"هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى". وذلك خروج صريح على النبي عليه الصلاة والسلام، ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجيا، فمن اعترض على الرسول أحق بأن يكون خارجيا. أو ليس ذلك قولا بتحسين العقل وتقبيحه؟ وحكما بالهوى في مقابلة النص، واستكبارا على الأمر بقياس العقل؟ حتى قال عليه الصلاة والسلام: "سيخرج من ضئضئ 1 هذا الرجل قوم يمرقون 2 من الدين كما يمرق السهم من الرمية … " الخبر بتمامه.
واعتبر حال طائفة أخرى من المنافقين يوم أحد إذ قالوا: {هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} 3 وقولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} 4 وقولهم: {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} 5 فهل ذلك إلا تصريح بالقدر؟ وقول طائفة من المشركين: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} 6 وقول طائفة: {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} 7 فهل هذا إلا تصريح بالجبر؟
واعتبر حال طائفة أخرى حيث جادلوا في ذات الله، تفكرا في جلاله، وتصرفا في أفعاله حتى منعهم وخوفهم بقوله تعالى: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} 8 فهذا ما كان في زمانه عليه الصلاة والسلام وهو على شوكته وقوته وصحة بدنه. والمنافقون يخادعون فيظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وإنما يظهر نفاقهم بالاعتراض في كل وقت على حركاته وسكناته، فصارت الاعتراضات كالبذور، وظهرت منها الشبهات كالزروع.
وأما الاختلافات الواقعة في حال مرضه عليه الصلاة والسلام وبعد وفاته بين الصحابة رضي الله عنهم، فهي اختلافات اجتهادية كما قيل، كان غرضهم منها إقامة مراسم الشرع، وإدامة مناهج الدين.--------------------------------------------
1 الضئضئ: الجنس، والأصل، والمحتد، يقال: فلان من ضئضئ صدق: أي من محتد صدق.
2 يمرق من الدين: يخرج منه.
3، 4، 5 آل عمران آية 154، 156.
6 النحل آية 35.
7 يس آية 47.
8 الرعد آية 13، ومعنى المحال القوة والأخذ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
فأول تنازع وقع في مرضه عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، قال: "لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه قال: "ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي" فقال عمر رضي الله عنه: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله" وكثر اللغط1، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع" قال ابن عباس: "الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم".
الخلاف الثاني: في مرضه أنه قال: "جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه" فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز من المدينة. وقال قوم: قد اشتد مرض النبي عليه الصلاة والسلام فلا تسع قلوبنا مفارقته، والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره.
وإنما أوردت هذين التنازعين، لأن المخالفين ربما عدوا ذلك من الخلافات المؤثرة في أمر الدين، وليس كذلك. وإنما كان الغرض كله: إقامة مراسم الشرع في حال تزلزل القلوب، وتسكين نائرة2 الفتنة المؤثرة عند تقلب الأمور.
الخلاف الثالث: في موته عليه السلام، قال عمر بن الخطاب: من قال: إن محمدا قد مات قتلته بسيفي هذا؛ وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى عليه السلام، وقال أبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد إله--------------------------------------------
1 اللغط: الصوت المبهم والجلبة.
2 نائرة الفتنة: نأرت في الناس نائرة، هاجت هائجة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
محمد فإن إله محمد حي لم يمت ولن يموت، وقرأ قول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} 1 فرجع القوم إلى قوله؛ وقال عمر رضي الله عنه: "كأني ما سمعت هذه الآية حتى قرأها أبو بكر".
الخلاف الرابع: في موضع دفنه عليه السلام، أراد أهل مكة من المهاجرين رده إلى مكة لأنها مسقط رأسه، ومأنس نفسه، وموطئ قدمه، وموطن أهله، وموقع رحله؛ وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته، ومدار نصرته؛ وأرادت جماعة نقله إلى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء، ومنه معراجه إلى السماء. ثم اتفقوا على دفنه بالمدينة لما روى عنه عليه الصلاة والسلام: "الأنبياء يدفنون حيث يموتون".
الخلاف الخامس: في الإمامة، وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان. وقد سهل الله تعالى ذلك في الصدر الأول، فاختلف المهاجرون والأنصار فيها، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير واتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الأنصاري، فاستدركه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الحال بأن حضرا سقيفة بني ساعدة، وقال عمر: كنت أزور2 في نفسي كلاما في الطريق، فلما وصلنا إلى السقيفة أردت أن أتكلم فقال أبو بكر: مه3 يا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ما كنت أقدره في نفسي كأنه يخبر عن غيب، فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدي إليه فبايعته وبايعه الناس وسكنت الفتنة،--------------------------------------------
1 آل عمران آية 144.
2 أزور كلاما: أحسن كلاما وأقومه وأنمقه.
