مقالته من كيسان هذا ومن هنا أطلق على هذه الفرقة اسم الكيسانية.
قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: "وإنما سموا "كيسانية" لأن المختار الذي خرج وطلب بدم الحسين بن علي ودعا إلى "محمد بن الحنفية" كان يقال له "كيسان"، ويقال: إنه مولى لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه"1.
وقال عبد القاهر البغدادي في ذكره للكيسانية: "هؤلاء أتباع المختار ابن أبي عبيد الثقفي، الذي قام بثأر الحسين بن علي بن أبي طالب وقتل أكثر الذين قتلوا حسيناً بكربلاء، وكان المختار يقال له كيسان، وقيل: إنه أخذ مقالته عن مولى لعلي رضي الله عنه، كان اسمه كيسان"2.
وقال أبو المظفر الإسفراييني: "وأما الكيسانية فهم أتباع مختار بن أبي عبيد الثقفي الذي كان قام يطلب ثأر الحسين بن علي بن أبي طالب وكان يقتل من يظفر به ممن كان قاتله بكربلاء"3.
وأما الشهرستاني: فقد نسب هذه الفرقة إلى كيسان مولى أمير المؤمنين وذكر أنها فرق ومن ضمنها المختارية، فقد قال: "الكيسانية: أصحاب كيسان مولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقيل: تلميذ للسيد محمد بن الحنفية، يعقتدون فيه اعتقاداً فوق حده ودرجته من إحاطته بالعلوم كلها واقتباسه من السيدين الأسرار بجملتها، من علم التأويل والباطن، وعلم الآفاق والأنفس"4.
كما أنه قرر أن "المختار بن أبي عبيد الثقفي كان خارجياً ثم صار زبيرياً ثم--------------------------------------------
1ـ مقالات الإسلاميين 1/91.
2ـ الفرق بين الفرق ص/38.
3ـ التبصير في الدين ص/30.
4ـ الملل والنحل للشهرستاني 1/147، وانظر في شأن فرقة الكيسانية مروج الذهب للمسعودي 3/70-89.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 920)
صار شيعياً وكيسانياً، قال: بإمامة محمد بن الحنفية بعد أمير المؤمنين علي رضي الله عنهما، وقيل: لا بل بعد الحسن والحسين رضي الله عنهما، وكان يدعو الناس إليه وكان يظهر أنه من رجاله ودعاته ويذكر علوماً مزخرفة بترهات ينوطها به"1.
وتقرير الشهرستاني هذا يؤدي إلى اضطراب وغموض حول حركة المختار ابن أبي عبيد وحقيقة الكيسانية ولكن الظاهر أن الحركة التي قام بها المختار كانت حركة شيعية غرضها أخذ الثأر من قتلة الحسين بن علي من جهة وتحقيق أطماع وتطلعات قائدها المختار من جهة أخرى، أما الكيسانية فهي حركة غالية منحرفة اتخذت من التشيع لآل البيت ستاراً نفذت بواسطته بتعاليمها الفاسدة وآرائها المنحرفة، وقد تولد عن الكيسانية الكثير من الحركات الباطنية، وأما المختار فقد نشأ في بيت مسلم بعيد عن هذه الانحرافات، فوالده أبو عبيد بن مسعود، كان ممن أسلموا مع قبيلة ثقيف، ثم انتقل من الطائف موطنه وحيث ولد المختار إلى المدينة وصار أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي زمن الفاروق رضي الله عنه تولى قيادة المسلمين في فتوحات العراق، واستشهد هو وابنه جبر في موقعة الجسر الشهيرة على نهر الفرات"2، وقد ولد المختار في السنة الأولى من الهجرة وانتقل مع والده إلى بلاد العراق لقتال الفرس وبعد استشهاد والده دخل تحت كفالة عمه سعيد بن مسعود، الذي كان والياً لعلي رضي الله عنه على الكوفة وقد وصف المختار بن أبي عبيد بأنه كان على درجة عالية من الذكاء والدهاء والفطنة3، وقد استغل هذا الذكاء وهذه الفطنة في محاولة للوصول إلى الحصول على مكانة عند الناس فاتخذ من حب آل البيت والولاء لهم وسيلة ينفذ منها إلى ما يهدف إليه من الولاية وحب الرياسة، واستطاع أن يجمع حوله كثيراً من--------------------------------------------
1ـ الملل والنحل للشهرستاني 1/147-148.
2ـ انظر تاريخ الطبري 3/454 وما بعدها، لسان الميزان لابن حجر 6/7.
3ـ انظر كتاب المختار الثقفي مراءة العصر الأموي، علي حسن الخربوطلي ص/40.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 921)
الأتباع والأنصار ممن ينتمون للشيعة، وتمكن من الاستيلاء على الكوفة وعقدت له البيعة فيها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والطلب بدماء أهل البيت وأول ما بدأ به بعد البيعة أن تتبع قتلة الحسين بن علي وهدم دورهم وأخذ الثأر منهم وقد أكسبه هذا الفعل مكانة عند الشيعة وحببه إليهم، وقد ذكر الشهرستاني أن المختار انتظم له ما انتظم بأمرين:
أحدهما: انتسابه إلى محمد بن الحنفية علماً ودعوة.
الثاني: قيامه بثأر الحسين بن علي رضي الله عنهما واشتغاله ليلاً ونهاراً بقتال الظلمة الذين اجتمعوا على قتل الحسين1.
