Arabic source text

📘 আল-ওয়াদিহ ফী উলূমিল কুরআন (মুস্তফা দীব আল-বুগা)

📘 الواضح في علوم القرآن (مصطفى ديب البغا)

📘 আল-ওয়াদিহ ফী উলূমিল কুরআন (মুস্তফা দীব আল-বুগা)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
أخرج ابن أبي داود: أن أبا بكر رضي الله عنه قال لعمر وزيد رضي الله عنهما: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه «1».
وأخرج أيضا: عن عبد الرحمن بن حاطب قال: قدم عمر فقال: من كان تلقّى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في المصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان «2».
قال ابن حجر: المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة.
وكلام السخاوي في (جمال القرّاء) يفيد: أن المراد بهما رجلان عدلان، فإنه قال: المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم «3».
والذي يدلّ على ما أفاده كلام السخاوي ما أخرجه ابن أشتة «4» في (المصاحف) عن الليث بن سعد «5» قال: أوّل من جمع القرآن أبو بكر، وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل.
ويتلخّص لدينا أن الطريقة التي اتّبعت في الجمع كانت تقوم على أمرين:
الأمر الأول: معتمده فيما يجمع من آيات، فقد اعتمد رضي الله عنه على--------------------------------------------
(1) الإتقان في علوم القرآن؛ للسيوطي (1/ 184).
(2) المصدر السابق (1/ 184) والعسب: جمع عسيب، وهو جريد النخل العريض.
(3) الإتقان (1/ 184).
(4) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن أشتة، نحوي محقق ثقة، اشتغل كثيرا بعلوم القرآن.
(5) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي بالولاء، إمام أهل مصر في عصره، حديثا وفقها، أصله من خراسان ووفاته في القاهرة سنة (175 هـ). قال الإمام الشافعي: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)

مصدرين يأخذ منهما آيات الله تعالى:
* المصدر الأول: ما كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من آيات على الرقاع ونحوها.
* المصدر الثاني: ما كان محفوظا في صدور الرجال من قرّاء الصحابة وحفّاظهم.
الأمر الثاني: الاستيثاق مما يجمع من الآيات، وقد كان هذا الاستيثاق قائما على أساسين:
* الأساس الأول: أنه كان رضي الله عنه لا يقبل شيئا محفوظا إلا إذا دعّم بالكتابة، فمن جاءه بآية يحفظها لم يثبتها حتى يأتيه بها هو أو غيره مكتوبة.
* الأساس الثاني: أنه كان لا يقبل ما كان مكتوبا إلا إذا شهد شاهدان أنه كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على تلك الرقعة هكذا.
وإذا علمنا أنّ زيد بن ثابت رضي الله عنه كان حافظا لكتاب الله تعالى وأحد كتّاب الوحي، وكذلك كان مساعده في الجمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أدركنا مدى الدّقة والحيطة والحذر، ومدى التّحرّي الشامل، الذي أخذ المسلمون به أنفسهم، في كتابة آيات الله تعالى وتبليغها، حيث لم يكن أحدهم ليكتفي بما حفظ في قلبه، ولا بما كتب بيده، ولا بما سمع بأذنه، حتى يضمّ إلى ذلك وثائق أخرى، زيادة في الوثوق، ومبالغة في الاحتياط، وإبعادا للشك والارتياب. ولقد كانت هذه الشدة في المنهج نابعة عن الشعور بعظم المسئولية وخطورة العمل، الذي عبّر عنه زيد رضي الله عنه بقوله: فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن.
وهذه الدّقة وهذا الحذر هو الذي يفسر لنا قول زيد رضي الله عنه: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها عند غيره

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)

لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ [التوبة: 128] حتى خاتمة براءة «1». فالمراد أنه لم يجدها مكتوبة عند غيره، وليس المراد أنه لم يجدها محفوظة عند غيره، وإلا فقد كان هو وكثير من الصحابة يحفظونها، وإنما أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة، ولذلك تأخّر في إثباتها حتى وجدها مكتوبة عند أبي خزيمة رضي الله عنه. بل إنه توقّف في بادئ الأمر عن كتابتها لأنه لم يشهد لديه شاهدان على كتابتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب منهجه، ثم كتبها أخيرا بعد أن توفّر لديه ذلك.

