حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام - محمد جميل مبارك (محمد بن جميل مبارك)القسم: علوم الحديث
الكتاب: حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام
المؤلف: محمد بن جميل مبارك
الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة
عدد الصفحات: 70
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام
تأليف الدكتور: محمد جميل مبارك
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن بيان هذه القضية يجيب عن أسئلة ذات بال منها:
ما مدى حجية السنة النبوية؟ وما مدى حجية خبر الآحاد؟ وهو سؤال أخص من سابقه، لكن العلاقة بينهما آتية من أن معظم السنة أخبار آحاد، فإذا كان الاحتجاج بخبر الآحاد من حيث هو محل شك، فالاحتجاج بمعظم السنة يكون محل شك!!
غير أن من الذين يجادلون في حجية خبر الآحاد من يؤمنون بالسنة، النبوية، ويعتقدون حجيتها، ولكنهم يحصرون حجية خبر الآحاد منها في إطار محدود، فلابد إذاً من التفرقة بين السؤالين.
وأما الطوائف المنكرة لحجية خبر الآحاد فكلما كاد الزمان يطويهم عاودت نابتتهم إثارة الجدل في هذه الحجية، واجدين البيئة المناسبة في التراكمات الفكرية التي تتفاعل في واقع المسلمين.
وهذا ما يفرض العمل من أجل تحصين الأجيال من التأثر بأفكار هذه الطوائف عن طريق البحث العلمي، الذي تتحمل أعباء القيام به الطائفة المتفقهة في الدين.
والجدل في حجية خبر الآحاد موغل في القدم، ويكفي دليلاً على ذلك أن الإمام الشافعي رحمه الله (ت: 204هـ) قد تصدى لهؤلاء الذين يثيرون هذا الجدل يقيناً منه أن التساهل مع هؤلاء يؤدي إلى التنكر للسنة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
برمتها، والتنكر للسنة تنكُّرٌ للإسلام جملة من حيث إن السنة بيان للقرآن، ولا فهم للقرآن بلا بيان من السنة، ولا عمل بالقرآن بلا فهم ولا بيان.
وقد تصدى العلماء لِشُبَه المجادلين في حجية خبر الآحاد في ثلاثة علوم بارزة هي: علم الحديث، وعلم العقائد، وعلم أصول الفقه، والعلماء في هذه الفنون الثلاثة يجمعهم همٌّ واحد في هذا التصدي هو همُّ إثبات حجية خبر الآحاد في مجال الاعتقاد وفي مجال الأحكام العملية.
فعلماء الحديث انطلقوا في مقاومتهم لهذا التيار من أن التشكيك في خبر الآحاد يعود بالإبطال على تلك الجهود الجبارة التي قام بها علماء الحديث في مجال خدمة السنة جمعا وتمحيصا ومنهجا من خلال "مصطلح الحديث" وعلم الرجال، وهما مجالان من إبداع العلماء المسلمين، ولذلك كان من منهج علماء الحديث أن يثيروا هذه القضية في علوم الحديث.
وعلماء الأصول انطلقوا من أن استنباط الأحكام عبر القواعد الأصولية يكون من مصدرين هما القرآن الكريم والسنة النبوية، فإذا وقع التشكيك في خبر الآحاد انهدم الأصل الثاني من أصول الاستنباط، فكان من منهج الأصوليين أن يتناولوا هذه القضية من خلال بحثهم في الأدلة، ولذلك طولوا أنفاسهم في طرق الرد على المنكرين كما قام الإمام الجويني (1) .--------------------------------------------
(1) البرهان في أصول الفقه ج1/600.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 2)
وعلماء التوحيد يقلقهم أن استبعاد خبر الآحاد من مجال العقائد يؤدي إلى إنكار كثير من قضايا العقيدة التي لم تثبت إلا بأخبار الآحاد، كما يؤدي إلى تعطيل الصفات وإبطالها.
وقد ترشح هذا البحث لدحض الشبهات التي تعلق بها منكرو حجية خبر الآحاد، حتى يعود الحق في هذه القضية الشائكة إلى نصابه.
وسيتناول البحث –إن شاء الله - المباحث الآتية:
المبحث الأول: خبر الآحاد: التعاريف والنشأة.
المبحث الثاني: جهود العلماء في الدفاع عن حجية خبر الآحاد.
