قال ابن عبد البر1 بعد أن ذكر حديث أبي هريرة:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" وبين أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وهو مؤمن: أي مستكمل الإيمان، قال:"ولم يرد نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك، بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر إذا صلوا للقبلة وانتحلوا دعوة الإسلام من قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال.
وفي إجماعهم على ذلك مع إجماعهم على أن الكافر لا يرث المسلم أوضح الدلائل على صحة قولنا: إن مرتكب الذنوب ناقص الإيمان بفعله ذلك، وليس بكافر كما زعمت الخوارج في تكفيرهم المذنبين"2.
ودلالة الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه ظاهرة مما- تقدم، فالمؤمن قد يرتكب هذه المعاصي فينقص إيمانه فيكون مؤمناً ناقص الإيمان، معه مطلق الإيمان وانتفى عنه الإيمان المطلق، فإذا تاب وأقلع عن هذه المعاصي زاد إيمانه. وقد احتج جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه، منهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله.
قال إسحاق بن إبراهيم3: سألت أبا عبد الله عن الإيمان ونقصانه--------------------------------------------
1 هو الإمام العلامة حافظ المغرب شيخ الإسلام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي القرطبي المالكي صاحب التصانيف الفائقة توفي سنة ثلاث وستين وأربع مائة انظر ترجمته في السير للذهبي (18/153) .
2 التمهيد لابن عبد البر (9/243) وانظر تهذيب الآثار للطبري السفر الثاني (ص 650) وجامع العلوم والحكم لابن رجب (ص 27) .
3 هو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم النيسابوري، خدم الإمام أحمد وهو ابن تسع سنين، وكان ديناً ورعاً، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة توفي في بغداد سنة خمس وسبعين ومائتين انظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/108) وسير أعلام النبلاء للذهبي (13/19) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
قال: نقصانه قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن" 1.
وقال المروذي2: سمعت أبا عبد الله يقول:."الإيمان قول وعمل يزبد وينقص وقال: الزيادة من العمل، وذكر النقصان إذا زنى وسرق3.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت أبي رحمه الله وسئل عن الإرجاء فقال: نحن نقول الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص إذا زنى وضرب الخمر نقص إيمانه4.
وممن احتج به أبو داود فقد خرّجه في سننه في باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه5 وقال ابن القيم رحمه الله في تهذيبه للسنن بعد أن أضاف إلى هذا الحديث جملة من الأحاديث الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه:"وكل هذه النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل التأويل في أن--------------------------------------------
1 رواه الخلال في السنة (برقم: 1545) وابن هاني في مسائله (2/ 164) ، وأما الحديث فقد تقدم تخريجه.
2 هو الإمام المحدث شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروذي، صاحب الإمام أحمد كان إماماً في السنة شديد الإتباع، له جلالة عجيبة ببغداد، روى عن الإمام أحمد مسائل كنيرة توفي سنة خمس وسبعين ومائتين انظر سير أعلام النبلاء (13/ 175) .
3 رواه الخلال في السنة (برقم: 1035) وابن بطة في الإنابة (برقم: 1045) .
4 السنة لعبد الله (1/307) .
5 سنن أبي داود (4/ 221) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
نفس الإيمان القائم بالقلب يقبل الزيادة والنقصان"1.
واحتج به البيهقي فقد أخرجه في باب القول في زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهل الإيمان في إيمانهم من كتابه الشعب ثم قال بعده:"وإنما أراد- والله تعالى أعلم-"وهو مؤمن"مطلق الإيمان، لكنه ناقص الإيمان بما ارتكب من الكبيرة، وترك الانزجار عنها، ولا يوجب ذلك تكفيراً بالله عز وجل.."2واحتج به الخلال3 والآجري4 وابن بطة5 وابن مندة6 وغيرهم من أهل العلم.
2- حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" 7.
ففي هذا الحديث"بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء، له أعلى وأدنى، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق- بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبها وتستوفي جملة أجزائها، كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها"8.--------------------------------------------
1 تهذيب السنن لابن القيم (7/ 55، 56) بهامش مختصر السنن للمنذري.