‌‌5 - مكان هذه الصحف:
لقد استغرق عمل زيد رضي الله عنه سنة كاملة، وكان الانتهاء أواخر السنة الثانية عشرة للهجرة، وما أن انتهى رضي الله عنه من عمله وأبرز تلك الصحف حتى استقبلها الناس بما تستحق من عناية فائقة، فحفظها أبو بكر رضي الله عنه عنده بقية حياته، ثم كانت عند خليفته أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مدة خلافته، ثم انتقلت إلى دار حفصة أم المؤمنين بنت عمر رضي الله عنهما، عملا بوصية أبيها أمير المؤمنين، حيث لم يكن الخليفة الجديد معروفا بعد، بل كان الأمر شورى بين ستة اختارهم عمر رضي الله عنه كما هو معروف.
هذا إلى جانب ما كانت عليه حفصة رضي الله عنها من مكانة تجعلها أهلا لهذه المكرمة، فهي فوق أنها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حافظة لكتاب الله تعالى، تقوم به آناء الليل وتتلوه أطراف النهار. ثم كانت هذه الصحف مرجعا لعمل عثمان رضي الله عنه الذي ستعرفه فيما بعد.

‌‌6 - مزايا هذه الصحف:
لقد امتازت الصحف التي جمعها زيد رضي الله عنه بأمور أهمها:--------------------------------------------
(1) الحديث بطوله سبق صفحة (84).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)

1 - أنها جمعت القرآن بجميع آياته وسوره، على أدقّ وجه من البحث والتحرّي، وأسلم طريقة في التثبت العلمي.
2 - أنه اقتصر فيها على ما لم تنسخ تلاوته، ولذلك لم يثبت فيها آية الرجم، لأنها نسخت تلاوتها.
3 - أنها ظفرت بإجماع الأمّة عليها وتواتر ما فيها، حيث أعلن زيد رضي الله عنه عمله على رءوس الأشهاد، والصحابة متوافرون، وأقرّ الجميع ولم يعترض أحد.

‌‌7 - أسبقية وفضل:
لقد كان هذا العمل الجليل منقبة من مناقب أبي بكر رضي الله عنه، وخدمة عظيمة من جملة خدماته لدين الله تعالى، فقد كان جمع القرآن في صحف مجتمعة على ذلك النمط الذي عرفت، وتلك المزايا التي علمت، عملا جديدا لم يسبق إليه أحد قبل أبي بكر رضي الله عنه.
أخرج ابن أبي داود في (المصاحف) بسند حسن عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أوّل من جمع كتاب الله «1».
وقد شارك أبا بكر في هذه الأسبقية للفضل عمر بن الخطاب باقتراحه، وزيد بن ثابت بعمله وتنفيذه، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.--------------------------------------------
(1) الإتقان (1/ 183).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)

‌‌الفصل الثالث جمع القرآن على عهد عثمان رضي الله عنه
‌‌مجمل ما جدّ في عهد عثمان رضي الله عنه:
إن الذي قام به عثمان رضي الله عنه وأمر به، هو كتابة عدد من النسخ عن ذلك المصحف الإمام، الذي جمع على عهد أبي بكر رضي الله عنه، وأجمع عليه المسلمون واعتمده الخلفاء الراشدون المهديّون، مع مراعاة ترتيب السور في هذه النسخ، إلى جانب ما كان في الأصل من ترتيب الآيات، وأن يكون الرسم صالحا لوجوه القراءات وأحرف القرآن السبعة التي نزل بها، ثم إرسال تلك النسخ إلى الأمصار والأقطار، ليجتمع الناس عليها، وتكون مرجعا في قراءة القرآن لفظا وأداء، وتحسم مادة النزاع والشقاق ولا تبقى للعجمة واللهجات المختلفة سبيل إلى اختلاف الناس في كتاب الله تعالى.
أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)

القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق «1».
هذا الحديث الصحيح يجمل لنا ما قام به عثمان رضي الله عنه من خدمة لكتاب الله عز وجل، وما كان له من أسباب، وما انتهى إليه من نتائج، وإليك تفصيل ذلك.

‌‌1 - أسباب عمل عثمان رضي الله عنه:
أ- من المعلوم أن الفتوحات الإسلامية أيام عثمان رضي الله عنه كانت قد اتسعت، وتفرّق المسلمون في البلدان والأمصار، ونبت جيل مسلم جديد يحتاج إلى دراسة القرآن، وكان أهل كل إقليم يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، الذين تلقوا القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلهجاته المختلفة وأحرفه السبعة التي نزل عليها، وكان من الطبيعي أن يوجد بينهم اختلاف في طرق الأداء ووجوه القراءة.
وبسبب تباعد الديار وبعد عهد الناس بالنبوة، كاد هذا الاختلاف في أوجه القراءات يحدث بينهم شقاقا ونزاعا، يظهر حين التقاء الناس وخاصة في المغازي أو المواسم، إذ إن الأحرف السبعة لم تكن معروفة لدى أهل تلك الأمصار.
ب- وساعد على هذا الاختلاف وجود عديد من المصاحف الخاصة- إلى جانب تلك الصحف التي وضعت عند حفصة رضي الله عنها كان بعض الصحابة قد كتبها لنفسه ثم اشتهرت بين الناس، ومن أشهرها: مصحف أبيّ بن كعب ومصحف عبد الله بن مسعود، ولذلك نجد أن هذا الاختلاف والنزاع قد شمل كلّ الأمصار حتى المدينة نفسها.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري في فضائل القرآن (4702).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)