3 مه: اكفف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
إلا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة1 وقى الله المسلمين شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فأيما رجل بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنهما تغرة2 يجب أن يقتلا.
وإنما سكتت الأنصار عن دعواهم لرواية أبي بكر عن النبي عليه السلام: "الأئمة من قريش" وهذه البيعة هي التي جرت في السقيفة، ثم لما عاد إلى المسجد انثال3 الناس عليه وبايعوه عن رغبة، سوى جماعة من بني هاشم وأبي سفيان من بني أمية. وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان مشغولا بما أمره النبي صلى الله عليه وسلم من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره من غير منازعة ولا مدافعة.
الخلاف السادس: في أمر فدك4 والتوارث عن النبي عليه السلام، ودعوى فاطمة عليها السلام وراثة تارة، وتمليكا أخرى، حتى دفعت عن ذلك بالرواية المشهورة عن النبي عليه السلام: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة".
الخلاف السابع:
في قتال مانعي الزكاة، فقال قوم: لا نقاتلهم قتال الكفرة.
وقال قوم: بل نقاتلهم، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: لو منعوني عقالا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه، ومضى بنفسه إلى قتالهم، ووافقه جماعة الصحابة بأسرهم. وقد أدى اجتهاد عمر رضي الله عنه في أيام خلافته إلى رد السبايا والأموال إليهم، وإطلاق المحبوسين منهم، والإفراج عن أسراهم.--------------------------------------------
1 فلتة: دون تدبر وتمهل.
2 تغرة: غرر بنفسه تغريرا، وتغرة: عرضها للهلاك.
3 انثال عليه الناس: انصبوا عليه وتكاثروا حوله.
4 فدك: قرية شمال المدينة، كانت لليهود، ولما انهزم يهود خيبر خشي يهود فدك على أنفسهم فسلموا قريتهم للنبي عليه السلام دون قتال فكانت خالصة له ينفق منها على نفسه، وعلى بعض المحتاجين من بني هاشم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
الخلاف الثامن: في تنصيص1 أبي بكر على عمر بالخلافة وقت الوفاة، فمن الناس من قال: قد وليت علينا فظا غليظا، وارتفع الخلاف بقول أبي بكر: لو سألني ربي يوم القيامة لقلت: وليت عليهم خيرهم لهم.
وقد وقع في زمانه اختلافات كثيرة في مسائل ميراث الجد، والإخوة، والكلالة2، وفي عقل3 الأصابع، وديات الأسنان، وحدود بعض الجرائم التي لم يرد فيها نص، وإنما أهم أمورهم: الاشتغال بقتال الروم، وغزو العجم. وفتح الله تعالى الفتوح على المسلمين، وكثرت السبايا والغنائم، وكانوا كلهم يصدرون عن رأي عمر رضي الله عنه، وانتشرت الدعوة، وظهرت الكلمة، ودانت العرب، ولانت العجم.
الخلاف التاسع: في أمر الشورى واختلاف الآراء فيها. واتفقوا كلهم على بيعة عثمان رضي الله عنه، وانتظم الأمر واستمرت الدعوة في زمانه، وكثرت الفتوح، وامتلأ بيت المال، وعاشر الخلق على أحسن خلق، وعاملهم بأبسط يد، غير ان أقاربه من بني أمية قد ركبوا نهابر4 فركبته، وجاروا فجير عليه، ووقعت في زمانه اختلافات كثيرة وأخذوا عليه أحداثا كلها محالة5 على بني أمية.
منها: رده الحكم بن أمية إلى المدينة بعد أن طرده رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يسمى طريد رسول الله؛ وبعد أن تشفع إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أيام خلافتهما فما أجاباه إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخا.--------------------------------------------
1 انظر كلام أبي بكر في هذا الموضوع، جـ1 ص8 من الكامل للمبرد، ط مصطفى الحلبي.
2 من عدا الولد والوالد من الورثة، أو: من مات ولا والد له ولا ولد.
3 العقل: ما يدفع للمجني عليه كتعويض لما أصابه.
4 نهابر: مهالك، جمع نهبورة بضم النون فيهما.
5 محالة: محولة، أي محمولة ومنسوبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
ومنها نفيه أبا ذر إلى الربذة1، وتزويجه مروان بن الحكم بنته، وتسليمه خمس غنائم أفريقية له وقد بلغت مائتي ألف دينار.
ومنها: إيواؤه عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان رضيعه بعد أن أهدر النبي عليه الصلاة والسلام دمه، وتوليته إياه مصر بأعمالها، وتوليته عبد الله بن عامر البصرة حتى أحدث فيها ما أحدث. إلى غير ذلك مما نقموا عليه، وكان أمراء جنوده: معاوية بن أبي سفيان عامل الشام، وسعد بن أبي وقاص عامل الكوفة، وبعده الوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر عامل البصرة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح عامل مصر. وكلهم خذلوه ورفضوا حتى أتى قدره عليه، وقتل مظلوما في داره، وثارت الفتنة من الظلم الذي جرى عليه، ولم تسكن بعد.