2 شعب الإيمان للبيهقي (1/179) .
3 في السنة (2/693) .
4 في الشريعة (ص 113) .
5 في الإبانة (2/ 741) .
6 في الإيمان (2/ 574) .
7 أخرجه البخاري (1/ 51 فتح) ومسلم (2/ 6 نوري) وهذا لفظ مسلم.
8 معالم السنن لخطابي (7/43،44) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
وهذه الشعب متفاوتة ليست على درجة واحدة في الفضل، بل بعضها أفضل من بعض، كما هو ظاهر لفظ الحديث في قوله:"أعلاها "وقوله:"أدناها"، فشعب الإيمان منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعاً كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعاً كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً منها ما يقرب من شعبة الشهادتين، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى"1.
وجميع هذه الشعب والخصال متفرعة، إما عن أعمال القلب، أو أعمال اللسان أو أعمال الجوارح، ونصيب العبد من الإيمان بحسب نصيبه من هذه الشعب قلة وكثرة، قوة وضعفاً، تكميلاً وتقصيراً، تماماً ونقصاً، ولا شك أن الناس متفاوتون في ذلك تفاوتاً عظيماً فقيامهم بهذه الشعب والخصال ليس على درجة واحدة، بل بعضهم أكمل من بعض، فمنهم المحسن ومنهم المسيء، فهذا من أوضح الدلائل على زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل أهله فيه.
وقد استدل به الترمذي على زيادة الإيمان ونقصانه، فخرجه في باب"ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه"، من سننه2.
وبوب له ابن حبان في صحيحه بقوله:"ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص"3ثم ذكر حديث أبي هريرة.
وقال ابن مندة بعد ذكره لحديث الشعب في كتابه الإيمان:"والعباد--------------------------------------------
1 شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (ص 322) .
2 السنن (5/10) .
3 انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان (1/ 194) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
يتفاضلون في الإيمان على قدر تعظيم الله في القلوب والإجلال له والمراقبة لله في السر والعلانية، وترك اعتقاد المعاصي، فمنها قيل الإيمان يزيد وينقص"1.
وقال الخطابي:"وفي هذا الباب إثبات التفاضل في الإيمان، وتباين المؤمنين في درجاته"2.
وقال صديق حسن خان بعد أن ذكر حديث الشعب:"وفي هذا دليل على أن الإيمان فيه أعلى وأدنى وإذا كان كذلك كان قابلاً للزيادة والنقصان"3.
وقال الشيخ العلامة ابن سعدي بعد ذكره لحديث أبي هريرة:"وهذا صريح في أن الإيمان يزيد وينقص بحسب زيادة هذه الشرائع والشعب، واتصاف العبد بها أو عدمه، ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون فيها تفاوتاً كثيراً، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فقد خالف الحس، مع مخالفته لنصوص الشرع كما ترى"4.
وقال الشيخ الهراس في شرحه للواسطية:"ومن ذهب إلى أن الإيمان غير قابل للزيادة أو النقصان فهو محجوج بقوله صلى الله عليه وسلم "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" فالإيمان المطلق مركب من الأقوال والأعمال والاعتقادات، فهي ليست كلها بدرجة--------------------------------------------
1 الإيمان (1/ 300) .
2 معالم السنن (7/ 44) وانظر أعلام الحديث له (1/ 144) والإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (1/ 192) .
3 فتح البيان في مقاصد القرآن (4/ 6) .
4 التوضيح والبيان لشجرة الإيمان (ص 14) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
واحدة"1.