أخرج ابن أبي داود في (المصاحف) من طريق أبي قلابة أنه قال: لما كانت خلافة عثمان، جعل المعلّم يعلّم قراءة الرجل، والمعلم يعلّم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلّمين حتى كفّر بعضهم بعضا، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال: أنتم عندي تختلفون، فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافا «1».
وقد تحقّق توقّع عثمان رضي الله عنه، فقد كانت الأمصار أشدّ اختلافا، حتى أفزع اختلافهم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه كما رأيت في حديث البخاري- فجاء محذّرا عثمان رضي الله عنه أن يتدارك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها اختلاف اليهود والنصارى.
فهذه الأسباب وتلك العوامل هي التي كانت الحامل لعثمان رضي الله عنه على أن يقوم بما قام به من خدمة لكتاب الله عز وجل.

‌‌قرار عثمان رضي الله عنه وتنفيذه:
لما تضافرت الأسباب لدى عثمان رضي الله عنه، ورأى ما رأى من اختلاف الناس في كتاب الله تعالى، وجاءه حذيفة رضي الله عنه يخبره باختلاف من نأى عنه من الناس في قراءة القرآن وما ينذر به هذا الاختلاف من خطر، أسرع رضي الله عنه لتدارك الموقف، فجمع كبار الصحابة رضي الله عنهم واستشارهم في الأمر، فأجمعوا أمرهم على استنساخ عدد من المصاحف يرسل بها إلى الأمصار، وأن يؤمر الناس بإحراق كل ما عداها، وألا يعتمدوا على سواها.
وشرع عثمان رضي الله عنه بتنفيذ هذا القرار الذي توصّل إليه مع كبار الصحابة فألّف لجنة من خيرة الصحابة حفظا لكتاب الله تعالى وإتقانا له وضبطا، وهم: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن--------------------------------------------
(1) الإتقان (1/ 187 - 188).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)

الحارث بن هشام، رضي الله عنهم، وعهد إليهم بكتابة المصاحف.
وفور اتّخاذ القرار وتعيين اللجنة التي كلّفت بالعمل، أرسل رضي الله عنه إلى حفصة رضي الله عنها يطلب منها أن ترسل إليه بالصحف التي كانت عندها، والتي جمعت على عهد أبي بكر رضي الله عنه، لتكون هي العمدة والمرجع في استنساخ كتاب الله تعالى، إذ إنها جمعت وكتبت على النهج الذي كتب به القرآن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولقد لبّت حفصة رضي الله عنها الطلب، طاعة لأمير المؤمنين، ومشاركة في خدمة كتاب الله تعالى التي لا تدانيها خدمة، فأرسلت بالصّحف، واستلمتها اللجنة الرباعية الموقرة، وبقيت عندها الإمام والمرشد، حتى إذا انتهت من عملها، أعيدت الصحف إلى صاحبة الحق فيها، وبقيت عندها حتى توفيت، رضي الله عنها وأرضاها.

‌‌2 - منهج اللجنة في كتابة النسخ وقيمة هذا المنهج:
لقد اتبعت اللجنة الرباعية منهجا يعتمد الأسس التالية:
1 - أن الصحف التي كتبت على عهد أبي بكر رضي الله عنه، والتي قام بكتابتها زيد بن ثابت رضي الله عنه رئيس اللجنة الرباعية- هي المرجع والأساس في استنساخ هذه المصاحف. وبهذا يعلم أن هذه المصاحف، بترتيبها ورسمها، إنما كانت على النهج الذي كتب به القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قطع به كافة العلماء والباحثين، لأن زيدا رضي الله عنه كان أشهر الصحابة ضبطا للقرآن وحفظا.
2 - أن المعتمد في الكتابة والرسم، حال اختلاف أعضاء اللجنة، إنما هو طريقة قريش في كتابتها ورسمها، لأن القرآن نزل بلغتها ولهجتها، ويفهم هذا من قول عثمان رضي الله عنه للرهط الثلاثة القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)

شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. والمراد: إذا اختلفتم في الرسم والإملاء واللهجة.
3 - أن أعضاء اللجنة الرباعية كانوا، بالإضافة إلى الأساسين السابقين، لا يكتبون شيئا إلا بعد أن يعرض على الصحابة، ويقرّوا أنه على النحو الذي قرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قرآن محقّق، وقد استقرّ في العرضة الأخيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينسخ.

