تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)} [المؤمنون].

‌‌توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية:
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه براهينَ ألوهيتِه واستحقاقِه العبادة، فمن هذه البراهين ما دلَّ عليه توحيدُ الربوبية، ولنتأمل في ذلك فاتحة سورة الفرقان: حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى:
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)}، ثم وَصَفَ اللهُ-تعالى-نفسه، فقال: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. إذًا هذا الأمر الأول وهو ملك السماوات والأرض، هل من مالك غير الله؟، هل يملك أحدٌ شيئًا غير الله تعالى، ملكًا تامًّا من هذه المعبودات؟ ولهذا قال: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا}، فهذا من ربوبيته سبحانه {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ}، لا أحد يملك مع الله شيئًا {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)}، إذًا، ذكر لنفسه سبحانه وتعالى من الصفات العلا أنه المالك الخالق المدبر لا يملك أحد مع الله شيئا. ثم قال سبحانه وتعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} يعني اتخذوا من دون الله آلهة، ما صفاتُها؟ قال الله: {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)} [الفرقان: 3]. وهذا معروف أنهم لا يملكون. لماذا؟ لأنَّ المالك هو الله سبحانه وتعالى أي: المالك على الحقيقية لهذه الأشياء، المالك للخلق والملك والتدبير هو الله سبحانه وتعالى. ولهذا يقول ربنا -جل وعلا- في سورة الزمر: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} يعني أخبروني عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38)} فالنفع والضر بيد الله سبحانه وتعالى عقيدةً صحيحةً ثابتةً لا بُدَّ للمسلم أن يؤمن بها.
ويقول ربنا -جل وعلا-: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)} [الأنعام].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)