Arabic source text

📘 ইনায়াতুল মুসলিমীন বি-ইবরাজি উজুহিল ইজায ফিল কুরআনিল কারীম - হাসান আবদিল ফাত্তাহ আহমাদ (হাসান আবদ আল-ফাত্তাহ আহমাদ)

📘 عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم - حسن عبد الفتاح أحمد (حسن عبد الفتاح أحمد)

📘 ইনায়াতুল মুসলিমীন বি-ইবরাজি উজুহিল ইজায ফিল কুরআনিল কারীম - হাসান আবদিল ফাত্তাহ আহমাদ (হাসান আবদ আল-ফাত্তাহ আহমাদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
تعالى معجز لكن لما قاله الله تعالى وجعله كلاما له أصاره معجزا، ومَنَع مِنْ مماثلته، وهذا برهانُُ كافٍ لا يحتاج إلى غيره والحمد لله"
وعقب الرافعي (1) بقوله: "بل هو فوق الكفاية وأكثر من أن يكون كافيا، لأنه لما قاله ابن حزم وجعله رَأيَاً لَهُ أصاره كافيا لا يحتاج إلى غيره.! وهل يراد من إثبات الإعجاز للقرآن إلا إثبات أنه كلام الله تعالى".
والخطابي بعد أن عد الصرفة مذهبَ قومٍ قال (2) : "وليس ينظر في المعجزة إلى عظم حجم ما يأتي به النبي صلى الله عليه وسلم ولا إلى فخامة منظره، وإنما تعتبر صحتها بأن تكون أمراً خارجاً عن مجارى العادات ناقضا لها، فمهما كانت بهذا الوصف كانت آية دالة على صدق من جاء بها. وهذا أيضا وجه قريب. - أي القول بالصرفة - إلا أن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهى قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} (الإسراء: 88) فأشار في ذلك إلى أمرٍ طريقُه التكلف والاجتهاد وسبيله التأهب والاحتشاد. والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة، فدل على أن المراد غيرها، والله أعلم"
وترى الخطابي قد قرب وجه الصرفة بدءاً ثم أقصاه انتهاء، ثم انتهى إلى أن الوصف الذي حملوه على الصرفة لا يلائم الوصف الوارد في الآية من أنهم إن اجتمعوا واحتشدوا لا يأتون بمثله، لا إن افترقوا فدل على أن المراد من الآية غير ما ذهب إليه القائلون بالصرفة.--------------------------------------------
(1) تاريخ آداب العرب جـ2 صـ146.
(2) ثلاث رسائل في الإعجاز صـ22،23.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)

وعد العز بن عبد السلام الصرفة وجهين من وجوه الإعجاز (1) فأوردها على معنيين، أولهما: صرفهم عن القدرة على معارضته، وثانيهما: صرفهم عن معارضته مع قدرتهم عليها وحرصهم على إبطاله.
وأبو الحسن على بن عيسى الرماني (296- 386هـ) قال في كتابه النكت: بعد سوق الصرفة كأحد وجوه الإعجاز: وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التي يظهر منها للعقول "وهو أن الصرف عن المعارضة خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التي دلت على النبوة".
والقول بالصرفة يفسده ويدحضه قول الله تعالى " {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ} " (الإسراء: 88) . ولا يجْهِزُ على وجهيه معا قوله تعالى حكاية عن أهل الفصاحة العربية أنهم قالوا: " {قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} " (الأنفال: 31) . فإنه دل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة لم يبق لهم فائدة لاجتماعهم، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى (2) والإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزا بلا اتصاف بإعجاز؟.
وإذا كانوا قد صرفوا أول زمان التحدي فهل يدوم هذا مع القرآن لدوام التحدي أو كان عند نزوله؟، إن كان الأول، فقد أقدم البعض على قبول التحدي ولم تقم لكلامه قائمة إلا من حيث يذكر في الخاسرين المغلوبين، وإن كان زمان النزول فهو الآن خلو من الإعجاز، ومن الذي أتى بشيء من مثله فيما بعد العصر الأول؟ لا أحد، والإجماع على عجز المعارضة له يشهد بأنه معجزة باقية.--------------------------------------------
(1) الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، الناشر المكتبة العلمية بالمدينة المنورة صـ271.
(2) الإتقان صـ1006.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