‌‌3 - مزايا مصاحف عثمان رضي الله عنه:
لقد أنهت اللجنة عملها، فجاء على خير مثال، واتّصفت مصاحفها التي نسختها بعديد من المزايا، أهمها:
1 - الاقتصار على ما ثبت بالتواتر من أوجه القراءات، دون ما كانت روايته آحادا، ولذلك لم يكتبوا مثل (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) بزيادة كلمة (صالحة) لأن هذه الكلمة لم تتواتر.
2 - تجريدها من كل ما كان في بعض المصاحف الخاصّة من تفسيرات وشروح أو ذكر أسباب نزول وغير ذلك.
3 - إهمال ما نسخت تلاوته ولم يستقرّ في العرضة الأخيرة، كما هو الشأن في الأصل المعتمد، وهو ما كتبه زيد رضي الله عنه على عهد أبي بكر رضي الله عنه.
4 - ترتيب السور والآيات على الوجه المعروف الآن، والذي كان بتوقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما لم تكن صحف أبي بكر رضي الله عنه مرتبة السور، بل كانت مرتبة الآيات فقط.
5 - أن رسمها كان بطريقة تجمع الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، وتصلح لأوجه القراءات المختلفة، وكان يساعد على ذلك أنها لم تكن مشكولة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)

ولا منقوطة، فقوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: 6] يصلح للقراءتين المتواترتين (فتبينوا) و (فتثبتوا)، وكذلك قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [البقرة: 259] تصلح لأن تقرأ (ننشزها) و (ننشرها) كما هو ثابت.
وإذا لم تكن كل نسخة من النسخ جامعة لهذه المزية، فقد كانت النسخ بمجموعها تحقق هذا الغرض. وبيان ذلك: أنه إذا لم يكن الرسم للكلمة صالحا لأوجه القراءات فقد كانوا يكتبونها في بعض النسخ برسم يدلّ على قراءة، وفي بعض آخر برسم آخر يدلّ على القراءة الثانية.
ومثال ذلك: قوله تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [البقرة: 132] فقد ثبتت قراءتها بالهمز (وأوصى) كما ثبتت بالتضعيف (ووصى) ولذا كتبت في نسخة بالهمز، وفي أخرى بالتضعيف.
ومثلها أيضا: قوله تعالى: لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ [التوبة: 100] فقد ثبتت قراءتها أيضا (من تحتها) بإضافة (من).
ولم يكونوا في مثل هذه الحالات ليكتبوا الرسمين في نسخة واحدة، حتى لا يتوهم أن اللفظ مكرر، أو أن الثاني تصحيح للأول.

‌‌4 - تحريق الصحف والمصاحف المخالفة:
وما أن انتهت اللجنة من عملها حتى سارع عثمان رضي الله عنه إلى الأمر بكل مصحف أو صحيفة، سوى صحف حفصة رضي الله عنها، أن يجمع ويحرق دون أن يبقي على شيء منه، سواء أكان ذلك في المدينة أم في غيرها من الأمصار.
وقد تمّ ذلك الأمر، ولم يعارض فيه أحد، إلا ما كان من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في بادئ الأمر، ثم عاد إلى التزام أمر الخليفة رضي الله عنهما. وكان الغرض من ذلك: أن يقطع مادة النزاع، ويحصر اعتماد المسلمين على الجادّة القويمة في كتاب الله عز وجل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)

وأما صحف حفصة رضي الله عنها، فإنها قد أعيدت إليها بعد تحقيق الغرض منها، ولم تكن في جملة ما أحرق من المصاحف، إذ لا داعي لذلك ولا محذور من بقائها طالما أنها هي العمدة والأصل وليس بينها وبين ما نسخ كبير اختلاف، إلا ما كان من ترتيب السور، وذلك أمر لا خوف منه.
وبقيت تلك الصحف عند حفصة رضي الله عنها حتى توفيت، فأخذها مروان بن الحكم وأحرقها، وقال مدافعا عن تصرّفه: إنما فعلت هذا، لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف الإمام، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب «1». وكان مروان قد حاول أخذها من حفصة رضي الله عنها ليحرقها عام 65 هـ فأبت عليه ذلك.

‌‌5 - عدد النسخ ومصيرها:
لقد اختلف في عدد النسخ التي كتبتها اللجنة: فقد قيل إنها خمسة، وقيل إنها أربعة، وقيل إنها سبعة، وأيا ما كان الأمر: فقد ترك عثمان رضي الله عنه واحدة منها لتكون مرجعا لديه في دار الخلافة، وفي المدينة مهبط الوحي ومنزل القرآن وموئل الإسلام، وأرسل بباقيها إلى الأمصار، كل نسخة إلى ناحية، كالكوفة والبصرة والشام، وقيل أيضا: إلى مكة واليمن والبحرين.
ولقد بقيت إحدى هذه النسخ في دمشق، بمسجد بني أمية الكبير حتى القرن الثامن الهجري، حيث يقول ابن كثير في كتابه فضائل القرآن: أما الصحف العثمانية الأئمة، فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقيّ المقصورة المعمورة بذكر الله «2».--------------------------------------------
(1) كتاب المصاحف، لابن أبي داود (ص 24).
(2) فضائل القرآن، للحافظ ابن كثير (ص 49) طبعة المنار 1348 هـ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)

