[ب] كما استدلوا بالأحاديث التي تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ملتزم بالقرآن في تشريعه، فقد روى ابن حزم بسنده عن مالك «لَا يُمْسِكُ النَّاسُ عَلَيَّ شَيْئًا، لَا أُحِلُّ إِلَاّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلَا أُحَرِّمُ إِلَاّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» (1).
وروى أيضًا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ ابْنَ عُمَيْرٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَلَسَ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ إَلَى جَانِبِ الحَجَرِ، فَحَذَّرَ الْفِتَنَ، وَقَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ لَا يُمْسِكُ النَّاسُ عَلَيَّ بِشَيْءٍ، إِنِّي لَا أُحِلُّ إِلَاّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلَا أُحَرِّمُ إِلَاّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» (2).
وقد جاء عن عائشة مثل ذلك، حيث قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُمْسِكُوا عَنِّي شَيْئًا، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ إِلَاّ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَلا أُحَرِّمُ إِلَاّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» (3).
ثم ردوا الحجج التي استدل بها المخالفون، وَبَيَّنُوا أنها لا تدل على أن السنة تأتي بحكم زائد: أما بالنسبة للآيات التي تدل على طاعة الله وطاعة رسوله فلا يلزم من إفراد الطاعتين تباين المطاع فيه بإطلاق، وإذا لم يلزم ذلك لم يكن في الآيات دليل على أن ما في السنة ليس في الكتاب، بل قد يجتمعان في المعنى، ويقع العصيانان والطاعتان من جهتين، فإذا بنينا على أن السنة بيان للكتاب، فلا بد أن تكون بيانًا لما فيه احتمال، فتبين السنة أحد الاحتمالين أو--------------------------------------------
(1) " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 77، وعلق ابن حزم بقوله: «وَهَذَا مُرْسَلٌ، إِلَّا أَنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ» ثم حمله على أن النبي أن لا يقول شيئًا إلا بالوحي.
(2) " الإحكام "، لابن حزم: 2/ 77، 78.
(3) " مجمع الزوائد ": 1/ 171، 172؛ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " الأَوْسَطِ "، وَقَالَ: «لَمْ يَرْوِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إِلَاّ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، تَفَرَّدَ بِهِ صَالِحُ [بْنُ الحَسَنِ] بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)