ثم إن في الحديث دلالة أخرى على زيادة الإيمان ونقصانه، وذلك بجعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، الحياء من الإيمان، ومن المعلوم المسلم به عظم اختلاف الناس في القيام بهذه الخصلة وتفاوتهم فيها، لذا قال ابن حبان في صحيحه بعد أن ذكر الحديث:" … فمن الناس من يكثر ذلك فيه"أي الحياء"، ومنهم من يقل ذلك فيه، وهذا دليل صحيح على زيادة الإيمان ونقصانه، لأن الناس ليسوا كلهم على مرتبة واحدة في الحياء، فلما استحال استواؤهم على مرتبة واحدة فيه صح أن من وجد فيه أكثر كان إيمانه أزيد، ومن وجد فيه منه أقل كان إيمانه أنقص"2.
ومما يدل على تفاضل الناس في الحياء قوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر "الحياء من الإيمان وأحيا أمتى عثمان" 3.
قلت: وفي هذا أيضاً أبين دلالة على أن الزيادة والنقصان في الإيمان كما أنها شاملة لأعمال الجوارح الظاهرة فهي كذلك شاملة لأعمال القلوب الباطنة.
3- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا إيمان لمن لا أمانة له" 4.--------------------------------------------
1 شرح العقيدة الواسطية (ص 149) بتصرف.
2 انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان (1/ 194، 195) .
3 أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في الجامع الصغير للسيوطي (153/1) وصححه الألباني انظر السلسلة الصحيحة
(4/ 442) .
4 أخرجه أحمد في المسند (3/ 135) ، وابن أبي شيبة في مصنفه (11/11) وفي الإيمان (ص 5) وابن حبان في صحيحه (1/ 208 الإحسان) والبغوي في شرح السنة (1/ 75) وقال البغوي:"هذا حديث حسن وصححه الألباني في تحقيقه للإيمان لابن أبي شيبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
فهذا الحديث دليل على أن من لا أمانة له، فقد نقص فيه شيء من واجبات هذا الدين، فيذهب عنه كمال الإيمان الواجب وتمامه، ويكون بذلك مؤمناً ناقص الإيمان1.
يوضح الاستدلال بهذا الحديث ويبينه ما جاء عن عروة بن الزبير رحمه الله أنه قال:"ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه"2، فنقص الأمانة في العبد دليل على نقص الإيمان وضعفه فيه
ولهذا لما سئل الإمام أحمد رحمه الله مرة عن نقصان الإيمان احتج بهذا، قال الفضل بن زياد3 سمعت أبا عبد الله وسئل عن نقص الإيمان فقال: حدثنا وكيع عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال:"ما انتقصت أمانة رجل إلا نقص إيمانه"4.
وقاد الشيخ عبد الرحمن بن حسن حفيد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله:"إذا عرفت أن كلاً من الأعمال الظاهرة والباطنة من مسمى الإيمان شرعاً، فكل ما نقص من الأعمال التي لا يخرج نقصها--------------------------------------------
1 انظر الفتاوى (11/653) .
2 رواه ابن أبي شيبة في المصنف (11/ 12) وفي الإيمان (ص 6) ، وعبد الله في السنة (1/368) والخلال في السنة (ق 159/ ب) والآجري في الشريعة (ص 118) والبيهقي في الشعب (1/197) وابن بطة في الإبانة (برقم:1147) .
3 هو أبو العباس الفضل بن زياد القطان البغدادي، كان من المتقدمين عند أبي عبد الله، وكان أبو عبد الله يعرف قدره ويكرمه روى عن الإمام مسائل كثيرة جياد، وحدث عنه جماعة انظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/251) .
4 رواه الخلال في السنة (برقم: 789) والآجري في الشريعة (ص 118) وابن بطة في الإبانة (برقم 1148) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
من الإسلام فهو نقص قي كمال الإيمان الواجب كما في قوله صلى الله عليه وسلم "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" فالمنفي في هذا الحديث كمال الإيمان الواجب، فلا يطلق الإيمان على مثل أهل هذه الأعمال إلا مقيداً بالمعصية أو بالفسوق، فيقال مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته"1.
4- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير وبخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير" 2.
فهذا الحديث، ومثله حديث الشفاعة الطويل3 ونحوهما من الأحاديث الدالة على أن القائلين"لا إله إلا الله"متفاوتون في إيمانهم، وأن منهم من يدخل النار بتفريطه وتقصيره في الطاعة إلا أنه لا يخلد فيها لوجود أصل الإيمان معه، فيها دلالة واضحة على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهل الإيمان فيه.
