ما يعرفه المسلمون من هذه "الألفاظ"؛ حيث يفسرون هذه الألفاظ بترك بيعة الاثني عشر (على الرغم من أنهم لم يتولوا الحكم ما عدا أمير المؤمنين علي) ، وشواهد هذا كثيرة بلغت عشرات الروايات، وقد أشرنا فيما سلف إلى أن شيخهم المجلسي عقد أبواباً في بحاره تحمل عناوين في التأويل الباطني تضمن بعضها مائة رواية، ولكن هنا نذكر مجرد أمثلة لهذه الأحاديث، فقد روت كتب الشيعة في قوله سبحانه: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (1) .
قالت: "لئن أشركت في إمامة علي ولاية غيره" (2) .
قال صاحب مرآة الأنوار: "فعلى هذا جميع المخالفين مشركون" (3) . وقال: "إن الأخبار (أخبار الشيعة) متضافرة في تأويل الشرك بالله، والشرك بعبادته بالشرك في الولاية والإمامة" (4) ، ولذلك حكموا على صحابة رسول الله بالردة - كما سيأتي (5) . - لمبايعتهم لأبي بكر دون علي.
وكذلك يؤولون الكفر بذلك، جاء في الكافي: "عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} (6) . قال: نزلت في فلان وفلان وفلان (7) . آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وآله - في أول الأمر، وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية.. ثم آمنوا--------------------------------------------
(1) الزمر، آية: 65
(2) انظر: تفسير القمي: 2/251، تفسير فرات: ص 133، البرهان: 4/83، تفسير الصافي: 4/328
(3) أبو الحسن الشريف/ مرآة الأنوار: ص 202
(4) نفس الموضع من المصدر السابق
(5) في فصل الإمامة
(6) لاحظ أنه جمع آيتين من سورتين على أنهما آية واحدة، مما يشير إلى أن واضع هذه الأساطير، ومفتريها على أهل البيت أحد الزنادقة الجهلة؛ حيث إن قوله: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} من آل عمران، آية: 90، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ..} إلخ من النساء، آية: 137
(7) يعنون: أبا بكر وعمر وعثمان كما جاء تفسير ذلك على لسان بعض شيوخهم كما سيأتي في فصل: "الإمامة"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام ثم كفروا حيث مضى رسول الله - صلى الله عليه وآله - فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفراً بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء (1) .
فأنت ترى أنهم خصوا أفضل الخلق بعد النبيين بهذا الحكم، فما بالك بمن دونهم من سائر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أشار بعض شيوخهم إلى وجه هذا التخصيص فقال: "ورد في بعض الروايات تأويل الكفر برؤساء المخالفين، لاسيما الثلاثة: (يعنون الخلفاء الراشدين) مبالغة بزيادة كفرهم وجحدهم" (2) .
ولفظ: "الردة" يعني الردة عن بيعة أحد الاثنى عشر. جاء في أصول الكافي وغيره عن أبي عبد الله في قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى..} (3) . (قال) فلان وفلان وفلان ارتدوا من الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين.. (4) .
والضلال هو عدم معرفة الإمام، ففي قوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ … } (5) . قال: "يعني ضلوا في أمير المؤمنين" (6) . وفي قوله سبحانه: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} (7) . قال:--------------------------------------------
(1) أصول الكافي: «1/420، تفسير القمي: 1/159، تفسير العياشي: 1/276، البرهان: 1/421، تفسير الصافي: 1/511، بحار الأنوار: 23/375، مرآة الأنوار: ص 289
(2) مرآة الأنوار: ص 187
(3) محمد، آية: 25
(4) أصول الكافي: 1/420، بحار الأنوار: 23/375، وانظر: تفسير القمي: 2/308، البرهان: 4/186، تفسير الصافي: 5/28
(5) النساء، آية: 44
(6) تفسير القمي: 1/139
(7) الفاتحة، آية: 7
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
"الضالين: الذين لا يعرفون الإمام" (1) .