الخلاف العاشر: في زمان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له. فأوله: خروج طلحة والزبير إلى مكة، ثم حمل عائشة إلى البصرة، ثم نصب القتال معه. ويعرف ذلك بحرب الجمل. والحق أنهما رجعا وتابا، إذ ذكرهما أمرا فتذكراه. فأما الزبير فقتله ابن جرموز بقوس وقت الانصراف، وهو في النار لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بشر قاتل ابن صفية بالنار". وأما طلحة فرماه مروان بن الحكم بسهم وقت الإعراض2 فخر ميتا. وأما عائشة رضي الله عنها فكانت محمولة على ما فعلت، ثم تابت بعد ذلك ورجعت. والخلاف بينه وبين معاوية، وحرب صفين، ومخالفة الخوارج، وحمله على التحكيم، ومغادرة عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، وبقاء الخلاف إلى وقت وفاته مشهور. وكذلك الخلاف بينه وبين الشراة3--------------------------------------------
1 الربذة: من قرى المدينة.
2 وقت الإعراض: وقت أن أعرض عن القتال، أي كف واعتزل الحرب.
3 الشراة: الخوارج، الواحد شار؛ سموا بذلك لقولهم شرينا أنفسنا في طاعة الله، فهو من شرى يشري كرمى يرمي، فهو شار وجمعه شراة بخلاف شرى كفرح، فإن اسم فاعله شر، وهو لا يجمع على شراة. قيل: ويجوز أن يكون من المشاراة أي المجادلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
المارقين بالنهروان1 عقدا وقولا، ونصب القتال معه فعلا ظاهرا معروف، وبالجملة كان علي رضي الله عنه مع الحق، والحق معه. وظهر في زمانه الخوارج2 عليه مثل الأشعث بن قيس، ومسعود بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي وغيرهم. وكذلك ظهر في زمانه الغلاة في حقه مثل عبد الله بن سبإ وجماعة معه. ومن الفريقين ابتدأت البدعة والضلالة، وصدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يهلك فيه اثنان: محب غال ومبغض قال".
وانقسمت الاختلافات بعده إلى قسمين: أحدهما الاختلاف في الإمامة. والثاني: الاختلاف في الأصول.
والاختلاف في الإمامة على وجهين:
أحدهما: القول بأن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار.
والثاني: القول بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين.
فمن قال إن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار؛ قال بإمامة كل من اتفقت عليه الأمة، أو جماعة معتبرة من الأمة: إما مطلقا، وإما بشرط أن يكون قرشيا؛ على مذهب قوم. وبشرط أن يكون هاشميا؛ على مذهب قوم. إلى شرائط أخرى كما سيأتي.
ومن قال بالأول، قال بإمامة معاوية وأولاده، وببعدهم بخلافة مروان وأولاده.
والخوارج اجتمعوا في كل زمان على واحد منهم بشرط أن يبقى على مقتضى اعتقادهم، ويجري على سنن العدل في معاملاتهم، وإلا خذلوه وخلعوه، وربما قتلوه.
ومن قالوا إن الإمامة تثبت بالنص، اختلفوا بعد علي رضي الله عنه، فمنهم من قال--------------------------------------------
1 النهروان: بفتح النون وتثليث الراء، وبضمها: عدة قرى بين واسط وبغداد بالعراق.
2 سيأتي الكلام على الخوارج في موضعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
إنه نص على ابنه محمد بن الحنفية، وهؤلاء هم الكيسانية، ثم اختلفوا بعده، فمنهم من قال إنه لم يمت، ويرجع فيملأ الأرض عدلا، ومنهم من قال إنه مات، وانتقلت الإمامة بعده إلى ابنه أبي هاشم، وافترق هؤلاء، فمنهم من قال الإمامة بقيت في عقبه وصية بعد وصية، ومنهم من قال إنها انتقلت إلى غيره، واختلفوا في ذلك الغير، فمنهم من قال هو بنان بن سمعان النهدي، ومنهم من قال هو علي بن عبد الله بن عباس، ومنهم من قال هو عبد الله بن حرب الكندي، ومنهم من قال هو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهؤلاء كلهم يقولون إن الدين طاعة رجل، ويتأولون أحكام الشرع كلها على شخص معين كما ستأتي مذاهبهم.
