6 - الرواية عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
عن سعيد بن جبير قال: " كنا إذا اختلفنا في الشيء كتبته حتى ألقى به ابن عمر، ولو يعلم بالصحيفة معي، لكان الفيصل بيني وبينه " (1) .
العلة في كراهة كتابة الحديث كما وردت عن بعض الصحابة رضي الله عنهم
1 - الرواية عن عمر بن الخطاب:
أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً ثم أصبح وقد عزم الله له، فقال: "إني كنت أردت أن أكتب السنن وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبُّوا عليها، وتركوا كتاب الله تعالى، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا" (2) .
2 - الرواية عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
قال: " إنما أهلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب وتركهم كتابهم " (3) .--------------------------------------------
(1) تقييد العلم 44، وفي مصنف عبد الرزاق 9/54 واسناده صحيح. وابن عبد البر في جامع بيان العلم0 1/281) . (2) تقييد العلم 49، وفي مصنف عبد الرزاق 11/257 - 258، وجامع بيان العلم 1/274 ورجاله ثقات، إلا أن عروة لم يسمع من عمر كما في تهذيب التهذيب 7/158، وقد رواه الخطيب من طريق آخر عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن عمر، عن عمر رضي الله عنه، أي بزيادة عبد الله (ص 50) من تقييد العلم بنحوه، وإسناده صحيح.
(3) تقييد العلم 53، ورواه الدارمي في سننه (1/133) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
وقال: " إنما هذه القلوب أوعية فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره" (1) .
ووردت عن الصحابة روايات أخرى وكلها تدور حول هذه العلة.
3 - الرواية عن أبي موسى رضي الله عنه:
قال ": إن بني إسرائيل كتبوا كتاباً واتبعوه، وتركوا التوراة " (2) .--------------------------------------------
(1) تقييد العلم 54.
(2) تقييد العلم 57، ورواه الدارمي في سننه (1/135) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في الإذن
…
المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في إباحة الكتابة
وهي واردة عن تسعة من الصحابة رضي الله عنهم، منها ما هو مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها ما هو موقوف على الصحابة رضي الله عنهم، وبعضٌ من هؤلاء الصحابة قد روى الأحاديث في النهي عن الكتابة، وهم أبو سعيد الخدري، وعمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وابن عباس رضي الله عنهم.
منهم من روى رغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتابة، وهو في مرض وفاته صلى الله عليه وسلم وهو ابن عباس، ومنهم من روى أمره بالكتابة لأحد الصحابة وهو أبو هريرة، ومنهم من روى إذنه وهو بالكتابة لمن استأذنه في ذلك، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص، ومنهم من روى إذناً عاماً بالكتابة، وهو رافع بن خديج.
كما أن هذه الروايات بينت من كتب مِن الصحابة، وهم أبو بكر، وعلي، وابن عباس، وأنس، وأبو سعيد الخدري، ومن استحسن الكتابة وهو أبو أمامة، ومن أمر بها وهما عمر بن الخطاب، وأنس، ومن شجع عليها، وهو علي رضوان الله عليهم أجمعين، فإلى هذه الروايات:
1 - الرواية عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده". قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، قال: " قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع"، فخرج
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه" (1) .
وأخرج الخطيب من طريق عبيد الله بن أبي رافع قال: كان ابن عباس يأتي أبا رافع فيقول: ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كذا؟ ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كذا؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها (2) .
2 - الرواية عن أبي هريرة رضي الله عنه:
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: "ما مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب".
وفي رواية " ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب بيده فاستأذن رسول الله في أن يكتب ما سمع منه، فأذن له، فكان يكتب بيده ويعي بقلبه، وإنما كنت أعي بقلبي " (3) .
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيسمع من النبي الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أسمع منك الحديث--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري، كتاب العلم 1/208، بشرحه فتح الباري.
(2) تقييد العلم 91، ورواه ابن سعد في الطبقات 2/2/123.