ويقول القاضي أبو بكر الباقلاني (1) : "لو كان الإعجاز بالصرفة لكان المعجز المنع لا القرآن فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه"
والرافعي يقول (2) "وعلى الجملة فإن القول بالصرفة لا يختلف عن قول العرب فيه " {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} (المدثر: 24) وهذا زَعْم ُُ ردَّه الله على أهله وأكذبهم فيه وجعل القولَ به ضَرْباً من العمى {أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ} (الطور: 15) فاعتبر ذلك بعضه ببعضه فهو كالشيء الواحد".
ويقول الجرجاني (3) : "إن من حق المنع إذا جُعِلَ آية وبرهانا ولا سيما للنبوة أن يكون في أظهر الأمور وأكثرها وجوداً وأسهلها على الناس وأخلقها بأن تَبِيَن لكل رَاءٍ وسامع أن قد كان مُنِع، لا أن يكون المنع من خفي لا يُعْرَف إلا بالنظر وإلا ببعد الفكر ومن هذا شيء لم يوجد قط، ولم يعهد، وإنما نظن ظنا أنه يجوز أن يكون وأنَّ له مدخلا في الإمكان إذا اجتهد المجتهد.
ولو كانوا قد تغيرت حالهم وتبدل عِيُّهُم بالبلاغة والبيان لعلموا ذلك من أنفسهم، ولقابلوا التحدي بقولهم للنبي صلى الله عليه وسلم كيف نُمْنَع ثم يكون التحدي على حالنا".
ولم يملك أحد معرفة كيف عجزوا، لكنهم عجزوا، وما عجزهم إلا عن ضعفهم عن بلوغ رتبة القرآن، وأين في كلامهم ما يؤيد ويؤكد أنهم كانوا في بلاغتهم على درجة تمنكهم من معارضة القرآن والإتيان بمثله قبل أن يصرفوا؟--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن للباقلاني صـ47 والإتقان للسيوطي صـ1006.
(2) تاريخ آداب العرب جـ2 صـ146.
(3) الرسالة الشافية ثلاث رسائل في الإعجاز صـ153،154.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)

‌‌المبحث الثاني: بيان جملة وجوه الإعجاز الذاتي للقرآن
من الممكن وضع وجوه الإعجاز تحت تقسيم يرجع في أصله إلى معطيات المعاني من الألفاظ. فإن الألفاظ - من حيث كونها حاملة للمعاني على الوصف الذي سبق ذكره آنفا - يطرد فيها الإعجازُ في جميع آيات القرآن الكريم بما تحمله من خصائصَ بيانيةٍ، وهذه النظرة اللغوية تنتظم القرآن في قطعة قطعة منه وفي سورة سورة، وفيما بين السور وبعض، وفى القرآن كله جملة (1) .
والإعجاز اللغوي هو الذي وقع من جهته التحدي بالقرآن جملة وتفصيلاً أما من حيث الإعجاز العلمي - أي ما يعطيه من علوم - فهذا العطاء يتوقف على سلامة الفهوم، واستنارة الحلوم، وهذا ما يجعله مصلحا لكل زمان ومكان.
ومن حيث إعجازه الإصلاحي التهذيبي الاجتماعي فهو ينسق بين طبائع البشر بما لا يجعل لقويها طغيانا على ضعيفها، إذ يخاطب في كل حال بمقتضاه خطابا يستوثق به الوصول إلى المخاطبين في كل حين وحال.
والإعجاز الذاتي هو الذي يستبق الفهمُ الصريح إلى نظمه، أما ما عدا ذلك فلا يطرد في جميع القرآن.
فإخباره بالغيبيات ماضيها ومستقبلها، تنطق به آيات دون آيات، ووجوه الإعجاز العلمي سواء ما كان منها طبيا أو كونيا كظواهِرَ لها من النظريات تفسير تَبْرُز به معان مستجدة للقرآن الكريم يكون في آيات منه دون آيات، أما من حيث الإعجاز العددي فهو بلا شك يدخل في إطار--------------------------------------------
(1) النبأ العظيم صـ107.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)

الإعجاز الذاتي لأن الألفاظ من أول نزول القرآن إلى آخر يوم يُقرأ فيه هذا القرآن لم ولن يمسها نقص أو زيادة، مع أنه إعجاز غير مطرد في كل الآيات ولذلك تنقسم أوجه الإعجاز إلى ثوابت ومتغيرات، وهذه الثوابت تنقسم إلى: ثوابتَ مطردةٍ عامةٍ في كل الآيات والسور، وثوابتَ ينقدح وجودها في آيات دون آيات.
أما المتغيرات فهي كل ما يمس أصلا من أصول النظريات العلمية التي تقحمت على الإنسان مداخل فكره، فراح يصوب منها بعضَها بما يُلْهَم به من فكر فيستوضح بها معنى لآية أو آيات.
فالنص القرآني في نفسه من حيث هو كلام عربي، له وجه يتعلق به وهو اللغوي البياني، أو ما يسمى بالنظم، ووجه يتعلق بمفهوم النص القرآني ولو تأويلا من كل ما يستنبط منه أصول أو مفاتيح للعلوم ويقصد بالمؤول ما يؤول إليه فهم النص بعد استدراكه من خارج القرآن الكريم وثبت أنه من الحقائق العلمية التي لا تنقض.
وهناك وجه يتعلق بالنص من حيث المبالغة في معناه لإيجاد التوافُقِ أو التوفيق بينه وبين سائر النظريات التفسيرية لبعض الظواهر في هذا الكون الفسيح، واختط الثلاثة سبيلا واحدا هو إقامة البرهان على أن هذا الكلام لم يقله بشر وإنما هو من عند الله.
والنوعان الأخيران برز أولهما أولَ ما بَرَزَ أولُ الثلاثة وامتد معه على سبيل واحدة، حتى رافقهما في الآونة الأخيرة النوع الثالث، ليعلن الثلاثة بقاء قيام التحدي مع البرهان لكل الخلق على صدق كلام الخالق حتى تقوم الساعة، وأنه ما ينبغي لبشر أن يقوله، ولعل هذا مفاد قوله تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)

