المبحث الأول: دواعي بيان الإعجاز
اتخذ مظهر الولاء لهذا الدين والدفاع عن كتابه صورتين: دَفْع بالسنان ودفاع باللسان. فمن ادعى النبوة كمسيلمة لاقى في حروب الردة ما لاقى، ومن اعتلاه شيطانه واعترته وساوسه وطعن في القرآن، أصابه ما أصاب سلفه، أو أرغمت الحجة أنفه.
وفى صدر الإسلام كان الطبع العربي لم يزل على سلامة سليقته في الإعراب، إذ لم يكن بحاجة إلى وسائل يُتَفَهَّمُ بها القرآن الكريم، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون معانيَ الألفاظ وما وراءها بفطرتهم العربية الأصيلة، فإذا أشكل عليهم شيء من وراء ذلك سألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم كانت رقعة حياتهم ضيقة لا تزخر أو تتزاحم فيها التقاليد والأفكار والمشكلات الطارئة فكانت معارفهم في أذهانهم، وكان مرجعهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كبار الصحابة مِنْ بَعْدِه، فلم يكن عندهم شيء مما أطلق عليه فيما بعد اسمُ "علوم القرآن" (1) .
ومع أن العرب بصحة عربيتهم قد أدركوا إعجاز القرآن في نفوسهم سواء منهم من آمن ومن لم يؤمن إلا أن مادة " ع، ج،ز" لم ترد بهذا المعنى، بل اشتهرت لدى المسلمين ألفاظ أخرى كالآية والبرهان والسلطان (2) .
مع هذا لم يَخْلُ القرن الأول من تعبيرات مفادها أن للقرآن من غلبة اللسان وسلطان البيان ما ليس لغيره من سائر الكلام.--------------------------------------------
(1) من روائع القرآن صـ66.
(2) فكرة إعحاز القرآن صـ8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
وخرج المسلمون على غيرهم بنور الإيمان فاتحين فانفتحوا هم في المقابل على ما كانت لدى الأمم من علوم، فسيِطرت الفلسفة على عقول بعض الناس، وربما اتجه المتفلسفون إلى الفكرة لا لأصالتها أو صِلتِها بالحق ولكن لغرابتها، لا رغبة في تحقيق الحق وإبطال الباطل، ولكن للترف العقلي، لا يفرقون بين أمر يتصل بالإيمان وأمر لا صلة له بالإيمان.
ومن جملة ما اطلع عليه بعض المتفلسفين من المسلمين أقوالُ البراهمة في كتابهم " الفَيْدَا" (1) وهو يشتمل على مجموعة أشعار ليس في كلام الناس ما يماثلها في زعمهم.
ويقول جمهور علمائهم: إن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثلها، لأن "براهما" صرفهم عن أن يأتوا بمثلها.
وحكى الإمام محمد أبو زهرة ما أورده أبو الريحان البيروني (2) في كتابه "ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ما نصه".
"إن خاصتهم يقولون إن في مقدورهم أن يأتوا بأمثالها، ولكنهم ممنوعون من ذلك احتراما لها" وعقب الشيخ أبو زهرة بقوله:
ولم يبين البيروني وجه المنع أهو منع تكليفي يسبقه الإيمان بهذه الكتب، وتكون دلائل وجوب الإيمان من نواح أخرى، أم هو منع تكويني بمعنى أن براهما صرفهم بمقتضى التكوين من أن يأتوا بمثلها. أي أنه جعل خَلْقَهُمْ وتَكوينهم على نحوٍ لا يستطيعون معه الإتيان بمثلها.
ورجح الشيخ الوجه الأخير بناء على أنه المتفِق مع قَوْلِ جمهور علمائهم، وما اشتهر من أن القول بالصرفة نبع في واديهم.--------------------------------------------
(1) المعجزة الكبرى القرآن للإمام محمد أبي زهرة ط دار الفكر العربي صـ76.
(2) توفي سنة 430.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
ودخلت الأفكار الهندية في عهد المنصور أبى جعفر (1) فتلقفها المحبون لكل وافد من الفكر ركونا إلى الاستغراب في أقوالهم فدفعتهم الفلسفة إلى اعتناق ذلك القول، وطبقوه على القرآن وإن كان لا ينطبق. فقال قائلهم: إن العرب إذ عجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن ما كان عجزهم لأمر ذاتي من ألفاظه ومعانيه ونسجه ونظمه، بل كان لأن الله صرفهم عن أن يأتوا بمثله (2) .
ولم يُسَمِّ الشيخُ أحدا ممن قال بهذه المقولَةِ قبلَ النظام ولكنه أبرز مَرْمَى رَوَاجِ هذه الفكرة وجعل مؤداها إلى أمرين (3) :
أولهما: أن القرآن ليس في درجة تمنع محاكاته، وليس الإعجاز من صفاته الذاتية.