‌‌6 - قيمة عمل عثمان رضي الله عنه:
لقد كان عمل عثمان رضي الله عنه عملا جليلا، ذا قيمة علمية رفيعة، ومكانة دينية سامية، وحقيقة تاريخية لا تقبل الريب، وقد وقع من قلوب الناس موقع القبول والاستحسان، لأنه لم يكن عملا فرديا أو تصرّفا شخصيا، بل كان عملا جماعيا بمشورة كبار الصحابة وموافقتهم، بل بمعاونتهم وتأييدهم وشكرهم، وعلى ملأ من الناس ومشاهدتهم وإقرارهم.
أخرج ابن أبي داود بسند صحيح، عن سويد بن غفلة قال: قال عليّ: لا تقولوا في عثمان إلا خيرا، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا على ملأ منا، قال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا. قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع النّاس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت «1».
وفي رواية عن سويد قال: سمعت عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه يقول: يا معشر الناس اتقوا الله وإياكم والغلو في عثمان، وقولكم حرّاق مصاحف، فو الله ما حرّقها إلا على ملأ منا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم «2».
وعنه رضي الله عنه قال: لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان. فرضي الله عنهم وأرضاهم «3».

‌‌7 - كتابة وحفظ:
لقد علمنا في كل ما سبق أن الأمة الإسلامية اعتمدت في تناقل كتاب الله تعالى وقراءته أمرين اثنين: الحفظ والكتابة، يسيران جنبا إلى جنب. فيتلقونه رسما من--------------------------------------------
(1) كتاب المصاحف، لابن أبي داود (ص 30) والإتقان، للسيوطي (1/ 188).
(2) كتاب المصاحف؛ لابن أبي داود (ص 19).
(3) كتاب المصاحف؛ لابن أبي داود (ص 30).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)

الصحف والسطور، ومشافهة من الأفواه والصدور، ولم يستغنوا في يوم من الأيام بأحد الطريقين عن الآخر. وهكذا نجد عثمان رضي الله عنه يزيد هذا المعنى رسوخا في أذهان المسلمين، فحتى لا يعتمدوا على الكتابة ويتكلوا على النسخ فحسب، راح يرسل مع النسخ إلى الأمصار، كبار الصحابة من القراء، فقد كان زيد بن ثابت مقرئ المصحف المدني، وعبد الله بن السائب مقرئ المكي، والمغيرة بن شهاب مقرئ الشامي، وأبو عبد الرحمن السلمي مقرئ الكوفي، وعامر بن عبد القيس مقرئ البصري.
وما أن توزّعت المصاحف الجديدة على البلدان الإسلامية، حتى أحرق كلّ مسلم ما كان عنده من قبل، وأقبل الناس يعكفون على هذه الأصول الوثيقة المعتمدة، نسخا وكتابة وحفظا، بالتلقي والمشافهة، مما يزيدنا يقينا أن المصحف الذي بين أيدينا اليوم، هو القرآن الذي نزل على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم. لا سيما وقد علمت أن إحدى نسخ المصحف الإمام بقيت حتى القرن الثامن الهجري، وأن لدى المكتبات الإسلامية اليوم، مصاحف تعود إلى ما قبل هذا التاريخ.
وهكذا فتاريخ هذا الكتاب سلسلة متصلة، لا تفقد حلقة من حلقاتها، فتثير بفقدانها الظنون والشكوك، وصدق الله العظيم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9] وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (41) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: 41 - 42].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)

‌‌الفصل الرّابع رسم القرآن والمراحل التحسينية التي تحرج فيها
‌‌1 - الرسم العثماني:
لقد اتبعت اللجنة الرباعية في كتابة المصاحف على عهد عثمان رضي الله عنه طريقة خاصّة في رسم كلمات القرآن وحروفه، اعتمدوا فيها غالبا على الرسم الذي كتبت به الصحف التي جمعت على عهد أبي بكر رضي الله عنه، والتي كانت توافق ما كتب على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد اصطلح العلماء على تسمية الطريقة التي اتبعتها هذه اللجنة (رسم المصحف) وكثيرا ما ينسبون هذا الرسم إلى عثمان رضي الله عنه، لأنه جرى في عهده وبأمر منه وبموافقته، فيقولون: (رسم عثمان) أو (الرسم العثماني) وأحيانا يقولون (المصحف العثماني) ولقد كان هذا الرسم يتصف بصفتين:
الصفة الأولى: أن له إملاء خاصا به من حيث كيفية كتابة بعض الحروف والكلمات، كالهمزة مثلا في كتابة (مائة) والأحرف اليائية والواوية كما في كلمات (الزكوة، والصلاة، والحيوة) وما شابه ذلك من الحذف أو الزيادة لبعض الحروف «1». وكان هذا الإملاء يتفق في جملته مع الرسم القرشي في ذلك الوقت، ودليل ذلك قول عثمان رضي الله عنه للثلاثة القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم.--------------------------------------------
(1) لمعرفة هذا الإملاء الخاص مفصّلا، يراجع كتاب «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي:
(2/ 1162 - 1163).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)

