هذا الكتاب لولا ما بقي بعده من حظّ في فهم كتاب الله، لصحّ القول: طابق في مضمونه مسمّاه، فإنّه جمع ما بلغه في التّفسير واستقصى، وزاد عليه بالتّدبّر والنّظر والوقوف على ما لم يسبق إلى ذكره في التّفسير من الأثر، فوائد كثيرة، وتحقيقات نافعة، مع دراية بالعربيّة ومذاهب أهلها، واختلاف الفقهاء، ممّا يشهد بتبحّره وسعة اطّلاعه.
ومع مالكيّته فإنّه لم يقتصر على مذهبه، ومع قصده تفسير آيات الأحكام لكنّه تعرّض لتفسير جميع القرآن.
وقد اشترط فيه اتّباع أحسن طرق التّفسير، ممّا تقدّم بيانه، وحذّر من خطورة التّفسير بالرّأي، وحقّق ذلك في الجملة، ولكنّ الطّمع في الزّيادة سبيل قلّ من ينجو منه من المؤلّفين، فأوقعه ذلك في ذكر الحديث الموضوع والمنكر والأخبار الإسرائيليّة، وكان يغنيه ما يسوقه من ثابت الأخبار عن ذلك، كما ذكر فيه من مسائل الفقه والأحكام ما لا صلة له بالقرآن.
كذلك يتطرّق إلى ذكر الخلاف بين أهل الكلام في بعض مسائل العقائد، وكان يكفيه الاقتصار على ذكر مذاهب السّلف، فإنّ النّاس لا يحتاجون إلى خلط المتكلّمين، غير أنّ هذه السّمة كانت جزءا من الثّقافة الشّائعة في ذلك الوقت، فلا يكاد ينفكّ أكثر العلماء عن التّأثّر بها.
وممّا ينبّه عليه كذلك: أنّه جرى في خطّة تصنيفه على منهج القاضي أبي بكر ابن العربيّ، وكاد أن يستوعب ذكر مسائله بحروفها، كذلك اعتمد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
على تفسير ابن عطيّة «المحرّر الوجيز»، بل كان من أهمّ مراجعه (1)، وكثيرا ينقل كلامهما دون عزوه إليهما.
وفي الجملة: فهو من جوامع التّفسير المعتبرة، ومرجع معتمد فيه، ومن أمّهات كتب الفقه، وحجّة فيما ينقله من مذهب أصحابه.
المبحث السادس: التفاسير اللغوية
كما اعتنت طائفة من علماء الأمّة بجمع المأثور وتتبّعه في التّفسير، وأخرى بما يستفاد منه من الفقه والأحكام، وذلك بالإفراد بالتّأليف، فإنّ آخرين قصدوا إلى الاعتناء ببيان نحوه بالإعراب، وبلاغته بإظهار أنواع المعاني والبيان والبديع، كما أبرزت طائفة معانيه وغريبه من جهة ما عرف عن العرب.
وهذه الوجوه قد اعتنت بها جوامع التّفسير، كالأمثلة المتقدّمة، لكنّ المقصود هنا ما أفرد فيها من الكتب.
وأنا ذاكر من ذلك أمثلة من جوامع تلك الكتب تحقّق الغرض إن شاء الله، إضافة لما تقدّم ذكره في (تاريخ التّفسير) (2):
1 - إعراب القرآن.--------------------------------------------
(1) وانظر: مقدّمة ابن خلدون (2/ 533).
(2) انظر (ص: 321 - 322).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
تأليف: إمام النّحو أبي جعفر أحمد بن محمّد بن إسماعيل النّحّاس، المتوفّى سنة (338 هـ).
وهذا الكتاب أفرده مؤلّفه في إعراب القرآن والقراءات واختلافها، وأتى فيه على علوم من تقدّمه في النّحو، فقرّبها وأوجزها، معزوّة
إليهم بالعبارة، وهو بحقّ من أجلّ ما يرجع إليه في هذا الباب، مطبوع بتمامه، وبمثله الغنى إن شاء الله عن كشّاف الزّمخشريّ المعتزليّ وشبهه.
2 - مشكل إعراب القرآن.