وتتلخص الخصائص التي تبرهن على أن القرآن من عند الله في أمور ثلاثة. (1)
أولاً: إعجاز القرآن.
ثانياً: نبوءات القرآن.
ثالثاً: القرآن والكشوف الحديثة.
وهذا التقسيم يوافق قول ابن القيم " وقد عدد العلماء وجوها من الإعجاز غير ما ذكرناه الأَوْلَى أن تعد من خصائصه. (2)
وعلى هذا يترجح أن تكون الثوابت التي هي من لوازم النص القرآني في كل آياته وفى كل عصر، هي المعتبرة في وجه الإعجاز، وما عدا ذلك يعد من خصائص القرآن الكريم.
فمن حيث نبوءات القرآن لا نجد غير القرآن الكريم ما تحققت نبوءاته حرفا حرفا، والنبوءات لا شك تبدأ من القرآن أولا، لا من الواقع ثم يصدق الواقع النبوءات فيما بعد، فمثلا في قوله تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} " (القمر 45) هذه نبوءة قبل وجود الجمع حتى قال بعضهم متعجبا: أي جمع هذا، ثم تحقق الوعد للمسلمين والوعيد للكافرين - واستبان للمتعجب أي جمع قصد إليه القرآن يوم وعدهم بالنصر، وكل الآيات التي أطلق عليها أنها آيات علمية والتي أبانت عن مضمونها اكتشافات علمية أو ظواهر كونية، إنما برز المعنى في خارج القرآن ثم استفيد من الخارج المعنى الذي أضفى منه على هذه الآيات، ولذلك يقول الله تعالى" {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} " ولذا لا تدخل هذه الآيات في إطار الإعجاز وإن دخلت في جملة البراهين على أن القرآن من عند الله.--------------------------------------------
(1) الإسلام يتحدى لوحيد الدين خان طـ دار البحوث العلمية صـ123،127، 138.
(2) الفوائد المشوق إلى علم القرآن وعلم البيان لابن القيم صـ255.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)

‌‌الفصل الثالث العناية ببيان وتمييز وجوه الإعجاز
‌‌المبحث الأول: ما يعتبر من وجوه للإعجاز ويعول عليه
يؤلف تناول وجوه الإعجاز عبر القرون الإسلامية تكاملا مباشرا وغير مباشر في منظومة الدراسات القرآنية. ولذلك يكثر التشابه بين محتويات المؤلفات في هذا الخصوص خلا بعض ما يفارق منها المعهود بامتداد جديد إلى آفاق أرحب. والمحصلة الأخيرة هي القصد المشترك بين الجميع إلى إخراج جملة من سرائر القرآن تقيم برهان صدق دعوى النبي الأمي صلى الله عليه وسلم أنه أوحى إليه هذا القرآن
والخطابي يؤكد تعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن، وأن ذلك الأمر - الإعجاز - أبين من احتياجه إلى دليل أكثر من الوجود القائم المستمر على وجه الدهر. من لدن نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم وإلى ما شاء الله.
يقول سليمان الخطابي (1) : "قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما وحديثا، وذهبوا فيه كل مذاهب من القول، وما وجدناهم بَعْدُ صدرُوا عن رِي، وذلك لتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيته.--------------------------------------------
(1) بيان إعجاز القرآن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن صـ21.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)

