وقدْ دعا الأئمَّةُ منَ المحدِّثينَ إلى كثرةِ مجالسةِ العلماءِ، وعدمِ الاقتصارِ على واحدٍ منهم، لينكشفَ بتعدُّدِ المجالسِ والرِّواياتِ زَللُ الرَّاوي، وخطأُ الرِّوايةِ، قالَ السَّختيانيُّ(1) «ت 131 هـ»: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ خَطَأَ شَيخِكَ فَجَالِسْ غَيرَهُ»(2)، وقالَ السَّخاويُّ «ت 902 هـ» مبيِّناً فوائدَ مجالسِ الإملاءِ: «وَمِنْ فَوَائِدِهَا: اعْتِنَاءُ الرَّاوِي بِطُرُقِ الحَدِيثِ، وَشَوَاهِدِهِ، وَمُتَابِعِهِ، وَعَاضِدِهِ، بِحَيثُ بِهَا يَتَقَوَّى، وَيَثْبُتُ لِأَجْلِهَا حُكْمُهُ بِالصِّحَّةِ أَوْ غَيرِهَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيهَا إِظْهَارُ الخَفِيِّ مِنَ العِلَلِ، وَيُهذِّبُ الَّلفْظَ مِنَ الخَطَأِ»(3).
ولهذَا لمْ ينبرِ لهذَا العلمِ إلا قلَّةٌ منْ جهابذَةِ أئمَّةِ الحديثِ، ولمْ يبرز فيهِ إلا قلائلُ منْ أصحابِ هذا الشَّأنِ، كابن المَدينيِّ، وابن مَعينٍ، وابنِ حنبلٍ، وأبي زُرعةَ(4)، وأبي حاتِمٍ(5)، وأصحابِ الكتبِ السِّتَّةِ، وأبي بكرٍ البزَّارِ(6)، والدَّارقُطنيِّ(7).--------------------------------------------
(1) أيوب بن أبي تميمة، كيسان السختياني، البصري، أبو بكر، «66 هـ-131 هـ»، تابعي، فقيه، حافظ، رُوي عنه نحو 800 حديث. انظر حلية الأولياء 3/ 3، والتهذيب 1/ 297.
(2) سنن الدارمي 1/ 161/ 643، نقله عنه سلَّام بن سليم.
(3) فتح المغيث 2/ 334.
(4) عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ المخزومي، أبو زرعة الرازي، «200 هـ-264 هـ»، الحافظ، له «مسند». انظر تذكرة الحفاظ 2/ 124، والتهذيب 7/ 30.
(5) محمد بن إدريس بن المنذر بن داود، أبو حاتم الرازي، «195 هـ-277 هـ»، الحافظ، من كتبه: «طبقات التابعين»، و «أعلام النبوة». انظر الرسالة المستطرفة ص 104، والأعلام للزركلي 6/ 27.
(6) أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، أبو بكر البزار، « … - 292 هـ»، البصري، الحافظ، من علماء الحديث، صاحب المسند المسمى ب «البحر الزخار». انظر طبقات المحدثين بأصبهان 3/ 386، وتذكرة الحفاظ 2/ 653.
(7) علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن الدراقطني، «306 هـ - 385 هـ» - إمام عصره في الحديث والعلل، من تصانيفه: «السنن»، و «العلل الواردة في الأحاديث النبوية»، و «المؤتلف والمختلف». انظر طبقات الشافعية 2/ 310، ووفيات الأعيان 1/ 331، والأعلام للزركلي 4/ 314.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)