تأليف: الإمام أبي محمّد مكّيّ بن أبي طالب القيسيّ القرطبيّ، المتوفّى سنة (437 هـ).
هذا الكتاب كما سمّاه مؤلّفه اعتنى فيه بإعراب ما يشكل، لا جميع مفردات القرآن، كما أنّه ألّفه لمن له حظّ من علم النّحو.
3 - إملاء ما منّ به الرّحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن (1).
تأليف: الإمام أبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبريّ الحنبليّ، المتوفّى سنة (616 هـ).--------------------------------------------
(1) هكذا أثبت اسمه في طبعته المصريّة، والّتي كانت سنة 1389 هـ، وصوّرت في بيروت سنة 1399 هـ، وجاء في آخر الكتاب: «وهذا آخر ما تيسّر من إملاء كتاب التّبيان في إعراب القرآن».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
وهذا مختصر يحقّق كثيرا ممّا يقصده من يريد معرفة إعراب القرآن.
وفي عصرنا ألّفت كتب مفيدة في هذا الباب، وزادت بيان بلاغة القرآن كذلك، من أبرزها كتاب «إعراب القرآن وبيانه» من تأليف الأستاذ محيي الدّين الدّرويش الحمصيّ، المتوفّى سنة (1402 هـ)، وهو كتاب فريد في أسلوبه واستيعابه وسهولة عرضه، اعتنى فيه بالإعراب أحسن عناية، فأعرب القرآن مفردة مفردة، ونبّه على الصّور البلاغيّة
فيه، مع شرح غريبه، لكن يؤخذ عليه التّأثّر بقول المؤوّلة في صفات الله، وتارة يقف عند مذهب السّلف، فإذا استثنيت هذا فالكتاب في موضوعه كبير الفائدة.
المبحث السابع: تفاسير الصوفية
ويسمّى (التّفسير الإشاريّ).
وهو تفسير اللّفظ بغير المتبادر من ظاهره، أو: استخراج معاني كامنة وراء الظّاهر.
وهو أيضا التّفسير بما يسمّيه الصّوفيّة «العلم اللّدنّي» أخذا من قول الله عز وجل في شأن الخضر عليه السلام: وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [الكهف: 65].
مثل قولهم في قوله تعالى: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ [النّساء: 36]: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى هو القلب،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
وَالْجارِ الْجُنُبِ النّفس، وَابْنَ السَّبِيلِ الجوارح.
وقول أحدهم في قوله تعالى: فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ [طه: 40] قال: نجّيناك من الغمّ بقومك، وفتنّاك بنا عمّن سوانا (1).
وقال آخر في قوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة: 5]: من لا يجتهد في معرفته لا يقبل خدمته (2).
وقد سئل الإمام أبو عمرو ابن الصّلاح عن هذا النّوع من التّفسير؟ فأجاب: «الظّنّ بمن يوثق به منهم أنّه إذا قال شيئا من أمثال ذلك أنّه لم يذكره تفسيرا، ولا ذهب به مذهب الشّرح للكلمة المذكورة في القرآن العظيم، فإنّه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسالك الباطنيّة، وإنّما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن، فإنّ النّظير يذكر بالنّظير» قال: «ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك؛ لما فيه من الإيهام والالتباس» (3).
وسلك هذا الطّريق في التّفسير طائفة، وألّفوا فيه، أبرزهم رجلان:
الأوّل: أبو عبد الرّحمن محمّد بن الحسين السّلميّ النّيسابوريّ، المتوفّى سنة (412 هـ).
كبير الصّوفيّة في وقته، وكان محدّثا حافظا، لكنّه ألّف كتابا في التّفسير--------------------------------------------
(1) انظر: تلبيس إبليس، لابن الجوزيّ (ص: 331 - 332).
(2) طبقات الصّوفيّة، لأبي عبد الرّحمن السّلميّ (ص: 439).
(3) فتاوى ابن الصّلاح (1/ 196 - 197) وذكر الزّركشيّ هذا الكلام بنصّه في «البرهان» (2/ 170، 171) عنه كذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
سمّاه «حقائق التّفسير» ضمّنه هذا النّوع من التّفسير المسمّى ب (الإشاريّ)، وحكى فيه مقالات الصّوفيّة وعباراتهم، وفيها ما لا يحتمل، بل ينبو عنه الظّاهر، وفي الاعتذار عنه تكلّف شديد.