فلا يسوى في الإيمان بين من منعه إيمانه من دخول النار كلية، وبين من لم يمنعه إيمانه من دخولها لتفريطه وكثرة معاصيه، وكذلك لا يسوى بين من استوجبت له معاصيه أن يمكث فترة قصيرة في النار، وبين من استوجبت له أن يمكث فترة أطول.--------------------------------------------
1 الدرر السنية (1/ 162، 163) ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية (2/ 3، 4) بتصرف.
2 أخرجه البخاري (1/ 153 فتح) ومسلم (3/ 59 نووي) .
3 أخرجه البخاري (13/ 473 فتح) ومسلم (1/182) عن أنى بن مالك رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
فالحديث من أظهر الأدلة وأوضحها على زيادة الإيمان ونقصانه، وهو أحد أدلة أهل السنة والجماعة الكثيرة على زيادة الإيمان ونقصانه.
قال أبو بكر الأثرم1: قيل لأبي عبد الله: فنقول الإيمان يزيد وينقص فقال:"حديث النبي صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك قوله"أخرجوا من في قلبه كذا، أخرجوا من كان في قلبه"فهذا يدل على ذلك"2.
وقال عبد الملك بن عبد الحميد3 سمعت أبا عبد الله: ذكر نقصان الإيمان واستدل له بحديث:" يخرج من النار من في قلبه حبة" وحديث:"لا يزنى الزاني" 4.
وقد احتج البخاري في جامعه الصحيح بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه، فخرجه في"باب زيادة الإيمان ونقصانه من كتاب الإيمان5.--------------------------------------------
1 هو الإمام الجليل الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن هانىء الطائي الأثرم الاسكافي، نقل مسائل كثيرة عن الإمام أحمد وبوبها ورتبها، توفي في سنة إحدى وستين ومائتين أو في حدودها انظر ترجمته في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/ 66) والعبر للذهبي (1/374) .
2 رواه الخلال في السنة (برقم: 1041) وذكره شيخ الإسلام في كتابه الإيمان (ص 242) .
3 هو الإمام العلامة الحافظ الفقيه أبو الحسن عبد الملك بن عبد الحميد بن شيخ الجزيرة ميمون بن مهران الميموني الرقي، تلميذ الإمام أحمد، ومن كبار الأئمة، كان عالم الرقة ومفتيها في زمانه، توفي سنة أربع وسبعين ومائتين. انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (13/89) .
4 رواه الخلال في السنة (برقم: 1046) ونقلته منه بمعناه.
5 صحيح البخاري (1/103 فتح) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
وكذلك احتج به ابن خزيمة في كتابه التوحيد حيث قال:"باب ذكر الأخبار المصرحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما يخرج من النار من كان في قلبه في الدنيا إيمان دون من لم يكن في قلبه في الدنيا إيمان ممن كان يقر بلسانه بالتوحيد خالياً من الإيمان مع البيان الواضح أن الناس يتفاضلون في إيمان القلب، ضد قول من زعم من غالية المرجئة أن الإيمان لا يكون في القلب، وخلاف قول من زعم من غير المرجئة أن الناس إنما يتفاضلون في إيمان الجوارح الذي هو كسب الأبدان فإنهم زعموا أنهم متساوون في إيمان القلب الذي هو التصديق وإيمان اللسان الذي هو الإقرار … "1.
ثم أورد بعض الأحاديث في الباب، منها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
وقال البيهقي بعد أن ذكر الحديث وغيره محتجاً بها على زيادة الإيمان ونقصانه:"والأحاديث في … أن الإيمان يزيد وينقص سوى ما ذكرنا كثيرة"2.