المبحث الثالث: أدلة وجوب العمل بخبر الآحاد من الكتاب والسنة والإجماع.
المبحث الرابع: إفادة خبر الآحاد للعلم أو الظن.
المبحث الخامس: نشأة التفرقة بين العقائد والأحكام في الاحتجاج بخبر الآحاد.
المبحث السادس: ظاهرة التشكيك في حجية خبر الآحاد ودوافعه.
وهي مباحث أرى أنها كفيلة بإضاءة أهم الجوانب الغامضة في موضوع خبر الآحاد.
ولم يتجه الاهتمام إلى بحث كل القضايا التي لها صلة ما بحجية خبر الآحاد، كقضية الاحتجاج بخبر الآحاد إذا ما تعارض مع ما هو أقوى منه، كما نجد عند بعض الفقهاء؛ لأن الخلاف نشأ بين المثبتين لحجية خبر الآحاد، والنقاش إنما ينصب على مبدأ الحجية نفسها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 3)
على أن في البحث إشارة إلى ما يشبه الخيط الرابط بين موقف من ينكرون حجية خبر الآحاد، وموقف من ينفون عنه الحجية إذا تعارض مع ما هو أقوى منه.
كما لم يتجه الاهتمام إلى استعراض الشروط الواجب توافرها في خبر الآحاد ليكون حجة؛ لأن ذلك يفرض إطالة ذيول البحث ويتحول به من بحث في الحجية إلى بحث في شروط الحجية، والبحث في الشروط لا يتم إلا بتسليم المشروط، والبحث إنما هو فيه.
وأعترف – بعد كل هذا – أن البحث في الحجية يحتاج إلى مزيد من المكابدة في مسألة الرد على الشبه، وفي مسالة التعارض بين الأخبار، والشروط المنهجية لهذه الندوة، ومحدودية مدة الإنجاز من موانع الاسترسال في هذه المكابدة، والعزم معقود على استكمال القضايا الجزئية المكملة لهذه القضية الكلية: قضية حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 4)
المبحث الأول: خبر الآحاد: التعاريف والنشأة
الخبر في اللغة هو النبأ، ويقصد به ما يخبر به أو يرويه شخص واحد (1) ويجمع على أخبار، والآحاد جمع أحد، وأصله وحد، وهو هنا بمعنى واحد، ولذلك يقال: خبر الواحد، وخبر الآحاد، وأخبار الآحاد.
أما خبر الآحاد اصطلاحاً فقد عرف بأنه: "ما كان من الأخبار غير مُنْتَهٍ إلى حد التواتر" (2) ، وعرف أيضاً بأنه: "ما لم يجمع شروط التواتر" (3) .
ومؤدى التعريفين أن خبر الآحاد لا ينحصر في الخبر الذي ينقله الواحد كما قد تفيده عبارة "خبر الواحد" بل يشمل الذي ينقله اثنان أو أكثر ما لم ينته إلى حد التواتر كما تفيده عبارة "خبر الآحاد". قال الزركشي: "وليس المراد ما يرويه الواحد فقط، وإن كان موضوع خبر الواحد في اللغة يقتضي وحدة المخبر الذي ينافيه التثنية والجمع، لكن وقع الاصطلاح به على كل ما لا يفيد القطع، وإن كان المخبر به جمعاً إذا نقصوا عن حد التواتر" (4) .
أما نشأة المصطلح فلم أهتد بعدُ إلى نصوص تبين أول من أطلقه،--------------------------------------------
(1) قال في لسان العرب: "الخبر ما أتاك من نبأ عمن تستخبر" مادة خبر.
(2) البحر المحيط 1/255-256، وشرح الديباج المذهب في مصطلح الحديث لشمس الدين التبريزي.
(3) نزهة النظر لابن حجر ص 26.
(4) البحر المحيط1/255-256.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
لكن ما أستطيع أن أجزم به أن المصطلح قديم، وأقل ما يمكن قوله: إنه استعمل في أوائل المائة الثانية، فقد استعمله الإمام الشافعي رحمه الله (ت: 204هـ) في ((الرسالة)) تسع عشرة مرة بعبارة "خبر الواحد" (1) واستعمله مرات في كتابه "اختلاف الحديث" (2) وفي كتابه "جماع العلم" (3) .
