فقد نجح المحدثون في أن يجمعوا قدرًا كبيرًا من الحديث من مختلف البلدان ومختلف الطرق، فَيَسَّرُوا لأهل الظاهر تناولها، وأمدوهم بالنصوص التي تسعفهم في الإجابة عن كثير من المسائل.
بل أخذ الظاهرية من المحدثين احترام هذه النصوص، ومحاولة العمل بها كلها ما أمكن، وعدم إهمال بعضها بمحاولات الترجيح أو النسخ إلا إذا قام برهان واضح على النسخ.
وإذا قارنا في ذلك بين ما قرره ابن حنبل، وما قرره ابن حزم في أصول الظاهرية فسوف تهدينا هذه المقارنة إلى البرهان الدال على تأثر الظاهرية بالمحدثين.
فقد جاء في " مسائل عبد الله بن أحمد ": «سَأَلْتُ أَبِي عَنْ الثَّوْب [تُصِيبُهُ] الجَنَابَةُ، قَالَ: " اذْهَبْ فِيهِ إِلَى الخَبَرَيْنِ جَمِيعًا: حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ «عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَغْسِلُهُ، وَحَدِيثُ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَرَكَهُ وَصَلَّى». وَرَوَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيَم عَنْ الأَسْوَدِ [عَنْ عَائِشَةَ]: فَرَكَهُ ". قَالَ أَبِي: " اذْهَبْ إِلَى الخَبَرَيْنِ جَمِيعًا وَلَا أَرُدُّ أَحَدَهُمَا بِالآخَرِ ".
وَلِهَذَا مِثَالٌ مِنْهُ قَوْلُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: " لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ". ثمَّ أَجَازَ السَّلَمَ. وَالسَّلَمُ بَيْعُ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى صِفَةٍ وَهَذَا عِنْدِي مِثْلَ الأَوَّلِ وَمِنْهُ أَيْضًا الشَّاةُ الْمُصَرَّاةُ إِذَا اشْتَرَاهَا الرَّجُلُ فَحَلَبَهَا فَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَدَّ صَاعَ تَمْرٍ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: " الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ " فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اللَّبَنُ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ ضَامِنٌ بِمَنْزِلَةِ العَبْدِ إِذَا اسْتَعْمَلَهُ فَأصَابَ بِهِ عَيْبًا، رَدَّهُ وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ بِضَمَانِهِ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: " لَا يُصَلَّى بَعْدَ العَصْرِ "، ثمَّ قَالَ: " مَنْ نَامَ عَن صَلَاةٍ فَنَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا " فَلَا يُرَدُّ أَحَدُهُمَا بِالآخَرِ إِذَا نَسِيَهَا صَلَاّهَا إِذَا ذَكَرَهَا وَلَا يَتَطَوَّعُ بَعْدَ العَصْرِ فَنَسْتَعْمِلُ الخَبَرَيْنِ جَمِيعًا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)