قالوا: وإنما طريقنا إلى التعصب للرجال ونيابة الرسل في الصورة البشرية، طريقكم في إثبات الأرباب عندكم، وهي الروحانيات السماوية، وذلك احتياج كل مربوب1 إلى رب يدبره، ثم احتياج الأرباب إلى رب الأرباب.
ومن العجب أن عند الصابئة أكثر الروحانيات قابلة منفعلة، وإنما الفاعل الكامل واحد، وعن هذا صار بعضهم إلى أن الملائكة إناث، وقد اخبر التنزيل عنهم بذلك {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} 2.
وإذا كان الفاعل الكامل المطلق واحدا، فما سواه قابل محتاج إلى مخرج يخرج ما فيه بالقوة إلى الفعل فكذلك نقول في الموجودات السفلية: النفوس البشرية كلها قابلة للوصول إلى الكمال بالعلم والعمل، فتحتاج إلى مخرج يخرج ما فيها بالقوة إلى الفعل، والمخرج هو النبي والرسول. وما هو مخرج الشيء من القوة إلى الفعل لا يجوز أن يكون أمرا بالقوة، محتاجا، فإن ما لم يتحقق بالفعل وجودا، لا يخرج غيره من القول إلى الفعل، فالبيض لا يخرج البيض من القوة إلى صورة الطير، بل الطير يخرج البيض.
وهذا الجواب يماثل الجواب الأول من وجه، وفيه فائدة أخرى من وجه آخر، وهي: أن عند الحنفاء المعقول لا يكون معقولا حتى يثبت له مثال في المحسوس، وإلا كان متخيلا موهوما، والمحسوس لا يكون محسوسا حتى يثبت له مثال في المعقول، وإلا كان سرابا معدوما. وإذا ثبتت هذه القاعدة، فمن أثبت عالما روحانيا، وأثبت فيه مدبرا كاملا من جنسه وجوده بالفعل، وفعله إخراج الموجودات من القوة إلى الفعل بفيض الصور عليها على قدر الاستحقاق، فيلزمه ضرورة أن يثبت عالما جسمانيا،--------------------------------------------
1 مربوب: مفعول من رب يرب ربا الأمر إذا ساسه وقام بتدبيره، والرب يطلق على الله تبارك وتعالى، معرفا بالألف واللام ومضافا، ويطلق على مالك الشيء، فيقال: رب الدين ورب المال، ويستعمل بمعنى السيد ومنه قوله عليه السلام: "حتى تلد الأمة ربتها".
2 الزخرف آية 19.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 72)
ويثبت فيه مدبرا كاملا من جنسه: وجوده بالفعل، وفعله إخراج الموجودات من القوة إلى الفعل بفيض الصور عليها على قدر الاستحقاق. ويسمى المدبر في ذلك العالم "الروح الأول" على مذهب الصابئة. والمدبر في هذا العالم "الرسول" على مذهب الحنفاء، ثم يكون بين الرسول والروح مناسبة، وملاقاة عقلية، فيكون الروح الأول مصدرا، والرسول مظهرا. ويكون بين الرسول وسائر الشر مناسبة وملاقاة حسية، فيكون الرسول مؤديا، والبشر قابلا.
قال الصابئة:
الجسمانيات مركبة من مادة، وصورة، والمادة لها طبيعة عدمية، وإذا بحثنا عن أسباب الشر، والفساد، والسفه والجهل لم نجد لها سببا سوى المادة والعدم، وهما منبعا الشر.
والروحانيات غير مركبة من المادة والصورة، بل هي صور مجردة، والصورة لها طبيعة وجودية. وإذا بحثنا عن أسباب الخير، والصلاح، والحكمة، والعلم لم نجد لها سببا سوى الصورة، وهي منبع الخير. فنقول: ما فيه أصل الخير، أو ما هو أصل الخير كيف يماثل ما فيه أصل الشر؟!
أجابت الحنفاء:
بأن ما ذكرتم في المادة أنها سبب الشر فغير مسلم: فإن من المواد ما هو سبب الصور كلها عند قوم، وذلك هو الهيولى1 الأولى، والعنصر الأول. حتى صار كثير من قدماء الفلاسفة إلى أن وجودها قبل وجود العقل. ثم إن سلم، في المركب من المادة والصورة كالمركب من الوجوب والجواز عندكم، فإن الجواز له طبيعة عدمية، وما من وجود سوى وجود الباري تعالى إلا وجوده جائز بذاته واجب بغيره، فيجب أن يلازمه أصل الشر.--------------------------------------------
1 الهيولي: المادة، وتجمع على هيولات. والكلمة يونانية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 73)
قالوا: وإن سلم لكم أيضا تلك المقدمة، فعندنا صور النفوس البشرية، وخصوصا صور النفوس النبوية كانت موجودة قبل وجود المواد، وهي المبادئ الأولى حتى صار كثير من الحكماء إلى إثبات أناس سرمديين1، وهي الصور المجردة التي كانت موجودة قبل العقل كالظلال حول العرش {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} 2، وكانت هي أصل الخير ومبدأ الوجود. ولكن لما ألبست الصور البشرية لباس المادة؛ تشبثت بالطبيعة، وصارت المادة شبكة لها، فساح عليها الواهب الأول فبعث إليها واحدا من عالمه، وألبسه لباس المادة، ليخلص الصور عن الشبكة، لا ليكون هو المتشبث بها، المنغمس فيها، المتوسخ بأوضارها3، المتدنس بآثارها. وإلى هذا المعنى أشار حكماء الهند رمزا بالحمامة المطوقة، والحمامات الواقعة في الشبكة.
ثم قالوا: معاشر الصابئة! أبدا تشنعون علينا بالمادة ولوازمها، وما لم نفصل القول فيها لم ننج من تشنيعكم.