إن تفسير الكفر والشرك، والردة والضلال بترك بيعة الاثني عشر فضلاً عن أنه لا سند له من نقل أو عقل أو لغة أو شرع فإنه - ولعل ذلك هو هدف واضع الروايات - ينتهي بالمؤمن به إلى تفضيل الكفر والكافرين على سائر المسلمين من غير الشيعة، (لأن رأس الكفر ترك الولاية) ، وهذا ما يصدقه تاريخ الشيعة مع المسلمين، كما أنه يهون أمر الشرك والإلحاد، وهذا هدم لأصول الإسلام، ومحاربة لرسالة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام الذي بعث لمحاربة الشرك والكفر والضلال، وإرساء قواعد التوحيد وشريعة الإسلام.
والكبائر وسائر المحرمات هي عندهم أعداء الأئمة. يقول أبو عبد الله - كما يزعمون -: "..وعدونا في كتاب الله عز وجل: الفحشاء والمنكر والبغي والخمر والميسر والأنصاب والأزلام والأصنام، والأوثان والجبت والطاغوت والميتة والدم ولحم الخنزير.." (2) . وقد أشرنا من قبل إلى أن تأويل المحرمات بأعداء الأئمة قد جاء في أبواب عدة في البحار تضمنت عشرات الأحاديث.
وقد جاء في بعض مصادرهم المعتمدة عندهم ما يكشف واضع هذه الأسطورة، ويبين أن أصل تأويل المحرمات بأعداء الأئمة، وتأويل الفرائض بالأئمة هو: أبو الخطاب الذي تبرأ منه الأئمة ولعنوه، وففي رجال الكشي: "كتب أبو عبد الله إلى أبي الخطاب: بلغني أنك تزعم أن الزنا رجل وأن الخمر رجل وأن الصلاة رجل وأن الصيام رجل وأن الفواحش رجل، وليس هو كما تقول.." (3) .
وتذكر كتب المقالات عن بعض غلاة الشيعة القول بأن المحرمات كلها أسماء رجال أمرنا الله تعالى بمعاداتهم، وأن الفرائض أسماء رجال أمرنا بموالاتهم (4) .--------------------------------------------
(1) تفسير القمي: 1/29
(2) بحار الأنوار: 24/303
(3) رجال الكشي: ص 291، بحار الأنوار: 24/299
(4) الملل والنحل: 1/179
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
ويقول الشهرستاني: "إنما مقصودهم من حمل الفرائض والمحرمات على أسماء رجال: هو أن من ظفر بذلك الرجل وعرفه فقد سقط عنه التكليف وارتفع الخطاب" (1) . وكل ذلك ورثته الاثنا عشرية وأحيته وتولى كبر نشره القمي (صاحب التفسير) ، والكليني، والعياشي، والكاشاني، والمجلسي، وغيرهم من شيوخ الدولة الصفوية الذين "أحيوا" كل أساطير غلاة الفرق الشيعية، وأدخلوه في المعتقد الاثني عشري كروايات عن الأئمة.
هذا وتأويلاتهم في هذا الباب يستغرق ذكرها مجلدات، ولهم في كل عقيدة شذوا بها كالرجعة، والغيبة، والتقية وغيرها تأويلات وافتراءات تربو على الحصر، وسنأتي - إن شاء الله - على شيء منها عند بحثنا لهذه المسائل. وما ذكرناه هنا جزء قليل مما جمعناه ولم نذكره خشيه الإطالة.. وما جمعناه هو كقطرة من بحر مظلم.. عرضه ونقده يستوعب المجلدات.. وكل مثال من هذه الأمثلة - في الغالب - يكشف لنا عن عقيدة من عقائد القوم في الألوهية والنبوة، والأسماء والصفات، وأركان الإسلام وغيرها.
هذا وقبل أن أرفع القلم عن هذا الموضوع أسجل الملاحظات التالية:
1- فيما مضى من مباحث ذكرنا ما يقوله الشيعة من أن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم، ثم قدمت أمثلة لتحريف الشيعة لمعاني القرآن.. وكل ذلك يؤكد ما تذهب إليه الشيعة من القول بأن أكثر القرآن قد اشتمل على ذكر الأئمة الاثني عشر ومخالفيهم.. فهذه المسألة حشد لها شيوخ الشيعة آلاف النصوص كما أسلفنا الإشارة إلى شيء منها.. وبعد ذلك كله نجد من نصوصهم نفسها ما ينقض هذه الدعاوى كلها جملة واحدة.