وشدّد كثير من العلماء النّكير على هذا الكتاب، وعابوه على السّلميّ، حتّى بالغ الواحديّ المفسّر فقال: «صنّف أبو عبد الرّحمن السّلميّ (حقائق التّفسير)، فإن كان قد اعتقد أنّ ذلك تفسير، فقد كفر» (1).
وقال الذّهبيّ: «في حقائق تفسيره أشياء لا تسوغ أصلا، عدّها بعض الأئمّة من زندقة الباطنيّة، وعدّها بعضهم عرفانا وحقيقة» (2).
وانتقده شيخ الإسلام ابن تيميّة، ولكن بعبارة أخفّ (3).
وظاهر الأمر أنّ السّلميّ كان ناقلا، وإن عيب فبحكايته ما لا يحتمل حتّى مع التّكلّف في تأويله، لا أنّه يؤاخذ بشيء قاله من جهة نفسه.
والثّاني: الشّيخ محيي الدّين محمّد بن عليّ بن محمّد الطّائيّ الحاتميّ، المعروف ب «ابن عربيّ»، المتوفّى سنة (638 هـ).
وهو متّهم في دينه عند جمهور أئمّة المسلمين، ومنهم من كفّره، وهو رأس القائلين بفكرة وحدة الوجود، وزعم لنفسه أنّه خاتم الأولياء،--------------------------------------------
(1) فتاوى ابن الصّلاح (1/ 197).
(2) سير أعلام النّبلاء، للذّهبيّ (17/ 252).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (13/ 130).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
وتكلّم بالألفاظ الكفريّة، وله تفسير على طريقته، لكن ما حمل النّاس عليه في شيء من كتبه كالّذي حملوه عليه في كتابه «فصوص الحكم»، ذلك لما رأوا فيه من شنيع العبارة، وفي كلامه ما يشقّ على المسلم حكايته، نسأل الله العفو والعافية، وأمره إلى الله، وقد أغنى الله المسلمين عنه وعن كتبه، فإن كان عنده حقّ فإنّه لم يقصر عليه، والحمد لله (1).
فتفسير هذه الطّائفة للقرآن تفسير على غير مقتضى الظّاهر، وربّما
سمّاه بعض العلماء «تفسيرا باطنيّا»، وجعل أصحابه كالقرامطة (2)، وهم طائفة «يدّعون أنّ للقرآن والإسلام باطنا يخالف الظّاهر»، وحقيقة أمرهم أنّ «ظاهرهم الرّفض، وباطنهم الكفر المحض» (3).
لكن التّحقيق أنّ مسلكهم في التّفسير وإن أشبهوا فيه الباطنيّة القرامطة، إلّا أنّه لا يبلغ مبلغهم، فأولئك ملاحدة زنادقة، ولشيخ الإسلام ابن تيميّة--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في: «سير أعلام النّبلاء» للذّهبيّ (23/ 48)، «تاريخ الإسلام» له (وفيات سنة 631 - 640، ص: 374)، «الوافي بالوفيات» للصّفديّ (4/ 173)، «البداية والنّهاية» لابن كثير (13/ 184)، «لسان الميزان» لابن حجر (5/ 307).
(2) هم طائفة من المارقة، ظهر أمرهم في خلافة المعتضد العبّاسيّ في سنة (278 هـ)، وكان منهم بعد ذلك شرّ عظيم، أظهروا الكفر، واستباحوا المحرّمات، ووقعت منهم أعاجيب، وقيل في نسبتهم: إنّ (قرمط) لقب لرجل من أهل الكوفة اسمه (حمدان)، أوّل من أظهر هذه الدّعوة، وقيل غير ذلك، وانظر خبرهم في «الكامل» لابن الأثير (6/ 69) و «الأنساب» للسّمعانيّ (10/ 387).