فأما أن يكون قد بقيت في النفوس بقية بكونه معجزا للخلق ممتنعا عليهم الإتيان بمثله على حال (1) فلا موضع لها.
"والذي عليه الجمهور والحذاق وهو الصحيح في نفسه أن التحدي إنما وقع بنظمه وصحة معانيه وتوالى فصاحة ألفاظه. {فإن فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} (هود: 14) فوجه إعجازه أن الله أحاط بالكلام كله علما، فأي لفظة تصلح أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى كانت كما وردت في القرآن الكريم.
فلو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسنُ منها لم يوجد ونحن تَبَيَّنَ لنا البراعةُ في أكثره، ويخفى علينا وجهُها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وميز الكلام (2) ".
ولقد كثر الأخذ والرد في الوقوف على وجه إعجازي محدد للقرآن في ذاته ككلام، وما استقر لأحد مَقَاماً حتى أقام فيه آخرُ اعتراضا أحاله دون مُقَامِه، وما استرد هذا لنفسه قولا حتى محاه ذاك الآخر، فصار البحث عن وجه الإعجاز هو بذاته وَجْهَ الإعجاز، إذ الحيرة في الثبات على حقيقة أمر، برهان العجز عن الوصول إلى هذه الحقيقة، فانكشف لذي العلوم الكونية بيان القدرة في إحكام النواميس الكونية والقوانين التي تسير وفقها الأغراض الخَلْقِيَّة، فأخذ المسلمون، العلماءُ منهم بهذه المجالات - وجها لشبه الرؤية بمعنى آيات قرآنية استراحت له نفوسهم، واستهدت له قلوبهم، وراق رواؤه لظمأ اشتباه المعاني عليهم، فعرضوا ما اقتبسوه من نظرة العلماء في الكون على--------------------------------------------
(1) أي على وجه إعجاز معين.
(2) المحرر الوجيز لابن عطية جـ1 صـ52.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)

محتملات الألفاظ في آيات قرآنية، فنازعهم منه توافق بين المعنى القرآني والعلمِ الحديث، سواء كان على نحوٍ مطيع ذلول، أو نحوه مُكْرَهٍ مسوق بالافتعال.
والناظر في كتب الإعجاز العلمي للقرآن لن يجد غير التكرار، اللهم إلا ما اشتمل عليه بعضها مما وقف عليه مؤلفوها من فائدة جديدة علموا بها فاستأثر ببدء إبدائها صاحبها فأفاد منها خَلَفه.
والآيات القرآنية التي تحوى جُمَلاً من الاحتمالات المعنوية لألفاظها هي التي تُوسِعُ المضمار للسائرين القادرين على اقتناص التوافق العلمي مع المعنى القرآني لبعض الآيات، أما ما كان محدَّد الفهم، محكم المعنى، فهي الآيات التي لا يخرج تفسيرها عن الحقائق العلمية، لذا كانت تلك الآيات منطلقا لفهم الحقائق الكونية على نحو ما وصف الحكيم الخبير في كلامه، ومن جملة ذلك قوله تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} (النور: 45) .وقوله تعالى: {ولِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} (الشورى: 49،50) فالله أنزل القرآن بعلمه الذي علم عن خلقه، قدير لا يأتي أحد بغير ما وصف، ولن يزيد أحد على ما خلق الله قسما خامسا فوق هذه القسمة لصور الهبة الإلهية، والآية الأولى كالثانية فيها تحد بالقدرة الإلهية، فالله خلق الدواب من ماء ولكن الإنسان يصنع الدواب - كوسائل المواصلات وغيرها الآن - من غير الماء، فهل من البشر من يقدر على الخلق من الماء؟ أو أن يخص كل دابة بماء؟.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)

‌‌المبحث الثاني: وجه أو وجوه الإعجاز؟
لكي نتمكن من تمام المطابقة بين مفهوم الإعجاز ووجوه تحسب من الإعجاز، لابد من استصحاب شرائط المعجزة مع تعريفها المُتَصَوَّر في الذهن، إذ قد مرت بنا كثرة من توزيعات الرؤية حول أمر قد يكون واحدا، والحال أن كل شيء في الدنيا تكثر صوره بكثرة الرائين، فلكل واحد زاوية خاصة ينظر من خلالها، حتى يبدو للجميع توحد وتوافق فيما لم يقم برهان واحد على التماثل التام بين وجهين من الوجوه.
واختلاف وجهات الرؤية أوحت باستقصاء الآراء في وجوه الإعجاز حتى قيل: إن بعضهم أنهى وجوه إعجاز القرآن الكريم إلى ثمانين وجها (1) ولا مناص من تبين حقيقتين للمتكلم في إعجاز القرآن، وأن يفصل بينهما فصلا ظاهرا لا يلتبس، وأن يميز أوضح التمييز بين الوجوه المشتركة التي تكون بينهما، وهاتان الحقيقتان العظيمتان هما:
أولهما: أن "إعجاز القرآن" كما يدل عليه لفظه وتاريخه، وهو دليل النبي صلى الله عليه وسلم على صدق نبوته، وعلى أنه رسول من الله يوحى إليه هذا القرآن، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف "إعجاز القرآن" من الوجه الذي عرفه منه سائر من آمن به من قومه العرب، وأن التحدي الذي تضمنته آيات التحدي إنما هو تحد بلفظ القرآن ونظمه وبيانه لا بشيء خارج عن ذلك.
ثانيهما: أن إثبات دليل النبوة، وتصديق دليل الوحي، وأن القرآن تنزيل من عند الله كما نزلت التوراة والإنجيل والزبور وغيرهما من كتب الله سبحانه لا يكون منها شيء يدل على أن القرآن معجز.--------------------------------------------
(1) معترك الأقران للسيوطي صـ5 جـ1.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)