ثانيهما: الحكم على القرآن بأنه ككلام الناس.
لكن الرافعيَّ في كتابه "تاريخ آداب العرب" (4) يقول: "كان أول ما ظهر من الكلام في القرآن، مقالة تُعْزَى إلى رجل يهودي يُسَمى لبيد بن الأعصم فكان يقول: إن التوراة مخلوقةٌ فالقرآن كذلك، ثم أخذها عنه طالوتُ ابن أخته وأشاعها، فقال بها بنان بن سمعان الذي تنسب إليه البنانية، وتلقاها عنه الجَعْدُ بن درهم" مؤدب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية " وكان زنديقا فاحش الرأي واللسان. وهو أول من صرح بالإنكار على القرآن والرد عليه وجحد أشياءَ مما فيه، وأضاف إلى القول بخلقه أن فصاحتَه--------------------------------------------
(1) ثاني الخلفاء العباسيين توفي سنة 156.
(2) المعجزة الكبرى القرآن لأبي زهرة صـ76.
(3) المرجع السابق صـ76، 77.
(4) تاريخ آداب العرب للرافعي جـ2 صـ143.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
غيرُ معجزة، وأن الناس يقدرون على مثلها وعلى أحسن منها. ولم يقل بذلك أحد قبله، ولا فشت المقالة بخلق القرآن إلا مِنْ بعده.
وإذا كان الجعد بن درهم أولَ من صرح بالقول بخلق القرآن وبأنه غير معجز، فإن أول من جَهَرَ بالقول بالصرفة من المتكلمين المعتزلة، أبو إسحاق إبراهيم بن سيار بن هاني النظام (ت424هـ) . خلط كلام الفلاسفة بكلام المعتزلة وانفرد أصحابه بمسائل: منها قوله في إعجاز القرآن أنه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية والآتية، ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومَنْع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما (1) .
وهذان هما الدافعان اللذان أثارا حفائظ المؤمنين غيرة على الحق، أما أبان ابن سمعان والجعد بن درهم فقد قتلهما خالد بن عبد الله القسرى المتوفى سنة 126هـ رحمه الله وجزاه خيرا.
وأما النظَّام فإن تلميذه الجاحظ لم ينتظم في سلك طائفته بل خرج عليه راميا نحوه بسهام ما أصاب من علم وآداب عربية، فمع اعتزاله لم يقف من الحق موقف المتخاذل فآثر حرمة الحق على حرمة الشيخ، فكان أول من دفع القول بالصرفة بالإعجاز الذاتي للقرآن الكريم.
لم يوافق التلميذُ أستاذَه، وإذا كان النظام قد اشتهر بالبيان وسرعة الجواب ولسن القول فقد اشتهر الجاحظ "ت 255 هـ" بأنه ذواق الكلام وَصَيْرَ فِيُّ البيان. فإن خَالَفَ من يتسرع في الخبر ويبني عليه، فهي مخالفة الخبير العارف بتصريف القول وأفانين التعبير والتفكير.--------------------------------------------
(1) موسوعة الملل والنحل للشهرستاني صـ24، 25 بالطبعة الأولى سنة 1981م الناشر مؤسسة ناصر للثقافة - تاريخ آداب العرب للرافعي جـ2 صـ144.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
ولم يكن رد الجاحظ على شيخه ردَّ المجادل، ولكنه كان بالعمل، فقد كان أول من كتب في إعجاز القرآن من الناحية البيانية ليكون الردُّ على الصرفة ببيان الإعجاز الذاتي (1) .
وفى كتاب "المعتزلة" يقول مؤلفه زهدي حسن جاد الله "وقد رد الخياط على هذا القول الذي كان ابن الراوندي أول من نسبه إلى النظام وقال إن النظامَ كان يقر بإعجاز القرآن نظما وإخبارا (2) .
ومن كل ما سبق يمكن القول إن الصرفة لم تكن مذهبا يعتقده أحد من المسلمين مع شهرة وذيوع نسبتها إلى النظام الذي شهد له صاحب الانتصار بأنه كان يقر بإعجاز القرآن نظما وإخباراً، وما كان القول بالصرفة ونسبتها إلى أحد المسلمين ليكون لولا ضغائنُ الكائدين وأحقادهم للإسلام ولكتابه.
وهَبْنَا نجد في بطون الكتب ردودا على مثل هذا القول إلا أن هذه الردود وحدها لا تُثْبِت صحةَ نسبةِ الصرفة إلى قائلها، لأن دافعا كالغيرة على القرآن لا يترك مستجمعا لأدلة الاستيثاق من صحة صدور هذا القول عن صاحبه قبل المواجهة دون أن تبعثه على الرد بأقصى ما يمكن من السرعة على ما يمس الإسلام في أصل تشريعه وهو القرآن.