(3) مجموع الفتاوى، لابن تيميّة (13/ 127).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
كلام محرّر يفصل في سبيل هذين الفريقين، ويبيّن الحكم في هذا النّمط من التّفسير، قال رحمه الله: «وجماع القول في ذلك أنّ هذا الباب نوعان:
أحدهما: أن يكون المعنى المذكور باطلا؛ لكونه مخالفا لما علم، فهذا هو في نفسه باطل، فلا يكون الدّليل عليه إلّا باطلا؛ لأنّ الباطل لا يكون عليه دليل يقتضي أنّه حقّ.
والثّاني: ما كان في نفسه حقّا، لكن يستدلّون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يرد بها ذلك، فهذا الّذي يسمّونه (إشارات)، و (حقائق التّفسير) لأبي عبد الرّحمن فيه من هذا الباب شيء كثير.
وأمّا النّوع الأوّل فيوجد كثيرا في كلام القرامطة والفلاسفة المخالفين للمسلمين في أصول دينهم».
قال: «وأمّا النّوع الثّاني، فهو الّذي يشتبه كثيرا على بعض النّاس، فإنّ المعنى يكون صحيحا لدلالة الكتاب والسّنّة عليه، ولكنّ الشّأن في كون اللّفظ الّذي يذكرونه دلّ عليه، وهذا قسمان:
أحدهما: أن يقال: إنّ ذلك المعنى مراد باللّفظ، فهذا افتراء على الله، فمن قال: المراد بقوله: تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة: 67] هي النّفس، وبقوله: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ* [طه: 24] هو القلب، وَالَّذِينَ مَعَهُ* أبو بكر، أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ عمر، رُحَماءُ بَيْنَهُمْ عثمان، تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً [الفتح: 29] عليّ، فقد كذب على الله، إمّا متعمّدا، وإمّا مخطئا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
والثّاني: أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس، لا من باب دلالة اللّفظ، فهذا من نوع القياس، فالّذي تسمّيه الفقهاء (قياسا) هو الّذي تسمّيه الصّوفيّة (إشارة)، وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل، كانقسام القياس إلى ذلك.
فمن سمع قول الله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ 79 [الواقعة: 79]، وقال: إنّه اللّوح المحفوظ أو المصحف، فقال: كما أنّ اللّوح المحفوظ الّذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسّه إلّا بدن طاهر، فمعاني القرآن لا يذوقها إلّا القلوب الطّاهرة، وهي قلوب المتّقين، كان هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا، ولهذا يروى هذا عن طائفة من السّلف» (1).
قلت: فهذا يبيّن أنّ التّفسير الإشاريّ ليس جميعه مرفوضا، بل
منه ما هو صحيح مقبول، وقرّب هذا العلّامة ابن القيّم فذكر لقبوله أربعة شروط، هي:
1 - أن لا يناقض معنى الآية.
2 - أن يكون معنى صحيحا في نفسه.
3 - أن يكون في اللّفظ إشعار به.
4 - أن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم (2).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى، لابن تيميّة (13/ 129 - 130).
(2) التّبيان في أقسام القرآن، لابن القيّم (ص: 50).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
فمن فسّر الصّلاة والزّكاة بمعناهما الشّرعيّ في الكتاب والسّنّة، ثمّ قال: الصّلاة: صلة بين العبد وربّه، والزّكاة: تطهير النّفس من أوساخ الدّنيا، فهذا التّفسير صحيح معتبر، قد جاء على تحقيق الشّروط المذكورة.
وكان الإمام السّريّ السّقطيّ سيّد الصّوفيّة يقول: «من ادّعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو غالط» (1).
واعلم أنّ من الجوامع الّتي اعتنت بذكر التّفسير الإشاريّ مضافا إلى التّفسير المعهود: بالأثر والرّأي: تفسير «روح المعاني» للعلّامة شهاب الدّين أبي الثّناء محمود بن عبد الله الآلوسيّ، المتوفّى سنة (1270 هـ)، وتفسيره جامع واسع، وجميع ما ذكرت من المآخذ على كتب التّفسير بالمأثور أو بالرّأي أو التّفسير الإشاريّ، فإنّه ضرب منه بنصيب، لكن الأشبه أنّه أراد في العقائد مذهب السّلف، وإن ترجّح منه غير ذلك في بعض المواضع.