وهذه تعتبر مرحلة أولى للمختار بن أبي عبيد الثقفي، فقد أظهر نفسه أنه شيعي، ينتقم لقتلى آل البيت، ويدعو إلى إمامة محمد بن الحنفية وقد ذكر الشهرستاني أنه انتقل من هذه المرحلة وصار كيسانياً ونسب إليه القول بالبداء، حيث زعم أن الله سبحانه وتعالى يغير ما يشاء تبعاً لتغير علمه وأنه يأمر بالشيء ثم يبدو له فيأمر بغيره، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً.
قال الشهرستاني: وإنما صار المختار إلى اختيار القول بالبداء لأنه كان يدعي علم ما يحدث من الأحوال، إما بوحي يوحى إليه، وإما برسالة من قبل الإمام "محمد بن الحنفية"، فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء وحدوث حادثة، فإن وافق كونه قوله جعله دليلاً على دعواه، وإن لم يوفقه قال: "قد بدا لربكم"2. وكان يستدل على ذلك بقول الله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} 3.
وقد ذكر البغدادي أن هذا التغير في آراء المختار حدث له بعد أن تم له--------------------------------------------
1ـ الملل والنحل للشهرستاني 1/148.
2ـ الملل والنحل للشهرستاني 1/149.
3ـ سورة الرعد آية/39.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 922)
الاستيلاء على الكوفة والجزيرة والعراقين إلى حدود أرمينية تكهن بعد ذلك وسجع بأسجاع الكهنة، وكان يدعي نزول الوحي عليه1 والذي يظهر أن المختار في آخر أمره تأثر ببعض غلاة الشيعة.
قال البغدادي: "إن الذي زين له ذلك جماعات من الشيعة الغلاة وقالوا له: أنت حجة هذا الزمان، وحملوه على دعوى النبوة فادعاها ولكن لم يصرح بهذا إلا لخاصته"2، وبدعواه نزول الوحي عليه حكم عليه بأنه ضال مضل.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: "المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب لا ينبغي أن يروى عنه شيئاً، لأنه ضال مضل، كان زعم أن جبرائيل عليه السلام ينزل عليه وهو شر من الحجاج أو مثله"أ. هـ3.
ومما تجدر الإشارة إليه أن العلماء أجمعوا على أن المراد بالكذاب في الحديث الذي رواه مسلم4 من حديث ابن عمر: أن في ثقيف كذاباً ومبيراً، أنه المختار ابن أبي عبيد.
فقد قال النووي رحمه الله تعالى مبيناً قول أسماء بنت أبي بكر للحجاج: "أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن في ثقيف كذاباً ومبيراً5 فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه"، قال: "وقولها في الكذاب فرأيناه تعني به المختار بن أبي عبيد، كان شديد الكذب ومن أقبحه، ادعى ان جبريل صلى الله عليه وسلم يأتيه، واتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا المختار بن أبي عبيد وبالمبير الحجاج بن يوسف والله أعلم"6.--------------------------------------------
1ـ انظر الفرق بين الفرق ص/46.
2ـ الفرق بين الفرق ص/47.
3ـ ميزان الاعتدال 4/80.
4ـ صحيح مسلم 4/1971-1972.
5ـ المبير: المهلك. انظر شرح النووي على صحيح مسلم 16/100، وانظر تحفة الأحوذي 6/467.
6ـ شرح النووي على صحيح مسلم 16/100.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 923)
وقد هلك المختار بن أبي عبيد عام "67هـ" على يد مصعب بن الزبير1 ولم تنته آراؤه الفاسدة بهلاكه، بل قام أتباعه من الكيسانية بنشرها فيما بعد فقد اجتمع رأيهم على القول بإمامة محمد بن الحنفية واختلفوا في رجعته على قولين:
فبعضهم: زعم أنه مات وسيرجع.
ومنهم من ذهب إلى أنه لم يمت بل هو حي بجبل رضوى، وعنده عينان تجريان بماء وعسل وعن يمينه أسد وعن يساره نمر يحفظانه من أعدائه إلى وقت خروجه وهو المهدي المنتظر الذي سيعود فيملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً، وإلى هذا يشير شاعرهم كثير عزة فيقول:
ألا إن الأئمة من قريش … علي والثلاثة من بنيه
فسبط سبط إيمان وبر … وسبط لا يذوق الموت حتى
تغيب لا يرى فيهم زماناً … ولاة الحق أربعة سواء
هم الأسباط2 ليس بهم خفاء … وسبط غيبته كربلاء
يقود الخيل يقدمها اللواء … برضوى عند عسل وماء3
[وقد مات ابن الحنفية بالمدينة سنة إحدى وثمانين هجرية، فقد روى ابن سعد بإسناده إلى زيد بن السائب، قال: سألت أبا هاشم عبد الله بن محمد الحنفية: أين دفن أبوك؟، فقال: بالبقيع، قلت: أي سنة؟ قال: سنة إحدى وثمانين في أولها وهو يومئذ ابن خمس وستين سنة لا يستكملها4.--------------------------------------------
1ـ انظر تاريخ الطبري 6/93 وما بعدها، الكامل في التاريخ 4/267، وما بعدها، البداية والنهاية 8/308 وما بعدها.
2ـ الأسباط: جمع سبط، قيل هم الأولاد خاصة، وقيل: أولاد الأولاد، وقيل: أولاد البنات، النهاية 2/334.