فنقول: النفوس البشرية وخصوصا النبوية من حيث أنها نفوس، فهي مفارقة للمادة، مشاركة لتلك النفوس الروحانية: إما مشاركة في النوع بحيث يكون التمييز بالأعراض والأمور العرضية، وأما مشاركة في الجنس، بحيث يكون الفصل بالأمور الذاتية، ثم زادت على تلك النفوس باقترانها بالجسد أو بالمادة. والجسد لم ينتقص منها، بل كملت هي لوازم الجسد، وكملت بها، حيث استفادت من الأمور الجسدانية ما تجسدت بها في ذلك العالم من العوم الجزئية، والأعمال الخلقية. والروحانيات فقدت هذه الأبدان لفقدان هذا الاقتران، فكان الاقتران خيرا لا شر فيه، وصلاحا لا فساد معه، ونظاما لا فسخ له فكيف يلزمنا ما ذكرتموه؟--------------------------------------------
1 أصل السرمد الدائم، والسرمدي مالا أول له ولا آخر.
2 الزمر آية 75.
3 الوضر: الوسخ، من وضر يوضر مثل تعب يتعب: كان وسخا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 74)
قالت الصابئة:
الروحانيات: نورانية، علوية، لطيفة1، والجسمانيات: ظلمانية، سفلية، كثيفة، فكيف يتساويان والاعتبار في الشرف والفضيلة بذوات الأشياء، وصفاتها، ومراكزها، ومحالها؟. فعالم الروحانيات: العلو لغاية النور واللطافة، وعالم الجسمانيات: السفل لغاية الكثافة والظلمة. العالمان متقابلان، والكمال للعلوي لا للسفلي. والصفتان متقابلتان، والفضيلة للنور لا للظلمة.
أجابت الحنفاء:
قالوا: لسنا نوافقكم أولا على أن الروحانيات كلها نورانية، ولا نساعدكم ثانيا أن الشرف للعلو، ولا نساهلكم أصلا أن الاعتبار في الشرف بذوات الأشياء.
وعلينا بيان هذه المقدمات الثلاث، فإن فيها فوائد كثيرة.
أما الأولى؛ فقالوا: حكمتم على الروحانيات حكم التساوي، وما اعتبرتم فيها التضاد والترتب. وإذا كانت الموجودات كلها، روحانيها وجسمانيها، على قضية التضاد والترتب، فلما أغفلتم الحكمين ههنا؟! وذلك أن من قال: الروحاني هو ما ليس بجسماني، فقد أدخل جواهر الشياطين والأبالسة والأراكنة2 في جملة الروحانيات، وكذلك من أثبت الجن أثبتها روحانية لا جسمانية. ثم من الجن من هو مسلم، ومنها من هو ظالم. ومن قال الروحاني هو المخلوق روحا، فمن الأرواح ما هو خير، ومنها ما هو شرير. والأرواح الخبيثة أضداد الأرواح الطيبة، فلا بد إذن من إثبات تضاد بين الجنسين، وتنافر بين الطرفين. فلم نسلم دعواكم أنها كلها نورانية.
بلى: وعندنا، معاشر الحنفاء، الروح هو الحاصل بأمر الباري تعالى، الباقي على مقتضى أمره فمن كان لأمره تعالى أطوع، وبرسالات رسله أصدق كانت الروحانية--------------------------------------------
1 لطف لطفا ولطافة: صغر ودق فهو لطيف "ضد ضخم وكثف".
2 أصل الأركون: الرئيس والمقدم والدهقان المعظم، وهي يونانية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 75)
فيه أكثر، والروح عليه أغلب، ومن كان لأمره تعالى أنكر، وبشرائعه أكذب: كانت الشيطنة عليه أغلب.
هذه قاعدتنا في الروحانيات، فلا روحاني أبلغ في الروحانية، من ذوات الأنبياء والرسل عليهم السلام.
وأما قولكم: إن الشرف للعلو، إن عنيتم به علو الجهة فلا شرف فيه، فكم من عال جهة: سافل رتبة، وعلما، وذاتا، وطبيعة، وكم من سافل: جهة عال على الأشياء كلها رتبة، وفضيلة، وذاتا، وطبيعة.
وأما قولكم: إن الاعتبار في الشرف بذوات الأشياء، وصفاتها، ومحالها، ومراكزها، فليس بحق، وهو مذهب اللعين الأول حيث نظر إلى ذاته، وذات آدم عليه السلام، ففضل ذاته، إذ هي مخلوقة من النار، وهي علوية نورانية، على ذات آدم وهو مخلوق من الطين، وهو سفلي ظلماني.
بل عندنا الاعتبار في الشرف بالأمر وقبوله. فمن كان أقبل لأمره، وأطوع لحكمه، وأرضى بقدره فهو أشرف، ومن كان على خلاف ذلك فهو أبعد، وأخس، وأخبث. فأمر الباري تعالى هو الذي يعطي الروح {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} 1، وبالروح يحيا الإنسان الحياة الحقيقية، وبالحياة يستعد للعقل الغريزي، وبالعقل يكتسب الفضائل ويجتنب الرذائل. ومن لم يقبل أمر الباري تعالى فلا روح له، ولا حياة له، ولا عقل له، ولا فضيلة له، ولا شرف عنده.
قالت الصابئة:
الروحانيات فضلت الجسمانيات بقوتي العلم، والعمل.
أما العلم فلا ينكر إحاطتهم بمغيبات الأمور عنا، وإطلاعها على مستقبل الأحوال الجارية علينا، ولأن علومها كلية، وعلوم الجسمانيات جزئية، وعلومهم فعلية، وعلوم--------------------------------------------
1 الإسراء آية 85.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 76)
الجسمانيات انفعالية. وعلومهم فطرية، وعلوم الجسمانيات كسبية فمن هذه الوجوه تحقق لها الشرف على الجسمانيات.
وأما العمل فلا ينكر أيضا عكوفهم على العبادة، ودوامهم على الطاعة {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} 1 لا يلحقهم كلال ولا سآمة، ولا يرهقهم ملال ولا ندامة. فتحقق لها الشرف أيضا بهذا الطرف، وكان أمر الجسمانيات بالخلاف من ذلك.