المبحث الثامن: التفسير بالرأي الفاسد
الّذي قصدت التّنبيه عليه في هذا المبحث: تلك المؤلّفات في التّفسير الّتي وضعت لتأييد البدع في العقائد، أو جرت في تحقيق هذا المأرب لأهل الأهواء.--------------------------------------------
(1) تلبيس إبليس، لابن الجوزيّ (ص: 168).
والسّريّ تلميذ معروف الكرخيّ، وشيخ الجنيد بن محمّد، رحمهم الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
وذلك كالكتب الّتي نصرت مذاهب المعتزلة في التّوحيد وغيره من عقائدهم، فحرّفوا فيها معاني الكتاب، وأسقطوا اعتبار السّنن الثّابتة، وجانبوا فيها الآثار.
وكالكتب الّتي وضعها بعض الرّافضة في الغلوّ في أهل البيت، والطّعن في سادات الأمّة من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، والّتي تشتمل على الأخبار الواهية الّتي لا تقوم في ميزان النّقد.
كقولهم: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ* [الرّحمن: 19]: عليّ وفاطمة، واللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرّحمن: 22]: الحسن والحسين.
وقولهم: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ قالوا: أبو بكر، يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا 27 يعني محمّدا، يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا يعني عمر، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ [الفرقان: 27 - 29] يعني عليّا.
وقولهم في قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ [التّوبة: 40] لا يلزم من الصّحبة الإيمان؛ لأنّ الله يقول: قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ [الكهف: 37].
وتفاسير الرّافضة ظاهرة العوار، لا يحتاج كشفها إلى كثير علم.
وإنّما الّذي يلتبس على كثير من النّاس الكتب الّتي احتوت سموم المعتزلة والمشكّكة، والتّنبيه بالتّعيين على كتابين في ذلك:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)
الأوّل: الكشّاف عن حقائق التّنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التّأويل.
تأليف: أبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزّمخشريّ، المتوفّى سنة (538 هـ).
هذا الكتاب لرأس من رءوس الاعتزال، وفحل من فحول العربيّة، جنّد معرفته باللّسان لنصر مذهبه في هذا الكتاب.
قال ابن تيميّة: «وأمّا الزّمخشريّ فتفسيره محشوّ بالبدعة، وعلى طريقة المعتزلة، من إنكار الصّفات والرّؤية، والقول بخلق القرآن، وأنكر أنّ الله مريد للكائنات وخالق لأفعال العباد، وغير ذلك من أصول المعتزلة، … مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة، ومن قلّة النّقل عن الصّحابة والتّابعين» (1).
وقال وقد ذكر تفاسير المعتزلة: «ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحا، كصاحب الكشّاف ونحوه، حتّى إنّه يروج على خلق كثير ممّن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله» (2).
وقد تعقّبه بالنّقد لأباطيله في العقائد كثير من العلماء، بل إنّهم تعقّبوه حتّى في العربيّة وخطّئوه في طرف منها، ومن أهل العلم من
منع النّظر فيه، لكن قال الحافظ ابن حجر: «من رسخت قدمه في السّنّة، وقرأ طرفا من--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (13/ 208 - 209).
(2) مجموع الفتاوى (13/ 192).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
اختلاف المقالات، انتفع بتفسيره، ولم يضرّه ما يخشى من دسائسه» (1).
قلت: لقد أتى كثير من المفسّرين بعده فانتزعوا فوائد كتابه، وزادوا، فأغنى ما كتبوا عن ذلك الكتاب، ولا تحسبن أن سيفوتك بفواته ما لا تجده عند سواه.
والثّاني: مفاتيح الغيب، أو: التّفسير الكبير.
تأليف: العلّامة النّظّار فخر الدّين محمّد بن عمر بن الحسين الرّازيّ، المتوفّى سنة (606 هـ).
هذا الكتاب على كبر حجمه، فإنّك إن سلمت من تشكيكاته، فلا أحسبك تخرج منه بفائدة ينفرد بها في تفسير القرآن، وفيه ظلمة، ولعلّك ترى هذا الوصف في عامّة مصنّفات الرّازيّ.
وذلك لما شحن به هذا الكتاب من الآراء الفلسفيّة الّتي لا تعود بنفع.
وقد قال بعض العلماء: «فيه كلّ شيء إلّا التّفسير» (2).