كما استعمله الإمام البخاري (ت: 256هـ) في ((صحيحه)) وقد ترجم لأحد أبواب "كتاب الأحكام" (4) بعنوان: ((باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام)) .
وهذا يدل على أن تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد، أو إلى متواتر ومشهور وآحاد، لم يعده العلماء المتقدمون -فيما اطلعت عليه- بدعة، وإن أوهمت عبارة بعض الباحثين المعاصرين أن هذا التقسيم بدعة؛ فقد كرر الأستاذ القاضي برهون ((أن تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد من ابتداع الجهمية والمعتزلة والرافضة)) (5) ، "فخالفوا بهذا التقسيم إجماع--------------------------------------------
(1) انظر الرسالة ص: 369-383-384-386-387-390-401-407-408-410-433-435-453-457-458.
(2) من بداية الجزء السابع من الأم إلى ص 38.
(3) في الجزء السابع من الأم من ص 250.
(4) وقع في نسخة الصغاني كتاب أخبار الآحاد، وعلى ما في هذه النسخة فقد خصص البخاري كتابا لأخبار الآحاد، والكتاب يحتوي على أبواب، وعلى ما في النسخ الأخرى يكون هذا الباب وما بعده من أبواب كتاب الأحكام، أو يكون من جملة أبواب كتاب الاعتصام بعده، وهو مناسب له فيكون تقديمه عليه من فعل بعض المبيضين للكتاب، كما ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري 27/268.
(5) خبر الواحد في التشريع الإسلامي وحجيته ص 92.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
الصحابة والتابعين" (1) . فهو إذاً " قول محدث من غير أهل الحديث" (2) لكنه لم يلبث أن استدرك قائلا: "وهذا لا يعني أن ما رواه العدد الكثير الذي اصطلح عليه بالمتواتر غير موجود فهو واقع فعلاً، وموجود بكثرة، وإنما نعني ما أدى إليه التقسيم من آثار على ما روي آحادا وهو أكثر" (3) .
فالمستنكر ليس تقسيم الأخبار في حد ذاته؛ إذ لا ينتج عنه ما يخدش حجية السنة، وإنما المستنكر ما بناه بعض الناس على التقسيم، فكان لازماً بيان أن المبتدع ليس أصل التقسيم، وإنما المبتدع ما فرعوه على التقسيم من القبول أو الرد، وإلا فكثير من المصطلحات الحديثية غير معروفة في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، فهل يقال: إن تلك المصطلحات بدع غير محمودة؟!
ألا ترى أن ابن القيم رحمه الله لم ينتقد تقسيم الأخبار نفسه، وإنما انتقد تقسيم الدين إلى ما يثبت بخبر الواحد وما لا يثبت، فقال: "تقسيم الدين إلى ما يثبت بخبر الواحد وما لا يثبت به تقسيم غير مطرد، ولا منعكس، ولا عليه دليل صحيح" (4) .
فها أنت ترى ابن القيم لم ينكر تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد، وإنما--------------------------------------------
(1) السابق ص 93.
(2) السابق ص 94.
(3) السابق ص 93.
(4) مختصر الصواعق المرسلة ص 495.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
أنكر تقسيم الدين إلى ما يثبت بخبر الواحد كالأحكام، وإلى ما لا يثبت به وهو العقائد، ولعل هذا ما حاول الأستاذ القاضي برهون التعبير عنه بقوله: "ومن نظر فيما ذكرنا علم أن تقسيم الدين إلى متواتر وآحاد، وعقائد وفروع باطل" (1) لكن ما عبر عنه غير ما عبر عنه ابن القيم، والباطل الذي حكم به يحتاج إلى دليل، وإلا فما الذي دفع أميرُ المؤمنين في الحديث الإمامُ البخاريُّ إلى عقد باب بعنوان: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد.. في صحيحه؟ فهل الدافع هو رده التفرقة بين المجالين كما يتضح من الأحاديث التي ساقها؟ وهل ذلك إقرار منه بصحة التقسيم وبِرَدِّ التفرقة بين العقائد والأحكام، كما صنع الإمام الشافعي في الرسالة؟
وادَّعى الأستاذ بعد ذلك أن تقسيم الأصوليين للحديث إلى متواتر وآحاد كان نتيجة تأثرهم بمنهج المعتزلة (2) .