أجابت الحنفاء عن هذا بجوابين:
أحدهما: التسوية بين الطرفين، وإثبات زيادة في جانب الأنبياء عليهم السلام. والثاني: بيان ثبوت الشرف في غير العلم والعمل.
أما الأول: فإنهم قالوا: علوم الأنبياء عليهم السلام كلية وجزئية، وفعلية وانفعالية، وفطرية وكسبية. فمن حيث تلاحظ عقولهم عالم الغيب -منصرفة عن عالم الشهادة تحصل لهم العلوم الكلية فطرة ودفعة واحدة، ثم إذا لاحظوا عالم الشهادة حصلت لهم العلوم الجزئية اكتسابا بالحواس على ترتيب وتدريج، فكما أن للإنسان علوما نظرية هي المعقولات، وعلوما حاصلة بالحواس عن المحسوسات، فعالم المعقولات بالنسبة إلى الأنبياء كعالم المحسوسات بالنسبة إلى سائر الناس، فنظرياتنا فطرية لهم، ونظرياتهم لا نصل إليها قط، بل ومحسوساتنا مكتسبة لهم، ولنا بكواسب الجوارح: جوارح الحواس. فأمزجه الأنبياء عليهم السلام أمزجة نفسانية، ونفوسهم نفوس عقلية، وعقولهم عقول أمرية. ولو وقع حجاب في بعض الأوقات فذاك لموافقتنا ومشاركتنا، كي تزكي هذه العقول وتصفي هذه الأذهان والنفوس، وإلا فدرجاتهم وراء ما يقدر.
وأما الثاني: فإنهم قالوا: من العجب أنهم لا يعجبون بهذه العلوم، بل ويؤثرون التسليم على البصيرة، والعجز على القدرة، والتبرؤ من الحول والقوة على الاستقلال، والفطرة على الاكتساب {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ} 2على {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} 3.--------------------------------------------
1 فتر عن العمل فتورا من باب قعد -انكسرت حدته، ولان بعد شدته- الأنبياء آية 20.
2 الأحقاف آية 9.
3 القصص آية 78.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 77)
ويعلمون أن الملائكة والروحانيات بأسرها وإن علمت إلى غاية قوة نظرها وإدراكها ما أحاطت بما أحاط به علم الباري تعالى، بل لكل منهم مطرح نظر، ومسرح فكر، ومجال العقل، ومنتهى أمل، ومطار وهم وخيال وإنهم إلى الحد الذي انتهى نظرهم إليه مستبصرون، ومن ذلك الحد إلى ما وراءه ما لا يتناهى مسلمون مصدقون، وإنما كمالهم في التسليم لما لا يعلمون، والتصديق لما يجهلون، {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} 1 ليس كمال حالهم، بل {سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} 2 هو الكمال.
فمن أين لكم معاشر الصابئة أن الكمال والشرف في العلم والعمل لا في التسليم والتوكل؟
وإذا كانت غاية العلوم هذه الدرجة، فجعلت نهاية أقدام الملائكة والروحانيين بداية أقدام السالين من الأنبياء والمرسلين {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} 3، فعالم الروحانيات بالنسبة إليهم شهادة، وبالنسبة إلينا غيب، وعالم البشر الجسمانيات بالنسبة إلينا شهادة، وبالنسبة إليهم غيب. والله تعالى هو الذي {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} 4.
قالت الحنفاء:
من علم أنه لا يعلم، فقد أحاط بكل العلم، ومن اعترف بالعجز عن أداء الشكر، فقد أدى كل الشكر.
قالت الصابئة:
الروحانيات لهم قوة تصريف الأجسام، وتقليب الأجرام. والقوة التي لهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب5 فتنحسر، ولكن القوى الروحانية بالخواص الجسمانية أشبه، وإنك لترى الخامة اللطيفة من النبات في بدء نموها تفتق الحجر، وتشق الصخر، وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من القوة السماوية، ولو كانت هي--------------------------------------------
1، 2 البقرة آية 30، 32.
3 النمل آية 65.
4 طه آية 7،.
5 اللغوب: التعب والإعياء.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 78)
قوى مزاجية لما بلغت إلى هذا المنتهى. فالروحانيات هي التي تتصرف في الأجسام تقليبا وتصريفا، لا يثقلهم حمل الثقيل، ولا يستخفهم تحريك الخفيف. فالرياح تهب بتحريكها، والسحاب يعرض ويزول بتصريفها. وكذلك الزلازل تقع في الجبال بسبب من جهتها. وكل هذه، وإن استندت إلى أسباب جزئية، فإنها تستند في الآخرة إلى أسباب من جهتها.
ومثل هذه القوة عديم الوجود في الجسمانيات.
أجابت الحنفاء:
وقالوا: منا يقتبس تفصيل القوى، وتجنيسها.
فإن القوى تنقسم إلى: قوى معدنية، وقوى نباتية، وقوى حيوانية، وقوى إنسانية، وقوى ملكية، وقوى روحانية، وقوى نبوية ربانية. والإنسان مجمع القوى بجملتها، والإنسانية النبوية تفضلها بقوى ربانية ومعان إلهية.
فنذكر أولا: وجه تركيب الإنسان ووجه ترتيب القوى فيه. ثم نذكر تركيب البشرية النبوية، وترتيب القوى فيها، ثم نخاير بين الوضعين: الروحاني منهما، والجسماني، وإليك الاختيار.
أما شخص الإنسان فمركب من الأركان الأربعة: التراب، والماء، والهواء، والنار، التي لها الطبائع الأربعة: اليبوسة، والرطوبة، والحرارة، والبرودة، ثم مركب فيه نفوس ثلاثة إحداها: نفس نباتية تنمو، وتتغذى، وتولد المثل، والثانية نفس حيوانية تحس، وتتحرك بالإرادة، والثالثة نفس إنسانية بها يميز، ويفكر، ويعبر عما يفكر.