وقال الحافظ ابن حجر: «كان يعاب بإيراد الشّبه الشّديدة، ويقصّر في حلّها، حتّى قال بعض المغاربة: يورد الشّبه نقدا، ويحلّها نسيئة» (3).
وقد أغناك الله عن هذا الكتاب بما تقدّم ذكره من الكتب، وبما سيأتي، وبما هو على مناهج ذلك.--------------------------------------------
(1) لسان الميزان، لابن حجر (6/ 4 - 5).
(2) الإتقان، للسّيوطيّ (2/ 539).
(3) لسان الميزان (4/ 505).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
المبحث التاسع: التفاسير المعاصرة
إفرادها بالتّنبيه؛ من أجل ما تميّزت به من المنهجيّة المناسبة للعصر، في لغة الإنشاء، ولغة المضمون.
فأمّا لغة الإنشاء، فإنّ لغة التّفسير في العصور الماضية كانت أشبه بخطاب الخاصّة، فلا يكاد ينتفع بها عموم النّاس، ولعلّ من أبرز أسباب ذلك: أنّ تداول الكتاب لم يكن ميسورا إلّا لمن تعنّى طلب العلم، بخلاف زماننا، فإنّ ما أنعم الله تعالى به على بني الإنسان من وسائل الطّباعة والنّشر ذلّل ذلك، حتّى يسّر اقتناء الكتاب لكلّ من شاء.
وحسن أن يكتب التّفسير لعموم المسلمين باللّغة الّتي تيسّر عليهم فهم القرآن، لكن لا يصحّ أن يهبط الكاتب في التّفسير إلى لغة الإعلام المعاصر، والّتي هي في الحقيقة مزيج في التّعابير من لغات شتّى، وإن كانت بمفردات عربيّة!!
وأمّا لغة المضمون، فإنّ العلم الحديث قد أوقف الإنسان على كثير من أسرار الخلق، ممّا يجد المفسّر ارتباطه بالقرآن ارتباطا مباشرا، بل إنّه ليوقف على حقائق لم يتهيّأ لمن سبق من المفسّرين الوقوف عليها، ولا ريبة أنّ هذا جانب مقصود مأمور به بعموم الأمر بتدبّر القرآن، وإن كنّا نرى ضرورة ضبطه ببعض الضّوابط.
كذلك لاحظت كتب التّفسير المعاصرة مستجدّات هذا العصر، وما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)
يلامس حاجة المسلم اليوم.
ونماذج تلك الكتب كثيرة، ولا نزال نرى فيها الجديد، لكنّي رأيت انتخاب أربعة من مشاهيرها، لأربعة من علماء العصر الحديث، اختلفت مناهجهم في صياغة التّفسير:
1 - تفسير المنار.
تأليف: العلّامة المصلح محمّد رشيد رضا القلمونيّ، البغداديّ الأصل، المتوفّى سنة (1354 هـ).
هذا التّفسير مبتداه دروس الشّيخ محمّد عبده، رحمه الله، استفادها الشّيخ محمّد رشيد، فبنى عليها، وزاد، وهي تستند إلى النّقل والأثر، كما تمتاز بالنّظر الجريء، بعبارة عليها طابع التّجديد، مع الرّبط بمقتضيات الواقع ومتغيّراته، واعتناء بتعليل الأحكام بما يتوافق مع العلم الحديث، وله فيه من الرّأي ما يناقش كغيره، بل فيه ما يردّ عليه، خاصّة ما تضمّنه من ردّ بعض الحديث الصّحيح بالرّأي، والّذي يعدّ من أكبر المآخذ عليه.
وهو وثيقة تاريخيّة إضافة إلى كونه تفسيرا؛ لأنّه امتدّت كتابته سنين طويلة، وكان ما يكتب فيه مراعيا للحدث.
والأصل أنّ الشّيخ رشيدا كان ينشر هذا التّفسير ضمن مجلّة «المنار»، ثمّ استقلّ عنها بالنّشر.
وقد حظي في وقته بإقبال النّاس عليه، ولم يزل له اعتباره في نظر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
الباحثين وأهل العلم، وفيه خير كثير، مع أنّه لم يتمّه، إنّما انتهى
فيه إلى الآية (101) من سورة يوسف، فكان آخره تفسير قوله تعالى:
تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، فتوفّاه الله عندئذ، فهي بشارة خير له، رحمه الله.