والخلط بين هاتين الحقيقتين، وإهمال الفصل بينهما في التطبيق والنظر، وفي دراسة "إعجاز القرآن" قد أفضى إلى تخليط شديد في الدراسة قديما وحديثا (1) .
والقرآن كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم منجما، وكان الذي نزل عليه أول أمر الوحي قليلا، فكان هذا القليل من التنزيل هو برهانه على نبوته، وهذا القليل دليلا على أن تاليه عليهم، وهو بشر مثلهم، نبي من عند الله مرسل.
فإذا صح هذا، وهو صحيح لا ريب فيه، ثبت أن الآيات القليلة من القرآن ثم الآيات الكثيرة، ثم القرآن كله، أي ذلك كان في تلاوته على سامعه من العرب، الدليل الذي يطالبه بأن يقطع بأن هذا الكلام مفارق لجنس كلام البشر وذلك من وجه واحد، هو وجه البيان والنظم (2) وإذا كان الأمر على هذا النحو فإن سائر ما يورده المتقدمون والمتأخرون من وجوه الإعجاز لا ينسحب عليه في الحقيقة اعتباره وجها من وجوه الإعجاز، إذ التمحيص والبحث والإنعام في التوافق بين الإعجاز في معناه المجرد وبين الوجه المسوق لهذا الإعجاز يستجلى انفصام العلاقة بينهما على نحو ما.
وبعض هذه الوجوه تكمن في حيازته وتضمنه الكثيرُ من الآيات التي تحمل أسرارا يعجز عن سبر أغوارها عصر أو عصور متتالية، وفرق بين العجز عن إدارك محتواه وبين الإتيان بمثله ولو كان المأتى به مفترى.--------------------------------------------
(1) الظاهرة القرآنية مالك بن بني فصل في إعجاز القرآن كتقديم للكتاب بقلم الأستاذ محمود محمد شاكر صـ17،18.
(2) الظاهرة القرآنية صـ21.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)

والمعجزة خرق العادة، ولم يخرق القرآن عادة عربية في غير نظمه وبيانه ولم يقل أحد إن كشفَ خفاءِ دقائقِ العادة خرقُُ لها، إذ بُدُو الموجود وبروزه إلى العيان لا يعنى خرقا لعادة.
والأنبياء لهم من خرق العادات ما يؤيد صدق دعواهم للنبوة والرسالة، وليس ما يبدو من آثار لقدرة الله في الكون معجزةً قرآنية، إذ لو كانت لامتد منها برهان عند اللحظات الأولى لنزول الوحي لتقوم في وجه الكافرين برهانا على أن القرآن من عند الله. أما وأنه قد تأخرت رؤية التطابق بين آي الكون وآي القرآن فلا يمكن القول بأن مثل هذا كان وجها باديا للعرب عند تحديهم.
والآيات البارزة في الكون دليل على أن للكون إلهاً، وذلك هو المقصود الأوحد والأول من الدعوة إلى النظر في السموات والأرض.
ويقول الزملكاني برجوع وجه الإعجاز إلى التأليف الخاص بالقرآن لا مطلق التأليف، بأن اعتدلت مفرداته تركيبا وزنة، وعلت مركباته معنى، بأن يوقع كل فن في مرتبته العليا في اللفظ والمعنى (1) .
ويؤكد الخطابي (2) تعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن، ولكنه يقول (3) : "قلت في إعجاز القرآن وجها آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم، وذلك صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس".
وبهذا يتبين أنه قد يلوح للبعض ما أثر في نفسه واستقر من جملة عطاء القرآن ما يحسبه وجها للإعجاز، ولابد من التمييز بين الوجه والتوجيه في دراسة الإعجاز لدرك الصواب.--------------------------------------------
(1) البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن طـ1394هـ، 1984م صـ54.
(2) بيان إعجاز القرآن صـ21.
(3) بيان إعجاز القرآن صـ70.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)