ووجود النفس الأولى من الأركان وطباعها، وبقاءها بها، واستمدادها منها، ووجود النفس الثانية من الأفلاك وحركاتها، وبقاؤها بها، واستمدادها منها، ووجود النفس الثالثة من العقول البحتة والروحانيات الصرفة، وبقاؤها بها، واستمدادها منها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 79)
ثم إن النباتية تطلب الغذاء طبعا، والحيوانية تطلب الغذاء حسا، والإنسانية تطلب الغذاء اختيارا وعقلا. ولكل نفس منها محل. فمحل النباتية الكبد، ومنه مبدأ النمو والنشوء، وعن هذا جعل فيه عروق دقاق ينفذ فيها الغذاء إلى الأطراف. ومحل الحيوانية: القلب، ومنه مبدأ تدبير الحس والحركة، وعن هذا فتح منه عروق إلى الدماغ، فيصعد إلى الدماغ. من حرارته ما يعدل تلك البرودة وينزل منه من آثاره ما يدبر به الحركة. ومحل الإنسانية تصريفا وتدبيرا الدماغ، ومنه مبدأ الفكر، والتعبير عن الفكر، وعن هذا فتحت إليه أبواب الحواس مما يلي هذا العالم، وفتحت إليه أبواب المشاعر مما يلي ذلك العالم. وههنا ثلاثة أعضاء ممدات لا بد منها: المعدة التي تمد الكبد بالغذاء، والرئة التي تمد القلب بترويح الهواء، والعروق التي تمد الدماغ بالحرارة.
فإن التركيب الإنساني أشرف التراكيب، فإن فيه جميع آثار العالم الجسماني والروحاني. وترتيب القوى فيه أكل التراتيب. فهو مجمع آثار الكونين والعالمين، فكل ما هو في العالم منتشر ففيه مجتمع، وكل ما هو فيه من خواص الاجتماع فليس للعالم البتة، لأن للاجتماع والتركيب خاصية لا توجد في حال الافتراق والانحلال. واعتبر فيه حالة السكر والخل، وحال السكنجبين1، وكذلك الحكم في كل مزاج.
هذا وجه تركيب البدن، وترتيب القوى الخاصة به.
وأما وجه اتصال النفس به، وترتيب القوى الخاصة بها مما يلي هذا العالم، ومما يلي ذلك العالم، فاعلم أن النفس الإنسانية جوهر هو أصل القوى المحركة، والمدركة، والحافظة للمزاج: تحرك الشخص بالإرادة، لا في جهات ميله الطبيعي، وتتصرف في أجزائه، ثم في جملته، وتحفظ مزاجه عن الانحلال، وتدرك بالمشاعر المركوزة فيه وهي الحواس الخمسة، فبالقوة الباصرة تدرك الألوان والأشكال، وبالقوة السامعة تدرك الأصوات والكلمات، وبالقوة الشامة تدرك الروائح، وبالقوة الذائقة تدرك المطعومات، وبالقوة اللامسة تدرك--------------------------------------------
1 السكنجبين: كلمة فارسية معناها: خل وعسل. وهي بفتح السين والكاف، وسكون النون، وفتح الجيم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 80)
الملموسات. وله فروع من قوى منبثة في أعضاء البدن، حتى إذا أحس بشيء من أعضائه، أو تخيل، أو توهم، أو اشتهى، أو غضب ألفى العلاقة التي بينه وبين تلك الفروع هيئة فيه، حتى يفعل، وله إدراك وقوة تحريك.
أما الإدراك فهو أن يكون مثال حقيقة المدرك: متمثلا مرتسما في ذات المدرك، غير مباين له. ثم المثال قد يكون مثال صورة الشيء، وقد يرتسم في القوة الباصرة وقد غشيته غواش غريبة عن ماهيته، لو أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ماهيته، مثل أين، وكيف، ووضع، وكم معينة، لو توهم بدلها غيرها لم يؤثر في ماهية ذلك المدرك، والحس يناله من حيث هو مغمور في هذه العوارض التي تلحقه بسبب المادة لا يجردها عنه، ولا يناله إلا بعلاقة وضعية بين حسه ومادته.
ثم الخيال الباطن يتخيله مع تلك العوارض التي لا يقدر على تجريده المطلق عنها، لكنه يجرده عن تلك العوائق الوضعية التي تعلق بها الحس، فهو يتمثل صورة مع غيبوبة حاملها، وعنده مثال العوارض، لا نفس العوارض، ثم الفكر العقلي يجرده عن تلك العوارض، فيعرض ماهيته وحقيقته على العقل، فيرتسم فيه مثال حقيقته، حتى كأنه عمل بالمحسوس عملا جعله معقولا. وأما ما هو بريء في ذاته عن الشوائب المادية منزه عن العوارض الغريبة، فهو معقول لذاته، ليس يحتاج إلى عمل يعمل فيه، فيعقله ما من شأنه أن يعقله، فلا مثال له يتمثل في العقل، ولا ماهية له فيجرد له، ولا وصول إليه بالإحاطة والفطرة، إلا أن البرهان يدلنا عليه ويرشدنا إليه.
وكثيرا ما يلاحظ العقل الإنساني عالم العقل الفعال فيرتسم فيه من الصور المجردة المعقولة ارتساما بريئا عن العوائق المادية والعوارض الغريبة، فيبتدر الخيال إلى تمثله، فيمثله في صورة خيالية مما يناسب عالم الحس، فينحدر إلى الحس المشترك ذلك المثال، فيبصره كأنه يراه معاينا مشاهدا يناجيه ويشاهده، حتى كأن العقل عمل بالمعقول عملا جعله محسوسا، وذلك إنما يكون عند اشتغال الحواس كلها عن أشغالها، وسكون المشار عن حركاتها في النوم لجماعة. وفي اليقظة للأبرار.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 81)
يا عجبا كل العجب من تركيب على هذا النمط!! ومن أين لغيره مثله؟؟
ونعود إلى ترتيب القوى وتعيين محالها.