ولقد ظهر أثر ذلك عند ما اختلفوا في كيفية رسم كلمة (التابوت) في قوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: 248] فقد قال زيد (التابوة) بالتاء المربوطة وقالوا (التابوت) بالمبسوطة، فترافعوا إلى عثمان فقال: اكتبوا (التابوت) - أي بالمبسوطة- فإنما أنزل القرآن على لسان قريش.
الصفة الثانية: أن هذه المصاحف كان رسمها مجرّدا عن الشكل الذي يوضح إعرابه، وعن النقط الذي يميز الأحرف المعجمة (كالزاي، والذال، والغين، والجيم، والخاء) عن المهملة (كالراء، والدال، والحاء) وغيرها.
ولقد كان المسلمون يهتدون إلى النطق السليم بالقرآن في ذاك الوقت بوسيلتين:
الأولى: سليقة اللسان العربي الأصيل الذي كانوا يتمتعون به، فلم يكن اللحن ليعرف سبيلا إلى لسانهم، كما لم يكن المعنى ليستعجم على أذهانهم.
الثانية: التلقّي والمشافهة، وقد علمنا أن المسلمين كانوا يعتمدون في أخذ القرآن وحفظه وضبطه على الكتابة والتلقي مشافهة من أفواه الرجال، وكانوا لا يكتفون بأحد الطريقين عن الآخر، فكان التلقي والمشافهة وسيلة لوضوح الكتابة، وعاصما من اللبس في الكلمات التي تحتمل برسمها عددا من وجوه القراءة والأداء.
وبهاتين الوسيلتين- السليقة والمشافهة- لم يكن عدم شكل رسم القرآن ونقطه عائقا في طريق قراءته قراءة سليمة، وفهم مضمونه ومعناه فهما صحيحا.

‌‌2 - المراحل التحسينية التي تدرج فيها الرسم:
لقد طرأ على الرسم العثماني تحسينات اقتضتها ظروف وملابسات، وكانت هذه التحسينات على مراحل تدريجية، حسب الضرورة وإلحاح المقتضيات، وإليك بيان ذلك:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)

1 - التحسين الذي يبيّن إعراب الكلمات ويمنع اللحن فيها: فقد علمنا أن الرسم القرآني كان خاليا عن الشكل الذي يبيّن إعراب الكلمات نصبا أو رفعا، وجرا أو جزما، وأن العربيّ كان بسليقته يهتدي إلى قراءتها على وجه الصواب، لأنه لا يمكن- وهو فطريّ اللسان- أن يرفع المفعول وينصب الفاعل، وغير ذلك.
ولكن لما اتّسعت الفتوحات، وأقبل المسلمون غير العرب على تعلم القرآن وقراءته واختلط العرب بغيرهم وكاد لسانهم أن يستعجم، وفشا اللحن في اللغة العربية على الألسنة وكاد أن يصل إلى القرآن، فخشي المسلمون أن ينتشر ذلك ويكثر ويمتد إلى كتاب الله تعالى، فيقع التحريف في أدائه ومعناه، فأسرعوا إلى تدارك الأمر قبل أن يستفحل، ووضعوا علامات يعرف بها إعراب كلماته.
وكان السابق لهذا الفضل، والمباشر لهذا التحسين لأول مرة هو أبو الأسود الدؤلي الذي وضع قواعد النحو بإشارة من عليّ رضي الله عنه.
والذي فعله أبو الأسود: هو أنه جعل علامات الإعراب نقطا على أواخر الحروف فقد جعل علامة النصب نقطة فوق الحرف، وعلامة الرفع نقطة وسطه، وعلامة الجر نقطة تحته، وعلامة السكون نقطتين. وكان السبب المباشر لقيامه بهذا العمل، هو أنه سمع قارئا يقرأ قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ بكسر اللام من (رسوله) فقال: عزّ وجه الله أن يبرأ من رسوله، وقال:
ما ظننت أن أمر الناس آل إلى هذا. وكان زياد بن أبيه، قد طلب منه أن يعمل شيئا يكون إماما، ويعرف به كتاب الله عز وجل فاستعفاه من ذلك، ولكن لما سمع ما سمع، رجع إلى زياد وأخبره أنه عازم على فعل ما طلب منه، واستعانه بكاتب يفعل ما يقوله له، وقال للكاتب لما بدأ العمل: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه، وإن ضممت فمي فانقط بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت، ففعل ذلك «1».--------------------------------------------
(1) كتاب النقط؛ لأبي عمرو الداني (ص 124 - 125).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)