3ـ الفرق بين الفرق للبغدادي ص/41، الملل والنحل للشهرستاني 1/150.
4ـ الطبقات الكبرى لابن سعد 5/16.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 924)
ففي هذا بيان لفساد من يعتقد من الكيسانية رجوع محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى، فقد مات بالمدينة، ودفن بالبقيع، والذي أم المصلين في صلاة الجنازة عليه أبان بن عثمان، لأنه كان الوالي يومئذ على المدينة لعبد الملك بن مروان1.
واختلفت الكيسانية أيضاً: فيمن يتولى الأمر بعد ابن الحنفية، حتى صار كل اختلاف مذهباً، وافترقوا عدة فرق2 ويجمعها شيئان:
أحدهما: قولهم بإمامة محمد بن الحنفية، وإليه كان يدعو المختار بن أبي عبيد.
والثاني: قولهم بجواز البداء على الله عز وجل ولهذه البدعة قال بتكفيرهم كل من لا يجيز البداء على الله3.
والكيسانية كانت مصدراً لكثير أن الآراء الفاسدة التي كان الهدف منها إبطال الشريعة الإسلامية والدعوة إلى الكفر والزندقة.
قال الشهرستاني: "وأجمع الكيسانية على القول بأن الدين طاعة رجل، وحملهم هذا على تأويل الأركان الشرعية من الصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك على رجال، فحمل بعضهم على ترك القضايا الشرعية بعد الوصول إلى طاعة الرجل وحمل بعضهم على ضعف الاعتقاد بالقيامة، وحمل بعضهم على القول بالتناسخ والحلول والرجعة بعد الموت. فمن مقتصر على واحد معتقد أنه لا يموت، ولا يجوز أن يموت حتى يرجع ومن معتقد حقيقة الإمامة إلى غيره، ثم متحسر عليه متحير فيه، ومن مدع حكم الإمامة وليس من الشجرة، وكلهم حيارى متقطعون، ومن اعتقد أن الدين طاعة رجل ولا رجل له، فلا دين له--------------------------------------------
1ـ الطبقات الكبرى لابن سعد 5/16.
2ـ انظر الملل والنحل للشهرستاني 1/151.
3ـ الفرق بين الفرق ص/38-39.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 925)
نعوذ بالله من الحيرة والحور بعد الكور، رب اهدنا سواء السبيل1.
3- الزيدية:
هم المنتسبون إلى زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، خرج زيد في خلافة هشام بن عبد الملك لأمور أنكرها، فقتل بالكوفة سنة اثنتين وعشرين ومائة وكان مولده بالمدينة سنة ثمانين2، وكان رحمه الله تعالى تقياً زاهداً فاضلاً وأحد العلماء الصلحاء، تلقى العلم في المدينة والبصرة والعراق، وبلغ درجة عالية في العلم والفقه3.
قال أبو الحسن الأشعري: "وإنما سموا "زيدية" لتمسكهم بقول زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب"4.
وقال الشهرستاني: "الزيدية أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة رضي الله عنها ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إماماً واجب الطاعة سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين رضي الله عنهما"5.
فالزيدية إحدى فرق الشيعة وهي تنتسب إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقد افترقت الزيدية فرقاً عدة لكل فرقة منها منهج ووجهة، وأصول هذه الفرق ثلاث، وهي: الجارودية، والسليمانية، والصالحية، وإليك نبذة عن كل واحدة من هذا الفرق الثلاث ليتضح معتقدها--------------------------------------------
1ـ الملل والنحل للشهرستاني 1/147.
2ـ انظر تهذيب التهذيب 3/419، تقريب التهذيب 1/276.
3ـ انظر ترجمته في طبقات ابن سعد 5/325-326، سير أعلام النبلاء 5/389-391، وفيات الأعيان 5/122.
4ـ مقالات الإسلاميين 1/136.
5ـ الملل والنحل للشهرستاني 1/154-155.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 926)
في خيار هذه الأمة الذين هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أولاً: الجارودية:
هم: "أتباع أبي الجارود زياد بن المنذر الكوفي المتوفى ما بين خمسين وستين بعد المائة"1 والذين اتبعوه في أفكاره وآرائه سموا جارودية لأنهم أخذوا بأقواله، وهم يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على "علي بن أبي طالب" بالوصف لا بالتسمية، فكان هو الإمام من بعده، وأن الناس ضلوا وكفروا بتركهم الاقتداء به بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم "الحسن" من بعد علي هو الإمام، ثم "الحسين" هو الإمام من بعد الحسن، وافترقت الجارودية فرقتين ـ في النص على الإمام الذي يكون بعد علي ـ فرقة: زعمت أن علياً نص على إمامة "الحسن" وأن الحسن نص على "الحسين" ثم هي شورى في ولد الحسن وولد الحسين فمن خرج منهم يدعو إلى سبيل ربه وكان عالماً فاضلاً فهو الإمام.
وفرقة: زعمت أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على "الحسن" بعد علي وعلى "الحسين" بعد الحسن، ليقوم واحد بعد واحد.
وافترقت الجارودية أيضاً في رجعته أئمتهم ثلاث فرق:
فزعمت فرقة أن "محمد بن عبد الله بن الحسن"2 لم يمت وأنه يخرج ويغلب.