أما القوى المتعلقة بالبدن التي ذكرناها آلات ومشاعر للجوهر الإنساني.
فالأولى منها: الحس المشترك المعروف "ببنطاسيا" الذي هو مجمع الحواس، ومورد المحسوسات، وآلتها الروح المصبوب في مبادئ عصب الحس، لا سيما في مقدم الدماغ.
والثانية: الخيال والمصورة. وآلتها الروح المصبوب في البطن والمقدم من الدماغ، لا سيما في الجانب الأخير.
والثالثة: الوهم الذي هو لكثير من الحيوان، وهو ما به تدرك الشاة معنى في الذئب فتنفر منه، وبه تدرك معنى في النوع فتنفر إليه وتزدوج به، وآلته الدماغ كله، لكن الأخص منه به هو التجويف الأوسط.
والرابعة: المفكرة، وهي قوة لها أن تركب وتفصل ما يليها من الصور المأخوذة عن الحس المشترك والمعاني الوهمية المدركة بالوهم، فتارة تجمع، وتارة تفصل، وتارة تلاحظ العقل فتعرض عليه، وتارة تلاحظ الحس فتأخذ منه، وسلطانها في الجزء الأول من وسط الدماغ، وكأنها قوة ما للوهم، وتتوسط بين الوهم والعقل.
والخامسة: القوة الحافظة، وهي التي كالخزانة لهذه المدركات الحسية، والوهمية، والخيالية دون العقلية الصرفة، فإن المعقول البحت لا يرتسم في جسم ولا في قوة في جسم، والحافظة قوة في جسم، وآلتها الروح المصبوب في أول البطن المؤخر من الدماغ.
والسادسة: القوة الذاكرة، وهي التي تستعرض ما في الخزانة على جانب العقل أو على الخيال والوهم، وآلتها الروح المصبوب في آخر البطن المؤخر من الدماغ.
وأما المعقول الصرف المبرأ عن الشوائب المادية، فلا يحل في قوة جسمانية وآلة جسدانية، حتى يقال ينقسم بانقسامها، ويتحقق لها وضع ومثال، ولهذا لم تكن القوة الحافظة، خزانة لها، بل المصدر الأول الذي أفاض عليها تلك الصورة صار خازنا لها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 82)
فحيثما طالعته النفس الإنسانية بقوتها العقلية المناسبة لواهب الصور نوعا من المناسبة، فاضت منه عليها تلك الصور المستحفظة له، حتى كأنه ذكرها بعد ما نسيت، ووجدها بعدما ضلت عنه.
وغريزة النفس الصافية تنزع إلى جانب القدس في تذكار الأمور الغائبة عن حضرة العقل نزاعا طبيعيا، فتستحضر ما غاب عنها، ولهذا السر أخبر الكتاب الإلهي: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} 1.حتى صار كثير من الحكماء إلى أن العلوم كلها تذكار، وذلك أن النفوس كانت في البدء الأول في عالم الذكار ثم هبطت إلى عالم النسيان فاحتاجت إلى مذكرات لما قد نسيت، معيدات إلى ما كانت قد ابتدأت: {وذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} 2 - {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه} 3.
ثم للنفس الإنسانية قوى عقلية، لا جسمانية، وكمالات نفسانية روحانية، لا جسدانية فمن قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن، وهي القوة التي تختص باسم العقل العملي، وذلك أن تستنبط الواجب فيما يجب أن يفعل ولا يفعل، ومن قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تكميل جوهرها عقلا بالفعل، وإنما يخرج من القوة إلى الفعل بمخرج غير ذاتها لا محالة، فيجب أن يكون لها قوة استعدادية تسمى عقلا هيولانيا4، حتى يقبل من غيرها ما به يخرجها من الاستعداد إلى الكمال. فأول خروج لها إلى الفعل حصول قوة أخرى من واهب الصور يحصل لها عند استحضار المعقولات الأول، فيتهيأ بها لاكتساب الثواني: إما بالفكر، وإما بالحدس، فيتدرج قليلا قليلا إلى أن يحصل لها ما قدر لها من المعقولات، ولكل نفس استعداد إلى حد ما لا يتعداه، ولكل عقل حد ما لا يتخطاه، فيبلغ إلى كماله المقدر له، ويقتصر على قوته المركوزة فيه ولا يتبين ههنا وجود التضاد بين النفوس والعقول، ووجوب الترتب فيها.--------------------------------------------
1 الكهف آية 24.
2 الذاريات آية 55.
3 إبراهيم آية 5.
4 نسبة إلى هيولي بمعنى المادة كما سبق.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 83)
وإنما يعرف مقادير العقول ومراتب النفوس الأنبياء والمرسلون الذين اطلعوا على الموجودات كلها روحانياتها وجسمانياتها، معقولاتها ومحسوساتها، كلياتها وجزئياتها، علوياتها وسفلياتها فعرفوا مقاديرها وعينوا موازينها ومعاييرها.
وكل ما ذكرناه من القوى الإنسانية فهي حاصلة لهم، مركبة فيهم، منصرفة كلها عن جانب الغرور إلى جانب القدس، مستديمة الشروق بنور الحق فيها، حتى كأن كل قوة من القوى الجسدانية والنفسانية ملك روحاني موكل بحفظ ما وجه إليه، واستتمام ما رشح له. بل ومجموع جسده ونفسه مجمع آثار العالمين من الروحانيات والجسمانيات، وزيادة أمرين أحدهما ما حصل له من فائدة التركيب والترتيب كما بينا من مثال السكر والخل. والثاني ما أشرق عليه من الأنوار القدسية وحيان وإهاما، ومناجاة، وإكراما.
