخير ونحوها:
وكل ما يكرهه الله تعالى ويمقته ويغضب عليه ولم يشرعه لعباده بل نهاهم عنه، كالكفر والشرك والسحر والكذب والزور والبهتان والظلم والغي والبغي وغيرها من الأمور التي يكرهها الله تعالى. فهذه كلها حقائق شرعية.
ولكن الذين نظروا إلى كون مخلوق موجود في الخارج يرى في هذا الكون أولياء الله أمثال الأنبياء والمرسلين.
ويرى في هذا الكون أولياء الشيطان أمثال فرعون وقارون وهامان وأبي جهل وغيرهم، كما يرى في هذا الكون الإسلام والإيمان والتوحيد والصدق والخبر والعلم والهدى والرشاد ومحبة الصالحين. وكذلك يرى في هذا الكون والكفر والشرك والكذب والشرور والجهل والغواية ومحبة الظالمين.
فمن نظر إلى هذا الكون نظرة واحدة نظرة كونية خلقية بدون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
التفريق بين الحلال والحرام وبين الخير والشر وبين الظلم والعدل وبين الإسلام وبين الكفر، وبين التوحيد وبين الشرك وجعل هذه الأمور كلها بمنزلة واحدة، فقد ألحد وتزندق وخلط الحق بالباطل والكفر بالإسلام وناقض توحيد الألوهية، وإن كان آمن بتوحيد الربوبية بعض الشيء.
الحاصل: أنه لا يكفي أن ينظر الإنسان إلى الكون من حيث إنه كون مخلوق لله تعالى مربوب له.
بل ينظر إليه من حيث إنه كون مخلوق لله تعالى ومن حيث إن في هذا الكون ما يحبه الله تعالى وما يكرهه.
فيحب ما أحبه الله ويكره ما كره الله تعالى شرعا.
مع إيمانه أن هذه المحبوبات وتلك المكروهات كلها من هذا الكون وكلها من خلق الله تعالى.
فيميز بين كون الشيء كونا وخلقا، وبين كونه شرعا ورضا وكراهية. فلا يقف عند الحقيقة الكونية؛ بل يوفق بين الحقيقة الكونية والحقيقة الشرعية جميعا، فكثير من الصوفية الحلولية والاتحادية وكثير من الفلاسفة والمتكلمين قد نظروا إلى الكون من حيث إنه كون، ولم يفرقوا بين الشرع وبين الكون. فوقعوا في أنواع من الكفر والإلحاد والزندقة، حيث أحلوا كثيرا من المحرمات بحجة أنها أمور كونية، ولهذا ترى هؤلاء الحلولية والاتحادية، يعتقدون أن جميع الأديان كلها حق وصواب، وأنه لا يوجد باطل في هذا الكون ولا يوجد محرم في هذا الكون، فكل ما في هذا الكون حلال وصواب وحق.
فأحلوا جميع الفروج وأن جميع ملل الكفار والوثنية كلها حق وصواب لأنهم لم ينظروا إلى الكون بنظر الشرع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
(44) (قال) شيخ الإسلام ابن تيمبة رحمه الله:
"فالأحوال التي يعبر عنها بالاصطلام والفناء والسكر ونحو ذلك" 1.
الشرح:
أقول: "الأحوال" جمع "الحال".
والحال، لغة، غير الحال في اصطلاح أهل الكلام، وهو غير الحال في اصطلاح الصوفية، وهو غير الحال في اصطلاح النحاة، والمراد من الحال ههنا "الحال" في اصطلاح الصوفية فالحال في اصطلاح الصوفية: "ما يرد على القلب لمحض الموهبة من غير تعمد ولا اجتلاب ولا اكتساب من طرب أو حزن أو قبض أو بسط"2.
قلت: الأحوال من خرافات الصوفية وترهاتهم.
ولكن المؤمن إذا سمع آيات الجهاد والإنفاق والتوحيد والرد على المشركين وأهل البدع، وفرح بذلك وسر وزاد إيمانه مع إيمانه السابق فهذا من الأحوال الطيبة.
وإذا عمل أي عمل صالح وفرح بذلك، فهذا من الأحوال الطيبة، وإذا عمل سيئة وحزن عليها وندم وتاب إلى الله تعالى فهذا من الأحوال الطيبة، وأما إذا خالف الكتاب والسنة وعمل السيئة ولم يحزن بل بعكس ذلك فرح بالعشق والفجور، فهذا من الأحوال السيئة.
وإذا سمع آيات الجنة واشتاق إليها فهذا من الأحوال الحسنة--------------------------------------------
1 انظر: تعريفات الجرجاني 81. واصطلاحات القاشاني 57.