ولم يَخْلُ زمننا هذا مَعَ تباعُدِ ما بينه وبين عصر بزوغ فكرة الصرفة من أن ينبري مَنِ اطلع عليها بالرفض، والنقض لها، والرد عليها، ونقدها مما يسمح--------------------------------------------
(1) المعجزة الكبرى لأبي زهرة صـ78.
(2) المعتزلة لزهدي حق جاد الله صـ29 - نقلاً عن الانتصار صـ27، 28 - منشورات النادي العربي في يافاط القاهرة 1366 - 1947م مطبعة مصر شركة مساهمة مصرية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
بالقول: إنه قد يكون اتهام النظام مبنيا في أصله على ما أشيع عنه بالقول بها، وقد يكون منها براء.
ولا خلاف في أن إثم القول بالصرفة - على اعتبارها طعنا في ذاتية الإعجاز القرآني - يقع على أول قائل بها سواء كان هو النظام أو من نسبها إلى النظام، بل على البادئ وزر من قال بها بعده، إذا كان قوله مؤسَّساً على مشايَعَةِ أول قائل بها، والارتضاءِ بها وجها للإعجاز.
ولكن متى اتخذ الكلام في الإعجاز الصورة العلمية المنظمة؟
في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث بدأ الكلام في الإعجاز بصورة علمية منظمة ففي هذا العصر ظهرت أكثرُ النظريات الرئيسية في الإعجاز، صادرة عن المتفلسفين والمعتزلة والمتكلمين، وكثر الكلام في الدين والنبوة وبُحِثَ الإعجاز على أنه فرع لهما.
وشاهَدَتْ هذه الحِقْبَةُ ظهورَ منكرِي الإعجاز كابن الراوندي أبي الحسين أحمد بن يحيي "ت 293 وقيل: 301 وقيل: 350" (1) الذي بسط لسانه في مناقضة الشريعة وإنكاره إعجاز القرآن في كتابه "الفريد" وقيل: إنه عارض القرآن في كتاب سماه "التاج" (2) ومن كتبه "الزمردة" و "قضيب الذهب"، و"المرجان"، و"البصيرة".--------------------------------------------
(1) الحاشية بهامش تاريخ آداب العرب جـ2 صـ180.
(2) تاريخ آداب العرب المرجع السابق صـ182.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
وانبرى كثيرون للرد عليه (1) في لاحق الزمن، ومع أن المعرى أبا العلاء (449هـ) قد تولى الرد عليه، إلا أنه لم يسلم هو من الاتهام بمعارضة القرآن في كتابه المسمى "الفصول والغايات في مجاراة السور والآيات" على أن المعريَّ قد أثبت الإعجاز للقرآن فيما أنكر من رسالته على ابن الراوندي (2) بل الناظر في الفصول لا يجد فيه شيئا من هذا.
وكما لم يسلم المعري لم يسلم من قَبْلِهِ الجاحظُ فهو وإن كان رأيهُ في الإعجاز كرأي أهل العربية (3) فقد سرد في كتابه "الحيوان" طائفة من أنواع العجز إلا أنه لم يسلم من القول بالصرفة فرد أنواع العجز في العلة إلى أن الله صرف أوهام الناس عنها ورفع ذلك القصد من صدورهم، ثم عد منها: "ما رَفَعَ من أوهام العرب وصرف نفوسهم عن المعارضة لقرآنه بعد أن تحداهم الرسول صلى الله عليه وسلم بنظمه (4) .
وظهر أول كتاب في الكلام لمؤلفه علي بن ربن الطبري في خلافة المتوكل (232 - 247 هـ) فظهرت مسألة الأسلوب مبكرة في إعجاز القرآن ظهوراً واضحا في كتابه " الدين والدولة " الذي يرى فيه أن الوجه المعجز في القرآن هو هدفه الإصلاحي، وتحقيقه هذا الهدف، وأوامره ونواهيه، وإخباره عن الجنة والنار، وأسلوبه الطلي الرائع برغم أمية النبي محمد صلى الله عليه وسلم (5) .--------------------------------------------
(1) تاريخ آداب العرب المرجع السابق صـ183.
(2) تاريخ آداب العرب المرجع السابق صـ136.
(3) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي جـ2 صـ1004.
(4) تاريخ آداب العرب للرافعي صـ147 بتصرف.