وفرقة خرى: زعمت أن "محمد بن القاسم"3 صاحب الطالقان لم--------------------------------------------
1ـ انظر تهذيب التهذيب 3/387.
2ـ هو: محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المعروف بالنفس الزكية، قال عنه أبو الحسن الأشعري: "خرج بالمدينة وبويع له في الآفاق بعث إليه أبو جعفر المنصور بعيسى بن موسى وحميد بن قحطبة فحارب محمد حتى قتل. المقالات 1/154، وكان قتله سنة خمس وأربعين ومائة. راجع تهذيب التهذيب 9/252.
3ـ هو محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، انظر ما جاء في شأن محمد هذا تاريخ الطبري 9/7-8، الكامل لابن الأثير 6/442-443.
??
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 927)
يمت وأنه يخرج ويغلب.
وفرقة قالت مثل ذلك في "يحيى بن عمر" صاحب الكوفة1.
ثانياً: السليمانية أو الجريرية:
هم: أتباع سليمان بن جرير الزيدي، وهذه الفرقة تعتقد: "أن الإمامة شورى وأنها تصلح بعقد رجلين من خيار المسلمين، وأنها قد تصلح في المفضول وإن كان الفاضل أفضل في كل حال ويثبتون إمامة الشيخين أبي بكر وعمر ـ وذكر ـ عن سليمان بن جرير أنه كان يزعم أن بيعة أبي بكر وعمر خطأ لا يستحقان عليها اسم الفسق من قبل التأويل وأن الأمة قد تركت الأصلح في بيعتهم إياهما"2.
وقد تجرأ سليمان بن جرير على الخليفة الثالث: عثمان رضي الله عنه حيث زعم "أنه كفر بسبب ما نقم عليه من الأحداث"3، كما تجرأ أيضاً: على القول بكفر "عائشة والزبير وطلحة رضي الله عنهم بإقدامهم على قتال علي رضي الله عنه"4.
ثالثاً: الصالحية أو البترية:
هم أتباع الحسن بن صالح بن حي5 وكثير...........--------------------------------------------
1ـ مقالات الإسلاميين 1/141-142.
2ـ المصدر السابق 1/143.
3ـ انظر مقالات الإسلاميين 1/143، الفرق بين الفرق ص/33، الملل والنحل للشهرستاني 1/160.
4ـ الملل والنحل للشهرستاني 1/160.
5ـ قال الحافظ: "الحسن بن صالح بن حي وهو حيان بن شفي الهمداني ثقة، فقيه، عابد، رمي بالتشيع من السابعة، مات سنة تسعة وتسعين وكان مولده سنة مائة. التقريب 1/167، وقال عبد القاهر البغدادي: وقد أخرج مسلم بن الحجاج حديث الحسن بن صالح بن حي في مسنده الصحيح، ولم يخرج محمد بن إسماعيل البخاري حديثه في الصحيح، ولكنه قال: في كتاب التاريخ الكبير. الحسن بن صالح بن حي الكوفي سمع سماك بن حرب، ومات سنة سبع وستين ومائة وهو من ثور
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 928)
النواء1، وإنما سموا "بترية" لأن "كثيراً" كان يلقب بالأبتر يزعمون أن علياً أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاهم بالإمامة وأن بيعة أبي بكر وعمر ليست بخطأ لأن علياً ترك ذلك لهما ويقفون في عثمان وفي قتلته ولا يقدمون عليه بإكفار"2.
قال الرازي: "والصالحية أصحاب الحسن بن علي بن حي الفقيه كان يثبت إمامة أبي بكر وعمر ويفضل علي بن أبي طالب على سائر الصحابة إلا أنه توقف في عثمان وقال: إذا سمعنا ما ورد في حقه من الفضائل اعتقدنا إيمانه، وإذا رأينا أحداثه التي نقمت عليه وجب الحكم بفسقه، فتحيرنا في أمره وفوضنا إلى الله تعالى"أهـ3.
وقد اعتبر الشهرستاني: الصالحية أو البترية فرقتين مستقلتين حيث قال: "الصالحية أصحاب الحسن بن صالح بن حي، والبترية: أصحاب كثير النواء الأبتر وهما متفقتان في المذهب وقولهم في الإمامة كقول السليمانية إلا أنهم توقفوا في أمر عثمان، أهو مؤمن أم كافر؟، قالوا: إذا سمعنا الأخبار الواردة في حقه وكونه من العشرة المبشرين الجنة، قلنا: يجب أن نحكم بصحة إسلامه وإيمانه وكونه من أهل الجنة، وإذا رأينا الأحداث التي أحدثها من استهتاره بتربية بني أمية وبني مروان واستبداده بأمور لم توافق سيرة الصحابة قلنا يجب أن نحكم بكفره فتحيرنا في أمره، وتوقفنا في حاله ووكلناه إلى أحكم الحاكمين"4.--------------------------------------------
= همدان وكنيته أبو عبد الله. الفرق بين الفرق ص/34، وقال أبو المظفر الإسفراييني: وقد أخرج مسلم بن الحجاج حديث الحسن بن صالح بن حي في المسند الصحيح لما أنه لم يعرف منه هذه الخصال فأجراه على ظاهره" أهـ. التبصير في الدين ص/29.
1ـ هو كثير بن إسماعيل، أو ابن نافع النواء بالتشديد أبو إسماعيل التميمي الكوفي ضعيف، من السادسة تقريب التهذيب 2/131.