وقال أبو حامد الغزالي"وقد ظهر أن ما قاله السلف من زيادة الإيمان ونقصانه حق، وكيف لا وفي الأخبار"أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"وفي بعض المواضع في خبر آخر"مثقال دينار"فأي معنى لاختلاف مقاديره إن كان ما في القلب لا يتفاوت"3.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:" … وأما الصحابة وأهل السنة والحديث فقالوا: إنه يزيد وينقص، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يخرج من النار--------------------------------------------
1 التوحيد (ص 293، 294) .
2 الاعتقاد (ص 119) .
3 الاحياء (1/213) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان" 1.
واحتج به الذهبي في السير2 وابن القيم كما في تهذيبه لسنن أبي داود3.
وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم بعد هذا الحديث:"وفي هذا الحديث دلالة لمذهب السلف وأهل السنة ومن وافقهم من المتكلمين في أن الإيمان يزيد وينقص، ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة"4.
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:"قوله سبحانه في الحديث"أخرجوا من النار من في قلبه مثقال ذرة"إلى آخره، يوافق ما ذكرناه5 فإن الإيمان أعلى من الإسلام، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام الذي ينفعه وإن كان ناقصاً"6.
5- حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً" 7.--------------------------------------------
1 منهاج السنة النبوية (5/ 205) وانظر الفتاوى (11/654) .
2 انظر سير أعلام النبلاء (11/363) .
3 تهذيب السنن (7/ 55) .
4 شرح صحيح مسلم (3/63) ، وانظر شرح صحيح البخاري للنووي (ص 224) .
5 يقصد تفريقه بين الإسلام والإيمان.
6 الدرر السنية (1/117) ومجموع مؤلفاته" قسم السيرة والفتاوى" (ص 57) .
7 رواه أحمد (2/250/ 472) وابن أبي شيبة في المصنف (11/27) وفي الإيمان (ص 8) وأبو داود (4/220) والترمذي (3/ 466) والآجري في الشريعة (ص 115) وابن حبان في صحيحه (475 موارد) وعبد الله في السنة (1/350) وابن أبي زمنين في أصول السنة (2/784) والحاكم في المستدرك (1/3) وأبو نعيم في الحلية (9/248) وابن عبد البر في التمهيد (9/237) والبيهقي في الشعب (1/161) وفي الاعتقاد (ص 118) والذهبي في السير (12/206) من طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم والذهبي، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/511) ، وله شواهد كثيرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
فهذا الحديث فيه دلالة على أن حسن الخلق من الإيمان، وأن المسلم كلما ازداد منه زاد إيمانه وارتقى إلى الكمال، وأن النقص منه نقص من الإيمان، فهو يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بحسن الخلق وينقص بنقصه، كما أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
قال ابن عبد البر:"ومعلوم أنه لا يكون هذا أكمل، حتى يكون غيره أنقص"1.
وقد احتج بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه أبو داود، فخرجه في"باب زيادة الإيمان ونقصانه". والترمذي فخرجه في"باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه"، من سننهما.
وقال الحليمي2:"فدل هذا القول على أن حسن الخلق إيمان، وأن عدمه نقصان إيمان، وأن المؤمنين متفاوتون في إيمانهم، فبعضهم أكمل إيماناً من بعض"3.
وقال شيخ الإسلام:"والإيمان عندهم- أي أهل السنة- يتفاضل،--------------------------------------------
1التمهيد لابن عبد البر (9/245) .
2هو القاضي أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، له مصنفات عديدة من أشهرها"المنهاج" توفي سنة ثلاث وأربعمائة، انظر السير للذهبي (17/231) .
3المنهاج (1/61) ، ونقله عنه البيهقي في الشعب (1/161) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
لأن الترك هنا تكليف، وإن كانت مع ذلك توصف بنقص الدين.
وليس المراد هنا بوصف النساء بنقص الدين تثريبهن ولومهن على ذلك، لأن هذا من أصل الخلقة، وإنما المراد بذلك هو التنبيه على ذلك تحذيراً من الافتتان بهن، ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النقص1.
وهذا الحديث هو أحد الدلائل القوية لأهل السنة والجماعة على زيادة الإيمان ونقصانه، إذ فيه التصريح بنقص الدين، وأما الزيادة فمصرح بها في القرآن، كما تقدم.