(3) صحيح البخاري، كتاب العلم 1/206، بشرحه فتح الباري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
فيعجبني ولا أحفظه، فقال صلى الله عليه وسلم: "استعن بيمينك" وأومأ
بيده للخط (1) .
- وروى أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال: لما فتحت مكة قام النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الخطبة - خطبة النبي صلى الله عليه وسلم قال: فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال: يا رسول الله اكتبوا لي، فقال: "اكتبوا لأبي شاه" (2) .
3 - الرواية عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
وأخرج أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو قال: " كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنَهَتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق" (3) .
وعن عبد الله بن عمرو قال: " هذه الصادقة، هذه ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه أحد، إذا سلمت لي هذه وكتاب الله--------------------------------------------
(1) جامع الترمذي، كتاب العلم 5/38، من طريق الخليل بن مرة، عن يحيى بن أبي صالح. وقال: هذا حديث إسناده ليس بذلك القائم، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: الخليل بن مرة منكر الحديث.
(2) سنن أبي داود، كتاب العلم 3/319، والبخاري في العلم 1/205، (والفتح) بأطول منه.
(3) سنن أبي داود، كتاب العلم3/318،وأحمد في مسنده (2/162،192) والخطيب في تقييد العلم80، والحاكم في المستدرك (1/105-106) ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (1/85) ، والقاضي عياض في الإلماع 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
تبارك وتعالى فما أبالي ما كانت عليه الدنيا " (1) .
وعنه قال: " قلت: يا رسول الله أقيد العلم؟ قال: "نعم" (2) .
4 - الرواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه:
وعن هبيرة بن عبد الرحمن قال: " كانوا إذا كثروا على أنس بن مالك في الحديث أتاهم بمجالّ فقال:" هذه كتبتها ثم قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم"
وقال أنس: " كنا لا نعد علم من لم يكتب علمه علماً " (3) .
وعن ثمامة قال: " حدثني أنس أن أبا بكر كتب له فرائض الصدقة الذي سَنَّهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم " (4) .
وكان يقول لبنيه: " قيدوا العلم بالكتاب " (5) .
5 - الرواية عن أبي أمامة رضي الله عنه:
وعن الحسن بن جابر أنه سأل أبا أمامة عن كتابة العلم فقال:" لا بأس بذلك" (6) .
6 - الرواية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:
وعن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري قال: " ما كنا نكتب غير--------------------------------------------
(1) تقييد العلم 84. والدارمي في السنن 1/127، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1/86 بنحوه، وفيه ليث ابن أبي سليم، قال الحافظ في التقريب 464: (صدوق اختلط جدا، ولم يتميز حديثه فترك) .
(2) تقييد العلم 68، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 1/157، وقال: (رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن معين وابن حبان، وقال ابن سعد: ثقة قليل الحديث. وقال الإمام أحمد: أحاديثه مناكير) . وصححه الألباني بمجموع طرقه (السلسلة الصحيحة 2026) .
(3) تقييد العلم 96.
(4) تقييد العلم 87، وأخرجه البخاري في كتاب الزكاة (3/312) بشرح فتح الباري، بنحو هذا اللفظ.
(5) تقييد العلم 96، وصححه الألباني برقم 2026 في السلسلة الصحيحة (1/42) .
(6) تقييد العلم 98، ورواه الدارمي في سننه 1/137-138، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (1/317) وفي إسناده معاوية بن صالح، قال الحافظ في التقريب 538: (صدوق له أوهام) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
القرآن والتشهد" (1) .
7 - الرواية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
وعن عمرو بن أبي سفيان قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: " قيدوا العلم بالكتاب " (2) .
8 - الرواية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
أخرج البخاري عن أبي جحيفة قال قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة، قال فقلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: " العَقْل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر ".
وعن طارق قال: رأيت علياً على المنبر وهو يقول: " ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا كتاب الله عزوجل وهذه الصحيفة، وصحيفة معلقة في سيف عليه حلقة من حديد وبكراته من حديد، فيها فرائض الصدقة قد أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم " (3) .