2ـ مقالات الإسلاميين 1/144.
3ـ محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين، ص/361.
4ـ الملل والنحل للشهرستاني 1/161.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 929)
فالصالحية أو البترية قولهم كقول سليمان بن جرير غير أنهم توقفوا في عثمان ولم يقدموا على ذمه ولا على مدحه، وهؤلاء ـ كما يقول البغدادي ـ "أحسن حالاً عند أهل السنة من أصحاب سليمان بن جرير"1.
وأبخس معتقد لفرقة الزيدية في الصحابة هو ما تعتقده الجارودية من كفر الشيخين2، وكذا ما تعتقده السليمانية من كفر عثمان بسبب ما نقم عليه من الأحداث على حسب زعمهم3 واعتقادهم كفر "عائشة والزبير وطلحة رضي الله عنهم بحجة إقدامهم على قتال علي رضي الله عنه"4.
وهذا المعتقد لفرقتي الجارودية والسليمانية في أولئك الأخيار باطل من وجهين:
الوجه الأول: أنه معاندة منهم للرب ـ جل وعلا ـ ولرسوله صلى الله عليه وسلم حيث شهد الله لجميع الصحابة في غير ما آية من كتابه العزيز بحقيقة الإيمان ورسوخه في قلوبهم، كما أخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه وأنه وعدهم جميعاً بالحسنى، وأولئك النفر الذين تكفرهم الجارودية والسليمانية من الزيدية في مقدمة من شرفهم الله بالثناء عليهم بتحقيق الإيمان، وشهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، فلا يعتقد كفرهم أو يطعن فيهم بعد ذلك إلا معارض لله ولرسوله ومكذب لما أخبر الله ورسوله بما لهم من المكانة العظيمة والمنزلة الرفيعة في الدنيا والآخرة.
الوجه الثاني: لو تدبرت الجارودية والسليمانية ما اعتمدنا عليه في تكفير من تقدم ذكره من الصحابة لاستحيوا من ذكر ذلك، فالأحداث التي يزعمون أن عثمان كفر بها معظمها أكاذيب افتراها الخارجون عليه، وما صح منها كان--------------------------------------------
1ـ الفرق بين الفرق ص/33-34.
2ـ الفرق بين الفرق ص/34.
3ـ انظر مقالات الإسلاميين 1/143.
4ـ الملل والنحل للشهرستاني 1/160.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 930)
مجتهداً فيها، وقد بينت فساد ما نقموا به على عثمان في مبحث مستقل من هذه الرسالة1 بما يشفي قلب كل من سلم من داء الرفض، وأما تكفيرهم عائشة والزبير وطلحة رضي الله عنهم بحجة أنهم خرجوا لمقاتلة علي، فهي حجة أوهى من بيت العنكبوت، وكذب عليهم، إذ أنهم لم يخرجوا لقتاله رضي الله عنه، ولا أعلنوا عدم طاعته ولا بايعوا بالخلافة غيره، وإنما خرجوا إلى البصرة لقصد الإصلاح وطلب إقامة الحد على قتلة عثمان "ولم يقصد علي رضي الله عنه قتالهم، بل أجابهم إلى ما طلبوا من إقامة الحد على أولئك الأشرار قتلة عثمان، ولما علم أولئك الفسقة أن الدائرة راجعة عليهم سعوا جادين في إنشاب القتال بين الفريقين فحمل كل فريق منهم دفعاً عن نفسه دون قصد منهم للقتال"2، وكذا اقتتالهم في صفين كان عن اجتهاد وتأويل، إذ أن معاوية: "لم يدع الخلافة ولم يبايع له فيها حين قاتل علياً ولم يقاتل على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة ويقرون له بذلك، وكان هو يقر بذلك لمن يسأله، وما كان يرى هو وأصحابه أن يبتدئوا علياً وأصحابه بالقتال، بل لما رأى علي رضي الله تعالى عنه وأصحابه أنه يجب على معاوية وأصحابه طاعته ومبايعته إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد وأنهم خارجون عن طاعته يمتنعون عن هذا الواجب وهم أهل شوكة رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا الواجب فتحصل الطاعة والجماعة، وقال معاوية وأصحابه: إن ذلك لا يجب عليهم، وأنهم إذا قوتلوا كانوا مظلومين، قالوا: لأن عثمان قتل مظلوماً باتفاق المسلمين، وقتلته في عسكر علي وهم غالبون لهم شوكة"3.
فالفتن التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم يجب أن يكون حظ العاقل منها حسن الظن بالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين والسكوت عن الكلام فيهم إلا بخير والترضي عنهم جميعاً وموالاتهم ومحبتهم والجزم أنهم دائرون في اجتهاداتهم--------------------------------------------
1ـ انظر ص/1050-1092 هذه الرسالة.
2ـ انظر الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 2/85.
3ـ سؤال في معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لشيخ الإسلام ابن تيمية ص/32-33.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 931)
بين الأجر والأجرين، ولو سلك الجارودية والسليمانية من الزيدية هذا المسلك لما وقعوا في الاعتقاد الباطل فيمن تقدم ذكره من الصحابة ولما تنكبوا طريقة زيد بن علي في خيار الأمة، ومن شؤم معتقدهم السيء في أولئك الصفوة كان فتنة لهم حيث كفر بعضهم بعضاً، فقد قال عبد القاهر البغدادي: "هؤلاء البترية، والسليمانية من الزيدية كلهم يكفرون الجارودية من الزيدية، لإقرار الجارودية على تكفير أبي بكر وعمر، والجارودية يكفرون السليمانية والبترية لتركهما تكفير أبي بكر وعمر"1.
