4- بُعد طريقتهم عن التوحيد الحقيقي المبعوث به الرسل:
ومن مميزات طريقة المتكلمين بعدها عن توحيد الألوهية والأسماء والصفات؛ لاكتفائهم بتوحيد الربوبية، ولأن بعض طوائفهم يفسرون التوحيد بما يستلزم نفي الصفات، فجعلوا وجود الله وجودًا مطلقًا لا يوصف بوحدة ولا كثرة، وإثبات الصفات تعدد وكثرة، وهم يدرجون في توحيدهم نفي علو الله على خلقه ومباينته لهم وعلمه وقدرته وسائر صفاته؛ لأن إثبات ذلك مناقض لاعتقادهم بأن الله لا صفة له.
وبعض طوائف المتكلمين تتوسع في النفي المفصل حتى سلبوا عن الله النقيضين فقالوا: لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل؛ لأن الإثبات -بزعمهم- تشبيه له بالموجودات، وما قالوه يُعلم فساده ضرورة؛ لأن إثبات ذات معطلة عن جميع الصفات لا يتصور لها وجود في الخارج، وفيه غاية التعطيل، والله تعالى يخبر في كتابه أنه حي قيوم عليم حكيم سميع بصير يكلم ويرضى ويغضب2.--------------------------------------------
1 الفتاوى 2/22 و4/50 وانظر مجموعة التفسير ص209-213 وموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1/113 و2/253.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
5- طريقتهم غير عملية ولا تناسب جميع الناس، لاعتمادها على ألفاظ مستوردة:
ومما تمتاز به طريقة المتكلمين أنها غير عملية ولا تناسب جميع فئات الناس فاعتمادها على المنطق اليوناني بأقيسته وقضاياه الجزئية والكلية لم يجعلها طريقًا لدخول الناس في دين الله؛ لأن المنطق اليوناني ذهني مجرد لا ينفذ إلى أعماق النفس، بل إن مباحث علم الكلام بدت غريبة غربة كاملة عن الإسلام ومنهجه وأسلوب الدعوة إلى عقيدته الصافية، لما خلط المتكلمون بين المصطلحات اليونانية ومبادئ العقيدة الإسلامية وأسلوب عرضها ووسائل الدفاع عنها، فلم يفرقوا بين عقيدة خالدة وبين أسلوب زمني عارض قابل للتغيير والتبديل، حتى صارت بين العقيدة النظرية في علم الكلام وبين العقيدة الحية الواقعة في القرآن هُوَّةٌ بعيدة.
لقد بحث المتكلمون في مسائل العقيدة وهم يحملون أفكارًا ومقررات غير إسلامية، وأخذوا يطبقونها على العقيدة ومسائلها، كمسألة الذات والصفات وغيرها من المسائل التي لم ترد في القرآن ولا اعتنى بها الجيل الأول.
وقد ذم شيخ الإسلام ابن تيمية طريقتهم مبينًا ما فيها من مصطلحات غير إسلامية من لغات الأمم الأخرى، وأن كل أمة تفهم من هذه المصطلحات غير ما تفهمه الأمة الأخرى، ومن هنا تظهر الخطورة المترتبة على حركة الترجمة للكتب المنطقية اليونانية والتي حاول أصحابها المزج والتقريب بين الفلسفة والدين، إذ إنه ليس من السهل أن تعرض مسائل العقيدة الإسلامية السهلة الفطرية -بقوالب فلسفية جافة غريبة عن طبيعة هذا الدين، ولهذا جاءت معظم مسائل العقيدة عند المتكلمين مشوبة بشيء من التكلف والتعقيد والجفاف، مما جعلها لا يحصل بها العلم النافع ولا العمل الصالح، لأن العلم بالصانع ووحدانيته يمتنع أن يكون موقوفًا على طريقة فاسدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
ولو أن المتكلمين عرضوا أدلة القرآن مكتفين ببيانها وتوضيح القصد منها، لكان ذلك أنفع وأبعد عن التكلف والتعقيد، وأسلم من دخول الألفاظ الغريبة، وأبعد عن الخلاف فيما بينهم، وأقرب للإقناع1.--------------------------------------------
1 انظر موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1/61-63 وص181 ومدارج السالكين 3/437 وضحي الإسلام 3/9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
6- طريقتهم نهايتها الشك والحيرة وندم أصحابها لسلوكها وذمها السلف:
إن طريقة المتكلمين تؤدي للشك والحيرة لأنها مخالفة للفطرة الإنسانية ولطريقة القرآن الكريم والرسل أجمعين، وقد ذم السلف الصالح هذه الطريقة لكنهم لم يذموا جنس الكلام والاستدلال والنظر الذي أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، بل ذموا الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة.
