فامتدح نفسه بذلك؛ فهو يأتي بالعباد يوم القيامة، ويُعرِّفُهم بأعمالهم، لا يحتاج إلى معاوِنٍ، ولا يحتاج إلى عدٍّ، ولا يحتاج إلى أمر مما يحتاجه البشر.
وإنما قد علم ما كان منهم وما وقع من أعمالهم، فيُعرِّفُهم إيَّاها {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)} [المعارج] يحاسبُهم جميعًا، ويُوقِفُهم على أعمالهم، كما قال: {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} [المجادلة: 6] فامتداحُه لنفسه سبحانه بأنه سريع الحساب دالٌّ على هذه المسألة العظيمة، وهي أنَّ الحساب حقٌّ وكائنٌ يوم القيامة.
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلاَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»(1).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، فِي هَذَا الْمَسْجِدِ بَدَأَ بِالْيَمِينِ قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَنَا فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيَخْلُو بِهِ رَبُّهُ كَمَا يَخْلُو أَحَدُكُمْ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَيَقُولُ ابْنَ آدَمَ: مَاذَا غَرَّكَ [بِيْ] يَا ابْنَ آدَمَ؟ [مَا غَرَّكَ بِيْ] مَاذَا أَجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ يَا ابْنَ آدَمَ؟ مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ [مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ، مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ]»(2)

‌‌الاستعاذة من سوء الحساب:
أخبرنا ربُّنا عن أوليائه المؤمنين بأنهم يسأَلُونه أن يُعِيذَهم من سوء الحساب يوم القيامة. يقول ربُّنا -جل وعلا-: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (7512)، ومسلم (1016) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.
(2) أخرجه أحمد في الزهد (907) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلَالٍ الْوَزَّانِ، عَنْ ابن عُكَيمٍ به. وهذا إسناد صحيح. ومن طريق أبي عوانة رواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (848) والطبراني في الكبير (9/ 180/ 8899) ومنه الزيادة الأخيرة واللالكائي في شرح السنة (860) وأبو نعيم في الحلية (1/ 131). ورواه ابن المبارك في الزهد (38) وعبد الله بن أحمد في السنة (474، 475، 1151، 1152) وابن خزيمة في التوحيد (1/ 363 و 2/ 420) والطبراني في المعجمين الأوسط (449) والكبير (9/ 182/ 8900) وابن بطة في الإبانة (7/ 43) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1200) من طرق عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ هِلَالِ به.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 216)