وعن المنذر بن ثعلبة عن علي رضي الله عنه قال: "من يشتري مني علماً بدرهم؟ قال أبو خيثمة: "يقول يشتري صحيفة بدرهم يكتب فيها العلم" (4) .
9- الرواية عن رافع بن خديج رضي الله عنه:
عن رافع بن خديج عن رافع رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها قال: " اكتبوا ولا حرج" (5) .--------------------------------------------
(1) تقييد العلم 93، وفي سنن أبي داود، كتاب العلم (3/318) .
(2) تقييد العلم 88، وأخرجه الدارمي في سننه 1/138، والحاكم في المستدرك (1 / 106) .
(3) صحيح البخاري مع فتح الباري، كتاب العلم (1 / 204) .
(4) تقييد العلم 90، وإسناده صحيح. ورواه أبو خيثمة في العلم 34.
(5) تقييد العلم 72، ورواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل 369، وذكره الهيثمي في المجمع 1/156، وقال: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو مدرك، روى عن رفاعة بن رافع، وعنه بقية، ولم أر من ذكره".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
الفصل الثالث: التوفيق بين أحاديث النهي والإذن
المبحث: منهج التعليل
…
الفصل الثالث: التوفيق بين أحاديث النهي والإذن
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: منهج التعليل.
المبحث الثاني: دفع التعارض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
التوفيق بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن
نستطيع أن نقول إننا أمام منهجين للتوفيق بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن وهما:
1- منهج التعليل.
2 - ومنهج دفع التعارض.
وهذا ما سنتناوله في المبحثين التاليين:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
المبحث الأول: منهج التعليل
وهو القول بأن أحاديث النهي عن الكتابة كانت لعلة، ومن المعلوم أن الأحكام تدور مع العلل وجوداً وعدماً، فمتى وجدت العلة وجد الحكم، ومتى انعدمت العلة انعدم الحكم.
والذي يدقق النظر في أحاديث النهي يجدها أشارت إلى التعليل، كما في رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نكتب الأحاديث فقال "ما هذا الذي تكتبون؟ " قلنا: أحاديث سمعناها منك، قال: "أكتابَ غير الله تريدون؟ ما أضل الأمم من قبلكم إلا أنهم اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله". قال أبو هريرة: فقلت: أنتحدث عنك يا رسول الله؟ قال: "نعم، تحدَّثوا ولا حرج، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (1) .
واستنبط العلماء عللا أخرى عبروا عنها في كتبهم بما يلي:
قال الخطابي: ".. وقد قيل: إنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ" (2) .
وقال ابن القيم: " وهذا كان في أول الإسلام خشية أن يختلط الوحي الذي يتلى بالوحي الذي لا يتلى " (3) .
وذكر الصنعاني: أن النهي عن الكتابة إنما كان في أول الأمر " بسبب أنه لم يكن قد اشتد إلف الناس بالقرآن ولم يذكر حفاظه والمتقنون له، فلما ألفه--------------------------------------------
(1) تقييد العلم 33.
(2) معالم السنن مطبوع مع مختصر سنن أبي داود للمنذري 5/246.
(3) زاد المعاد 3/457.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
الناس وعرفوا أساليبه وكمال بلاغته … فلم يخش اختلاطه بعد ذلك " (1) .
وقال ابن عبد البر: " من كره كتابة العلم إنما كرهها لوجهين: أحدهما ألا يتخذ مع القرآن كتابا يضاهى به، ولئلا يتكل الكاتب على ما كتبه فلا يحفظ، فيقلَّ الحفظ " (2) .
وذكر الخطيب البغدادي:" … لئلا يضاهى بكتاب الله غيره أو يشتغل عن القرآن بسواه " (3) .