والدكتور البوطي يقول في كتابه من روائع القرآن (1) : "إذا رأيت من إذا تلا القرآن تأثر به قائلا: إن هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن بشر فاعلم أنه متفاعل مع هذا الوجه الأخير - يريد به مظهر جلال الربوبية - ولا يتجلى الإعجاز إلا لقلب لم تخنقه أغشية الكبر والعناد".
ولا يمكن حمل العادة التي يتخلف معهودها على كونها من الناظر، بل هي في المنظور، فمن استظهر أمرا لا يكون هو محل المعجزة، نعم قد يكون منه غير ما اعتيد، لكن الشيء الذي استبان فيه الوجه الجديد لم يتحول عما كان عليه قبل ظهور ما خفي منه من قبل، اللهم إلا إذا انفرد هذا الناظر بهذا البيان وحده دون غيره، فإنه يكون قد أتى بما يعجز عنه غيره، وحينئذ تتعلق المعجزة بشخصه مباشرة.
والخصائص التي يهتدي من خلالها إلى أن القرآن كلام الله تعالى كما أوردها وحيد الدين خان في كتابه "الإسلام يتحدى" تمكننا من الزحزحة ولو قليلا نحو اعتبارات تؤكد عدم قصر وجوه الإعجاز في النظم والبيان، شريطة أن يكون المنطلق في كل وجه يحتسب للإعجاز منطلقا قرآنيا بحتا، بحيث لا نضفي من خارج النص ما يسمح بالربط بين ما هو خارج النص من ظواهر كونية وكشوف علمية حديثة وبين إشارات وتلميحات قرآنية، فمثل هذا لا يعدو أن يكون توجيها لا وجها للإعجاز.
وهذه الخصائص - وقد سبق ذكرها - وهي: إعجاز القرآن، ونبوءاته، والقرآن والكشوف الحديثة - أي العلاقة بين القرآن والكشوف الحديثة - براهين ثابتة الدلالة على أن محمداً رسول من عند الله، ولكن بعضها لا يمكن اعتباره وجها للإعجاز.--------------------------------------------
(1) من روائع القرآن الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي صـ160.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)

فالنبوءات لا يلزم صدورها عن نبي أو كتاب منزل عليه من ربه، والشواهد على ذلك كثيرة، والكشوف الحديثة أولَ ما تبرزُ معالِمُها لا تكون في القرآن بل يكون بدء العلم بها من خارج القرآن، ثم يعالَجُ التوافق بتغيير المفهوم القرآني ليتفق مع ما تجلى من كشفيات علمية حديثة.
والنبي محمد صلى الله عليه وسلم خالف في قدره السامي عند ربه جماعة الأنبياء، فكانت له المعجزة الحسية بخرق العوائد ثم عودتها إلى ما عهد منها من قبل وكانت منه نبوءات تحقق منها ما وعد به أو توعد. وكل هذا كان بعيدا عن القرآن ليسجل على الناس جميعا أن هذا النبي يحمل دلائل نبوته على نحو ما كان عليه الأنبياء من قبل وله فضل زيادة بقاء المعجزة الخالدة في القرآن الكريم.
وحين يوقفنا القرآن الكريم على مشاهد آثار القدرة الإلهية في الكون يؤكد ضرورة ابتعاث رسل خاصة من نفوسنا تشاهد إعجاز القدرة الإلهية في كون الله ليتجدد الإقرار بأن "لا إله إلا الله" قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون " وهو تعجيز لقدرة البشر لا لكلامهم. ولا يتصور أن يخلو كتاب سماوي من إخبار بغيوب سواء منها ما كان ماضيا، أو مستقبلا، أو حاضراً مكانيا، ومع هذا لم ينل حظَّ الإعجاز كتابُُ غير القرآن الكريم.
ولابد من الإبقاء على الوجه الأول الذي وُوجِه بِه العربُ عند تحديهم، فما كان لهم في أول الأمر من علم بما صارت عليه بوارق المعاني المستوحاة من خارج النص القرآني كنص عربي.
لكل هذا كان الكلام بما يحمل من خصائص اللغة العربية هو مبعث رؤية الإعجاز عند العرب جميعا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)

ومن العجيب أن لكل عصر لغة تَسِمُهُ بخَواصِّ التعبير عن مكنونات النفوس، ولذلك يبدو جَلِياًّ كثير من وجوه افتراق الكلام على امتداد الزمن، وإن كان هذا الاختلاف في لغة واحدة.
وإذا نَظَرْتَ في كتب مختلفةٍ أزمانُ تصنيفها تَفَتَّقَ لك وضوحُ فوارِق عدة، تميز عصرا عن عصر، وكَلَامَاً عن كلام، والقرآن وحده لم تغيره السنون، واختلاف الفنون، لكن الإدراك أو الذوق هو الذي يختلف في كل حين عن سابقه.
ولابد من معرفة أمور تُحَدَّدُ على أساسها صحة كون الوجه إعجازاً قرآنيا وهذه الأمور. (1)
الأول: أن قليل القرآن وكثيرة في شأن الإعجاز سواء.
الثاني: أن الإعجاز، كائن في وصف القرآن وبيانه ونظمه، ومباينة خصائصه للمعهود من خصائص كل نظم وبيان في لغة العرب. ثم في سائر لغات البشر، ثم في بيان الثَّقَلَيْنِ جميعا، إنسهم وجنهم متظاهرين، والله عز وجل لم يقصر التعجيز عن الإتيان بمثل القرآن على الإنس والجن لأن الملائكة تقدر على الإتيان بمثله، ولكن لأن الرسالة كانت إلى الإنس والجن، فوقع التحدي للفريقين، حتى إذا عجزُوا كان عجزُهم دلالةً على أن النبي صلى الله عليه وسلم عاجز مثلهم فيظهر بذلك أنه لم يأت بالقرآن من عند نفسه، وإنما أتى به من عند الله
"فأما الملائكة فلم يتحدوا عن ذلك لأن الرسالة إذا لم تكن إليهم لم يكن القرآن حجة عليهم، فنبئوا أكانوا قادرين على مثله أو عاجزين؟ وهم--------------------------------------------
(1) الظاهرة القرآنية صـ24، 25.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)