(5) فكرة إعجاز القرآن للأستاذ نعيم الحمصي صـ57 طـ2 مؤسسة الرسالة وذكر المؤلف في صـ7 لهذا الطبري كتاب "الأسلوب والبلاغة" وأن هذا الكتاب لم ترد فيه مادة عجز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
بيد أن أول كتاب وضع لشرح الإعجاز وبسط القول فيه على طريقتهم في التأليف إنما هو كتاب "إعجاز القرآن" لأبى عبد الله محمد بن يزيد الواسطي المتوفى سنة 306 وهو كتاب شرحه عبد القادر الجرجاني شرحا كبيرا سماه المعتضد وشرحا آخر أصغر منه (1) .
ويرجح الرافعي كون الواسطي بنى على ما ابتدأه الجاحظ كما بنى عبد القادر في (دلائل الإعجاز) على الواسطي.
ثم وضع المعتزلي أبو الحسن على بن عيسى الرماني (2) . المتوفى سنة 386 كتابه " النكت في إعجاز القرآن " فرفع بذلك درجة ثالثة.
وجاء القاضي أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة 403 هـ فوضع كتابه "إعجاز القرآن" الذي أجمع المتأخرون من بعده على أنه باب في الإعجاز على حدة (3) والغريب أنه لم يذكر فيه كتاب الواسطي ولا كتاب الرماني، ولا كتاب الخطابي الذي كان يعاصره، وأو ما إلى كتاب الجاحظ بكلمتين لا خير فيهما (4) .
والخطابي الأديب اللغوي المحدث أبو سيلمان حمد بن محمد بن إبراهيم البستى، ولد في رجب 319 هـ وتوفي في 388هـ ألف كتابه بيان "إعجاز القرآن" فأفاد فيه وأجاد. وكما لم يذكره الباقلاني لم يذكر هو كذلك من سبقه ولا من عاصره (5) .--------------------------------------------
(1) تاريخ آداب العرب جـ2 صـ152 الرافعي.
(2) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن صـ10.
(3) من يطالع الكتاب يجده خير شاهد على صحة هذا الإجماع على ما أجمع.
(4) تاريخ آداب العرب جـ2 صـ152.
(5) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن صـ8،9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
ومن هذا الذي سبق نجد أن العقول قد يخصبها التضاد، فلولا ما نجم من فكر أعور جرى على ألسنة أصحابه قول بعضهم بالصرفة، وقولُ البعض الآخر بنفي الإعجاز عن القرآن، لما هَمَتْ على أرض القلوب المؤمنةِ بواعثُ التوجه نحو الإعجاز وبيانِهِ، وحجاج النافين له.
لذلك أسفرت هذه المعركة عن أمرين هما مظهران للعناية بوجوه إعجاز القرآن الكريم:
أولهما - أن هذه الكتب التي ألفت لم تدع الإعجاز الذاتي ولا قسيمه دون أن تأخذ من كلٍ بطرف. فحين يعرض بعضها للصرفة كوجه يراه البعض، نرى وابلا من الحُجَج الدامغة ينصب فوق الفكرة والقائلين بها ممن لم يعتبرها وجه إعجاز.
ثانيهما - أن هذه الكتب كانت فاتحةً لعلوم البلاغة، ليتسنى لمن لم يكن في عصر القرائح العربية الأصيلة أن ينظر من خلال معارفه البلاغية إلى وجه الإعجاز الذاتي للقرآن الكريم، وهو ما أظل الحِقَبَ المتعاقبةَ على الأمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
المبحث الثاني: أسس استنباط وجوه الإعجاز وقواعده
عَّرف علماء الكلام المعجزةَ بأنها "أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم من المعارضة" وناقشوا مدلولها كثيرا، وتعالجوا شروطها طويلا، لكن نكتفي بما ذكره القرطبي المفسر في كتابه "الجامع لأحكام القرآن" (1) من شروطِ لا يصح من دونها الحادث أن يسمى معجزةً وهى: -
1- هذا الحادث ينبغي أن يكون مما لا يستطيعه إلا الله.
2- أن يخرج على قوانين الطبيعة.
3- ينبغي أن ينبئ عنه الحكيم قبل أن يقع بأن كذا وكذا سيحصل.
4- ويجب أن يكون الحادث الواقع موافقا لما قال مِنْ قبل.
5- وألا يكون في استطاعة أحد أن يجري مثل هذا الأمر.
هذه هي شروط المعجزة، ولننظر ماذا كان منها متحققا عندما تلقى العرب القرآن عند أول نزوله. ذلك أنهم دهشوا بما غالبهم عليه القرآن من البيان، وعجزوا مع تحديه لهم مع آياته أو سوره الأولى أن يأتوا بمثله.
عجزوا، ولم يستطع أحد أبداً استبانة أسباب عجزهم مع براعتهم البيانية وقدرتهم الفائقة على الإعراب والبيان المتوارث في الطباع.