2 التدمرية ص95.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
الطيبة وإذا سمع آيات الترهيب والنار، خاف ورق قلبه وخشع وبكى. فهذا من الأحوال الحسنة، ولكن إذا سمع آيات الجنة والنار، ولم يترقق قلبه بل زاد قسوة على قسوة، فهذا من الأحوال السيئة.
أما "الاصطلام" فهو في اصطلاح الصوفية: "وجد غامر يرد على العقول فيسلبها ويستلبها بقوة سلطانه وقهره"1.
أما "الفناء" فهو في اصطلاح الصوفية ما قاله الجرجاني الحنفي (816هـ) :
"الفناء سقوط الأوصاف المذمومة؛ كما أن البقاء وجود الأوصاف المحمودة. والفناء فناءان: أحدهما: ما ذكرنا، وهو بكثرة الرياضة.
والثاني: عدم الإحساس بعالم الملكوت، وهو بالاستغراق في عظمة الباري، ومشاهدة الحق"2.
أقول: فناء الصوفية هذيان وإلحاد وزندقة وانحلال.
لأن سقوط الأوصاف المذمومة ووجود الأوصاف المحمودة، لا يمكن إلا بتقوى الله تعالى واجتناب نواهيه وإيثار أوامره، وعبادته سبحانه وتعالى، واتباع سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مع الإخلاص التام، فمثل هذا يسمى تقوى وإسلاما، وإيمانا وصلاحا، ورشدا، وتوحيدا، ولا يسمى فناء.
وأما قولهم في معنى "الفناء": "أنه عدم الإحسان بالكون، ومشاهدة الحق". فهذا انحلال وكفر صريح وارتداد قبيح؛ لأن هذه عقيدة وحدة الوجود، فأصحاب وحدة الوجود لا يرون شيئا من هذا--------------------------------------------
1 انظر: اللمع للسراج الطوسي ص450، كما في معجم ألفاظ الصوفية ص41.
2 التعريفات 169.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
الكون؛ بل يعتقدون: أن الكون والجبال والسماء والأرض والجبال والشجر والمداد والبحر والبر والناكح والمنكوح كل هذا هو الله بعينه، وأنهم يشاهدون الحق ويرون الله تعالى ولا يرون شيئا آخر من الكون، فكل ما يرونه من الكلب والخنزير والقرد وغيرها، فهو الله عندهم، فهم لا يرون –حسب زعمهم- إلا الله.
سيرد شيخ الإسلام على هذه العقيدة بعد قليل، وبين المفهوم الصحيح الشرعي للفناء.
وأما "السكر" فقد فسره الجرجاني، (816) فقال: "وعند أهل الحق [أي: الصوفية] :
"السكر": هو غيبة بوارد قوي، وهو يعطي الطرب والالتذاذ، وهو أقوى من الغيبة، وأتمّ منها"1.
(45) (قال) شيخ الإسلام ابن تيمبة رحمه الله:
"فصل في أقسام الفناء … " 2.
الشرح:
أقول: قصد شيخ الإسلام ههنا هو الرد على الصوفية الحلولية والاتحادية بذكر معاني الفناء.
حيث ذكر للفناء معنى صحيحا يوافق شرع الله تعالى وذكر للفناء معنيين باطلين يصادمان شرع الله تعالى.
فقال -رحمه الله تعالى- ما حاصله:--------------------------------------------
1 التعريفات (120) .
2 التدمرية ص95.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
"الفناء " على ثلاثة أقسام حسب اصطلاح الشرع واصطلاح الصوفية.
الأول: هو الفناء الديني الشرعي المطلوب الواجب الذي جاءت به الرسل والشرائع وأنزلت به الكتب السماوية.
وهو أن يفنى المرء عما نهى الله عنه بفعل ما أمره الله به؛
فيفنى عن عبادة غير الله بعبادة الله تعالى، وعن طاعة غير الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الفناء يسمى في الشرع: التقوى والبر والإحسان والإسلام والإيمان.
وهو فناء مطلوب شرعا مأمور به في الإسلام.
الثاني: الفناء عن رؤية ما سوى الله وشهود غير الله.
فيفنى المرء بمعبوده عن عبادته، أي: يشتغل بالله إلى حد يترك عبادته، ويترك التكاليف الشرعية بحيث يغيب عن الكون حتى يغيب عن نفسه إلى أن لا يشاهد إلا الله.
وهذا النوع من الفناء قد يقع فيه كثير من الصوفية الحلولية وأصحاب وحدة الشهود [أي: الذين لا يشاهدون إلا الله الواحد، ولا يشاهدون الكون مع اعتقادهم أن الكون موجود] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)