فأين للروحاني هذه الدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والكمال الموجود؟
بل ومن أين للروحانيات كلها هذا التركيب الذي خص نوع الإنسان به؟
وما تعلقوا به من القوة البالغة على تحريك الأجسام، وتصريف الأجرام1، فليس يقتضي شرفا، فإن ما يثبت لشيء ويثبت لضده مثله لم يتضمن شرفا. ومن المعلوم أن الجن والشياطين قد ثبت لهم من القوة البالغة والقدرة الشاملة ما يعجز كثير من الموجودات عن ذلك، وليس ذلك مما يوجب شرفا وكمالا. وإنما الشرف في استعمال كل قوة فيما خلقت له، وأمرت به، وقدرت عليه.
قالت الصابئة:
الروحانيات لها اختيارات صادرة من الأمر. متوجهة إلى الخير، مقصورة على نظام العالم، وقوام الكل. لا يشوبها البتة شائبة الشر، وشائبة الفساد، بخلاف اختيار البشر، فإنه متردد بين طرفي الخير والشر لولا رحمة الله في حق البعض، وإلا فوضع--------------------------------------------
1 الجرم: بكسر الجيم، الجسد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 84)
اختيارهم كان ينزع إلى جانب الشر والفساد، إذا كانت الشهوة والغضب المركوزتان فيهم يجرانهم إلى جانبهما. وأما الروحانيات فلا ينازع اختيارهم إلا التوجه إلى وجه الله تعالى، وطلب رضاه، وامتثال أمره، فلا جرم! كل اختيار هذا حاله لا يتعذر عليه ما يختاره، فكما أراد، واختار وجد المراد، وحصل المختار.
وكل اختيار ذلك حاله تعذر عليه ما يختاره، فلا يوجد المراد، ولا يحصل المختار.
أجابت الحنفاء بجوابين:
أحدهما: نيابة عن جنس البشر، والثاني: نيابة عن الأنبياء عليهم السلام.
أما الأول فنقول: اختيار الروحانيات إذا كان مقصورا على أحد الطرفين، محصورا: كان في وضعه مجبورا، ولا شرف في الجبر. واختيار البشر تردد بين طرفي الخير والشر، فمن جانب يرى آيات الرحمن، ومن طرف يسمع وساوس الشيطان، فتميل به تارة دعوة الحق إلى امتثال الأمر، وتميل به طورا داعية الشهوة إلى أتباع الهوى. فإذا أقر طوعا وطبعا بوحدانية الله تعالى، واختار من غير جبر وإكراه طاعته، وصير اختياره المتردد بين الطرفين مجبورا تحت أمره تعالى باختيار من جهته من غير إجبار: صار هذا الاختيار أفضل وأشرف من الاختيار المجبور فطرة. كالمكره فعله: كسبا، الممنوع عما لا يجب جبرا، ومن لا شهوة له فلا يميل إلى المشتهى، كيف يمدح عليه؟ وإنما المدح كل المدح لمن زين له المشتهى، فنهى النفس عن الهوى. فتبين أن اختيار البشر أفضل من اختيار الروحانيات.
وأما الثاني: فنقول: إن اختيار الأنبياء عليهم السلام مع ما أنه ليس من جنس اختيار البشر من وجه، فهو متوجه إلى الخير، مقصور على الصلاح الذي به نظام العالم وقوام الكل، صادر عن الأمر، صائر إلى الأمر، لا يتطاق إلى اختيارهم ميل إلى الفساد، بل ودرجتهم فوق ما يبتدر إلى الأوهام، فإن العالي لا يريد أمرا لأجل السافل، من حيث هو سافل، بل إنما يختار ما يختار لنظام كلي، وأمر أعلى من الجزئي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 85)
ثم يتضمن ذلك حصول نظام في الجزئي تبعا لا مقصودا. وهذا الاختيار والإرادة على جهة سنة الله تعالى في اختياره ومشيئته للكائنات، لأن مشيئته تعالى كلية متعلقة بنظام الكل، غير معللة بعلة، حتى لا يقال إنما اختار هذا لكذا، وإنما فعل هذا لكذا، فلكل شيء علة ولا علة لصنعه تعالى، بل لا يريد إلا كما علم. وذلك أيضا ليس بتعليل، لكنه بيان أن إرادته أعلى من أن تتعلق بشيء لعلة دونها، وإلا لكان ذلك الشيء حاملا له على ما يريد. وخالق العلل والمعلولات لا يكون محمولا على شيء، فاختياره لا يكون معللا بشيء. واختياره الرسول المبعوث من جهته ينوب عن اختياره، كما أن أمره ينوب عن أمره، فيسلك سبل ربه ذللا1، ثم يخرج من قضية اختياره نظام حال وقوام أمر مختلف ألوانه، فيه شفاء للناس. فمن أين للروحانيات هذه المنزلة؟ وكيف يصلون إلى هذه الدرجة؟
كيف، وكل ما يذكرونه، فموهوم، وكل ما يذكره النبي فمحقق مشاهدة، وعيان. بل وكل ما يحكى عن الروحانيات من كمال علمهم، وقدرتهم، ونفوذ اختيارهم، واستطاعتهم، فإنما أخبرنا بذلك الأنبياء والمرسلون عليهم السلام. وإلا فأي دليل أرشدنا إلى ذلك ونحن لم نشاهدهم، ولم نستدل بفعل من أفعالهم على صفاتهم وأحوالهم؟
قالت الصابئة:
الروحانيون متخصصون بالهياكل العلوية، مثل زحل، والمشتري، والمريخ، والشمس، والزهرة، وعطارد، والقمر، وهذه السيارات كالأبدان والأشخاص بالنسبة إليها، وكل ما يحدث من الموجودات، ويعرض من الحوادث، فكلها مسببات هذه الأسباب، وآثار هذه العلويات، فيفيض على هذه العلويات من الروحانيات تصريفات وتحريكات إلى جهات الخير والنظام، ويحصل من حركاتها واتصالاتها تركيبات وتأليفات في هذا العالم، ويحدث في المركبات أحوال ومناسبات فهم الأسباب الأول،--------------------------------------------
1 ذللا: جمع ذلول، وهي حال من السبل. والمعنى مسخرة فلا تعسر عليه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 86)
والكل مسبباتها، والمسبب لا يساوي السبب والجسمانيون متشخصون بالأشخاص السفلية، والمتشخص كيف يماثل غير المتشخص؟
وإنما يجب على الأشخاص في أفعالهم وحركاتهم اقتفاء آثار الروحانيات في أفعالها وحركاتها، حتى يراعى أحوال الهياكل وحركات أفلاكها زمانا ومكانا، وجوهرا، وهيئة، ولباسا، وبخورا، وتعزيما. وتنجيما، ودعاءً، وحاجة خاصة بكل هيكل، فيكون تقربا إلى الهيكل تقربا إلى الروحاني الخاص به، فيكون تقربا إلى رب الأرباب ومسبب الأسباب، حتى يقضي حاجته، ويتم مسألته.