يقول هذا النص الذي يروونه عن أبي عبد الله جعفر الصادق: "لو قرئ--------------------------------------------
(1) الملل والنحل: 1/179
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين" (1) . فهذا اعتراف منهم بأنه ليس لأئمتهم ذكر في كتاب الله، ولم يرد لهم تسمية فيه.. فكأنهم يخربون بيوتهم بأيديهم. ولعل السر في ذلك أن واضع هذا النص قد اهتم بتأييد مسألة التحريف - وسيأتي بحثها - ونسي ما وضع من قبل، والاختلاف والتناقض قد يكون عقوبة إلهية لمن يضع في الدين ما ليس منه، كما يؤخذ ذلك من قوله سبحانه: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (2) . فهو برهان أكيد على أنه ليس من عند الله سبحانه.. وقد مضى من قبل الإشارة إلى نص آخر لهم يجعل من كتاب الله سبحانه أربعة أقسام وليس في قسم منها ذكر للأئمة (3) .
وجاء في رجال الكشي نص هام ينسف كل ما بنوه من هذا التفسير الباطني، فقد نقل لأبي عبد الله جعفر ما يقوله أولئك الزنادقة من تأويل آيات الله سبحانه بتلك التأويلات الباطنية "حيث قيل له: روي عنكم أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجال؟ فقال: ما كان الله عز وجل ليخاطب خلقه بما لا يعملون" (4) . أي يستحيل أن يخاطب الله سبحانه عباده بما لا سبيل لهم إلى معرفته والاهتداء إلى معناه؛ لأن هذا يتنافى مع الحكمة في إنزال القرآن لهداية الناس والدعوة إلى عبادة الله، ويتنزه الله سبحانه أن يأمر عباده بتدبر القرآن وهو غير قابل للتدبر والفهم، ويتقدس سبحانه أن يخاطب عباده بألغاز وطلاسم. وهذا القول من أبي عبد الله الذي ورد في أوثق كتب الرجال عند الشيعة يهدم كل ما بنوه من تلك التحريفات وذلك الإلحاد في كتاب الله وآياته.
هذا نقض للمسالة من نصوصهم نفسها، أو ما يسمى بالنقد الداخلي للنصوص، وإلا فإن المتأمل لآيات القرآن بمقتضى اللغة العربية التي نزل بها: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ--------------------------------------------
(1) تفسير العياشي: 1/13، بحار الأنوار: 92/55، تفسير الصافي: 1/41، اللوامع النورانية: ص 547
(2) النساء، آية: 82
(3) انظر: ص (156-157)
(4) رجال الكشي: ص 291
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (1) لا يجد فيه ذكراً لما يدعون، والروايات التي يذكرونها يكفي في بيان فسادها مجرد عرضها، فهي تحمل بنفسها ما يهدم بنيانها من الأساس، فهل يصدق أحد أن لعلي في القرآن (1154) اسماً؟ وهل يدخل عقل أحد أن من أسماء علي البعوضة والذباب؟ وهل يوافق مؤمن على القول بأن ما ورد من آيات عن اليوم الآخر هي خاصة بعقيدة رجعة الأئمة؟ وكيف تناقش من يقول بأن آيات الإيمان والمؤمنين هي في الأئمة الاثني عشر، وآيات الكفر والكافرين هي في الصحابة؟!
وإنني هنا أذهب إلى القول بأن هذا المستوى الذي هبط إليه هؤلاء هو من معجزات هذا الدين العظيم، فما من أحد ادعى نبوة أو وحياً وأراد أن يضع في الدين ما ليس منه إلا وفضحه الله على روؤس الأشهاد، وتالله إن هذه المقالات التي لا يمكن بحال أن تتفق مع العقل والنقل ولا اللغة والدين هي من أعظم فضائح القوم وعوراتهم.. وبها يكشف الله سبحانه وتعالى كذبهم وبهتانهم.
إن مطابع النجف وطهران وقم وبمبي قد أخرجت لنا تراثاً شيعياً ضخماً يمثل ديناً بأكمله، لعل أقرب تسمية له هو دين الولاية، أو الإمامة، ولم تتوفر هذه الكتب للمسلم كما توفرت اليوم.. دين وضعه المجلسي والكليني وغيرهما من أساطين التشيع، وسينكشف من خلاله أمور كثيرة لم تكن معروفة من قبل.. ويبدو من الاطلاع عليه عظمة هذا الدين الإلهي وسر خلوده، إذ بضدها تتميز الأشياء فلولا المر ما عرف طعم الحلو.