لكن كلام الشافعي – وهو رأس الأصوليين، ومن أعلام المحدِّثين – يفيد أن هذا التقسيم معروف في عهده، بدليل تكراره لمصطلح "خبر الواحد" كما سبق، وبدليل قوله: "لأن الأخبار كلما تواترت وتظاهرت كان أثبت للحجة وأطيب لنفس السامع" (3) .
فقوله: "لأن الأخبار كلما تواترت" إقرار منه بوجود أحاديث متواترة، وإن أمكن ادعاء أن التواتر في كلامه يحتمل المعنى اللغوي بدليل--------------------------------------------
(1) خبر الواحد ص 98.
(2) خبر الواحد للقاضي برهون ص97.
(3) الرسالة ص 433.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
عطف التظاهر عليه.
ومن ثم فلا نُسَلِّم قول من قال: "لم يذكر التواتر باسمه الخاص إلا الحاكم النيسابوري (ت: 405هـ) وابن حزم (ت: 456هـ) والخطيب البغدادي (ت: 463هـ) وابن عبد البر (ت: 463هـ) وابن الصلاح (ت: 643هـ) ، وقد تبعوا فيه أهل الأصول (1) "، لوجود إشارات قوية للمتواتر في كلام الإمام الشافعي في النص السابق، وقد وافق مناظره على إطلاق التواتر في قوله: "فما الوجه الثاني؟ قال: تواتر الأخبار، فقلت له حدد لي تواتر الأخبار بأقل ما يثبت الخبر … ؟ " (2) فهو لم ينكر تقسيم مناظره الأخبار، وإلا لقال له: لقد جئت شيئاً نكراً بابتداعك تواتر الأخبار.
بل إن ابن القيم نفسه قسم الأخبار المقبولة في باب الأمور الخبرية العلمية أربعة أقسام: متواترة لفظاً ومعنى، ومتواترة معنى لا لفظاً، ومستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة، وأخبار آحاد عدول (3) ، فكيف ينكر التقسيم، ثم يقره؟
ونقل عن شيخه ابن تيمية رحمه الله أنه قسم الأخبار إلى متواتر وآحاد (4) .--------------------------------------------
(1) خبر الواحد (مرجع سابق) ص 96.
(2) جماع العلم بهامش الأم 7/258-259.
(3) مختصر الصواعق المرسلة ص 453.
(4) السابق ص 464.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
المبحث الثاني: جهود العلماء في التأليف والدفاع عن حجية خبر الآحاد
يتسم أسلوب العلماء في دفاعهم عن حجية خبر الآحاد بالإسهاب والإيعاب والقوة، مما ينبئ عن كثرة الدوافع التي دفعتهم للإفاضة في الاستدلال، وأهم هذه الدوافع ثلاثة.
الأول: قوة الخلاف وكثرة التشغيب اللذان يوردهما المخالفون.
الثاني: رغبة هؤلاء العلماء في استئصال تشغيب المخالفين المنكرين لحجية خبر الواحد مطلقاً، أو لحجيته في العقائد.
الثالث: خطورة الأثر الذي يخلفه القول بعدم حجية خبر الواحد من حيث إفضاؤه إلى إنكار معظم السنة، فإذا ترك هذا القول دون تفنيد فربما يغتر به الكثيرون في رد السنن.
ويتعين استحضار هذه الدوافع أثناء تتبع استدلالات العلماء، حتى إذا نبتت نابتة جديدة تدعو إلى رفض خبر الواحد جملة أو إلى رفضه في العقائد ووجهت بهذه الأدلة الموعبة، وأضيفت إليها أدلة أخرى قد تستنبط بالنظر في نصوص أخرى في الشرع.
وأكثر من أفاضوا في الاستدلال لحجية خبر الواحد من السلف: الإمام الشافعي رحمه الله، ثم الإمام البخاري، وسار كثير من العلماء على منوالهما كالإمام ابن حزم في ((الإحكام)) ، وكالحافظ ابن عبد البر في كتابه: "جامع بيان العلم وفضله.." وفي مناسبات في كتاب "التمهيد"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
وفي كتابه الذي ألفه في الموضوع بعنوان: "الشواهد في إثبات خبر الواحد" الذي قال عنه في مقدمة كتابه "التمهيد": "وقد أفردت لذلك كتاباً موعباً كافياً، والحمد لله" (1) .