فهذه الفرق الثلاث المتقدم ذكرها تعتبر أهم فرق الشيعة الزيدية، وقد ذكر العلماء أن الزيدية افترقت إلى أكثر من ثلاث فرق.
فقد ذكر الإمام أبو الحسن الأشعري أن الزيدية ست فرق2.
وذكر المسعودي في كتابه "مروج الذهب" أن جماعة من مصنفي كتب المقالات والآراء والديانات من آراء الشيعة وغيرهم كأبي عيسى محمد بن هارون الوراق وغيره أن الزيدية كانت في عصرهم ثمان فرق"3 وعدها بأسمائها.
ولا تأثير لاختلاف العلماء في العدد، فمن اقتصر على الأصول منها ذكر أصولها الثلاث، ومن ذكر الأصول منها والفروع ذكر أنها أكثر من ثلاث فرق، والزيدية على اختلاف فرقهم ونحلهم يجتمعون على القول بأن الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وسلم هو علي رضي الله عنه.
قال الرازي: "فالذي يجمعهم أن الإمام بعد الرسول عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنص الخفي ثم الحسين، ثم كل فاطمي مستحق لشرائط الإمامة ودعا الخلق إلى نفسه شاهراً لسيفه على الظلمة"أهـ4.--------------------------------------------
1ـ الفرق بين الفرق ص/34.
2ـ مقالات الإسلاميين 1/140.
3ـ مروج الذهب 3/192، وانظر الغنية لطالبي معفرة طريق الحق للجيلاني 1/89.
4ـ المحصل ص/360.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 932)
وهذا الاعتقاد لم تكن تعرفه الزيدية الذين كانوا مع زيد بن علي حين خروجه وإنما كانوا يتولون الشيخين أبا بكر وعمر وكانوا يتبرءون ممن يبرأ منهما ولكن هذا الاعتقاد وما أصيبت به فرقة الزيدية التي حدثت بعد زيد بن علي رضي الله عنه من بغض للصحابة، ومن التحامل عليهم والقدح فيهم كل ذلك اكتسبوه وجاء إليهم من طريق الرافضة الذين رفضوا زيد بن علي حين خرج على هشام بن عبد الملك وخذلوه لما علموا وسمعوا أنه يتولى صديق الأمة وعمر الفاروق رضي الله عنهما، هنا أعلنوا مخالفته وخذلانه، وهو الذي أطلق عليهم اسم "الرافضة" ذلك أن زيداً رحمه الله لما رأى الخروج على هشام بن عبد الملك سنة اثنتين وعشرين ومائة بايعه على الإمامة "خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة وخرج بهم علي والي العراق وهو يوسف بن عمر الثقفي عامل هشام بن عبد الملك على العراقين، فلما استمر القتال بينه وبين يوسف بن عمر الثقفي قالوا له: إنا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر اللذين ظلما جدك علي بن أبي طالب، فقال زيد: إني لا أقول فيهما إلا خيراً، وإنما خرجت على بني أمية الذين قتلوا جدي الحسين، وأغاروا على المدينة يوم الحرة، ثم رموا بيت الله بحجر المنجنيق والنار1، ففارقوه عند ذلك حتى قال لهم: رفضتموني ومن يؤمئذ سموا الرافضة"2.
وقد روى الحافظ ابن عساكر بإسناده إلى عيسى بن يونس3 أنه سئل عن الزيدية والرافضة، فقال: أما الرافضة فأول ما ترفضت جاءت إلى زيد بن--------------------------------------------
1ـ كان ذلك في أيام عبد الله بن مروان، إذ أرسل الحجاج بن يوسف الثقفي لحرب عبد الله بن الزبير في مكة فقذف الكعبة بالمنجنيق وقتل ابن الزبير وصلبه. انظر تاريخ الأمم والملوك 6/187، الكامل 4/350-351، البداية والنهاية 8/353.
2ـ الفرق بين الفرق ص/35-36.
3ـ هو: عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أخو إسرائيل، كوفي نزل الشام، مرابط، ثقة، مأمون، من الثالثة، مات سنة سبع وثمانين وقيل سنة إحدى وتسعين. التقريب 2/103، تهذيب التهذيب 8/237.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 933)
علي حيث خرج، فقالوا: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى نكون معك، فقال: بل أتولاهما وأبرأ ممن يبرأ منهما، قالوا: فإذن نرفضك فسميت الرافضة، وأما الزيدية فقالوا: نتولاهما ونبرأ ممن يتبرأ منهما، فخرجوا معه فسموا الزيدية1.
فالشيعة الزيدية الذين ينتسبون إلى زيد بن علي معتقدهم في الصحابة مشتمل على صواب وخطأ، والصواب فيه أنهم يتولون الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، ويقولون: بتعديلهما، والخطأ فيه أنهم يقولون: إن علياً رضي الله عنه أفضل الصحابة، ويقولون بتقديمه على الشيخين مع أن علياً رضي الله عنه صرح للأمة جمعاء أن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق2، بل وتوعد رضي الله عنه من جيء به إليه وهو يقول بتفضيله عليهما أن يحده حد المفتري3، ولم يخالفه أحد ممن كان معه على هذا المعتقد، فقد كان المتقدمون من الشيعة الذين كانوا معه يقدمون عليه أبا بكر وعمر ويعتقدون ذلك كما كان يعتقده هو رضي الله عنه"4.