ولهذا فقد احتج به غير واحد من أهل العلم على ذلك. فقد خرجه أبو داود في سننه في،"باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه"2، وخرجه الترمذي في"باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه"3.
قال البغوي مبيناً عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان:"وقالوا إن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء في الحديث بالنقصان في وصف النساء"4 يشير إلى حديثنا هذا.
وقال أبو محمد بن حزم:"وقد جاء النص بذكر النقص وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهور المنقول نقل الكواف أنه قال للنساء (ما رأيت من--------------------------------------------
1 انظر فتح الباري لابن حجر (1/ 456) .
2 سنن أبي داود (4/ 219) .
3 سنن الترمذي (5/ 10) .
4 شرح السنة (1/39) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الخازم منكن" 1.
وبوب له النووي في شرحه لمسلم"باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات … ) 2، وقال:"وفيه بيان زيادة الإيمان ونقصانه"3.
وقال الحليمي في المنهاج"ومما يدل على أن الإيمان يزيد وينقص قول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء أإنكن ناقصات عقل ودين … "…"4.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية"والقرآن نطق بالزيادة في غير. موضع، ودلت النصوص على نقصه كقوله"لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن"لكن لم يعرف اللفظ إلا في قوله في النساء"ناقصات عقل ودين"وجعل من نقصان دينها أنها إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي، وبهذا استدل غير واحد على أنه ينقص"5.
7- حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"مَن أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان" 6.--------------------------------------------
1 الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/237) .
2 شرح صحيح مسلم (2/65) .
3 المصدر نفسه (2/ 67) .
4 المنهاج (1/ 63) .
5 الفتاوى (13/51) وانظر الفتاوى (7/233) .
6 رواه أبو داود (4/ 220) وابن أبي الدنيا في الاخوان (ص 102) والطبراني في الكبير (برقم: 7737) وابن بطة في الإبانة (2/658) والبغوي في شرح السنة (13/ 54) والبيهقي في الاعتقاد (ص 118) . وحسن الألباني إسناده وله شاهد عن حديث سهل بن معاذ عن أبيه رواه الترمذي (4/ 670) وأحمد (3/ 445) والبيهقي في الشعب (1/128) وحسن الألباني إسناده، ثم قال:"فالحديث بمجموع الطريقين صحيح". انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/657) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
ففي هذا الحديث بيان أن المسلم"إذا كان حبه لله ومنعه لله وهما عمل قلبه، وعطاؤه لله ومنعه لله وهما عمل بدنه، دل على كمال محبته لله، ودل ذلك على كمال الإيمان، وذلك أن كمال الإيمان أن يكون الدين كله لله، وذلك بعبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة تتضمن كمال الحب وكمال الذل، والحب مبدأ جميع الحركات الإرادية، ولا بد لك من حب وبغض، فإذا كانت محبته لمن يحبه الله، وبغضه لمن يبغضه الله، دل ذلك على صحة الإيمان في قلبه، لكن قد يقوى ذلك وقد يضعف بما يعارضه من شهوات النفس وأهوائها، الذي يظهر في بذل المال الذي هو مادة النفس، فإذا كان حبه لله وعطاؤه لله ومنعه لله، دلّ على كمال الإيمان باطناً وظاهراً"1.
فالحديث بهذا من أوضح الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه، لتفاوت الناس في عمل القلب وعمل الجوارح المذكورين في الحديث تفاوتاً عظيماً، بل إن الفرد المسلم تختلف أحواله من وقت لآخر من جهة القيام بهذه الأعمال.
ثم إن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث:"فقد استكمل الإيمان" ظاهر الدلالة على زيادة الإيمان ونقصانه، لأن الاستكمال لا يكون إلا عن نقص، وإذا ثبت النقص فإنه مستلزم للزيادة. فالإيمان يزيد حتى يصل إلى درجة الكمال، وينقص حتى لا يبقى منه شيء.