لم يقدر أحد على معارضة القرآن، وكانت المجالدة بآلات الحرب أهونَ عليهم من مجادلة القرآن. فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء والبلغاء نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن لهم فقال {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي جـ1صـ69-71.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
بِمِثْلِهِ} وعاندوا واستهزأوا فقالوا سحر، وقالوا: شعر، وقالوا: أساطير الأولين، وما كل هذا إلا من التحير، شأن كل عجيب خارق للعادة. حتى قال الوليد بن المغيرة: حين قال له أبو جهل: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه، فإنك أتيت محمداً لتعرض لما قِبَلَه - لما عنده من مال - قال الوليد: قد علمت قريش أنى أكثرهم مالا، قال: فقل قولا يبلغ قومك أنك كاره له، قال وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر منى، ولا برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، قال: (أي أبو جهل) لن يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: دعني حتى أفكر. فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره (أي ينقله عن غيره) (1) .
وعجز العرب ولم يتبين أحد وجه عجزهم، ولكنهم عجزوا، وراح كل أحد يضرب في آفاق الفهوم عله يلتقط تعليلا لهذا الإعجاز المحيط بالقرآن، ولو كان معجزة حسية لاستراحت النفوس بما تدركه بإحدى الحواس، ولكنه معجزة لا تشاهد بغير البصيرة، فما كان للأبصار فصورته واحدة في وقت واحد، وما كان للبصائر فإن تصوراته تنتظم منه صورا عديدة تكثر بكثرة المهتمين بوجوه الإعجاز، فكل وجه عند صاحبه مقبولٌ، لأنه ما قال إلا ما رأى، ولكن هل يؤخذ بقوله أو لا؟ هذا ما سيشار إليه قريبا إن شاء الله.
وكان لا بد من أساس أَوْجِهَةٍ ينظر من خلالها منفذاً تُرَى منه ملاحة وجوه الإعجاز، وخاض الناس في ذلك كثيرا. فبين مسيء ومحسن. على النحو التالي: ---------------------------------------------
(1) مستدرك الحاكم: التفسير - تفسير سورة المدثر 2/506.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
1- عجز البعض عن إدراك الإعجاز في القرآن الدال على الكلام القديم لله تعالى، فزعموا أن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات (1) والصواب ما قاله الجمهور: أنه وقع بالدال على القديم وهو الألفاظ.
2- ثم زعم النظام - كما قيل عنه - أن إعجازه بالصرفة، أي أن الله صرف العرب عن معارضته، وسلب عقولهم، وكان مقدوراً لهم، لكن عاقهم أمر خارجي، فصار كسائر المعجزات (2) .
قلت: أي كسائر المعجزات الحسية، بأن العرب منعوا مما اعتادوا وسنضرب صفحا عن مناقشة هذا القول إلى حينه. ولكن ما الأساس الذي بنى عليه هذا القول النظامي غير ما قيل من أنه اكتسبه من المقولة الهندية السابق ذكرها؟
يقول أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني (ت-471هـ) في "رسالته الشافية في إعجاز القرآن" اعلم أن الذي يقع في الظن من حديث القول بالصرفة أن يكون الذي ابتدأ القول بها ابتدأه على توهم (أن التحدي كان إلى أن يُعَبِّرَ عن أنفس معاني القرآن بمثل لفظه ونظمه، دون أن يكون قد أُطْلِق لهم وخُيروا في المعاني كلِّها) ، ذاك لأن في القول بها على غير هذا الوجه أمورا شنيعة، يبعد أن يرتكبها العاقل ويدخل فيها.
ذاك أنه يلزم عليه - أي على القول بالصرفة على غير الوجه الذي ذكره الجرجاني - أن يكون العرب قد تراجعت حالها في البلاغة والبيان، وأنهم قد اعتراهم العجز وخذلتهم القُوى، فإنهم إن قيل بتحول شأنهم من القدرة إلى الضعف لم نُقِمْ عليهم حجة، بل استحال عليهم أن يعلموا أن لنظم القرآن--------------------------------------------
(1) الفصل جـ3 صـ15، الإتقان جـ2 صـ1005.
(2) الإتقان صـ1005، بيان إعجاز القرآن صـ22 ثلاث رسائل في إعجاز القرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
فَضْلاً على كلامهم الذي يسمع منهم، وعلى النظم الظاهر الباقي لهم - ذاك أن عذر القائل بالصرفة أن كلامهم قبل أن تحدوا قد كان مثل نظم القرآن، وموازيا له وفى مبلغه من الفصاحة
وإذا كان الأمر كذلك وقد صرفوا فإنه لا يتصور أن يحاولوا، وإذ لم يحاولوا لم يحسوا بالعجز.