2 - في ظلال القرآن.
تأليف: الأديب العالم المفكّر سيّد بن قطب بن إبراهيم المصريّ، المقتول شهيدا إن شاء الله سنة (1387 هـ).
هذا الكتاب عصارة تدبّر رجل أوتي نصيبا وافرا من أدب النّثر والكتابة، ليس لغويّا برع في تحليل الألفاظ وتراكيبها، أو فقيها غاص في دقائق الشّرائع، أو نظّارا قصد
إلى أساليب الجدل وخاض في متاهات النّظر، ولكنّه رجل أقبل على القرآن يتأمّل معانيه، مسترشدا ببعض كتب التّفسير الّتي سبقته، كتفسير الإمام ابن كثير، مع البراعة الأدبيّة الّتي أوتيها، رابطا ذلك بمحيطه وواقعه، محاكما ذلك الواقع بما فهمه من خلال تدبّره، وذلك في مقدار صلته بربّه ودينه وكتابه، مراعيا متغيّرات زمانه وتطوّرات عصره، مستشعرا ظلم المتجبّرين الخارجين عن حكم الله.
جاء كتابه بما قرّب به من معاني القرآن بمنزلة التّفسير، وإن لم يكن يأتي على تحليل مفرداته.
فيه اعتماد الحديث والأثر، والتّنبيه على أسباب النّزول.
كما سلك فيه مسلكا مبتكرا، وإن لم يكن جديدا في موضوعه، لكنّه غير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
شائع في تطبيقه في كتب التّفسير، وهو مراعاة الوحدة الموضوعيّة للسّورة، والاعتناء بتحليل مضمونها، ثمّ تجزئته إلى مقاطع، ممّا يحصل به تقريب للبعيد، وربط للمعاني.
وهو نمط فريد في شرح الكتاب العزيز (1)، ويقع تصنيفه ضمن كتب التّفسير بالرّأي، لكنّه الرّأي المحمود، وذلك باعتبار ما غلب عليه.
ووقعت في «الظّلال» هفوات، عظّمتها طائفة، وحقّرتها أخرى، ونحن نحبّ سيّدا، لكنّ الحقّ أحبّ إلينا منه، لا نرضى قول هؤلاء ولا أولئك، فلا نعادي أولياء الله ولا نغالي فيهم، وإنّما هم بشر ممّن خلق الله، ليسوا برسل ولا أنبياء، يؤخذ منهم ويردّ عليهم، وفي تلك الهفوات ما هو خطأ بيّن، اعتذارنا عن سيّد فيها يعود تارة إلى خلفيّته الثّقافيّة، كالّذي يؤخذ عليه في باب العقائد، وتارة إلى ما عاناه هو وإخوانه من ظلم، كالّذي يؤخذ عليه في تفسير المجتمع الجاهليّ، والله يتولّاه برحمته وعفوه.
3 - التّحرير والتّنوير.
تأليف: العلّامة الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور المالكيّ، شيخ جامع الزّيتونة بتونس، المتوفّى سنة (1393 هـ).--------------------------------------------
(1) سلك طريقته الشّيخ سعيد حوّى المتوفّى سنة (1408 هـ) في تفسيره المسمّى ب «الأساس في التّفسير»، بل إنّه زاد عليه اعتبار ما سمّاه بالوحدة القرآنيّة، فالقرآن مجمل في الفاتحة، ثمّ سائره مجموعات مترابطة يفصّل بعضها بعضا. وهو تفسير سهل ميسّر، يعتمد على مصادر معروفة، يؤخذ عليه ذكر الإسرائيليّات والأخبار الضّعيفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
كتاب جمّ الفوائد، كثير التّحقيقات، جرى في أسلوبه على طريقة من تقدّم من المفسّرين، واستخلص من كتبهم وزاد، يفسّر باللّغة والرّأي، ويبيّن النّزول وأسبابه، ويعتمد الحديث، ويحرّر الأحكام، ويعتني بمقاصد التّشريع، ويراعي المناسبة والارتباط بين الآيات، والبلاغة القرآنيّة، ويحدّد أغراض السّورة بين يديها، كما يبيّن طرفا من
التّفسير العلميّ المستفاد من اكتشافات العلم الحديث، فهو تفسير معاصر، لكن بلغة متينة.