وقد احتج أبو داود في سننه بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه فخرجه في"باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه"، وكذا البيهقي في--------------------------------------------
1 الفتاوى لابن تيمية (10/ 754) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
كتاب الاعتقاد ثم قال بعد أن ذكره مع غيره من الأحاديث الدالة على ذلك:"والأحاديث في … أن الإيمان يزيد وينقص سوى ما ذكرنا كثيرة، وفيما ذكرنا هنا كفاية) 1.
8- حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: (إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) 2.
فقد أفاد هذا الحديث أن الناس متفاضلون في معرفة الله وتقواه وهما من أعظم أعمال الإيمان، وأن أفضل الناس وأتقاهم لله عز وجل وأعظمهم معرفة به هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ودلالة الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه واضحة، لأن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله وتقوى له ازداد إيماناً.
قال ابن حجر في شرحه للحديث:"وفيه دليل على زيادة الإيمان ونقصانه، لأن قوله صلى الله عليه وسلم: "أنا أعلمكم بالله" ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأن النبي صلى الله عليه وسلم منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلق بذلك فهذا هو الإيمان حقاً"3.
وقد بوب البخاري لهذا الحديث في كتاب الإيمان من صحيحه بـ"باب قول النبي صلى الله عليه وسلم"وأنا أعلمكم بالله"وأن المعرفة فعل القلب".
واستدل لذلك بقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ--------------------------------------------
1 الاعتقاد للبيهقي (ص 118) .
2 أخرجه البخاري (1/ 70 فتح) .
3 فتح الباري (1/70) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
قُلُوبُكُمْ} 1، ومراده من هذا أن يبرهن على أن الإيمان لا يتم بالقول وحده، بل لا بد من ضم الاعتقاد إليه، والإعتقاد فعل القلب2.
وهذا فيه دلالة على أن التقوى ومعرفة الله من الإيمان، والحديث دل على تفاضل الناس فيهما، فأعمال القلوب إذن متفاضلة والإيمان فيها يزيد وينقص.
ومثل هذا الحديث في الدلالة حديث أبي ذر رضي لله عنه القدسي الطويل وفيه قال الله تعالى "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً" 3.... الحديث.
فهو يدل على أن الناس يتفاضلون في التقوى والله أعلم.
9- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" 4.
بين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مراتب إنكار المنكر، وأنه حسب الاستطاعة فإما أن يغير باليد أو باللسان أو بالقلب، بمعنى يكرهه بقلبه، وهذه المراتب الثلاث للإنكار يقوم بها المكلف على قدر استطاعته، ولا شك أن المرتبة الأخيرة باستطاعة جميع المكلفين، فمن رأى المنكر ولم يكرهه بقلبه وهو يعلم أنه منكر فإن هذا يكون علامة على ضعف إيمانه.--------------------------------------------
1 سورة البقرة، الآية: 225.
2 انظر فتح الباري (1/70) .
3 أخرجه مسلم (4/ 1994) .
4 رواه مسلم (2/ 22 نووي) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
وما من شك في أن المكلفين متفاضلون في القيام بهذه المراتب، فمنهم من ينكر بيده، ومنهم من ينكر بلسانه، ومنهم من ينكر بقلبه، فمن أنكر بيده فهو أفضل ممن أنكر بلسانه، ومن أنكر بلسانه فهو أفضل ممن أنكر بقلبه فقط.
فالناس إذا يتفاضلون في الإيمان، فبعضهم يزداد إيمانه حتى ينكر المنكر بيده وبعضهم يضعف إيمانه فلا ينكر المنكر إلا بقلبه، فالحديث بهذا من أوضح الدلائل وأبينها على زيادة الإيمان ونقصانه.
ثم إن قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث:"وذلك أضعف الإيمان"تصريح
بأن الإيمان يضعف، وضعفه نقصان، فالإيمان ينقص بنقص الطاعة وارتكاب المعصية، كما أنه يزيد بفعل الطاعة والبعد عن المعصية.