وقد خفي بطلان هذه الطريقة على كثير من سالكيها حتى اعتقدوا أنها طريقة موافقة للشرع والعقل، وأن عيبها أنها طويلة متعبة خطرة فقط لكنها صحيحة في نفسها، فلما انتهت بهم إلى الشك والحيرة علموا بطلانها شرعًا وعقلًا، فعضوا أصابع الندم مصرحين بأنها لم تشفِ داءهم ولم تذهب حيرتهم، ولم يشك أحد منهم أن مثل ذلك حصل لغيره من سالكيها1.
وقد صرح ابن واصل الحموي بشكّه عندما قال: "أستلقي على قفاي وأضع المِلْحَفَةَ على نصف وجهي ثم أذكر المقالات وحجج هؤلاء وهؤلاء واعتراض هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجح عندي شيء"2.--------------------------------------------
1 انظر الفتاوى 3/47 وتلبيس الجهمية 1/132 والنبوات ص41 وص 304-307.
2 انظر الفتاوى 4/209.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
وكان أبو المعالي الجويني يقول: لقد جُلْتُ أهلَ الإسلام جولة وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه، كل ذلك في طلب الحق وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، فالويل لابن الجويني"1.
وهذا الشَهْرستاني ينشد:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها … وسيّرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائر … على ذقن أو قارعًا سن نادم2
ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي:
فيك يا أغلوطة الفكر … حار أمري وانقضى عمري
سافرت فيك العقول فما … ربحت إلا أذى السفر
فلحى الله الأولى زعموا … أنك المعروف بالنظر3
وهذا أبو عبد الله الرازي يصرح بأن علم الذات عليه عقدة وهي: هل الوجود هو الماهية أو زائد عليها؟ وعلم الصفات عليه عقيدة وهي: هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ وعلم الأفعال عليه عقدة وهي: هل الفعل مقارن للذات أو متأخر عنها؟ واعترف أن أحدًا لم يصل إلى هذا الباب ولم يذق من هذا الشراب وأنشد:
نهاية إقدام العقول عقال … وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذًى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ثم قال: "لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تَروي غليلًا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات {الرَّحْمَنُ عَلَى--------------------------------------------
1 تلبيس إبليس ص82.
2 موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1/92.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} 2، وأقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} 3، {لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} 4، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا} 5 ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"6.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا تجد أبا حامد مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف -ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث ومات وهو يشتغل في صحيح البخاري"7.
وأما السلف الصالح فأنكروا صحة هذه الطريقة في نفسها وعابوها لاشتمالها على كلام باطل، فذموا علم الكلام والمتكلمين، كقولهم: "من طلب الدين بالكلام تزندق"، وقول الشافعي: "لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ماعدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام"، وقول الإمام أحمد: "لا يفلح صاحب كلام أبدًا، علماء الكلام زنادقة"، وقول أبي الوفاء بن عقيل لبعض أصحابه: "أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعَرَض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت"8.--------------------------------------------
1 سورة طه آية 5.
2 سورة فاطر آية 10.
3 سورة الشورى آية 11.
4 سورة طه آية 110.
5 سورة مريم آية 65.
6 انظر موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1/93.
7 موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1/93 وانظر ص 23-24 وص 97 وص 140 والنبوات ص 52.
8 انظر هذه الأقوال في الفتاوى 6/243 وأعلام الموقعين 4/248 وتلبيس إبليس ص82.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
الفصل الثاني: مميزات طريقة الفلاسفة
تمهيد
الفلسفة اليونانية وما تفرع عنها عمل بشري ناقص لا يؤمن على متبعه الضلال.
وليس هدفي في هذا الفصل تتبع مسائل الفلسفة والرد عليها؛ لأن ذلك يستغرق بحثًا كاملًا، ولكن سلكت في هذا الفصل مسلكي في الفصل السابق، فبنيت الكلام على ما يلي:
أولًا: ذكرت طريقة الفلاسفة في الاستدلال على واجب الوجود.
