والاجتهاد في هذه المسألة محصور في نطاق الترجيح بين الآثار المختلفة فيه، لأنها رواية فعل عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، فبعض العلماء رجح ثبوت الفعل - أي رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه - وبعضهم يرجح نفيه، والمعركة حول ذلك تدور: كل من الفريقين يقوي الأثر الذي يدل له، ويضعف الأثر الذي يناقضه أو يؤوله.
وسوف يتبين لنا أن الاعتزاز بالشيوخ والثقة بما جاء عن طريقهم، كان من العوامل الهامة في الترجيح، مما جعل أبا حنيفة وسفيان الثوري وأهل الكوفة يرجحون جانب الترك في هذه المسألة، أَخْذًا بما روي عن ابن مسعود وإبراهيم النخعي فيها (1).
وفي مناقشة البخاري هذه المسألة، أخذ يسرد الروايات الدالة على رفع اليدين عند الركوع والرفع منه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم قال: «وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ سَبْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ [عِنْدَ الرُّكُوعِ مِنْهُمْ] أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَأَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ …». وبعد أن عدهم بالاسم نقل عن بعض العلماء الإجماع على ذلك حيث قال: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ. فَلَمْ يَسْتَثْنِ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم[دُونَ أَحَدٍ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم] أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ ، وَيُرْوَى أَيْضًا عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا وَصَفْنَا ، وَكَذَلِكَ [رَوَيْنَاهُ] عَنْ عِدَّةٍ مِنْ عُلَمَاءِ مَكَّةَ ، وَأَهْلِ الحِجَازِ ، وَالعِرَاقِ ، وَالشَّامِ ، وَالبَصْرَةِ ، وَاليَمَنِ، وَعِدَّةٍ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ»، ثم ذكر أن شيوخه: «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (*) ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يُثْبِتُونَ--------------------------------------------
(1) انظر " الترمذي ": 2/ 58؛ و" قرة العينين ": ص 19.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) هو علي بن المديني، شيخ الإمام البخاري.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 582)