وكالخطيب البغدادي في كتابه: "الدلائل والشواهد على صحة العمل بخبر الواحد" (2) وفي كتابه: "الكفاية في علم الرواية" الذي عقد فيه باباً لصحة العمل بخبر الواحد.
وألف الإمام السيوطي (ت: 911هـ) كتابا في الاحتجاج بالسنة سمَّاه: "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة".
أما الإمام الشافعي فقد أطال في الاحتجاج لخبر الواحد في ثلاثة من كتبه هي:
- ((كتاب الرسالة))
- ((كتاب اختلاف الحديث))
- ((كتاب جماع العلم))
وذكر الزركشي أن الشافعي صنف كتاباً في إثبات العمل بخبر الواحد أورد فيه نحواً من ثلاثمائة حديث، وذكر وجوه الاستدلال فيها (3) .--------------------------------------------
(1) التمهيد 1/2 وكرر ذكره في الجزء الخامس ص 116.
(2) ذكره في كتابه الكفاية في علم الرواية ص 66.
(3) انظر البحر المحيط 1/261، قال ذكر في أوله الحديث المشهور: (رحم الله امرأً سمع مقالتي…) فاعترض أبو داود وقال: أثبت خبر الواحد بخبر الواحد، والشيء لا يثبت بنفسه…قال الأصحاب: هذا الذي ذكره باطل، فإن الشافعي لم يستدل بحديث واحد، وإنما ذكر نحوا من ثلاثمائة حديث وذكر وجوه الاستدلال فيها فالمجموع هو الدال عليه…" البحر المحيط 1/261.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
وقد ساق في هذه الكتب عشرات الأدلة في حجية خبر الواحد، معظمها من السنة، وبعضها من القرآن الكريم دون استقصاء للأدلة كما يفهم من قوله: "وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث يكفي بعض هذا منها" (1) .
أما الإمام البخاري فقد ساق في صحيحه اثنين وعشرين حديثا لإثبات حجية خبر الواحد، واحد وعشرون حديثا مسندا، وواحد معلق عن ابن عباس، وهي موزعة على ستة أبواب، وكل باب مترجم بما يفيد وجوب العمل بخبر الواحد وهي:
1 – باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق…
2 – باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم الزبير طليعة وحده.
3 – باب قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} [الأحزاب: 53] فإن أذن واحد جاز.
4 – باب ما كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد.
5 – باب وصاة النبي صلى الله عليه وسلم ود العرب أن يبلغوا مَنْ وراءهم.--------------------------------------------
(1) الرسالة ص 453.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
6 – باب خبر المرأة الواحدة.
وتعدد هذه الأبواب قد يؤيد ما في نسخة الصغاني من ترجمته كتاب أخبار الآحاد، وتخصيص كتاب لأخبار الآحاد دليل على شدة اهتمام البخاري بإقامة البراهين على حجية خبر الواحد، وعلى القول بأنها أبواب ضمن كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة"، فإنَّ ذِكْرَه لهذه الأبواب تحت هذا الكتاب إشارة إلى أن من وسائل الاعتصام بالكتاب والسنة تثبيت حجية خبر الواحد.
وأضاف ابن حزم رحمه الله أدلة أخرى بطريقته الحجاجية القوية من مثل قوله: "من نشأ في قرية أو مدينة ليس بها إلا مقرئ واحد أو محدث واحد أو مفت واحد فنقول لمن خالفنا: ماذا تقولون: أيلزمه إذا قرأ القرآن على ذلك المقرئ أن يؤمن بما أقرأه، وأن يصدق بأنه كلام الله…؟ " (1) .
وتتابع العلماء بعدهم في إثبات حجية خبر الواحد بتضمين كتبهم أدلة حجية خبر الواحد، كما نجد عند ابن القيم في كتابه: "الصواعق المرسلة" فقد ضمنه مباحث في الاحتجاج بالسنة عامة، وفي الاحتجاج بخبر الواحد خاصة في مجال إثبات العقائد.