عندنا عاجزون (1) وليس الإتيان بمثل القرآن من قلب المدائن، والإتيان بالتابوت في شىء، لأن قلب المدينة وحمل التابوت العظيم كالذي يوصف من تابوت بنى إسرائيل لقصور قواهم عنه - قوى بنى إسرائيل - فإذا زادت قوة الملك على قوة الآدمي أضعافاً مضاعفة زاد علمه أيضا لذلك.
وأما نظم القرآن فإنه ليس من جنس نظم كلام الناس، ولكنه مباين لهذا فلا يُهْتَدى إليه فَيُحْتَذَى ويُمَثَّل، فهو كتركيبِ الجواهرِ غيرِ الأجسامِ لتصيرَ أجساما، ولا على قلب الأعيان ولا يقدرون عليه من ذلك، والملائكة لا يقدرون عليه كذلك. وفي ذلك ما أبان أن نظم القرآن ليس من عند جبريل لكنه من عند اللطيف الخبير".
وأضيفُ أنه ما كان التحدي إلا مواجهة لإنكار كون القرآن من عند الله ولا يتصور أن يكون من الملائكة مثل ذلك الإنكار، وبالتالي لا يتصور مجابهتهم بالتحدي {قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (البقرة: 32) .
الثالث: أن الذين تحداهم بهذا القرآن قد أوتوا القدْرةَ على الفصل بين الذي هو مِنْ كلام البشر، والذي هو ليس من كلامهم.
الرابع: أن الذين تحداهم به كانوا يدركون أن ما طولبوا به من الإتيان بمثله، أو بعشر سور مثله مفتريات، هو هذا الضرب من البيان الذي يجدون في أنفسهم أنه خارج من جنس بيان البشر.--------------------------------------------
(1) كتاب المنهاج في شعب الإيمان للحليمي جـ1 صـ319.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)

الخامس: أن هذا التحدي لم يُقْصَدْ به الإتيان بمثله مطابقا لمعانيه، بل أن يأتوا بما يستطيعون افتراءه واختلاقه، من كل معنى أو غرضٍ مما يعتلج في نفوس البشر.
السادس: أن هذا التحدي للثقلين جميعا إنسهم وجنهم متظاهرين تحد مستمر قائم إلى يوم الدين.
السابع: أن ما في القرآن من مكنون الغيب ومن دقائق التشريع ومن عجائب آيات الله في خلقه، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضي إلى الإعجاز، وإن كان ما فيه من ذلك كله ما يعد دليلا على أنه من عند الله، ولكنه لا يدل على أن نظمه وبيانه مباين لنظم كلام البشر وبيانهم، وأنه بهذه المباينة كلامُ رب العالمين لا كلام بشر مثلهم.
أرأيت كلاما يحمل مكنون الغيب ودقائق التشريع وعجائب الآيات في الخلق يكون لأجل ما يحمل معجزا؟
نعم. إن القرآن حين يقرر الحقائق لا ينزع إلى تحويرها أحدٌ أبدا، وما كان ذلك ليكون لولا أن قائله هو العزيز الحكيم، فكل ما يصدر عن الله تعالى يلازمه دوام التصديق من الكون شاهدا على قدرة الخالق جل وعلا.
لذا كان لزاما أن تطْرَحَ كل الوجوه ما عدا ما تعلق منها بذاتية القرآن كلاماً عربياً، والوجه الذاتي بلا شكٍ لا يفارق الذات أصلا، فالكلام من حيث هو كلام منبعٌ لإعجاز القرآن.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)