وقد احتج بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله فيه النسائيُ في سننه فبوب له بـ"باب تفاضل أهل الإيمان"1. وابن منده في كتابه الإيمان فقال:"ذكر خبر يدل على أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالأركان يزيد وينقص"2 ثم ذكر حديث أبي سعيد رضي الله عنه.
وبوب له النووي في شرحه لمسلم بـ"باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص … "3.
ومثل هذا الحديث في الدلالة حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف--------------------------------------------
1 سنن النسائي (8/11) .
2 الإيمان لابن منده (2/341) .
3 شرح صحيح مسلم للنووي (2/21) وانظر مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (3/343) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" 1.
فدلالة هذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه ظاهرة كسابقه، إذ فيه ذكر مراتب الإنكار الثلاث، وأن أضعفها مرتبة الإنكار بالقلب التي ليس وراءها من الإيمان حبة خردل.
قال ابن منده:"ذكر خبر يدل على أن الإيمان ينقص حتى لا يبقى في قلب العبد مثقال حبة خردل، وأن المجاهدة بالقلب واللسان واليد من الإيمان"2 ثم ذكر هذا الحديث.
وفي الحديث فائدتان ليستا في الذي قبله: إحداهفا: تصريحه بأن هذه المراتب الثلاث للإنكار من الإيمان، والثانية: إخباره بأنه ليس وراء المرتبة الأخيرة من الإنكار حبة خردل من إيمان.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" المراد به
أنه لم يبق بعد هذه المراتب الثلاث للإنكار ما يكون داخلاً في مسمى الإيمان حتى يقوم به المؤمن، بل إن الإنكار القلبي هو آخر حدود الإيمان، وليس المراد نفى أصل الإيمان عن من لم ينكر المنكر، ولهذا قال في الحديث "ليس وراء ذلك"؛"أي: ليس وراء هذه الثلاث ما هو من الإيمان، ولا قدر حبة خردل. والمعنى: هذا آخر حدود الإيمان، ما بقي بعد هذا من الإيمان شيء، ليس مراده أنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه من الإيمان شيء"3.--------------------------------------------
1 رواه مسلم (1/ 70) .
2 الإيمان لابن منده (2/ 345) .
3 انظر الفتاوى (7/ 52) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث المؤمنين ثلاث طبقات، وكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه، لكن الأول لما كان أقدرهم كان الذي يجب عليه أكمل مما يجب على الثاني، وكان ما يجب على الثاني أكمل مما يجب على الآخر، وعلم بذلك أن الناس يتفاضلون في الإيمان الواجب عليهم بحسب استطاعتهم مع بلوغ الخطاب إليهم كلهم1.
لكن قد يرد على هذا سؤال: وهو إذا كان ذلك حسب الاستطاعة فمن لم يستطع لا بيده ولا بلسانه فعمل حسب استطاعته وهو الإنكار بقلبه، فكيف يقال إن إيمانه ناقص، وهذا الذي فعله هو الذي في استطاعته؟.
والجواب على هذا، أن يقال: إن إيمان هذا الأخير عُد ناقصاً من جهة نقص عمله عن الآخرين إذ هما قاما من أمر الدين بعمل أكمل منه فعد إيمانه من هذه الجهة ناقصاً، وأما هذا النقص الذي عنده فلا يحاسب عليه لأنه خارج عن استطاعته والله عز وجل لا يكلف النفس إلا وسعها وما تطيقه، بل قال شيخ الإسلام"ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة، وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل"2.
وذلك من فضل الله وسعة رحمته لأنه سبحانه لم يكلف الناس إلاّ بما يطيقون.
ومن هذا الجنس المرأة الحائض التي تترك الصوم والصلاة وقت حيضتها تعد ناقصة إيمان من هذه الجهة إذ إن الرجل لا ينقطع عن الصلاة بمانع مثلها فهو أكمل منها بهذا الاعتبار، وإن كانت لا تحاسب على هذا--------------------------------------------
1 الأيمان لابن تيمية (ص 409، 410) .
2 الفتاوى (28/ 131) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)