وقال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكر أن الزيدية هم الذين تابعوا زيد بن علي، قال: "وفي مذهبهم حق وهو تعدليهم الشيخين، وباطل وهو: اعتقاد تقديم علي عليهما، وليس علي مقدماً عليهما بل ولا عثمان على أصح قولي أهل السنة"5.
قلت: ليت الزيدية اقتصروا على ما ذكره الحافظ ابن كثير، وإنما تجاوزوا ذلك حيث ابتلوا بالتحامل على طائفة من فضلاء الصحابة كأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي موسى الأشعري،--------------------------------------------
1ـ تهذيب تاريخ دمشق 16/21-22، فوات الوفيات 2/36.
2ـ انظر صحيح البخاري 2/291.
3ـ انظر تلبيس إبليس لابن الجوزي ص/101.
4ـ انظر منهاج السنة 1/171، وانظر مجموع الفتاوى 13/34.
5ـ البداية والنهاية 9/371.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 934)
وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وغيرهم، وذلك لأنهم تنكبوا طريقة زيد بن علي في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان رحمه الله أحد أئمة أهل السنة والجماعة، وكان يتولى جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتبرأ ممن لم يتولهم ولم يعرف لهم قدرهم ويحفظ لهم مكانتهم، وبسبب ذلك رفضته جماعة ممن كانوا معه في زمنه لما علموا أن عقيدته في الصحابة هي عقيدة أهل السنة والجماعة، نقضوا ما عاهدوه عليه فلم ينصروه بل تركوه وشهدوا عليه وعلى من اتبعه على رأيه من الزيدية بالكفر والفسق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض بيانه أن زيداً رحمه الله كان من أهل السنة والجماعة "فليست ذرية فاطمة كلهم محرمين على النار، بل منهم البر والفاجر والرافضة تشهد على كثير منهم بالكفر والفسق، وهم أهل السنة منهم الموالون لأبي بكر وعمر كزيد بن علي بن الحسين بن علي وأمثاله من ذرية فاطمة رضي الله عنها، فإن الرافضة رفضوا زيد بن علي ومن والاه وشهدوا عليه بالكفر والفسق"1.
فالرفض لم يظهر إلا حين خروج زيد بن علي بن الحسين بعد المائة الأولى، لما أظهر الترحم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما رفضته الرافضة "فسموا" رافضة واعتقدوا أن أبا جعفر هو الإمام المعصوم واتبعه آخرون فسموا زيدية نسبة إليه2.
وإلى ذكر طائفة من أقوال الإمام زيد بن علي في الخلفاء الراشدين لنبين أنه أحد أهل السنة والجماعة، وليعلم من فرط في حق الصحابة ممن انتسب إليه أنه مجانب لطريقته وأن عليه أن يراجع ما كان عليه زيد رحمه الله ليتدارك ما وقع فيه من الزلل.
فأقول: قد أخطأ من نسب إلى زيد رحمه الله أنه كان يرى أن علياً--------------------------------------------
1ـ منهاج السنة 2/126، وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص/172.
2ـ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 28/490.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 935)
رضي الله عنه أفضل من الشيخين، وأنه كان يجوز إمامتها على أساس القول بجواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل1، بل الثابت عنه أنه كان يعتقد أنهما الأفضل وأنهما كانا يستحقان الإمامة بذلك الفضل.
فقد روى الحافظ ابن عساكر عن آدم بن عبد الله الخثعمي وكان من أصحاب زيد، قال: سألت زيداً عن قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} من هؤلاء؟ قال: أبو بكر وعمر، ثم قال: لا أنالني الله شفاعة جدي إن لم أوالهما.
وذكر عن كثير الكوفي، أنه قال: سألت زيداً عن أبي بكر وعمر فقال: "تولهما"، فقلت له: كيف تقول فيمن تبرأ منهما؟ قال: "ابرأ منه حتى تموت"2.
وقال الذهبي رحمه الله تعالى: "وروى هاشم بن البريد عن زيد بن علي قال: كان أبو بكر رضي الله عنه إمام الشاكرين، ثم تلا {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} 3 ثم قال: "البراءة من أبي بكر هي البراءة من علي"4.
ومن هذه النصوص عن زيد رحمه الله تعالى يتبين أنه كان يعرف للشيخين قدرهما ومالهما من المنزلة العظيمة، إذ لا شك أن السبق في الإسلام والقرب من الباري جل وعلا ـ وشكره من أعلا مراتب الفضل للشيخين رضي الله عنهما.
وقد صرح زيد رحمه الله أنه متبع لأهل بيته الذين كانوا قبله فيما يعتقدونه نحو الشيخين من إثبات الأفضلية لهما وأحقية إمامتهما.--------------------------------------------
1ـ انظر الملل والنحل للشهرستاني 1/155، مقالات الإسلاميين 1/137.
2ـ تهذيب تاريخ دمشق 6/21، فوات الوفيات 2/36.
3ـ سورة آل عمران آية/144.