بل يلزم أن ينسحب حكم القائلين بنقص العرب في بلاغتهم وبيانهم على بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم وبيانه، وأن تكون النبوة قد أوجبت أن يُمْنَع شطرا من بيانه وإلا كان صلى الله عليه وسلم قد تلا عليهم آية الإسراء (1) في حال هو يستطيع فيها أن يجيء بمثل القرآن الكريم. اللهم إلا أن يقولوا: إنه كان صلى الله عليه وسلم في الأصل دونهم في الفصاحة وأن الفضل والمزية للعرب كانتا لبلغائهم دونه ولم يَشُك أحد بل تواترت الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب (2) ".
ثم قال الجرجاني بأنه على القول بالصرفة يكون مرجع إلا كبار والعجب إلى المنع الذي فيه الآية والبرهان لا إلى الممنوع منه وهو القرآن.
وحسب الجرجاني فضلا أن لا يقبل الصرفة وجها للإعجاز، ولكن كونه بنى أساسَ وقوع القول بالصرفة على ظن أفضى به إلى فرض لم يكن، فإن العرب علموا أن لنظم القرآن فضلاً على كلامهم الذي يسمع منهم، ومعلوم أنه قد حاول بعضهم، ولكن باء بالخيبة والخذلان، وظلت المحاولات في القرون التالية كما قيل عن ابن الراوندي وعبد الله ابن المقفع والمعري وغيرهم.--------------------------------------------
(1) قل لئن اجتمعت ...... الآية، الإسراء آية 88.
(2) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن – الرسالة الشافية صـ126 إلى صـ148 بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
وما مَنْعُهُمْ عن مماثلة القرآن بمانع لهم من كلامهم الخاصِّ البليغ، ولا من عِلْمِ فضل القرآن على كلامهم، فليس على هذا الأساس - يقينا بنى القول بالصرفة، فإن النفوس لا يعلم محتواها إلا الله.
3- والذاهبون إلى أن إعجازه من جهة البلاغة في القول الذي اختص به القرآن وهم الأكثر من علماء النظر، يعلل منهم الخطابي هذا الوجه بقوله "وقد استقرينا أوصافه (1) الخارجة عنه، وأسبابه الثابتة منه، فلم نجد شيئا منها يثبت على النظر، أو يستقيم في القياس ويطرد في المعايير، فوجب أن يكون ذلك المعنى مطلوبا من ذاته، ومستقصى من جهة نفسه، فدل النظرُ وشاهدُ العبرِ على أن السببَ له والعلةَ فيه أن أجناسَ الكلام مختلفة، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية، فمنها:
1- البليغ الرصين الجزل.
2- ومنها الفصيح الغريب السهل.
3- ومنها الجائز الطلق الرسل.
وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود دون النوع الهجين المذموم، الذي لا يوجد في القرآن شيء منه البتة.--------------------------------------------
(1) (لعذوبة الكلام في حس السامع والهشاشة في نفسه، وما يتحلى به من الرونق والبهجة التي يباين بها سائر الكلام حتى يكون له هذا الصنيع في القلوب والتأثير في النفوس فتصطلح من أجله الألسن على أنه كلام لا يشبهه كلام وتحصر الأقوالُ عن معارضته وتنقطع به الأطماع عنها، أمر لا بد له من سبب، بوجوده يجب له هذا الحكم، وبحصوله يستحق هذا الوصف) . ثلاث رسائل في الإعجاز بيان إعجاز القرآن للخطابي صـ 25، 26.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
فالقسم الأول أعلى الكلام وأرفَعُه، والقسم الثاني: أوسطه وأقصده، والقسم الثالث أدناه وأقربه.
فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعه شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادين. لأن العذوبة، نتاج السهولة، والجزالةَ والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة.
فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبو كل واحد منهما على الآخر فضيلة خص بها القرآن " (1)
ثم يضيف الخطابي بعد ذلك بقليل مقوماتِ الكلام أو أركانَه بقوله:
وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى قائم به ورباط لهما ناظم، فالقرآن ألفاظه أفصح وأجزل وأعذب الألفاظ، ومعانيه تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها، ولا ترى نظما أحسنَ تأليفا وأشدَّ تلاؤما وتشاكلا من نظمه.
ولا تجتمع هذه الفضائلُ الثلاثةُ في كلام واحد، بل على التفرق في أنواع الكلام، وجَمَعَهَا كلام واحد هو كلام الله (2) .
والسيوطي في إتقانه (3) يروي قولا للأصبهاني في تفسيره نصه "وبيان كون النظم معجزا يتوقف على بيان نظم الكلام ثم بيان أن هذا النظم مخالف لنظم ما عداه فنقول: مراتب تأليف الكلام خمس:--------------------------------------------
(1) بيان إعجاز القرآن للخطابي ثلاث رسائل في إعجاز القرآن صـ26.