وقال ابن الصلاح: ".. ولعله أذن في الكتابة لمن خشي عليه النسيان، ونهى عن الكتابة عنه من وثق بحفظه مخافة الأتكال عن الكتاب" (4) .
ومن خلال أقوال العلماء هذه نستطيع أن نجمل العلل التي من أجلها نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن كتابة الأحاديث فيما يلي:
أولاً: خوف انكباب الناس على كتابة غير القرآن:
فالغرض من منع كتابة الأحاديث هو الحفاظ على الاهتمام النشط من جانب الذين هداهم الله إلى القرآن، فالقرآن لا يزال في مرحلة الوحي ولم يجمع بعد، فكان ينبغي أن يُعطى مزيداً من الاهتمام عن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فخوفاً من احتمال أن يصرف اهتمام المسلمين عن المصدر الأول للتشريع منع الرسول صلى الله عليه وسلم كتابة الأحاديث.
يؤيد ذلك التعليل: أننا إذا تأملنا أقوال الصحابة الذين امتنعوا عن الكتابة وحظروها نجدهم يصرحون بذلك، فهذا أبو نضرة يقول: قلنا لأبي سعيد: لو--------------------------------------------
(1) توضيح الأفكار 2 / 218.
(2) جامع بيان العلم 1 / 82.
(3) تقييد العلم 57.
(4) مقدمة ابن الصلاح 88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
كتبتم لنا فإنَّا لا نحفظ قال: "لا نكتب ولا نجعلها مصاحف، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا فنحفظ، فاحفظوا عنا كما كنا نحفظ عن نبيكم" (1) .
حيث فسر رواة الحديث (النهي عن الكتابة) بخشية أن يجعل الحديث موضع القرآن، وراوي الحديث أعلم بما روى كما يقرر العلماء (2) .
وأيضا عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال: " إني كنت أردت أن أكتب السنن وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبُّوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً " (3) .
وقد أعلن عمر هذا على ملأ من الصحابة رضوان الله عليهم، وأقروه، مما يدل على استقرار أمر هذه العلة في نفوسهم.
ثانياً: الخوف من مضاهاة الحديث للقرآن الكريم:
فالنهي عن كتابة السنة حتى لا تكون مثل القرآن، فالقرآن مكتوب متداول بين الصحابة متعبد بتلاوته وقراءته، فخشي أن يكتب الحديث فيكون مصحفاً يقرأ ويتلى كما يقرأ القرآن الكريم.
يؤيد ذلك التعليل: ما ذكر عن الصحابة عموما أنّهم كانوا يرون أن بني إسرائيل إنما ضلوا بكتب ورثوها، ولذلك قال الخطيب البغدادي: " فقد ثبت أن كراهة الكتاب من الصدر الأول إنما هي لئلا يُضاهى بكتاب الله تعالى--------------------------------------------
(1) تقييد العلم 57.
(2) منهج النقد في علوم الحديث 43.
(3) تقييد العلم 49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
غيرُه، أو يشتغل عن القرآن بسواه " (1) .
ثالثاً: المحافظة على النص القرآني خشية اختلاطه بالسنة.
إن من أسباب النهي عن كتابة الحديث النبوي: خوف اختلاط بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن سهواً من غير عمد (2) ، ويؤيد ذلك التعليل ما ذكره البغدادي بقوله: ".. ونهى عن كتب العلم في صدر الإسلا م وجدته لقلة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميزين الوحي وغيره، لأن أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يُؤْمَنْ أن يُلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن، ويعتقدوا أن ما اشتملت عليه كلام الرحمن" (3) .
رابعاً: الحفاظ على ملكة الحفظ عند المسلمين:
قال ابن حجر: "النهي في حَقِّ مَنْ خشي الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن عليه ذلك" (4) .