وسيأتي تفصيل ما أجملوه من أمر الهياكل عند ذكر أصحابها إن شاء الله تعالى.
أجابت الحنفاء:
بأن قالوا: الآن نزلتم عن نيابة الروحانيات الصرفة إلى نيابة هياكلها، وتركتم مذهب الصبوة الصرفة. فإن الهياكل أشخاص الروحانيين. والأشخاص هياكل الربانيين، غير أنكم أثبتم لكل روحاني هيكلا خاصا، له فعل خاص لا يشاركه فيه غيره.
ونحن نثبت أشخاصا رسلا كراما، تقع أوضاعهم وأشخاصهم في مقابلة كل الكون: الروحاني منهم في مقابلة الروحاني منها. والأشخاص منهم في مقابلة الهياكل منها، وحركاتهم في مقابلة حركات جميع الكواكب والأفلاك، وشرائعهم مراعاة حركات استندت إلى تأييد إلهي، ووحي سماوي موزونة بميزان العدل، مقدرة على مقادير الكتاب الأول، {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} 1، ليست مستخرجة بالآراء المظلمة، ولا مستنبطة بالظنون الكاذبة إن طابقتها على المعقولات تطابقتا، وإن وافقتها بالمحسوسات توافقتا.
كيف ونحن ندعي أن الدين الإلهي هو الموجود الأول، والكائنات تقدرت عليه،--------------------------------------------
1 الحديد آية 25.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 87)
وأن المناهج التقديرية هي الأقدم، ثم المسالك الخلقية والسنن الطبيعية توجهت إلينا. ولله تعالى سنتان في خلقه وأمره، والسنة الأمرية اقدم وأسبق من السنة الخلقية. وقد أطلع خواص عباده من البشر على السنتين {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} 1 هذا من جهة الخلق، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} 2 هذا من جهة الأمر.
فالأنبياء عليهم السلام متوسطون في تقرير سنة الأمر. والملائكة متوسطون في تقرير سنة الخلق. والأمر أشرف من الخلق، فمتوسط الأمر أشرف من متوسط الخلق، فالأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة.
وهذا عجب حيث صارت الروحانيات الأمرية متوسطات في الخلق، وصارت الأشخاص الخلقية متوسطين في الأمر، ليعلم إن الشرف والكمال في التركيب لا في البساطة، واليد للجسمائي لا للروحاني، والتوجه إلى التراب أولى من التوجه إلى السماء، والسجود لآدم عليه السلام أفضل من التسبيح والتحميد والتقديس.
وليعلم أن الكمال في إثبات الرجال، لا في تعيين الهياكل والظلال، وانهم هم الآخرون وجودا، السابقون فضلا، وأن آخر العمل أول الفكرة، وأن الفطرة لمن له الحجة. وأن المخلوق بيديه لا يكون كالمكون بحرفيه، قال عز وجل: "فوعزتي وجلالي، لا أجعل من خلقته بيدي، كمن قلت له كن فكان" 3.
قالت الصابئة:
الروحانيات مبادئ الموجودات وعالمها معاد الأرواح. والمبادئ أشرف ذاتا، وأسبق وجودا، وأعلى رتبة ودرجة من سائر الموجودات التي حصلت بتوسطها. وكذلك عالمها، عالم المعاد، والمعاد كمال، فعالمها عالم الكمال.--------------------------------------------
1، 2 فاطر آية 42 والتلاوة -فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولم تجد لسنة الله تحويلا-.
3 من الأحاديث القدسية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 88)
فالمبدأ منها، والمعاد إليها، والمصدر عنها، والمرجع إليها بخلاف الجسمانيات. وأيضا، فإن الأرواح إنما نزلت من عالمها حتى اتصلت بالأبدان، فتوسخت بأوضار الأجسام، ثم تطهرت عنها بالأخلاق الزكية، والأعمال المرضية، حتى انفصلا عنها، فصعدت إلى عالمها الأول. والنزول هو النشأة الأولى، والصعود هو النشأة الآخرة. فعرف أنهم أصحاب الكمال، لا أشخاص الرجال.
أجابت الحنفاء:
قالوا: من أين تسلمتم هذا التسليم: أن المبادئ هي الروحانيات؟ وأي برهان أقمتم؟، وقد نقل عن كثير من قدماء الحكماء إن المبادئ هي الجسمانيات، على اختلاف منهم في الأول منها أنه نار، أو هواء، أو ماء، أو أرض؟ واختلاف آخر: أنه مركب، أو بسيط؟ واختلاف آخر: أنه إنسان، أو غيره؟، حتى صارت جماعة إلى إثبات أناس سرمديين.