وأما من لم يقل بالنص على محمد بن الحنفية فقال بالنص على الحسن والحسين رضي الله عنهما، وقال: لا إمامة في الأخوين إلا الحسن والحسين رضي الله عنهما. ثم اختلفوا، فمنهم من أجرى الإمامة في أولاد الحسن، فقال بعده بإمامة ابنه الحسن، ثم ابنه عبد الله، ثم ابنه محمد، ثم أخيه إبراهيم الإمامين، وقد خرجا في أيام المنصور فقتلا في أيامه. ومن هؤلاء من يقول برجعة محمد الإمام، ومنهم من أجرى الوصية في أولاد الحسين وقال بعده بإمامة ابنه علي بن الحسين زيد العابدين نصا عليه. ثم اختلفوا بعده، فقالت الزيدية بإمامة ابنه زيد. ومذهبهم: أن كل فاطمي خرج، وهو عالم، زاهد، شجاع، سخي، كان إماما واجب الاتباع، وجوزوا رجوع الإمامة إلى أولاد الحسن. ثم منهم من وقف وقال بالرجعة، ومنهم من ساق وقال بإمامة كل من هذا حاله في كل زمان، وسيأتي فيما بعد تفصيل مذاهبهم.
وأما الإمامية فقالوا بإمامة محمد بن علي الباقر نصا عليه، ثم بإمامة جعفر بن محمد الصادق وصية إليه، ثم اختلفوا بعده في أولاده: من المنصوص عليه؟ وهم خمسة: محمد، وإسماعيل، وعبد الله، وموسى، وعلي. فمنهم من قال بإمامة محمد وهم العمارية، ومنهم من قال بإمامة إسماعيل وأنكر موته في حياة أبيه وهم المباركية، ومن هؤلاء من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
وقف عليه وقال برجعته، ومنهم من ساق الإمامة في أولاده نصا بعد نص إلى يومنا هذا، وهم الإسماعيلية، ومنهم من قال بإمامة عبد الله الأفطح، وقال برجعته بعد موته لأنه مات ولم يعقب1، ومنهم من قال بإمامة موسى نصا عليه إذ قال والده: سابعكم قائمكم، إلا وهو سمي صاحب التوراة. ثم هؤلاء اختلفوا، فمنهم من اقتصر عليه وقال برجعته؛ إذ قال لم يمت هو، ومنهم من توقف في موته وهم الممطورة، ومنهم من قطع بموته، وساق الإمامة إلى ابنه علي بن موسى الرضا، وهم القطعية. ثم هؤلاء اختلفوا في كل ولد بعده، فالاثنا عشرية ساقوا الإمامة من على الرضا إلى ابنه محمد، ثم إلى ابنه علي، ثم إلى ابنه الحسن، ثم إلى ابنه محمد القائم المنتظر الثاني عشر، وقالوا: هو حي لم يمت، ويرجع فيملأ الدنيا عدلا، كما ملئت جورا. وغيرهم ساقوا الإمامة إلى الحسن العسكري، ثم قالوا بإمامة أخيه جعفر، وقالوا بالتوقف عليه، أو قالوا بالشك في حال محمد، ولهم خبط2 طويل في سوق الإمامة، والتوقف، والقول بالرجعة بعد الموت، والقول بالغيبة، ثم بالرجعة بعد الغيبة.
فهذه جملة الاختلافات في الإمامة، وسيأتي تفصيل ذلك عند ذكر المذاهب.
وأما الاختلافات في الأصول فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، ويونس الأسواري في القول بالقدر وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر، ونسج على منوالهم واصل بن عطاء الغزال، وكان تلميذ الحسن البصري، وتلمذ له عمرو بن عبيد، وزاد عليه في مسائل القدر، وكان عمرو من دعاة يزيد الناقص أيام بني أمية، ثم والي المنصور وقال بإمامته، ومدحه المنصور يوما فقال: نثرت الحب للناس فلقطوا غير عمرو بن عبيد.
والوعيدية من الخوارج، والمرجئة من الجبرية.
والقدرية ابتدءوا بدعتهم في زمان الحسن، واعتزل واصل عنهم وعن أستاذه--------------------------------------------
1 لم يعقب: لم يترك ولدا.
2 حقيقة الخبط: الضرب على غير اتساق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
بالقول منه بالمنزلة بين المنزلتين. فسمي هو وأصحابه معتزلة. وقد تلمذ له زيد بن علي وأخذ الأصول فلذلك صارت الزيدية كلهم معتزلة. ومن رفض زيد بن علي لأنه خالف مذهب آبائه في الأصول، وفي التبري والتولي؛ وهم من أهل الكوفة؛ وكانوا جماعة، سموا رافضة. ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حيث نشرت أيام المأمون فخلطت مناهجها بمناهج الكلام. وأفردتها فنا من فنون العلم، وسمتها باسم الكلام، إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتاقتلوا عليها، هي مسألة الكلام، فسمي النوع باسمها، وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان.
