فإنها تُضيف بما تقتضيه «ما» من معنى العموم أنَّ كل ما يقدِّمُهُ النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأمَّة من أمور دينها فإنها مُكَلَّفَةٌ باعتباره والسير على سُنَنِهِ، ويؤكِّدُ ذلك المعنى قوله - جَلَّ شَأْنُهُ -: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} إلى قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (1).

وأما السُنَّة فقد كثرت الروايات في ذلك، وحسبنا أنْ نذكر ما رواه أبو داود وغيره بسند صحيح عن المقدام بن معد كرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ … » الحديث. وفي رواية: «أَلَا هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ عَنِّي، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلَالاً اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ» (2).

يقول الشوكاني: «إنَّ ثبوت حُجِّيتها - أي السُنَّة - واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلَاّ من لا حَظَّ له في الإسلام» (3).

وأما الإجماع فقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على العمل بالسُنَّة النبوية، واقتفاء هُدَى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً أو تقريراً، وقد سبق بيان منهج أبي بكر وغيره في التثبت، وكانت حياتهم صورة حَيَّة للعمل بالسُنَّة والتمسك بها والحث عليها والترغيب فيها.

أما خصوص فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنَّ كلام شَاخْتْ: «كانت أفعاله تعتبر بشرية، بَحْتَةً، حتى ما مَسَّ منها أمور الدين، فكانت بهذا لا تعتبر معصومة عن الخطأ، وقد نقدت هذه الأفعال أكثر من مَرَّةٍ»! كلام مردود، لأَنَّ أفعال النبي صلى الله عليه وسلم تنحصر في--------------------------------------------
(1) [النساء: 64 - 65].
(2) أبو داود: " السُنن " (4580) " عون المعبود "، و " الترمذي ": 42 - العلم (2664)، و " أحمد ": 4/ 130 - 132، و " ابن ماجه ": المقدمة (12)، و " الحاكم ": 1/ 109.
(3) " إرشاد الفحول ": ص 23.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)