ثانيًا: ذكرت أهم مميزات هذه الطريقة وهي.
أ- جواز أن يكون الممكن قديمًا على طريقتهم.
ب- طريقتهم لا تفيد علمًا ولا عملًا.
جـ- طريقتهم تناقض التوحيد.
د- طريقتهم غير عملية وليس لها رسالة في الأرض.
هـ- طريقتهم التبس فيها الحق بالباطل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
أولًا: طريقة الفلاسفة في الاستدلال على واجب الوجود
يتبع الفلاسفة في الاستدلال على واجب الوجود طريقة الإمكان والوجوب، فيقولون بأن كل ما كان ممكن الوجود والعدم لم يوجد منذ الأزل؛ لأنه يعلم بالضرورة أن حالة الإمكان المحض -أي العدم- سابقة على مرحلة الوجود الفعلي لهذا الممكن، فلما كان كل موجود نراه ممكنًا، فقد وجب أن تكون حالة العدم والإمكان المحض سابقة لجميع الموجودات، وعليه فإن الممكن لا يوجد كائنًا غيره علويًّا أو سفليًّا، ولما كانت حالة العدم وإمكان الوجود السابق لجميع الموجودات فقد وجب أن يكون موجودًا سابقًا لحالة العدم هذه، ووجوده واجب وهو الإله.
وبعضهم يقول بأننا إذا نظرنا إلى الموجودات من حولنا فإننا نرى أشياء توجد بعد أن لم تكن، وأشياء تنعدم بعد وجودها، وهذه الأشياء لا تخرج عن كونها مستحيلة الوجود أو ممكنة أو واجبة، والقول باستحالتها باطل لأنها موجودة، ووجوب وجودها باطل كذلك لأن الواجب لا يعدم، فبقي أنها ممكنة الوجود، والممكن محتاج إلى سبب لوجوده، وهذا السبب لن يكون عين الشيء الممكن ولا جزأه لاستلزام تقدم الشيء على نفسه، فوجب أن يكون هناك سبب وراء الممكنات كلها وهو واجب بنفسه يمنح الممكنات وجودها، وهذا الواجب الوجود هو: الله.
وبعض الفلاسفة يسلك للتدليل على واجب الوجود طريقًا آخر فيقول: كل ممكن فهو معلول قطعًا، والمعلول لا بد له من علة أولى لا يتطرق إليها الإمكان ويجب وجودها بنفسها، وهذه العلة الأولى هي: الإله1.--------------------------------------------
1 انظر رسالة التوحيد لمحمد عبده ص18-21 ونظرية التكليف د. عبد الكريم عثمان ص156.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
ونلاحظ أن كل هذ الاستدلالات على وجود الله عند الفلاسفة مرجعها إلى الإمكان والوجوب وملخصها: أن الموجود إما أن يكون واجبًا أو ممكنًا، والممكن محتاج إلى مؤثر واجب وإلا لزم الدور والتسلسل فثبت أن الممكن وجوده بغيره، والواجب وجوده بذاته وهو السبب الأول لجميع الممكنات الموجودة والعلة الأولى لكل المعلولات.
ويجب أن نلاحظ هنا أن الفلاسفة إذا قالوا بإمكان الموجودات -والعالم كله ممكن الوجود- فإنما يعنون أن لهذا العالم مادة قديمة أزلية وجودها متقدم على وجود العالم وهي ما يسمونها الهيولي، هذه الهيولي معلولة عن العلة الأولى بشكل حدوث ذاتي، وهي تتحرك للتشبه بهذه العلة، فالعلة أولى لغيرها وهي آمرة للفلك بالتحرك للتشبه بها كما يتحرك العاشق نحو المعشوق، وحدوثه عنها حدوث ذاتي لا حدوث زماني.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والمعنى الثالث الذي أحدثه الملاحدة كابن سينا وأمثاله قالوا: نقول العالَم محدَث أي معلوم لعلة قديمة أزلية أوجبته فلم يزل معها، وسموا هذا الحدوث الذاتي وغيره الحدوث الزماني، والتعبير بلفظ الحدوث عن هذا المعنى لا يعرف عن أحد من أهل اللغات لا العرب ولا غيرهم إلا من هؤلاء الذين ابتدعوا لهذا اللفظ هذا المعنى، والقول بأن العالم محدث بهذا المعنى فقط ليس في قول أحد من الأنبياء ولا أتباعهم ولا أمة من الأمم العظيمة.."1.--------------------------------------------
1 موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1/72 وانظر ص69-70 وانظر تاريخ الفلسفة العربية د. جميل صليبا. ص223.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
مميزات طريقة الفلاسفة
مدخل
…
ثانيًا: مميزات طريقة الفلاسفة
امتازات طريقة الفلاسفة السابقة بميزات وهي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
أ- جواز أن يكون الممكن قديمًا:
على طريقة الفلاسفة يجوز أن يكون الممكن قديمًا لقولهم بقدم مادة العالم عليه، وبزعمهم أن الفلك واجب بنفسه وأن حركته إنما هي للتشبه بعلته الغائية، معتبرين أن الله سبب وعلة أولى لغيره والعلة مماثلة للمعلول، وبالتالي أدى بهم قولهم هذا للقول بقدم العالم وأزليته، ومن هذه النقطة انبثقت معظم آرائهم التي كفّرهم بها أهل السنة.