وكان أبو الهذيل العلاف شيخهم الأكبر؛ وافق الفلاسفة في أن الباري تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته، وكذلك قادر بقدرة، وقدرته ذاته، وأبدع بدعا في الكلام، والإرادة، وأفعال العباد، والقول بالقدر، والآجال، والأرزاق، كما سيأتي في حكاية مذهبه، وجرت بينه وبين هشام بن الحكم مناظرات في أحكام التشبيه، وأبو يعقوب الشحام والآدمي صاحبا أبي الهذيل وافقاه في ذلك كله.
ثم إبراهيم بن سيار النظام في أيام المعتصم كان قد غلا في تقرير مذاهب الفلاسفة وانفرد عن السلف ببدع في القدر والرفض، وعن أصحابه بمسائل نذكرها، ومن أصحابه محمد بن شبيب، وأبو شمر، وموسى بن عمران، والفضل الحدثي، وأحمد بن خابط، ووافقه الأسواري في جميع ما ذهب غليه من البدع، وكذلك الإسكافية أصحاب أبي جعفر الإسكافي، والجعفرية أصحاب الجعفر بن جفعر بن مبشر، وجعفر بن حرب.
ثم ظهرت بدع بشر بن المعتمر؛ من القول بالتولد والإفراط فيه والميل إلى الطبيعيين من الفلاسفة، والقول بأن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل، وإذا فعل ذلك فهو ظالم، إلى غير ذلك مما تفرد به عن أصحابه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
وتلمد ذله أبو موسى المردار راهب المعتزلة، وانفرد عنه بإبطال إعجاز القرآن من جهة الفصاحة والبلاغة، وفي أيامه جرت أكثر التشديدات على السلف لقلوهم بقدم القرآن، وتلمذ له الجعفران، وأبو زفر، ومحمد بن سويد صاحبا المردار، وأبو جعفر الإسكافي، وعيسى بن الهيثم صاحبا جعفر بن حرب الأشج.
وممن بالغ في القول بالقدر: هشام بن عمرو الفوطي، والأصم من أصحابه، وقدحا في إمامة علي رضي الله عنه بقولهما: إن الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم. والفوطي والأصم اتفقا على أن الله تعالى يستحيل أن يكون عالما بالأشياء قبل كونها، ومنعا كون المعدوم شيئا.
وأبو الحسين الخياط، وأحمد بن علي الشطوي صحبا عيسى الصوفي، ثم لزما أبا مجالد.
وتلمذ الكعبي لابي الحسين الخياط، ومذهبه بعينه مذهبه، وأما معمر بن عباد السلمي، وثمامة بن أشرس النميري، وأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، فكانوا في زمان واحد متقاربين في الرأي والاعتقاد، منفردين عن أصحابهم بمسائل نذكرها في موضعها. والمتأخرون منهم أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري؛ قد لخصوا طرق أصحابهم، وانفردوا عنهم بمسائل ستأتي.
أما رونق الكلام فابتداؤه من الخلفاء العباسيين: هارون، والمأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل؛ وانتهاؤه من الصاحب بن عباد وجماعة من الديالمة.
وظهرت جماعة من المعتزلة متوسطين، مثل ضرار بن عمرو، وحفص الفرد، والحسين النجار، ومن المتأخرين خالفوا الشيوخ في مسائل، ونبغ منهم جهم بن صفوان في أيام نصر بن سيار، وأظهر بدعته في الجبر بترمذ1، وقتله سالم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أمية بمرو2.--------------------------------------------
1 ترمذ: قرية ببخارى.
2 مرو: بلد بفارس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
وكانت بين المعتزلة وبين السلف في كل زمان اختلافات في الصفات، وكان السلف يناظرونهم عليها، لا على قانون كلامي، بل على قول إقناعي، ويسمون الصفاتية، فمن مثبت صفات الباري تعالى معاني قائمة بذاته، ومن مشبه صفاته بصفات الخلق، وكلهم يتعلقون بظواهر الكتاب والسنة، ويناظرون المعتزلة في قدم العالم على قول ظاهر وكان عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبو العباسيي القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي أشبههم إتقانا، وأمتنهم كلاما، وجرت مناظرة بين أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وبين أستاذه أبي علي الجبائي في بعض مسائل التحسين والتقبيح، فألزم الأشعري أستاذه أمورلم يخرج عنها بجواب فأعرض عنه وانحاز إلى طائفة السلف ونصر مذهبهم على قاعدة كلامية؛ فصار ذلك مذهبا منفردا، وقرر طريقته جماعة من المحققين مثل القاضي أبي بكر الباقلاني، والأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني، والأستاذ أبي بكر بن فورك، وليس بينهم كثير اختلاف.
