‌‌المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَهَمِّيَّةُ العَالِي مِنَ الأَسَانِيدِ:
تقدَّمَ الكلامُ على أهميَّةِ الإسنادِ عندَ المحدِّثينَ(1)، ولعلوِّ الإسنادِ أهميَّةٌ بالغةٌ عندَهُم تبرزُ مِنْ جوانبَ عدَّةٍ، وهيَ:
أوَّلاً: القربُ مِنْ اللهِ ورسوله صلى الله عليه وسلم: قالَ ابنُ معينٍ «ت 232 هـ»: «الإِسْنَادُ النَّازِلُ قُرْحَةٌ فِي الوَجْهِ، وَالإِسْنَادُ العَالِي قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ»(2). وقالَ ابنُ حنبلٍ «ت 241 هـ»: «طَلَبُ إِسْنَادِ الْعُلُوِّ مِنَ السُّنَّةِ»(3).
ثانياً: قلَّةُ الخطأِ في الإسنادِ، وقوَّةُ الحديثِ: قالَ ابنُ دقيقٍ العيدُ «ت 702 هـ»: «وَلَا أَعْلَمُ وَجْهَاً جَيِّدَاً لِتَرْجِيحِ العُلُوِّ إِلَّا أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الصِحَّةِ وَقِلَّةِ الخَطَأِ»(4).
وما جاءَ مِنْ ذمِّ الأئمَّةِ للنَّازلِ(5) فليسَ على إطلاقِهِ، فقدْ يفضُلُ النَّازلُ على العالي، إذَا كانَ معَهُ ما يجبرُهُ ويجعلُ لهُ مزيَّةً على الإسنادِ العالي، كأنْ يوجدَ في النَّازلِ زيادةٌ يرويهَا ثقةٌ، أو يكونَ رجالُ الإسنادِ النَّازلِ أحفظَ أو أفقهَ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ «ت 181 هـ»: «بُعْدُ الإِسْنَادِ أَحَبُّ إِلَيَّ إِذَا كَانُوا ثِقَاتٍ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ تَرَبَّصُوا بِهِ، وَحَدِيثٌ بَعِيدُ الإِسْنَادِ صَحِيحٌ، خَيرٌ مِنْ قَرِيبِ الإِسْنَادِ سَقِيمٌ»(6).--------------------------------------------
(1) انظر ص 81.
(2) نقله ابن عساكر في «الأربعون البلدانية» ص 38.
(3) الجامع لأخلاق الراوي 1/ 123.
(4) الاقتراح ص 46.
(5) انظر قولي ابن معين وابن المديني في «العلو والنزول» للمقدسي ص 55.
(6) انظر الجرح والتعديل 2/ 25.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)