ولعلي أقول إن هذا الإحياء لهذا التراث الشيعي الضخم دليل على قرب نهايته فقد عاشوا يبشرون بمعتقدهم بتقية ومصانعة انخدع بها الكثير وهاهي كتبهم اليوم المعتمدة تظهر بشكل وفير في وقت تطلع الناس لمعرفة ما عندهم، لتسهم في كشف عوارهم.--------------------------------------------
(1) يوسف، آية: 2
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
2- هذه التأويلات الباطنية المستفيضة في كتب الاثني عشرية هي مجهولة للكثير ممن يكتب عن هذه الطائفة.. وحسبك أن تجد ممن كتب عن الاثني عشرية من يعتبرها بعيدة كل البعد عن الاتجاه الباطني، ويظن أن التأويل الباطني مقصور أمره على طائفة الإسماعيلية. يقول بعض من كتب عن الفرق: "جعل الإسماعيلية للأئمة صفات لم تعرفها فرق الشيعة الأخرى، ذلك أنهم يقولون ظاهراً: إن الأئمة بشر كسائر الناس يأكلون وينامون ويموتون، ولكنهم في تأويلاتهم الباطنية يقولون: إن الإمام هو: "وجه الله" "ويد الله" "وجنب الله" (1) .
ويلاحظ أن هذا هو عين ما تذهب إليه طائفة الاثني عشرية، وجاءت أخبار كثيرة عندهم في إقرار هذا الغلو، وخصص المجلس لذلك باباً من أبواب بحاره - كما أسلفنا - وهو «باب أنهم عليهم السلام جنب الله ووجه الله ويد الله وأمثالها" (2) .
والسر في هذا الجهل المتفشي بين طبقة من الكتاب هو أن كتب الاثني عشرية نوعان: كتب للدعاية للمذهب وضعت بأسلوب التقية.. والنوع الثاني:- وهو المعتبر عندهم - كتب الحديث الثمانية المعتمدة عندهم وكتب الرجال الأربعة، وما في درجة هذه الكتب من كتب شيوخهم. فمن يعتمد على الأول وحده يفوته الكثير من أمورهم، والتي قد تشير إليها كتب الدعاية إشارة لا يفهمها إلا شيوخهم، أو من هو على صلة وفهم لكتبهم المعتمدة.
3- يلاحظ أن هذه التأويلات ليست عندهم آراء اجتهادية في تأويل القرآن قابلة للأخذ والرد والمناقشة والتعديل، بل هي في مقاييسهم نصوص شرعية لها سمة الوحي وأهميته، وقدسية النص النبوي وشرعيته. وقد جاءت عندهم نصوص كثيرة تحذر وتنذر من رد أمثال هذه النصوص التي لا تتفق مع العمل والفطرة، ولا مع المنطق واللغة. وأن الواجب التسليم وعدم الاعتراض، على لغة: "أطفئ مصباح عقلك واعتقد"، وقد حاولوا توطين أتباعهم على قبول أمثال هذه النصوص فقالوا: "إن حديثنا--------------------------------------------
(1) مصطفى الشكعة/ إسلام بلا مذاهب: ص 247-248
(2) بحار الأنوار: 24/191-203
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
تشمئز منه القلوب فمن عرف فزيدوهم، ومن أنكر فذروهم" (1) . "وعن سفيان السمط قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، إن رجلاً يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه، فقال أبو عبد الله: يقول لك: إني قلت لليل إنه نهار أو للنهار إنه ليل؟ قال: فإن قال لك هذا إني قلته فلا تكذب به فإنك إنما تكذبني (2) .
وأمثال هذه الروايات كثيرة، ويلاحظ أن في الرواية الأخيرة ما يدل على أن من الشيعة من يستبشع رواياتهم، ولكن يلزمون بالإيمان الأعمى بها، بل يعتبر من توقف في رواية من هذه الروايات وقال: "كيف جاء هذا، وكيف كان، وكيف هو؟، فإن هذا والله الشرك بالله العظيم (3) . وقد اهتم بهذه القضية صاحب البحار وذكر لها (116) حديثاً من أحاديثهم في باب عقده بعنوان: "باب أن حديثهم عليهم السلام صعب مستصعب، وأن كلامهم ذو وجوه كثيرة وفضيلة التدبر في أخبارهم عليهم السلام والتسليم لهم والنهي عن رد أخبارهم" (4) .