وقد بين أبو حامد الغزالي كفرهم في عدة مسائل منها: قولهم بقدم العالم وأزليته، وإنكارهم علم الله بالجزئيات، وإنكارهم المعاد، كما أنه فسقهم وبدعهم في مسائل كثيرة مستدلًّا بذلك على فساد طريقتهم في الاستدلال وأنهم لم يستطيعوا إقامة دليل صحيح على وحدانية الله تعالى؛ لأنهم قالوا بنظرية الفيض والتكثر ويعنون بها: أن الله صدر عنه العقل الأول وهذا صدر عنه العقل الثاني وهكذا إلى العقل العاشر الذي هو العقل الفعال في عالمنا.
وهذا المسلك هو ما يسمونه بالطريق التصاعدي حيث يبحثون الأمور الطبيعية ثم يصعدون منها إلى الأفلاك ثم إلى العقول العشرة ثم إلى واجب الوجود1.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية فساد طريقهم هذه وأنهم بزعمهم صدور العقل والنفس عن الله أشد كفرًا ممن نسب له البنين فيقول: "والذين قالوا إن العقول والنفوس صدرت عنه، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم فإن أولئك لم يكونوا يجعلون شيئًا من البنين والبنات مبدعة لكل ما سواه، وهؤلاء يجعلون أحد البنين--------------------------------------------
1 انظر المنقذ من الضلال ص43-50 والرد على المنطقيين ص195.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
وهو "العقل" أبدع كل ما سواه ويجعلون "العقل" كالذكر و"النفس" كالأنثى وهذا ما صرحوا به، وكانت العرب تقر بأنه خلق السماوات والأرض وأحدثهما بعد أن لم تكونوا ولم تكونا، يقولون إنها قديمة أزلية معه لم تزل معه"1. انتهى بلفظه.--------------------------------------------
1 الرد على المنطقيين ص219 وص149 وانظر الفتاوى 2/21 - 23 و12/140 - 155.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
ب- طريقتهم لا تفيد علمًا ولا عملًا
يسلك الفلاسفة في طريقتهم أقيسة عديدة كلها لا تليق بحق الله تعالى مثل قياس التمثيل والاستقراء والشمول، لأن القياس التمثيلي الذي يستدل فيه بأحد الجزأين على الآخر، والقياس الاستقرائي الذي يستدل فيه الجزئي على الكلي والقياس الشمولي الذي يستدل فيه بالكلي على الجزئي، كلها لا تدل إلا على قدر مشترك ولا تدل على شيء معين، والله تعالى لا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها أو يستوي فيها الأصل والفرع، لذلك كانت هذه الأقيسة المستعملة أضعف الطرق لأنها لا تثبت إلا وجودًا واجبًا بقضايا كلية لا تدل على الله بعينه، إذ إن الكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، والعلم بالصانع ليس موقوفًا على هذه الأقيسة بل بالآيات الدالة على معين لا شركة فيه1.
وقد اعترف كثير من الفلاسفة بأنهم لا يصلون
في العلم الإلهي إلى اليقين وإنما يتكلمون فيه بالأولى والأحرى، فكان هذا الاعتراف شهادة على أنفسهم أن طريقتهم لا تفيد علمًا ولا تقيم دليلًا على واجب الوجود، وقد اعترف الرازي بعد--------------------------------------------
1 انظر الفتاوى 3/97 و9/139 - 142 وص135 والرد على المنطقيين ص138- 159 وموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1/14 وتلبيس الجهمية 2/474.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
استعراضه لأدلة القائلين بقدم العالم والقائلين بحدوثه أنه لم يترجح عنده شيء، وعليه يجوز حدوث كل قائم بنفسه أو قدم كل حادث1.