ثم منهم من يقول: إنهم كانوا كالظلال حول العرش، ومنهم من يقول إن الآخر وجودا من حيث الشخص في هذا العالم هو الأول وجودا من حيث الروح في ذلك العالم. وعليه خرج أن أول الموجودات نور محمد عليه السلام، فإذا كان شخصه هو الآخر من جملة الأشخاص النبوية، فروحه هو الأول من جملة الأرواح الربانية، وإنما حضر هذا العالم ليخلص الأرواح المدنسة بالأوضار الطبيعية، فيعيدها إلى مبدئها، وإذا كان هو المبدأ، فهو المعاد أيضا. فهو النعمة وهو النعيم، وهو الرحمة وهو الرحيم.
قالوا: ونحن إذا أثبتنا إن الكمال في التركيب، لا في البساطة والتحليل، فيجب أن يكون المعاد بالأشخاص والأجساد، لا بالنفوس والأرواح، والمعاد كمال لا محالة. غير أن الفرق بين المبدأ والمعاد هو أن الأرواح في المبدأ مستورة بالأجساد، وأحكام الأجساد غالبة، وأحوالها ظاهرة للحس، والأجساد في المعاد مغمورة بالأرواح، وأحكام النفوس غالبة، وأحوالها ظاهرة للعقل، وإلا فلو كانت الأجساد تبطل رأسا، وتضمحل أصلا،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 89)
وتعود الأرواح إلى مبدئها الأول ما كان الاتصال بالأبدان والعمل بالمشاركة فائدة، ولبطل تقدير الثواب والعقاب على فعل العباد. ومن الدليل القاطع على ذلك أن النفوس الإنسانية في حال اتصالها بالبدن اكتسبت أخلاقا نفسانية صارت هيئات متمكنة فيها تمكن الملكات، حتى قيل أنها نزلت منزلة الفصول اللازمة التي تميزها عن غيرها، ولولاها لبطل التمييز. وتلك الهيئات إنما حصلت بمشاركات من القوى الجسمانية، بحيث لن يتصور وجودها إلا مع تلك المشاركة، وتلك القوى لن تتصور إلا في أجسام مزاجية، فإذا كانت النفوس لن تتصور إلا معها وهي المعينة المخصصة وتلك لن تتصور إلا مع الأجسام، فلا بد من حشر الأجسام، والمعاد بالأجسام.
قالت الصابئة:
طريقنا في التوسل إلى حضرة القدس ظاهر، وشرعنا معقول، فإن قدماءنا من الزمان الأول لما أرادوا الوسيلة عملوا أشخاصا في مقابلة الهياكل العلوية على نسب وإضافات، راعوا فيها جوهراُ وصورة، وعلى أوقات وأحوال وهيئات، أوجبوا على من يتقرب بها إلى ما يقابلها من العلويات تختمان ولباسا، وتبخرا ودعاء وتعزيما، فتقربوا إلى الروحانيات، فتقربوا إلى رب الأرباب ومسبب الأسباب. وهو طريق متبع، وشرع ممهد لا يختلف بالأمصار والمدن، ولا ينتسخ بالأدوار والأكوار1. ونحن تلقينا مبدأه من عاذيمون وهرمس2 العظيمين، فعكفنا على ذلك دائمين.
وأنتم معاشر الحنفاء تعصبتم للرجال، وقلتم بأن الوحي والرسالة ينزلوا عليهم من عند الله تعالى بواسطة، أو بغير واسطة. فما الوحي أولا؟ وهل يجوز أن يكلم الله بشرا؟ وهل يكون كلامه من جنس كلامنا؟ وكيف ينزل ملك من السماء وهو ليس بجسماني أبصورته؟ أم بصورة البشر؟ وما معنى تصوره بصورة الغير؟ أفيخلع صورته ويلبس لباسا آخر، أم يتبدل وضعه وحقيقته؟. ثم ما لبرهان أولا على جواز انبعاث الرسل في صورة البشر؟--------------------------------------------
1 الأكوار: جمع كور؛ بمعنى دور.
2 سيأتي الكلام عنهما وتعريفهما بصحيفة 103.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 90)
وما دليل كل مدع منهم؟ أفنأخذ بمجرد دعواه، أم لا بد من دليل خارق للعادة؟ وإن أظهر ذلك أفهو من خواص النفوس؟ أم من خواص الأجسام؟ أم من فعل الباري تعالى؟. ثم ما الكتاب الذي جاء به أفهو كلام الباري تعالى، وكيف يتصور في حقه كلام؟ أم هو كلام الروحاني؟. ثم هذه الحدود والأحكام أكثرها غير معقولة، فكيف يسمح عقل الإنسان بقبول أمر لا يعقله؟ وكيف تطاوعه نفسه بتقليد شخص مثله؟ أبأن يريد أن يتفضل عليه؟ {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} 1.
أجابت الحنفاء:
بأن المتكلمين منا يكفوننا جواب هذا الفصل بطريقتين أحدهما: الإلزام، تعرضا لإبطال مذهبكم. والثاني: الحجة، تعرضا لإثبات مذهبنا.
أما الإلزام فقالوا: إنكم ناقضتم مذهبكم، حيث قلتم بتوسط عاذيمون وهرمس، وأخذتم طريقتكم منهما. ومن أثبت المتوسط في إنكار المتوسط، فقد تناقض كلامه، وتخلف مرامه.
وزادوا هذا تقريرا بأنكم معاشر الصابئة أيضا متوسطون، يحتاج إليكم في التزام مذهبكم، إذ من المعلوم أن كل من دب ودرج منكم ليس يعرف طريقتكم، ولا يقف على صنعتكم من علم، وعمل. أما العلم فالإحاطة بحركات الكواكب والأفلاك، وكيفية تصرف الروحانيات فيها. وأما العمل فصنعة الأشخاص في مقابلة الهياكل على النسب بل قوم مخصوصون أو واحد في كل زمان يحيط بذلك علما، ويتيسر له عملا، فقد أثبتم متوسطا عالما من جنس البشر، وقد ناقض آخر كلامكم أوله.--------------------------------------------
1 المؤمنون آية 24.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 91)