ولعل أول من أرسى دعائم هذا المعتقد صاحب الكافي والذي خصه بباب مستقل بعنوان: "باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب" وذكر فيه خمس روايات (5) . ولعل هذا الأسلوب هو الذي ساعد على تفشي تلك المقالات الأسطورية، وغياب الصوت العاقل الذي يجهر بالحق.. ويعري الباطل ويفضحه. وهذا نوع من الاستهواء الذي يطالب فيه الأتباع بالإيمان بأقوال الأئمة وإن خالفت العقل والنقل، وهو قريب من موقف الصوفية الذي يطالب فيه الشيوخ مريديهم بالتسليم لهم حتى إنهم قالوا: إن المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله، وهذا الاستهواء هو الذي لجأ--------------------------------------------
(1) البحار: 2/129
(2) البحار: 2/211-212، البحراني/ اللوامع النورانية ص 549-550
(3) انظر: رجال الكشي: ص194
(4) انظر: بحار الأنوار: 2/182 وما بعدها
(5) انظر: أصول الكافي: 1/401-402
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
إليه فرعون مع قومه، وأشار إليه الله سبحانه بقوله: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} (1) . (2) .
4- إن للتفسير عندهم وجوهاً: ظاهرة، وباطنة، والجميع معتبر. قال أبو عبد الله - كما يزعمون -: إن قوماً آمنوا بالظاهر وكفروا بالباطن فلم ينفعهم شيء، وجاء قوم من بعدهم فآمنوا بالباطن وكفروا بالظاهر فلم ينفهم ذلك شيئاً، ولا إيمان بظاهر إلا بباطن، ولا باطن إلا بظاهر، ولهذا يلاحظ أن بعض تفاسير الشيعة لم تذكر هذا التأويل، أو ذاك، وإنما ذكرت ما ظهر من الآية الذي قد يوافق اللغة أو ما جاء عن السلف، ولكن قد لا يعني هذا مخالفتهم لذلك التأويل الباطني لأنهم يقولون بأن لكل آية معنى باطناً ومعنى ظاهراً، والكل مراد، فقد يكتفي بعضهم بذكر الظاهر وحده، أو الباطن فقط، أو يذكر الوجهين جميعاً؛ لأن رواياتهم جاءت على نفس المنهج كما تدل على ذلك رواية صاحب الكافي في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} (3) .
قال: " … عن عبد الله بن سنان عن ذريح المحاربي قال: قلت لأبي عبد الله: إن الله أمرني في كتابه بأمر فأحب أن أعمله، قال: وما ذاك؟ قلت: قول الله عز وجل: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} قال: {لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} لقاء الإمام، {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} تلك المناسك، قال عبد الله بن سنان: فأتيت أبا عبد الله عليه السلام فقلت: جعلت فداك، قول الله عز وجل: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} قال: أخذ الشارب وقص الأظفار وما أشبه ذلك. قال: قلت: جعلت فداك، إن ذريحاً المحاربي حدثني عنك بأنك قلت له: {لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} لقاء الإمام {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} تلك المناسك، فقال: صدق ذريح وصدقت، إن للقرآن ظاهراً وباطناً ومن يحتمل ما يحتمل ذريح" (4) . ففي هذا--------------------------------------------
(1) الزخرف، آية: 54
(2) انظر: المدخل إلى الثقافة الإسلامية: ص 113-115
(3) الحج، آية: ص 29
(4) الكليني/ فروع الكافي: 4/549، وانظر: ابن بابويه/ من لا يحضره الفقيه: 2/290-291، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
النص - الذي أورده صاحب الكافي، وذكره أيضاً صاحب من لا يحضره الفقيه وغيره - التصريح بأن للقرآن معاني ظاهرة تقال لعامة الناس، وله معانٍ باطنة لا تذكر إلا للخاصة ممن يستطيع احتمالها، وهم قلة لا توجد "فمن يحتمل ما يحتمل ذريح". وإذا كان الأئمة يضنون بهذا العلم الباطني، ويتحاشون ذكره عند شيعتهم إلا من كان على مستوى ذريح فماذا خالفت كتب الاثني عشرية نهج أئمتها وأشاعت هذا "العلم" المضنون به على غير أهله للخاص والعام؟!