‌‌المبحث الثالث: مظهر العناية بجمع وجوه الإعجاز
لما كان البحث متعلقا بعناية المسلمين بوجوه الإعجاز كان إيراد ما عدَّ منها ضَرُورِيَّ الذكر وإن لم يلزم قبولها كلها، ومهما يكن من شيء فإن كثيرا من العلماء أثروا الدراسات القرآنية برؤاهم الفاحصة في وجوه الإعجاز، يتفرسون في كل وجه ما تستنطق منه أمارات الفوارق الواضحة بين كلام الله وكلام البشر، أو يوجهون نحو النصوص ما يلائم احتمالها وجها يقال إنه وجهُ إعجاز.
وجدير بالذكر أن ما يتعلق بالإعجاز من هذه الوجوه لا يباينُ بَيْنَ قدرةِ الله وقدرةِ الخَلْق وبين علمه تعالى وعلمهم، وبين إرادته وإرادتهم، ولكن تساق هذه الوجوه لتسجيل التباين التام بين كلام الله تعالى وبين كلام البشر، بغض النظر عما يحمله الكلام من موضوع. فالقرآن معجز من حيث إنه كلام.
ومع هذا. فهؤلاء بعض الذين أماطوا اللثام عن رؤية وجوه الإعجاز حسب ما عنَّ لهم منها، وإن كان البعض قد قَصَرَهَا على النظم اعتقاداً فقد زاد عليه سردا وإيرادا.
ومن جملة من عُنُوا بجمع وجوه الإعجاز وبيانها الشيخ السيوطي في "معتركه" حيث حوى مؤَلَّفه خمسةً وثلاثين وجها، هي بحق أكثر ما أحصى كتاب مما شاء الله اطِّلَاعِي عليه من مؤلفات في هذا الشأن، ولهذا آثرت الابتداء به، لاستغراقه جُلَّ ما ورد في غيره من الوجوه.
ومعترك الأقران يَضُم هذه الوجوه متناولا إياها بالتحليل والتمثيل والبيان، وما يتعلق بكل منها من سائر ما عرض له المتقدمون، وهذه الوجوه هي:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)

1- احتواء القرآن على علوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب، ولا أحاط بعلمها أحد في كلمات قليلة وأحرف معدودة {… مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ......} (الأنعام 38) {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} (النحل: 89) .
2- كونه محفوظا عن الزيادة، والنقصان، ومحروسا عن التبديل والتغيير على تطاول الأزمان بخلاف سائر الكتب " قال تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9) فلم يقدر أحد بحمد الله على التجاسر عليه.
3- حسن تأليفه، والتئام كلمه وفصاحتها، ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب، وأسلوبه الغريب مخالفا لأساليب العرب، ولم يوجد قبله ولا بعده نظيره.
4- مناسبة آياته وسوره، وارتباط بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقَةَ المعاني منتظمة المباني.
وقد ألف العلامة أبو جعفر بن الزبير شيخُ أبي حيان في أسرار التناسب كتابا سماه "البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن" وألف برهان الدين البقاعي "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور".
وأول من سبق إلى هذا العلم الشيخ أبو بكر النيسابوري.
5- افتتاح السور وخواتمها، وهو من أحسن الوجوه وأكملها كالتحميدات وحروف النداء والهجاء وغير ذلك. وخواتم السور مثل الفواتح في هذا الحسن، فلهذا جاءت متضمنة للمعاني البديعة مع إيذان السامع بانتهاء الكلام.
6- مشتبهات آياته، بأن ترد القصة في سور شتى وفواصِلَ مختلفة.
7- ورود مشكله حتى يوهم التعارض بين الآيات.
8- وقوع ناسخه ومنسوخه.
9- انقسامه إلى محكم ومتشابه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)

10- اختلاف ألفاظه في الحروف وكيفيتها.
11- تقديم بعض ألفاظه وتأخرها في الموضع.
12- إفادة حصره واختصاصه.
13- احتواؤه على جميع لغات العرب وبلغة غيرهم من الفرس.
14- ورود بعض آياته مجملة وبعضها مبينة.
15- عموم بعض آياته وخصوص بعضها
16- الاستدلال بمنطوقه ومفهومه.
17- وجوه مخاطبته.
18- ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات.
19- إخباره بأحوال القرون السالفة.
20- روعته وهيبته.
21- أن سامعه لا يمجه.
22- تيسير الله حفظَه وتقريبَه على متحفظيه.
23- وقوع الحقائق والمجاز فيه.
24- تشبيهه واستعاراته.
25- وقوع الكناية والتعريض.
26- إيجازه وإطنابه.
27- وقوع البدائع البليغة فيه.
28- احتواؤه على الخبر والإنشاء.
29- إقسام الله تعالى في مواضع لإقامة الحجة وتأكيدها.
30- اشتماله على أنواع البراهين والأدلة.
31- ضرب الأمثال فيه.
32- ما فيه من الآيات الجامعة للخوف والرجاء.
33- ورود آيات مبهمة يحِيرُ العقل فيها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)