فالنهي عن كتابة الأحاديث، كان للحفاظ على ملكة الحفظ عند المسلمين؛ إذ الاتكال على الكتابة يضعفها؛ ولذلك كانوا يحتفظون بمعلوماتهم في خزائن القلوب الآمنة (5) ، والمعرفة عندهم ليست ما تحتويه الكتب، ولكن ما وقر في الصدر، فكانوا يرون أن المعلومات التي تُدَوَّن تكون عرضة للنسيان والضياع، وقد منحهم الله ذاكرة حافظة قوية صقلتها كثرة محفوظاتهم واعتمادهم عليها في كل ما يودون الاحتفاظ به، يقول الخطيب: "ونهي عن--------------------------------------------
(1) تقييد العلم 57.
(2) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: (ص 76 – 77)
(3) تقييد العلم 57.
(4) فتح الباري 1/208.
(5) دلائل التوثيق المبكر 220.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
الاتكال على الكتاب؛ لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عدم الكتاب قوي لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان" (1) .
يؤيد ذلك التعليل أن بعض الصحابة كانوا يكتبون ثم يمحون ما كتبوا (2) ، ولولم يكن النهي عن الكتابة مستقراً عندهم لما كتبوا ابتداء.
خامساً: الحرج في الكتابة:
لقد اهتم الصحابة بكتابة القرآن الكريم، وكانت الوسائل الكتابية بدائية وغير ميسرة منها: رقاق الحجارة والعظام وسعف النخل وجلود الحيوانات، وكانت الأحاديث النبوية أكثر من أن يحصوها؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم آتاه الله العلم والحكمة والنبوة فكان له في كل حادثة قول، وفي كل مسألة جواب، وفي كثير من الوحي تفسير وبيان، استمر ذلك النور النبوي ثلاثاً وعشرين سنة بين أظهر الصحابة رضوان الله عليهم. فأنى لهم الوسائل الكتابية، ومن أين لهم الوقت الكافي لتدوين حديثه كله تدويناً كاملا، وليسوا مضطرين أن يعتمدوا على الكتابة، وقد منحهم الله سبحانه وتعالى حافظة في صدورهم تعوض لهم ما فاتهم من الكتابة تدوينا وتقييدا؟ ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشق عليهم فيأمرهم بكتابة السنة، وإنما اكتفى بكتابة القرآن الكريم (3) .--------------------------------------------
(1) تقييد العلم 58، وانظر المحدث الفاصل بين الراوي والواعي 377.
(2) الإلماع 149.
(3) معالم السنة النبوية 73.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
المبحث الثاني: دفع التعارض
…
المبحث الثاني: منهج دفع التعارض بين أحاديث النهي والإذن
اختلف العلماء ولا سيما الأصوليين في دفع التعارض بين الأدلة الشرعية، فذهب الجمهور إلى أن منهج دفع التعارض هو النسخ أولا، وذلك بأن يُعْلَمَ تاريخ ورود كل من الدليلين المتعارضين فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم. فإن عجزنا عن معرفة تاريخ ورود الدليلين المتعارضين لجأنا إلى الجمع، وذلك بالتأليف بينهما وإزالة الاختلاف، فإن عَجَزْنا عن الجمع بين المتعارضين لجأنا إلى الترجيح؛ وذلك بتقوية أحد الدليلين المتعارضين بناء على قواعد الترجيح المعمول بها عند المحدثين والأصوليين.
وذهب الحنفية إلى أن منهج دفع التعارض بين الدليلين المتعارضين يكون بالجمع أولا ثم بالنسخ ثانيا، ثم بالترجيح ثالثا (1) .
والخلاف بين الجمهور والحنفية في تقديم الجمع على النسخ.
وتجدر الإشارة إلى أنه ليس ثمة تعارض حقيقي في الواقع ونفس الأمر بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن، وإنما التعارض في الذهن فقط بحسب ما يبدو لذهن المجتهد لسبب من الأسباب التي تجعل الأدلة متعارضة في نظره.
وأود أن أنوه إلى أنني سأسير وفق منهج الجمهور في دفع التعارض بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن.