2 - التحسين الذي يميز الحروف: قد علمنا أن القرآن، كما أنه لم يكن رسمه يبيّن إعرابه، كذلك لم يكن ليميّز حروفه المعجمة من المهملة. ولم يكن العرب ليخطئوا في قراءته بحكم فطرتهم وسليقتهم، إذ لم يكن من المعقول أن يقرأ العربي قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ باستبدال ذال بدل الدال في لفظ (الحمد) أو استبدال غين بدل العين في لفظ (العالمين) لأن كلّا من الكلمتين لا يصبح لها معنى بهذه الحالة في اللغة العربية. وكذلك لا يعقل أن يستبدل حرف الدال في قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالذال، لأنها لا تناسب سياق الكلام في تلك الحالة أيضا.
ولكن ما ذكرنا من دخول الأعاجم في الإسلام، وإقبالهم على تعلّم القرآن، كان له أثر في خطأ الناس في القراءة؛ لأن هؤلاء لا يعرفون ما هو من العربية وما هو ليس منها، كما أنهم قد لا يدركون المعنى ومناسبته للسياق لأول وهلة. ولذا سارع المسلمون كما ذكرنا إلى إدخال التحسين على الرسم القرآني، وقد علمنا أن التحسين الذي طرأ إنما اقتصر فقط على بيان إعراب الكلمات، وبقيت الحروف غير مميزة بعضها عن بعض، فربما التبس على القارئ الحرف المعجم كالذال وغيره، بالحرف المهمل كالدال وغيره، ولذلك وجد المسلمون أنفسهم مضطرين إلى تحسين جديد، يجرونه على الرسم القرآني، غير ما قام به أبو الأسود يميزون به بين الحرف، ليحصنوا كتاب الله تعالى من عجمة اللسان.
ولقد قام بهذا العمل لأول مرة نصر بن عاصم تلميذ أبي الأسود الدؤلي، بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي، فوضع علامات تميّز الحروف المشتبهة بعضها عن بعض. وكانت هذه العلامات نقطا على الحرف، التزم فيها ألّا تزيد عن ثلاث نقط في أي حرف «1».--------------------------------------------
(1) كتاب النقط؛ لأبي عمرو الداني (ص 125).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)

وعندها اضطر لأن يستبدل النقط السابق، الذي كان علامة الإعراب، بعلامات أخرى، حتى لا تلتبس الكلمات، فكان الشكل المعروف الآن والمتداول، والذي جعل علامات الإعراب الفتحة والكسرة والضمة والسكون.
3 - تحسينات متعددة ومتلاحقة: إن تحسين الرسم القرآني أخذ يتدرج في أطوار متلاحقة، لا يمكن ضبط كل منها بتاريخ دقيق، أو نسبته إلى شخص معين، وعلى كل حال فالمتفق عليه: أن التحسين قد سار بخطوات متقاربة وسريعة، حتى قارب الكمال على أيام الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي وضع الهمز والتشديد والروم والإشمام. وما زالت الخطوات التحسينية مطّردة على مر الأزمان إلى يومنا هذا، ابتغاء تحقيق المزيد من ضبط رسم القرآن وتسهيل قراءته، فوضعت أسماء السور، وعدد الآيات، والرموز التي تشير إلى رءوس الآية، وعلامات الوقف، وغير ذلك «1».
4 - التحسين في الإملاء: من خلال ما سبق تبيّن لك: أن التحسينات التي طرأت على الرسم العثماني، إنما كانت أمورا تتعلّق بكيفية أداء القرآن وتلاوته، على النهج الذي نزل به، وقرأه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أصحابه من بعده رضوان الله عليهم، حتى سلم القرآن من أي تحريف أو تبديل، يمكن أن يتناول لفظه أو معناه. وعليه فالتحسينات إنما تناولت الصفة الثانية من صفات الرسم العثماني، وهي كونه بدون شكل أو نقط، وما أشبه ذلك.
وأما ما يتعلّق بالصفة الأولى، وهي الإملاء الخاص بكتابة الكلمات والحروف، فهذا مما بقي على حاله، ولم يطرأ عليه أي تغيير أو تبديل أو تحسين أو تحوير، وظلّت
المصاحف تكتب على الرسم الذي كتبت به الصحف الأولى، والمصحف العثماني الإمام. وهو المتبع في طباعة المصاحف بدءا بالطبعة الأولى في البندقية سنة--------------------------------------------
(1) انظر مناهل العرفان؛ للزرقاني (1/ 400 - 402).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)

1530 م، ثم طبعة بترسبورغ بروسيا سنة 1787 م، ثم طبعة الآستانة سنة 1877 م، وما تبع ذلك من آلاف الطبعات والأحجام «1».