وللإمام أبي الحسن الأشعري (ت: 324هـ) إشارات إلى القضية في كتابه "الإبانة" ونجد عند معظم شراح كتب الحديث وقفات ينبهون فيها--------------------------------------------
(1) الإحكام 1/99.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
على حجية خبر الواحد، كما نجد عند ابن عبد البر في التمهيد، وعند النووي في "شرح مسلم"، وعند الحافظ ابن حجر في "فتح الباري".
فلا يتركون فرصة لإثبات حجية خبر الواحد من خلال شرح الأحاديث إلا انتهزوها، فابن عبد البر مثلا يجعل من فقه حديث أم سلمة (1) : "إيجاب العمل بخبر الواحد الثقة ذكراً كان أو أنثى، وعلى ذلك جماعة أهل الفقه والحديث وأهل السنة، ومن خالف ذلك فهو عند الجميع مبتدع … " (2) .
والنووي وابن حجر جعلا مِنْ فقه حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قبول خبر الواحد والعمل به.
أما الأصوليون فقد أبلَوا البلاء الحسن في الدفاع عن السنة، وعن خبر الآحاد خاصة، وقد عبر إمام الحرمين عن حسن بلائهم بقوله: "وقد أكثر الأصوليون، وطوَّلوا أنفاسهم في طرق الرد على المنكرين" (3) .
ولم يغفل المفسرون استثمار بعض الآيات لتثبيت حجية خبر الواحد، كالآيات التي استدل بها جمهور العلماء على حجية خبر الواحد (4) ، والتي سيأتي بعضها في المبحث الثالث.--------------------------------------------
(1) وهو حديث: أن رجلاً قَبَّل امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك وجداً شديداً، فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله (يقبل وهو صائم، فرجعت فأخبرت زوجها بذلك … الحديث بطوله.
(2) التمهيد 5/115.
(3) البرهان 1/600.
(4) انظر مثلا: روح المعاني 26/146 وقارن بأحكام القرآن للجصاص 5/279.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
وللعلماء والباحثين المعاصرين جهود طيبة في الدفاع عن حجية خبر الآحاد، كما أن الجدل قد أثير حوله في هذا العصر. ومن أبرز الأمثلة لهذه الجهود:
1 – وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
2 – فتح الغني الماجد ببيان حجية خبر الواحد للشيخ عبد الله بن الصديق الغماري.
3 – خبر الواحد في السنة أثره في الفقه الإسلامي، للدكتورة سهير رشاد مهنا.
4 – خبر الواحد في التشريع الإسلامي وحجيته للقاضي برهون.
5 – الأدلة والشواهد على وجوب الأخذ بخبر الواحد لسليم الهلالي.
6 – رد شبهات الإلحاد عن أحاديث الآحاد لعبد العزيز بن راشد.
7 – حديث الآحاد لخليل إبراهيم ملا خاطر.
8 – دراسة في خبر الآحاد لمحمد مبارك السيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
المبحث الثالث: أدلة وجوب العمل بخبر الواحد والرد على شبه منكريه
الأدلة من الكتاب:
1 – قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] .
فقد استدل به ابن عباس رضي الله عنهما على طاوس لما سأله عن الركعتين بعد العصر، فنهاه عنهما فقال له طاوس: ما أدعهما، فتلا عليه ابن عباس الآية.
قال الشافعي: "فرأى ابن عباس الحجة قائمة على طاوس بخبره عن النبي، ودلَّه بتلاوة كتاب الله على أن فرضاً عليه أن لا تكون له الخيرة إذا قضى الله ورسوله أمرا، وطاوس حينئذ إنما يعلم قضاء رسول الله بخبر ابن عباس وحده، ولم يدفعه طاوس بأن يقول: "هذا خبرك وحدك فلا أثبته عن النبي، لأنه يمكن أن تنسى" (1) .
2 – قوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] .
ووجه الاستدلال بالآية: أن الله تعالى أوجب على كل فرقة قبول نذارة من نفر منها للتفقه في الدين، وأوجب على النافر التفقه والإنذار،--------------------------------------------
(1) الرسالة ص 443 – 444، وانظر مفتاح الحجة للسيوطي ص 47.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
وإنذار النافر إخبار، والناذر طائفة، والطائفة تطلق في اللغة على الواحد فصاعداً، فدلَّت الآية على وجوب قبول خبر الواحد (1) .
وقد استدل بها الإمام البخاري في صحيحه إذ ضمنها ترجمة أول باب من أبواب أخبار الآحاد حين قال: "ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية.