4ـ سير أعلام النبلاء 5/390.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 936)
فقد ذكر ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: "أنه عندما حصل الطعن في زمنه من الرافضة على أبي بكر وعمر منعهم من ذلك، وقال لهم: "ما سمعت أحداً من أهل بيتي يذكرهما إلا بخير"1.
وقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى محمد بن علي بن أبي طالب قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟، قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين2.
ومن هذا يتبين أنه يبعد جداً أن زيداً رحمه الله يقول: إنه متبع لأهل بيته ويخالف جده علياً رضي الله عنه، الذي يعتبر مقدم أهل البيت في هذا القول، بل إن متقدمي الشيعة كانوا لا يختلفون في تفضيل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولم يخالفوا علياً في تصريحه بأفضلية الشيخين.
قال شريك بن عبد الله: "إن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر، فقيل له: أتقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: كل الشيعة كانوا على هذا، وهذا الذي قاله على أعواد منبره، أفنكذبه فيما قال"3.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكانت الشيعة أصحاب علي يقدمون عليه أبا بكر وعمر وإنما كان النزاع في تقدمه على عثمان"4.
فإذا كانت الشيعة الأوائل تقول هذا وتعتقده فمن باب أولى أن يقول به زيد إذ هو أحد أهل السنة والجماعة الذين يعتقدون أفضلية الخلفاء الراشدين على حسب ترتيبهم في الخلافة.--------------------------------------------
1ـ تاريخ الأمم والملوك 7/180.
2ـ صحيح البخاري 2/291.
3ـ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 13/34.
4ـ منهاج السنة 1/171، وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 13/35-36.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 937)
وقد نقل البيهقي عن الإمام الشافعي إجماع الصحابة والتابعين على أفضلية أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على سائر الصحابة حيث قال: "لم يختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وتقديمهما على جميع الصحابة"1.
وقد أيد هذا الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله بعد ذكره له: "وما علمت من نقل عنه في ذلك نزاع من أهل الفتيا إلا ما نقل عن الحسن بن صالح بن حي أنه كان يفضل علياً، وقيل: إن هذا كذب عليه، ولو صح هذا عنه لم يقدح فيما نقله الشافعي رضي الله عنه من الإجماع، فالحسن بن صالح بن حي لم يكن من الصحابة ولا التابعين2.
أما زيد بن علي رحمه الله تعالى فهو أحد التابعين، وبذلك يكون رأيه هو رأيهم، وهو أن الشيخين أفضل الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل عن زيد أنه خرق هذا الإجماع أو خالفه، بل لم ينقل عن أحد من أهل البيت رضوان الله عليهم مخالفة الإجماع.
فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والنقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين وتابعيهم من ولد الحسين بن علي وولد الحسن وغيرهما، أنهم كانوا يتولون أبا بكر وعمر، وكانوا يفضلونهما على علي والنقول عنهم ثابتة متواترة"أهـ3.
وزيد بن علي رحمه الله تعالى واحد من علماء أهل بيت النبوة الذين يعتقدون صحة هذا الإجماع ويقولون به، إذ هو من أبناء الحسين بن علي ومن فضلاء التابعين رحمة الله عليهم أجمعين.--------------------------------------------
1ـ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة 4/77.
2ـ ذكره شيخ الإسلام في منهاج السنة 4/77.
3ـ المصدر السابق 4/105.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 938)
فالذي يتضح مما تقدم ذكره أن الإمام زيد بن علي كان يرى أن أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ولم يقل إن علياً أفضل الصحابة رضي الله عنهم، وإنما كان مقتفياً ما كان عليه أهل بيته وفي مقدمتهم أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي أعلن للأمة المحمدية أن أفضل الناس بعد المصطفى صلى الله عليه وسلم الصديق، ثم الفاروق، وعلى هذا المعتقد تتابع علماء أهل البيت قاطبة، ولم يشذ أحد منهم عن هذه العقيدة.
ومما تجدر الإشارة إليه أن موقف زيد بن علي من الخليفة الثالث ذي النورين عثمان لم يختلف عن موقفه من أبي بكر وعمر، وإنما كان موالياً لعثمان مترضياً عليه، رافضاً للبراءة منه، بل كان يقرنه بأبي بكر وعمر وعلي، ولم يكن متوقفاً فيه كما يرى ذلك بعض المتأخرين1.
فقد روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى زيد رحمه الله أنه قال: "البراءة من أبي بكر وعمر وعثمان البراءة من علي والبراءة من علي البراءة من أبي بكر وعمر وعثمان"2.
وروى الحافظ ابن عساكر بإسناده إلى السدي، قال: أتيته ـ أي زيد ـ وهو في بارق حي من أحياء الكوفة، فقلت له: أنتم سادتنا، وأنتم ولاة أمورنا فما تقول في أبي بكر وعمر؟، فقال: تولهما، وكان يقول: البراءة من أبي بكر وعمر وعثمان البراءة من علي، والبراءة من علي البراءة من أبي بكر وعمر وعثمان، وفي رواية: البراءة من أبي بكر وعمر البراءة من علي، فإن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر"3.
وقال محمود شكري الألوسي في صدد ذكره للقاء زيد بن علي بمن أراد--------------------------------------------
1ـ ذكر هذا أبو زهرة في كتابه "الإمام زيد" ص/189، ولم يذكر له سلفاً في هذا القول.
2ـ تاريخ بغداد 2/89.
3ـ تهذيب تاريخ دمشق 6/21.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 939)