ونبغ رجل متنمس1 بالزهد من سجستان يقال له أبو عبد الله محمد بن كرام، قليل العلم، قد قمش2 من كل مذهب ضغثا3 وأثبته في كتابه. وروجه على أغتام4 غرجة، وغور، وسواد بلاد خراسان، فانتظم ناموسه وصار ذلك مذهبا، وقد نصره محمود بن سبكتكين السلطان، وصب البلاء على أصحاب الحديث والشيعة من جهتهم، وهو أقرب مذهب إلى مذهب الخوارج، وهم مجسمة، وحاش غير محمد بن الهيصم فإنه مقارب.--------------------------------------------
1 متستر.
2 قمش من كل مذهب: أخذ رذالته.
3 الضغث: الباطل، والكلام المخلط الفاسد.
4 الذين لا يفصحون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
المقدمة الخامسة:
في السبب الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على طريق الحساب وفيها إشارة إلى مناهج الحساب:
لما كان مبنى الحساب على الحصر والاختصار، وكان غرضي من تأليف هذا الكتاب حصر المذاهب مع الاختصار؛ اخترت طريق الاستيفاء ترتيبا، وقدرت أغراضي على مناهجه تقسيما وتبويبا. وأردت أن أبين كيفية طرق هذا العلم وكمية أقسامه؛ لئلا يظن بي أني من حيث أنا فقيه ومتكلم، أجنبي النظر في مسالكه ومراسمه، أعجمي القلم بمداركه ومعالمه، فآثرت من طرق الحساب أحكامها وأحسنها، وأقمت عليه من حجج البرهان أوضحها وامتنها، وقدرتها على علم العدد، وكان الواضع الأول منه استمداد المدد، فأقول: مراتب الحساب تبتدئ من واحد، وتنتهي إلى سبع، ولا تجاوزها ألبتة.
المرتبة الأولى: صدر الحساب وهو الموصوع الأول الذي يرد عليه التقسيم الأول، وهو فرد لا زوج له باعتبار، وجملة يقبل التقسيم والتفصيل باعتبار، فمن حيث إنه فرد فهو لا يستدعي أختا تساويه في الصورة والمدة، ومن حيث هو جملة فهو قابل للتفصيل حتى ينقسم إلى قسمين، وصورة المدة يجب أن تكون من الطرف إلى الطرف، ويكتب تحتها حشوا، مجملات التفاصيل، ومرسلات التقدير والتقرير، والنقل والتحويل، وكليات وجوه المجموع، وحكايات الإلحاق والموضوع، ويكتب تحتها بارزا من الطرف الأيسر كميات مبالغ المجموع.
المرتبة الثانية منها: الأصل، وشكلها محقق، وهو التقسيم الأول الذي ورد على المجموع الأول، وهو زوج ليس بفرد. ويجب حصره في قسمين لا يعدوان إلى ثالث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
وصورة المدة يجب أن تكون أقصر من الصدر بقليل، إذ الجزء أقل من الكل. ويكتب تحتها حشوا ما يخصها من التوجيه، والتنويع، والتفصيل، ولها أخت تساويها في المدة وإن لم يجب أن تساويها في المقدار.
المرتبة الثالثة من ذلك: الأصل، وشكله محقق أيضا، وهو التقسيم الثاني الذي ورد على الموضوع الأول والثاني. وذلك لا يجوز أن ينقص عن قسمين. ولا يجوز أن يزيد على أربعة أقسام، ومن جاوز من أهل الصنعة فقد أخطأ، وما علم وضع الحساب. وسنذكر السبب فيه. وصورته ومدته أقصر من مدة منها الأصل بقليل، وكذلك يكتب تحتها ما يليق بها حشوا وبارزا.
المرتبة الرابعة منها: المطموس. وشكلها هكذا "ط" وذكل يجوز أن يجاوز الأربعة، وأحسن الطرق أن يقتصر على الأقل ومدتها أقصر مما مضى.
المرتبة الخامسة من ذلك: الصغير، وشكله هكذا "ص" وذلك يجوز إلى حيث ينتهي التقسيم والتبويب، والمدة أقصر مما مضى.
المرتبة السادسة منها: المعوج، وشكله هكذا "،" وذلك أيضا يجوز غلى حيث ينتهي التفصيل.
المرتبة السابعة، من ذلك: المعقد، وشكله هكذا "للـ" ولكن يمد من الطرف إلى الطرف، لا على أنه صدر الحساب، بل من حيث إنه النهاية التي تشاكل البداية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
فهذه كيفية صور الحساب نقشا، وكمية أبوابها جملة، ولكل قسم من الأبواب أخت تقابله، وزوج يساويه في المدة ولا يجوز إغفال ذلك بحال، والحساب تاريخ وتوجيه.
