الْمَعْنَى وَاتِّبَاعِهِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)} [البقرة]
وَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)} [الفرقان]
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16)} [محمد] وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
وَهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ سَمِعُوا صَوْتَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَفْهَمُوا وَقَالُوا: مَاذَا قَالَ آنِفًا؟ أَيْ السَّاعَةَ؛ وَهَذَا كَلَامُ مَنْ لَمْ يَفْقَهْ قَوْلَهُ فَقَالَ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}. فَمَنْ جَعَلَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ غَيْرَ عَالِمِينَ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ جَعَلَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فِيمَا ذَمَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم فَسَّرُوا لِلتَّابِعِينَ الْقُرْآنَ؛ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: عَرَضْت الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ أَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهُ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا.(1) وَلِهَذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إذَا جَاءَك التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُك بِهِ(2).
وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه يَقُولُ: لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ--------------------------------------------
(1) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (6/ 154) رقم (30287) وأحمد في فضائل الصحابة (1866) عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ ثَلَاثَ عَرْضَاتٍ أَفْقَهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ» ورواه أحمد في فضائل الصحابة (1867) عن شَرِيكٍ: وسئل أَيُّ الرَّجُلَيْنِ كَانَ أَعْلَمَ بِالتَّفْسِيرِ مُجَاهِدٍ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ مُجَاهِدٌ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ». وفي فضائل الصحابة لأحمد أيضا (1868) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ يَعْنِي أَبَا سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبَ، عَنْ خُصَيْفٍ قَالَ: قَالَ لِي مُجَاهِدٌ:، «قَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَقِفُهُ عَلَى كُلِّ آيَةٍ». ورواه الدارمي (1160) والطبري في التفسير "جامع البيان ط هجر (1/ 85، و 3/ 755) "، والطبراني في المعجم الكبير (11/ 77) رقم (11097) - ومن طريقه الضياء في المختارة (13/ 76) وأبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 279) والحاكم في المستدرك (3105) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: لَقَدْ عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ أَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أَسْأَلُهُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَفِيمَ كَانَتْ؟ … إلخ وعند الحاكم تصريح ابن إسحاق بالسماع.
(2) رواه الطبري (1/ 85)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)