3 – قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] .
والاستدلال بالآية على قبول خبر الواحد من وجهين:
أحدهما: أنه لو لم يقبل خبره لما علل عدم قبوله بالفسق.
وثانيهما: مفهوم الشرط وهو حجة، ومفهومه وجوب العمل بخبر الواحد إن لم يكن فاسقا (2) .
وقد ركب ابن حزم الدليل من هذه الآية والتي قبلها فجعلهما "مقدمتين أنتجتا قبول خبر الواحد العدل دون الفاسق بضرورة البرهان" (3) .
واستدل البخاري بها وبالتي قبلها في صحيحه، وهذه الآيات لا يخلو الاستدلال بأي منها من اعتراضات أوردها المستدلون بها أنفسهم--------------------------------------------
(1) انظر: الإحكام لابن حزم 1/98، والإحكام للآمدي 2 /58.
(2) انظر: روح المعاني 26/146، والإحكام للآمدي 2/58.
(3) الإحكام 1/100.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
كالرازي والآمدي والكلوذاني، وحاولوا أن يجيبوا عنها (1) ، ولذلك قال الحافظ ابن حجر تعليقاً على استدلال البخاري بقوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] "وهذا الدليل يورَد للتَقوِّي لا للاستقلال؛ لأن المخالف قد لا يقول بالمفاهيم" (2) .
وهذا ما دفع آخرين إلى الإحجام عن الاستدلال بها كالجويني والغزالي.
الأدلة من السنة:
أدلة تثبيت حجية خبر الآحاد كثيرة في السنة النبوية، واستقصاؤها غير لازم هنا منهجياً، وسأورد منها ما لعله يفي بالغرض.
الدليل الأول: حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة" (3) .
وقد استدل بالحديث على حجية خبر الواحد الإمامان الشافعي والبخاري، وأفاض الشافعي في بيان وجه الاستدلال بالحديث على المطلوب، وخلاصته: أن أهل قباء أهل سابقة في الإسلام، وأهل فقه، ولم--------------------------------------------
(1) انظر: المحصول للرازي 2/1/509 وما بعدها، والإحكام للآمدي 2/56 وما بعدها، والتمهيد للكلوذاني 3/46 وما بعدها.
(2) فتح الباري 13/234.
(3) أخرجه الإمام الشافعي في الرسالة ص 123 – 124 – 406 والبخاري في كتاب خبر الواحد باب ما جاء في إجازة خبر الواحد… وغيرهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
يكن لهم أن يتحولوا عن القبلة التي كانوا عليها بخبر واحد إلا وهم على علم بأن الحجة ثابتة بخبره مع كونه من أهل الصدق، فلما تحولوا من فرض إلى فرض بخبر واحد دلَّ على أن العمل بخبره فرض، وإلا لأنكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد علمه بتحولهم عن قبلتهم التي كانوا عليها (1) .
ففي الحديث حجة قوية على وجوب العمل بخبر الواحد، ويكفيه قوة أن اتفق على الاستدلال به هذان الإمامان.
الدليل الثاني: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((كنت أسقي أبا طلحة الأنصاري وأبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب شراباً من فضيخ (2) وهو تمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم إلى هذه الجرار فاكسرها، قال أنس: فقمت إلى مهراس (3) لنا فضربتها بأسفله حتى انكسرت (4) .
ووجه الاستدلال بالحديث واضح من حيث إنهم –وهم أهل مكانة في العلم والنصيحة- اعتمدوا على خبر واحد في تحريم ما كان حلالا لهم، وفي كسر الجرار إهراق ما فيها، ولم يعترض أحد منهم على خبر الواحد بالبقاء على حِلِّية الخمر حتى يشافههم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وهم قريبون منه، كما لم ينههم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قبول خبر الواحد (5) ،--------------------------------------------
(1) انظر الرسالة ص 407 – 408.
(2) في الرسالة: من فضيخ وتمر، والفضيخ شراب يتخذ من البسر.
(3) المهراس حجر مستطيل منقور. يُدقُّ فيه، ويُتوضأ منه.
(4) أخرجه البخاري في أخبار الآحاد باب ما جاء في إجازة خبر الواحد …والشافعي في الرسالة ص 409.
(5) انظر: الرسالة ص 409 – 410.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)