وقد ذم الغزالي طريقتهم أكثر من طريقة المتكلمين معترفًا أنه لم يحصل له مقصوده منها؛ لأن كلامهم في الإلهيات تخميني نظري لا يقيني وقد كان الخسرو شاهي يقول: "والله ما أدري ما أعتقد"2.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الإلهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعة وغالب كلامهم ظنون كاذبة فضلًا عن أن تكون قضايا صادقة يؤلف منها البرهان، ولهذا حدثونا عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخونجي صاحب "كشف أسرار المنطق" و"الموجز" وغيرهما أنه قال عند الموت: "أموت وما عرفت شيئًا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى المؤثر، ثم قال: "الافتقار وصف سلبي فأنا أموت وما عرفت شيئًا"3.--------------------------------------------
1 انظر الفتاوى 13/168 وتلبيس الجهمية 1/130 و2/478.
2 انظر الفتاوى 9/228.
3 الفتاوى 9/113 وانظر الرد على المنطقيين ص114.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
جـ- طريقتهم تناقض التوحيد
مذهب أرسطو ومن تأثر به أن الإله الكامل المطلق لا يعقل إلا ذاته ويتنزه عن الإرادة والعمل وعلم الكليات والجزئيات التي هي من علم عقول البشر، وقد أمعن كثير من الفلاسفة في التنزيه حتى جعلوا كل صفات الإله سُلُوبًا محضة، وأنكروا صفة الوجود لمقابلتها للعدم واشتراك الموجودات جميعها في صفة الوجود، لذلك وجود الرب عندهم وجود مطلق وهو غير مباين للعالم ولا يشار إليه، وما قالوه ليس له حقيقة في الخارج إلا في الأذهان، وهو غاية الكفر "فتوحيد هؤلاء هو غاية الإلحاد والتعطيل والجحد والكفر، وفروع هذا التوحيد إنكار ذات الرب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
والقول بقدم الأفلاك وأن الله لا يبعث من في القبور وأن النبوة مكتسبة وأنها حرفة من الحرف كالولاية والسياسة، وأن الله لا يعلم عدد الأفلاك ولا الكواكب ولا يعلم شيئًا من الموجودات المعينة البتة وأنه لا يقدر على قلب شيء من أعيان العالم ولا شق الأفلاك ولا خرقها وأنه لا حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي ولا جنة ولا نار، فهذا توحيد هؤلاء"1. انتهى بلفظه.--------------------------------------------
1 مدارج السالكين 3/447 وانظر الفتاوى 4/58 و13/149-152 والنبوات ص286 والرد على المنطقيين ص214 وص314 وموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 2/255 والدين الخالص 1/96 وغاية الأماني 1/483 ودعوة التوحيد للهراس ص288.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
طريقتهم غير عملية وليس لها رسالة في الأرض
…
د- طريقة الفلاسفة غير عملية وليس لها رسالة في الأرض
طريقة الفلاسفة ذهنية مجردة لا تفيد العمل وليس لها رسالة في الأرض؛ لأنها تحصر العقل ضمن مفاهيم معينة ومقررات سابقة من صنع الفكر البشري وتحاول تطبيق هذه المفاهيم على العقيدة، ولا يعنيها بعد ذلك آمن الناس أو لم يؤمنوا، وسالكوها يبحثون في الإلهيات بحثًا مجردًا منتظرين ما يؤدي إليه البرهان ولا يهمهم ماذا تكون النتيجة.