ويؤخذ عليه: تفسير آيات الصّفات على طريقة الخلف، وذكر ما لا يثبت من الحديث والأثر.
4 - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن.
تأليف: العلّامة الشّيخ محمّد الأمين بن محمّد المختار الجكنيّ الشّنقيطيّ، المتوفّى سنة (1393 هـ).
هذا التّفسير من أجلّ التّفاسير المعاصرة وأنفعها، اجتهد مؤلّفه أن يراعي فيه مسمّاه، لكنّه إذا أتى على تفسير آيات الأحكام بالغ في بيانها، حتّى يخرج فيما يذكره إلى ما هو ألصق بكتب الفقه، غير أنّه فيما يفسّر أو يحرّر يأتي بدرر نفيسة، وتحقيقات دقيقة، مع سلامة في الاعتقاد، وحرص على الدّليل، واتّباع لأحسن مناهج التّفسير بالرّأي، وذلك بسبب ما أوتيه من تمكّن مشهود له به في اللّغة والأصول والمنطق، وله ممّا ذهب إليه باجتهاده ما يخالف فيه، ولم يكمله، إنّما انتهى به عند آخر سورة المجادلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
المبحث العاشر: تتمة
من المباحث المهمّة في تفسير القرآن، ممّا خصّ بالبحث: تفسير مشكل القرآن.
والمراد به رفع اللّبس ودفع الاشتباه فيما أشكل معناه، وسبق في
(تاريخ التّفسير) أنّ ابن قتيبة اللّغويّ صنّف فيه قديما، ومن الكتب النّافعة فيه:
1 - فوائد في مشكل القرآن، لسلطان العلماء عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد السّلام السّلميّ.
2 - تفسير آيات أشكلت، لشيخ الإسلام ابن تيميّة.
3 - فتح الرّحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، لشيخ الإسلام زكريّا الأنصاريّ.
ولا ريب أنّ رفع الالتباس عن آيات الكتاب مطلوب، وهو جزء من البيان للكتاب، لكن لا يجوز أن يخرج عن الأصول المعتبرة في التّفسير.
من المناهج المبتكرة في التّفسير المعاصر للقرآن ثلاثة أنماط:
1 - التّفسير الموضوعيّ للقرآن:
وهو الاعتناء بدراسة الموضوعات القرآنيّة على غير الصّورة التّقليديّة في التّفسير، وإنّما بالنّظر إلى الأبواب، كدراسة: الإيمان والكفر والنّفاق في القرآن، الأخلاق في القرآن، الرّبا في القرآن، وهكذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
وهذا أسلوب عصريّ، لم يكن شائعا في تصانيف السّابقين على سبيل الإفراد بالتّأليف، إنّما كانوا يراعون تتبّع المصطلح القرآني من حيث الجملة.
وهو مع حداثته، فإنّه لا مانع منه ولا حرج فيه، بشرط التزام المنهج المعتبر في التّفسير.
2 - التّفسير العلميّ:
والمراد به تفسير الآيات الّتي تتحدّث عن الكون وخلق الإنسان ونحو ذلك، بما توصّل إليه العلم الحديث من اكتشاف واطّلاع على حقائق لم يهتد إليها عموم النّاس من قبل.
وهذا فنّ من التّفسير لا يغفل أثره في إعجاز القرآن، وزيادة الإيمان، لكنّي أراه لا يقبل إلّا بشروط ثلاثة:
1 - أن لا يصادم أصلا معلوما بنفس دلالة القرآن أو صحيح السّنّة.
2 - أن يحتمله اللّفظ من جهة اللّغة.
3 - أن يكون حقيقة علميّة ثبتت بالبراهين، لا مجرّد نظريّة محتملة، خشية أن تجعل نصوص القرآن غرضا لتجارب النّاس.
فإذا اجتمعت هذه الشّروط فلا مانع من قبول هذا النّوع من التّفسير، فإنّ الله تعالى قال: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصّلت: 53].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)