أولاً: النسخ
والنسخ في اللغة هو الإزالة والنقل.--------------------------------------------
(1) الإحكام للآمدي 3/182، تيسير التحرير 3/160، شرح مختصر ابن الحاجب 2/166.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
يقال: نسخت الشمسُ الظلَّ أي: أزالته ويقال: نسخت الكتاب أي نقلته (1) .
وفي الاصطلاح: اختلف العلماء في تعريف النسخ بين كونه رفعا للحكم أو بياناً له. وأشهر ما قيل في تعريف النسخ هو: "رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه " (2) .
ومن خلال تعريف النسخ نستطيع أن نقول:
لا بد أن نعرف تاريخ ورود النهي عن الكتابة وتاريخ ورود الإذن بالكتابة حتى يمكننا القول بأن المتأخر ناسخ للمتقدم.
ويرى بعض العلماء أن أحاديث النهي منسوخة؛ لأنها متقدمة وأحاديث الإذن ناسخة لأنها متأخرة فهو من باب نسخ السُّنة بالسُّنة.
ومال إلى هذا الرأي كثير من العلماء كابن قتيبة (3) ، وابن حجر (4) ، والنووي (5) ، وابن الصلاح (6) وغيرهم، والقول بالنسخ لابد أن يستند إلى
دليل محقق.
واستدل العلماء على كون النهي المتقدم هو المنسوخ بما يلي:
أن الإذن بالكتابة متأخر عن النهي عنها؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) مختار الصحاح 656، المصباح المنير 2/271.
(2) نهاية السول 226، دراسات في النسخ د. نادية العمري 28.
(3) تأويل مختلف الحديث 193.
(4) فتح الباري 1/208.
(5) صحيح مسلم بشرح النووي 18/130.
(6) المحدث الفاصل 386.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
قال في غزوة الفتح:"اكتبوا لأبي شاه". يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها.
وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة وحديثه متأخر عن النهي؛ لأنه لم يزل يكتب ومات وعنده كتابته وهي الصحيفة التي كان يسميها الصادقة.
ولو كان النهي عن الكتابة متأخراً لمحاها عبد الله.
وذكر الشيخ رشيد رضا (1) : أن النهي هو المتأخر وليس هو المتقدم، وبالتالي فالإذن بالكتابة هو المنسوخ.
واستدل على ذلك بدليلين:
الأول: استدلال مَنْ رُوي عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي عنها وذلك بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ورد على ذلك بما يلي: " لم يثبت استدلال أحد منهم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم فالمرويُّ عن زيد بن ثابت متفق على ضعفه.
وعن أبي سعيد روايتان: إحداهما فيها الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيها امتناع أبي سعيد، ولم نقل في هذا إنه منسوخ، إنما قلنا إنه إما خطأ والصواب عن أبي سعيد من قوله موقوفاً عليه، كما قال البخاري وغيره، وإما محمول على أمر خاص.
والرواية الثانية عن أبي نضرة عن أبي سعيد في امتناعه هو، وليس فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى، وقد بقيت صحيفة عليّ عنده إلى زمن خلافته، وكذلك بقيت صحيفة عبد الله بن عمرو عنده، ثم عند أولاده.--------------------------------------------
(1) مجلة المنار 10/767، عن السنة ومكانتها في التشريع 61.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
فلو كان هناك نسخ لكان بقاء الصحيفتين دليلاً واضحاً على أن الإذن هو المتأخر.
وأن عمر رضي الله عنه عزم على الكتابة وأشار عليه الصحابة بها ثم تركها لمعنى آخر ولم يذكروا نهيا كان من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك صريح فيما أثبتناه" (1) .
فلا يمكن القول بأن حديث أبي سعيد هو المتأخر فيكون ناسخا لها؛ لأن الكتاب الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يكتبه إنما كان في مرض موته صلى الله عليه وسلم (2) ولا يعقل أن حديث أبي سعيد كان بعد ذلك.