والآن نذكر كمية هذه الصور، وانحصار الأقسام في سبع، ولم صار العدد الأول فردا لا زوج له في الصورة؟ ولم انحصر منها الأصل في قسمين لا يعدوان إلى ثالث؟ ولم انحصر من ذلك الأصل في اربعة أقسام؟ ولم خرجت الأقسام الأخر عن الحصر؟
فأقول: إن العقلاء الذين تكلموا في علم العدد والحساب اختلفوا في الواحد: أهو من العدد، أم هو مبدأ العدد وليس داخلا في العدد؟ وهذا الاختلاف إنما ينشأ من اشتراك لفظ الواحد. فالواحد يطلق ويراد به ما يتركب منه العدد؛ فإن الاثنين لا معنى لها إلا واحد مكرر أول تكرير، وكذلك الثلاثة والأربعة، ويطلق ويراد به ما يحصل منه العدد، أي هو علته ولا يدخل في العدد، أي لا يتركب منه العدد، وقد تلازم الواحدية جميع الأعداد لا على أن العدد تركب منها، بل كل موجود فهو في جنسه أو نوعه، أو شخصه واحد. يقال: إنسان واحد، وشخص واحد، وفي العدد كذلك، فإن الثلاثة في أنها ثلاثة واحدة. فالواحدية بالمعنى الأول داخلة في العدد، وبالمعنى الثاني علة للعدد، وبالمعنى الثالث ملازمة للعدد، وليس من الأقسام الثلاثة قسم يطلق على الباري تعالى معناه، فهو واحد لا كالآحاد: أي هذه الوحدات، والكثرة منه وجدت، ويستحيل عليه الانقسام بوجه من وجوه القسمة.
وأكثر أصحاب العدد على أن الواحد لا يدخل في العدد، فالعدد مصدره الأول اثنان، وهو ينقسم إلى زوج وفرد. فالفرد الأول ثلاثة، والزوج الأول أربعة، وما وراء الأربعة فهو مكرر كالخمسة فإنها مركبة من عدد وفرد، وتسمى العدد الدائر؛ والستة مركبة من فردين وتسمى العدد التام، والسبعة مركبة من فرد وزوج، وتسمى العدد الكامل؛ والثمانية مركبة من زوجين وهي بداية أخرى، وليس ذلك من غرضنا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
فصدر الحساب في مقابة الواحد الذي هو علة العدد، وليس يدخل فيه. ولذلك هو فرد لا أخت له. ولما كان العدد مصدره من اثنين، صار منها المحقق محصورا في قسمين. ولما كان العدد منقسما إلى فرد وزوج، صار من ذلك الأصل محصورا في أربعة. فإن الفرد الأول ثلاثة، والزوج الأول أربعة وهي النهاية، وما عداها مركب منها فكان البسائط العامة الكلية في العدد: واحد، واثنان، وثلاثة، وأربعة وهي الكمال. وما زاد عليها فمركبات كلها ولا حصر لها، فلذلك لا تنحصر الأبواب الأخر في عدد معلوم، بل تتناهي بما ينتهي به الحساب، ثم تركيب العدد على المعدود، وتقدير البسيط على المركب فمن علم آخر. وسنذكر ذلك عند ذكرنا مذاهب قدماء الفلاسفة.
فإذا نجزت المقدمات على أوفى تقرير وأحسن تحرير، شرعنا في ذكر مقالات أهل العالم من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، لعله لا يشذ من أقسامها مذهب.
ونكتب تحت كل باب وقسم ما يليق به ذكرا، حتى يعرف لم وضع ذلك اللفظ لذلك الباب. ونكتب تحت ذكر الفرقة المذكورة ما يعم أصنافها مذهبا واعتقادا، وتحت كل صنف ما خصه وانفرد به عن أصحابه.
ونستوفي أقسام الفرق الإسلامية ثلاثا وسبعين فرقة، ونقتصر في أقسام الفرق الخارجية عن الملة الحنيفية على ما هو أشهر وأعرف أصلا وقاعدة، فنقدم ما هو أولى بالتقديم، ونؤخر ما هو أجدر بالتأخير.
وشرط الصناعة الحسابية أن يكتب بإزاء المحدود من الخطوط ما يكتب حشوا، وشرط الصناعة الكتابية أن تترك الحواشي على الرسم المعهود عفوا. فراعيت شرط الصناعتين، ومددت الأبواب على شرط الحساب، وتركت الحواشي على رسم الكتاب، وبالله أستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
مذاهب أهل العلم من أرباب الديانات والملل وأهل الأهواء والنحل:
من الفرق الإسلامية وغيرهم ممن له كتاب منزل محقق، مثل: اليهود، والنصارى، وممن له شبهة كتاب مثل: المجوس والمانوية، وممن له حدود وأحكام دون كتاب مثل: الفلاسفة الأولى، والدهرية، وعبدة الكواكب والأوثان، والبراهمة. نذكر أربابها وأصحابها، وننقل مآخذها ومصادرها عن كتب طائفة طائفة؛ على موجب اصطلاحاتها بعد الوقوف على مناهجها، والفحص الشديد عن مبادئها وعواقبها.