‌‌3 - حكم كتابة القرآن بالرسم الحالي:
لقد اختلف علماء المسلمين في حكم كتابة المصحف بالرسم العثماني، هل هي واجبة أم لا؟ وبالتالي: هل تجوز كتابته بالرسم المتعارف الآن أو لا؟
* فذهب فريق من العلماء إلى أن هذا الرسم، الذي كتب به المصحف الإمام، رسم توقيفي، لا تجوز مخالفته. ونسبوا التوقيف فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستدلوا لهذا: بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان له كتّاب يكتبون الوحي، وقد كتبوا القرآن فعلا بهذا الرسم، وأقرّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتابتهم، ومضى عهده والقرآن مكتوب على هذا النحو، لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل. ثم جاء أبو بكر رضي الله عنه، فجمع القرآن في الصّحف بهذا الرسم، ثم حذا حذوه عثمان رضي الله عنه، فاستنسخ المصاحف على تلك الكتابة، وأقرّ الصحابة رضي الله عنهم عمل أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، ثم انتهى الأمر إلى التابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم، ولم يخالف أحد منهم في هذا الرسم، وعليه فيجب التزامه ولا تجوز مخالفته.
* وذهب فريق آخر إلى أن الرسم العثماني اصطلاحي لا توقيفي، فلا يجب التزامه ولا مانع من مخالفته، إذا اصطلح الناس على رسم خاصّ للإملاء وشاع بينهم. واحتجّوا لذلك بأنه: لم يرو في القرآن ولا في السنة ولا إجماع الأمة ما يدلّ على وجوب التزام ذلك، بل السّنّة دلّت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته، ولم يبيّن لهم وجها معيّنا لرسمه، ولا نهى أحدا عن كتابته، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف التي كتبها الصحابة لأنفسهم.
* والرأي الثالث، الذي ذهب إليه جمهور العلماء، هو أنّ الرسم العثماني--------------------------------------------
(1) انظر مباحث في علوم القرآن؛ للدكتور صبحي الصالح (ص 99 - 100).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)

ليس توقيفيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنّه اصطلاح ارتضاه عثمان رضي الله عنه، وأجمع عليه الصحابة، وتلقّته الأمة بالقبول، فيجب التزامه والأخذ به، ولا تجوز مخالفته. وهذا الرأي هو المنقول عن الأئمة والمذاهب المعتبرة.
روى أبو عمرو الداني، في كتابه (المقنع) عن أشهب قال: سئل مالك رحمه الله تعالى: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال:
لا، إلا على الكتبة الأولى. قال أبو عمرو: ولا مخالف له من علماء الأمة. ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: تحرم مخالفة خطّ مصحف عثمان في واو، أو ألف، أو ياء، أو غير ذلك «1». ونقل عن كتب فقه الشافعية والحنفية: أنه ينبغي ألا يكتب المصحف بغير الرسم العثماني، لأن رسمه سنة متبعة.
والظاهر أن هذا الرأي هو الأرجح من الآراء، لما فيه من اعتدال، إلى جانب زيادة احتياط لكتاب الله عز وجل، والحفاظ عليه ضمان لصيانة القرآن من التغيير أو التبديل حتى في الشكل. علما بأن الاصطلاح الإملائي عرضة للتغيير والتبديل، بل إن قواعد الإملاء في العصر الواحد، قد تختلف وجهات النظر فيها وتتفاوت في بعض الكلمات من بلد لآخر، فإذا أبيح كتابة القرآن بالاصطلاح الإملائي لكل عصر، أدّى ذلك إلى التغيير في خطّ المصحف من عصر لآخر، وهذا مما يتنافى مع قداسة القرآن وعظمته في نفوس المؤمنين، ومما قد يؤدّي إلى اختلاف المسلمين في كتاب الله تعالى، ويجرّ إلى فتنة أشبه بالفتنة التي حدثت أيام عثمان رضي الله عنه، وحملته على استنساخ المصاحف. وحجة تيسير قراءة القرآن على الدارسين والعامة لا تبرّر التغيير الذي يمكن أن يؤدي إلى التهاون في تحري الدقة في كتابة القرآن، ثم يجر إلى الفتنة والاختلاف.--------------------------------------------
(1) المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار؛ لأبي عمرو الداني (ص 9) تحقيق:
محمد أحمد دهمان- ط دار الفكر 1403 هـ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)