ويعلق الدكتور الأعظمي على رأي رشيد رضا هذا بقوله: " … وفي الواقع هذا الرأي هو وليد نظرته إلى السنة؛ لأنه في رأيه لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون أحاديثه دينا عاما كالقرآن " (3) .
ثانياً: عدم تدوين الصحابة الحديث ونشره، ولو دونوا ونشروا لتواتر ما دونوا.
رُدَّ على ذلك بما يلي: " أما نشر الحديث فقد نشروا والحمد لله وبذلك بلغنا. وأما التدوين فيُعنى به الجمع في كتاب كما جمعوا القرآن، وأن الله سبحانه وتعالى تكفَّل بحفظ القرآن وبيانه وهو السنة. وما تكفل بحفظه لابد أن يحفظ.--------------------------------------------
(1) الأنوار الكاشفة للمعلمي 43.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 1/208، بشرحه فتح الباري.
(3) دراسات في الحديث النبوي 79.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
وقد علمنا من دين الله أنَّ على عباده مع إيمانهم بحفظ ما تكفَّل حفظه أن يعملوا ما من شأنه في العادة حفظ ذلك الشيء، وأنه لا تنافي بين الأمرين" (1) .
وبعد رَدِّ دليلَيْ القائل بأن النهي هو المتأخر فهو الناسخ، والإذن بالكتابة هو المتقدم فهو المنسوخ، وأحاديث الإذن هي الناسخة، فآخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإذن بكتابة الحديث، ويؤيد ذلك ما يلي:
1- ما روي عن ابن عباس أنه قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده".
فقد هَمَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب لأصحابه كتابا حتى لا يختلفوا من بعده، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بحق. فهذا منه صلى الله عليه وسلم نسخ للنهي السابق في حديث أبي سعيد.
2- رُوي من طرق مختلفة أن أبا هريرة قال: " ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب بيده ما سمع منه فأذن له ". فاستئذان عبد الله بن عمرو من النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الحديث يدل على أن الكتابة كانت منهيا عنها في أول الأمر، وقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالكتابة لما استأذنه، ولا خصوصية لعبد الله بن عمرو، وعليه فيمكن أن يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتحق بالرفيق--------------------------------------------
(1) الأنوار الكاشفة 44.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
الأعلى إلا وكتابة الحديث مأذون فيها (1) .
وعلق الدكتور نور الدين عتر على هذا الرأي بقوله: " … إن القول بالنسخ لا يحل الإشكال في هذه المسألة،؛ لأن النهي عن الكتابة لو نسخ نسخاً عاما لما بقي الامتناع عن الكتابة في صفوف الصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأقيمت الحجة عليهم من طلبة العلم الذين كانوا على أشد الحرص على تدوين الحديث، فما زال المشكل بحاجة إلى مخلص مناسب لحله" (2) .
ثانياً: الجمع بين الدليلين (أحاديث النهي - أحاديث الإذن بالكتابة)
والجمع في اللغة: هو الضم والاقتران.
وفي الاصطلاح: هو إزالة الاختلاف بالتأليف والتوفيق والتأويل فلا يؤدي هذا التأويل إلى التعسف الشديد (3) .
وبعض العلماء يرون أنه من الممكن التوفيق والتأليف بين أحاديث النهي عن الكتابة وأحاديث الإذن فيها، ويتحقق الجمع فيها بما يلي:
الطريقة الأولى:
1 - وذلك بأن تحمل أحاديث النهي على حال غير الحال التي تحمل عليها أحاديث الإذن بالكتابة، كأن تحمل أحاديث النهي في حق مَنْ وُثِقَ بحفظه، وخيف اتكاله على الكتابة، وتحمل أحاديث الإذن في الكتابة في حَقِّ مَنْ لا يُوثق بحفظه، ويُخاف عليه النسيان (4) .--------------------------------------------
(1) الحديث والمحدثون 125.
(2) منهج النقد 43.
(3) أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف 35، ولسان العرب 1/498، مادة جمع.
(4) النووي على مسلم 16/130.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)