ثم إن التقسيم الصحيح الدائر بين النفي والإثبات هو قولنا: إن أهل العالم انقسموا من حيث المذاهب إلى: أهل الديانات، وإلى أهل الأهواء. فإن الإنسان إذا اعتقد عقدا، أو قال قولا، فإما أن يكون فيه مستفيدا من غيره، وإما مستبدا برايه. فالمستفيد من غيره مسلم مطيع، والدين هو الطاعة، والمسلم المطيع هو المتدين، والمستبد برأيه محدث مبتدع؛ وفي الخبر عن النبي عليه السلام: "ما شقي امرؤ عن مشورة، ولا سعد باستبداد برأي" وربما يكون المستفيد من غيره مقلدا قد وجد مذهبا اتفاقيا، بأن كان أبواه أو معلمه على اعتقاد باطل فيتقلده منه دون أن يتفكر في حقه وباطله، وصواب القول فيه وخطئه؛ فحينئذ لا يكون مستفيدا، لأنه ما حصل على فائدة وعلم، ولا اتبع الأستاذ على بصيرة ويقين: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} 1 شرط عظيم فليعتبر.
وربما يكون المستبد برأيه مستنبطا مما استفاده على شرط أن يعلم موضع الاستنباط.--------------------------------------------
1 الزخرف آية 86.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
وكيفيته، فحينئذ لا يكون مستبدا حقيقة، لأنه حصل العلم بقوة تلك الفائدة: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} 1 ركن عظيم، فلا تغفل.
فالمستبدون بالرأي مطلقًا هم المنكرون للنبوات مثل الفلاسفة، والصابئة، والبراهمة، وهم لا يقولون بشرائع وأحكام أمرية، بل يضعون حدودًا عقلية حتى يمكنهم التعايش عليها.
والمستفيدون هم القائلون بالنبوات.
ومن كان قال بالأحكام الشرعية فقد قال بالحدود العقلية، ولا ينعكس.--------------------------------------------
1 النساء آية 83.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
تمهيد:
أرباب الديانات والملل من المسلمين، وأهل الكتاب، وممن له شبهة كتاب:
نتكلم ههنا في معنى الدين، والملة، والشرعة، والمنهاج والإسلام، والحنيفية، والسنة، والجماعة، فإنها عبارات وردت في التنزيل، ولكن واحدة منها معنى يخصها، وحقيقة توافقها لغة واصطلاحا. وقد بينا معنى الدين أنه الطاعة والانقياد. وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} 1 وقد يرد بمعنى الجزاء، يقال: "كما تدين تدان"، أي كما تفعل تجازى. وقد يرد بمعنى الحساب يوم المعاد والتناد، قال تعالى: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم} 2 فالمتدين هو المسلم المطيع المقر بالجزاء والحساب يوم التناد والمعاد، قال الله تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا} 3.--------------------------------------------
1 آل عمران آية 19.
2 التوبة آية 36.
3 المائدة آية 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
ولما كان نوع الإنسان محتاجا إلى اجتماع مع آخر من بني جنسه في إقامة معاشه، والاستعداد لمعاده؛ وذلك الاجتماع يجب أن يكون على شكل يحصل به التمانع والتعاون حتى يحفظ بالتمانع ما هو أهله، ويحصل بالتعاون ما ليس له؛ فصورة الاجتماع على هذه الهيئة هي الملة، والطريق الخاص الذي يوصل إلى هذه الهيئة هو المنهاج، والشرعة، والسنة: والاتفاق على تلك السنة هي الجماعة. قال الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} 1.
ولن يتصور وضع الملة، وشرع الشرعة إلا بواضع شارع يكون مخصوصا من عند الله بآيات تدل على صدقه، وربما تكون الآية مضمنة في نفس الدعوى، وقد تكون ملازمة وربما تكون متأخرة.
ثم اعلم أن الملة الكبرى هي ملة إبراهيم الخليل عليه السلام، وهي الحنيفية التي تقابل الصبوة2 تقابل التضاد، وسنذكر كيفية ذلك إن شاء الله تعالى، قال الله تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} 3.
والشريعة ابتدأت من نوح عليه السلام. قال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} 4 والحدود والأحكام ابتدأت من آدم، وشيث، وإدريس عليهم السلام، وختمت الشرائع والملل والمناهج والسنن بأكملها وأتمها حسنا وجمالا بمحمد عليه السلام. قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا} 5.
وقد قيل: خص آدم بالأسماء، وخص نوح بمعاني تلك الأسماء، وخص إبراهيم--------------------------------------------
1 المائدة آية 48.
2 الصبوة: المراد بها هنا الميل عن الحق.
3 الحج آية 78.
4 الشورى آية 13.
5 المائدة آية 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)