إن هذه الطريقة لا تعدو أن تكون بحثًا عقليًّا صرفًا ورياضة ذهنية ليس بينها وبين واقع الحياة صلة، ولا تطلب عملًا معينًا من أتباعها كعبادة الله تعالى لأنها لا تؤمن بجنة أو نار، ولذلك كانت هذه الطريقة لا توصل إلى التوحيد الحق، ومن ادعاه من الفلاسفة فتوحيده ناقص، بل المشركون أقروا بتوحيد الربوبية، وهؤلاء نسبوا الخَلْق إلى العقل الأول1.--------------------------------------------
1 انظر الفتاوى 9/34.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
هـ- طريقتهم التبس فيها الحق بالباطل
طريقة الفلاسفة لا تفرق بين الحق والباطل، وأهل الفلسفة أعظم الناس افتراقًا واختلافًا مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به قام عليه البرهان، وقد ذم السلف الصالح رضي الله عنهم هذه الطريقة وحذروا منها، وأما سالكوها فمنهم من ندم لسلوكها بعد أن خاض لجتها وكشف مآسيها وعرف كفرها، وبعضهم حاول التوفيق بينها وبين الدين، وهؤلاء خطرهم أعظم وجرمهم أكبر؛ لأن هذه المحاولة لم تفد الإسلام، وفيها تمويه على المسلمين حتى لا يعرفوا الفكر الإغريقي على حقيقته الكاذبة، وذلك بشرحهم العقيدة الإسلامية شرحًا فلسفيًّا وإمالة الفكر الإغريقي نحو العقيدة لصهر الطرفين في بوتقة واحدة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وحينئذ فيمتنع أن تكون طريقتهم مميزة للحق من الباطل والصدق من الكذب باعتبار ما هو الأمر عليه في نفسه، ويمتنع أن تكون منفعتها مشتركة بين الآدميين بخلاف طريقة الأنبياء فإنهم أخبروا بالقضايا الصادقة التي تفرق بين الحق والباطل والصدق والكذب، فكل ما ناقض الصدق فهو كذب وكل ما ناقض الحق فهو باطل، فلهذا جعل الله ما أنزله من الكتاب حاكمًا بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأنزل أيضًا الميزان وهو ما يوزن به ويعرف به الحق من الباطل، ولكل حق ميزان يوزن به، بخلاف ما فعله الفلاسفة المنطقيون، فإنهم لا يمكن أن يكون هاديًا للحق ولا مفرقًا بين الحق والباطل ولا هو ميزان يعرف به الحق من الباطل"1 انتهى بلفظه.--------------------------------------------
1 الرد على المنطقيين ص472 وانظر الفتاوى 9/207 وص 226-235 وتلبيس الجهمية 2/478.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
الفصل الثالث: مميزات طريقة القرآن الكريم
تمهيد
إنني أعترف بالعجز والتقصير في بحثي لمميزات طريقة القرآن الكريم؛ لأن القرآن الكريم كلام الله، وفيه من نواحي الإعجاز وأساليب المخاطبة والدعوة لتوحيد الله والرد على المشركين ما يكون مثلي عاجزًا عن الخوض في هذا البحث وإيفائه حقه، وخاصة أن الكتابة فيه قليلة جدًّا.
وعملي في هذا الفصل هو الإشارة إلى سمات بارزة في طريقة القرآن الكريم وهو يخاطب المشركين وسائر أصناف الكفرة لردهم عن كفرهم ودعوتهم إلى التوحيد.
وقد ظهر لنا فيما سبق أن القرآن الكريم في عرض أدلته على الوحدانية نهج منهجًا واضحًا مميزًا قريبًا لأفهام السامعين، مبتعدًا عن المسالك الخفية معتمدًا على توجيه نظر الإنسان إلى الكون بما فيه مشيرًا لدليلي الخلق والعناية، وعلى ضرب الأمثال المختلفة لبيان نور التوحيد وظلمة الشرك، وعلى القصص القرآنية لبيان نصر الله للموحدين وتدميره للكافرين، وعلى التذكير بنعم الله التي تستوجب إفراد المنعم بالوحدانية والعبادة، وعلى الأدلة العقلية التي تأخذ بالألباب.
هذه الطريقة القرآنية في تقرير عقيدة التوحيد لها مميزات هي موضوع هذا الفصل وهي كما جاءت مرتبة فيه:
1- ضم الأدلة لبعضها البعض والاستدلال بها جماعيًّا.
2- الرد على جميع المخالفين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
3- مناسبتها لجميع فئات الناس.
4- ملاءمتها للفطرة وخلوها من التعقيد.
5- أنها طريقة عملية لا تكتفي بمجرد النظريات والتقريرات.
6- تنفي الشكوك والشبهات لإتيانها بمعانٍ صحيحة ثابتة.
7- أنها أصل كل الطرق الصحيحة.
وفيما يلي البيان:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)