(2) المرجع السابق صـ27 بتصرف.
(3) الإتقان صـ1010.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
الأولى: ضم الحروف المبسوطة بعضها إلى بعض لتُحصل الكلمات الثلاث: الاسم، والفعل، والحرف.
والثانية: تأليف هذه الكلمات بعضها إلى بعض لتحصيل الجمل المفيدة. وهو النوع الذي يتداوله الناس جميعا في مخاطباتهم وقضاء حوائجهم. ويقال له المنثور من الكلام.
الثالثة: ضم بعض ذلك إلى بعض ضما له مَبَادٍ ومقاطعُ، ومداخلُ ومخارجُ ويقال له: المنظوم
الرابعة: أن يعتبر في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع ويقال له المسجع.
الخامسة: أن يجعل له مع ذلك وزن ويقال له الشعر.
والمنظوم: إما محاورة ويقال له الخطابة وإما مكاتبة ويقال له الرسالة.
فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام ولكلٍ مِنْ ذلك نظمٌ مخصوص والقرآن جامع لمحاسن الجميع على نظم غير نظم شيء منها.
يدل على ذلك أنه لا يصح أن يقال له: رسالة، أو خطابة، أو شعر، أو سجع كما يصح أن يقال هو كلام".
ولعل الخطابي قصد وصف الألفاظ وتعاطيها المعاني، والأصبهاني قسم الكلام وأنواعه، والاثنان لا يغنى أحدهما عن الآخر.
والسكاكي في مفتاح العلوم يرى أن إعجاز القرآن يدرك، ولا يمكن وصفه، ولا يدرك تحصيله لغير ذوى الفطرة السليمة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرين فيهما (1) .--------------------------------------------
(1) الإتقان صـ1011، ومفتاح العلوم صـ512، 513.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وعجائب القرآن في نظمه هي التي بعثت على التصنيف في علوم البلاغة بعد أن ذاق أصحاب الفطر السليمة جملا من حلاوة هذا الكتاب فقعدوا لعلوم نظم الكلام قوَاعِدَهُ، يضاف إليها كلَّ حين ما يُفَصِّلُ مجملها حتى صارت البلاغة بعلومها الثلاثة علما قائما بذاته على نحو ليس هذا مجال ذكره (1) .
هذا من حيث ما يتعلق باللفظ ومعناه القريب الدائر مع كل قارئ متدبر للقرآن الكريم. وفيه جميع آياتِ القرآن على سواء.
أما من حيث المعنى المستحدَث فهو الخاص بآياتَ معينة تمس وصفا لظاهرة علمية كدلائل على قدرة الله تعالى، أو تحتمل وصفا لظاهرة كونية.
ومثال الأولى: ما جاء في القرآن من آيات التقاء البحرين دون أن يبغي أحدهما على الآخر، وخروج اللؤلؤ والمرجان منهما، فهذا المعنى يدور في فهم كل قارئ للقرآن منذ نزوله وحتى قيام الساعة، وحين يقول الله في شأن البحرين ومن كلٍ تأكلون لحما طريا فإنه يقع عليها فهمان، فهم قريب: وهو أن الله يُظْهر مِنَّته على عباده إذ جعل لهم لحما طريا من البحرين، والفهم الأعمق: هو أن اللحم من المالح ليس ما لحابل اللحمان مع اختلاف بيئتهما بينهما وصف جامع هو عدم الملوحة فيهما.
ومثال الثانية: الآيات التي نقل معناها القريب بالتأويل إلى تفسيرات للظواهر الكونية مُوافِقة للنظريات العلمية التي درج الأخذ بها في تفسير هذه الظواهر.--------------------------------------------
(1) في قضية الإعجاز القرآني وأثرها في تدوين البلاغة العربية د/ عبد العزيز عبد المعطى عرفة طبعة دار الكتب ط1 - 1405هـ 1985م ذكر المؤلف أن خفاء المشبه به في قوله تعالى " طلعها كأنه رءوس الشياطين" الصافات 65، كان سببا في تأليف كتاب مجاز القرآن لأبى عبيدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
والنوع الأخير يتوقف الأخذ به على تفهم النظريات خارج ألفاظ القرآن ثم يعمد أصحاب هذا الشأن إلى البحث في آيات القرآن عما يتفق وهذه النظريات من القرآن.
ومن هذا النوع حَمْلُ بعضِ الآيات على نبوءات قرآنية دون أن تصرح هذه الآيات بإخبار بغيب ماض أو مستقبل، ومبنى هذين النوعين التأويل المحتمل لبعض الآيات.
أما الإخبار عن الغيبيات مما انطوت عليه دون غيره الألفاظ فهذا يعد في حكم المعنى القريب للألفاظ.
وراح آخرون يبحثون علاقات الآيات والسور، حتى وجدوا تناسبا يجعل القرآن ذا وحدة موضوعية، والبعض قصد إلى اللفظ من حيث كونه لفظا مكررا كالذي بنيت عليه وجوه الإعجاز العددي للقرآن الكريم. سواء كان اللفظ مقابِلاً لآخر أو كان عدد الألفاظ مضاعفات لرقم معين. أو كان العدد لألفاظ آية أو جزء آية مقابِلاً لألفاظ آية أخرى أو جزئها أو الجزء الثاني للآية ذاتها.
هذا مجمل عناية المسلمين بوجوه الإعجاز من حيث ابتناء عنايتهم على الأسس التي سبقت الإشارة إليها مدفوعين إلى رعاية حق القرآن عليهم بالذود عن حماه من طغاة الفكر وغلاة المتعالمين الحمقى.
وسيأتي بيان مظاهِرَ من هذه العناية على نحو آخر في الصفحات التالية، والله تعالى هو الملهم للصواب وهو ولي التوفيق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
الفصل الثاني مظاهر العناية بوجوه الإعجاز
مدخل
…
الفصل الثاني مظاهر العناية بوجوه الإعجاز
قد سبقت الإشارة إلى السبب الذي اقتضى توجه العلماء نحو البحث في وجوه إعجاز القرآن الكريم، وما كان اهتمامهم إلا بمنزلة الرد على هذه الآراء السخيفة التي تطعن في القرآن، فالقول بالصرفة لولاه لكان لنا اليوم كتب ممتعة في بلاغة القرآن وإعجازه اللغوي وما إلى ذلك (1) فوق ما هي عليه الآن، ولكنها إن كانت قد أوهنت في هذا عَزْماً فإنها أشعلت عزائم، سواء في الرد عليها، أو في بيان وجوه الإعجاز القرآني، وكان المخرج منها مدخلا لعلوم كثيرة من القرآن الكريم أهمها البلاغة، وما اكتفى، المسلمون بذلك بل كلما امتد الزمن برزت على سنيه ناطقاتُُ بوجوه إعجازٍ ما قِيلَتْ من قبل. فكانت وجوه ذاتية، وأخرى علمية، بل من مظاهر عناية المسلمين من تعد مؤلفا تهم تأريخا لهذا الإعجاز.
لذا كانت مباحث هذا الفصل متناولة الرد على الوجوه المختلف فيها، ثم بيان وجوه الإعجاز الذاتي للقرآن وذلك على نحو كالآتي:---------------------------------------------
(1) تاريخ آداب العرب جـ2 صـ146، إعجاز القرآن للرافعي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
المبحث الأول: الصرفة والرد على القائلين بها
وجوه الإعجاز تختلف في قبولها اختلافا يقتضي تقسيمها إلى وجوه مختلف فيها، ووجوه مجمع عليها: ووجوه مشروط قبولها. وبيان الثالث في الفصل الرابع إن شاء الله.
والصرفة منذ قال بها أو جاهر بإعلانها النظام المعتزلي كما نسبت إليه، يصوبه في القول بها قوم ويعارضه آخرون، ويرى البعض لها وجها غير ما قاله النظام من أنها صرف الله للعرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها.
وممن شايعه في القول بالصرفة لكن على معنى آخر الشريف المرتضى من الشيعة (1) (436هـ) الذي قال عنه الرافعي: إنه قال في معنى الصرفة "إن الله سلبهم العلوم التي يحتاج إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن فكأنه يقول إنهم بلغاء يقدرون على مثل النظم والأساليب ولا يستطيعون ما وراء ذلك مما لبسته ألفاظ القرآن من معاني، إذ لم يكونوا أهل علم ولا كان العلم في زمنهم "ورد الرافعي بقوله: "وهذا رأي بَيِّنُ الخلط".
نعم إنه خلط، إذ محاولة فهمه تصرفه عن معنى الصرفة التي سيق هو لبيانها.
وممن ذكر الصرفة الأصبهانيُّ في تفسيره (2) لكن ذكره على سبيل الحكاية ولذلك اشترَط الاعتبار بقوله: إذا اعتبر.
وابن حزم الأندلسي (456هـ) الظاهري أحد القائلين بالصرفة في كتابه الفصل (3) مفسرا إياها بقوله: "لم يقل أحد من أهل الإسلام إن كلام غير الله--------------------------------------------
(1) تاريخ آداب العرب جـ2 صـ144، إعجاز القرآن للرافعي، وفكرة الإعجاز صـ69.
(2) الإتقان صـ1009، صـ1010.
(3) الفصل جـ3 صـ19.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)