هذا ما يؤخذ من أقوال هؤلاء القوم.. ولعل قائلاً يقول: لماذا لا يكون هذا التأويل الذي يتفق وظاهر النص، وسياق القرآن، ولغة العرب، وما أثر من السلف، وما اتفق عليه جماعة المسلمين هو الذي يعتقد صدوره عن أمثال محمد الباقر، وجعفر الصادق وغيرهما من أئمة العلم والدين واللغة، وأن تلك التأويلات الباطنية التي لا تستند إلى أصل معتبر من نقل أو عقل أو لغة هي من وضع زنديق ملحد أراد الإساءة إلى كتاب الله ودينه، وإلى أهل البيت، ولاسيما أن تلك الأقوال الباطنية لا تذكر إلا خلسة وفي الظلام، ولا ينقلها إلا قلة كما يشير إليه نهاية الخبر، وتفسير القرآن لا يمكن أن يكون علماً سرياً لا يتحمله إلا خاصة الناس، فالله سبحانه أنزل كتابه لعباده كافة لا لفئة معينة، وهؤلاء الأئمة كان عصرهم يمثل العصر الذهبي للأمة في وقت عزة الإسلام والمسلمين، فهل يصبح تفسير القرآن في عصرهم "سرياً" وفي هذا العصر يعلن هذا التفسير؟!
وأئمة أهل البيت هم أجرأ وأشجع من أن يجبنوا عن بيان الحق، وأن يتخلوا عن الصدع بأمر الله وشرعه.
5- هذه التأويلات الباطنية هي من باب الإلحاد في كتاب الله وآياته - وقد قال--------------------------------------------
= معاني الأخبار: ص 340، عيون أخبار الرضا: ص 366، الكاشاني/ تفسير الصافي: 3/376، الحويزي/ تفسير نور الثقلين: 2/492، البحراني/ البرهان: 3/88-89، المجلسي/ بحار الأنوار: 92/83-84، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 10/253، الموسوي/ مفتاح الكتب الأبعة: 5/228-229
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} (1) . قال ابن عباس: هو أن يوضع الكلام في غير موضعه (2) . وذلك بالانحراف في تأويله (3) .
قال في الإكليل: "ففيها الرد على من تعاطى تفسير القرآن بما لا يدل عليه جوهر اللفظ كما يفعله والاتحادية والملاحدة" (4) . وهؤلاء الذين يلحدون في آيات الله ويحرفونها عن معانيها وإن كتموا كفرهم وتستروا بالباطل وأرادوا الإخفاء لكنهم لا يخفون على الله كما قال تعالى: {لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} (5) .
6- ربط شيوخ الشيعة هذه التأويلات أو التحريفات بأئمة أهل البيت لتحظى بالقبول عند الناس، ولأنها تأويلات غير عاقلة قالوا: بأن السياق القرآني غير منسجم مع النظر العقلي، ونسبوا هذا القول لجعفر الصادق كما يروي ذلك جابر الجعفي أنه قال له: "يا جابر، إن للقرآن بطناً وللبطن ظهراً، ثم قال: وليس شيء أبعد من عقول الرجال منه، إن الآية لينزل أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف على وجوه" (6) . ولاشك أن هذا الحكم هو برواياتهم أليق وأوفق، ولا يتصل من قريب أو بعيد بكتاب الله وتفسيره الصحيح.
7- قامت مصادرهم في التفسير - غالباً - على هذا المنهج الباطني في التأويل الذي استقته من أبي الخطاب وجابر الجعفي والمغيرة بن سعيد وغيرهم من الغلاة. ويلاحظ أنه في القرن الخامس بدأ اتجاه التفسير عندهم يحاول التخلص من تلك النزعة المغرقة في التأويل الباطني؛ حيث بدأ شيخ الطائفة عندهم أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المتوفى سنة 460هـ) يؤلف لهم كتاباً في تفسير القرآن--------------------------------------------
(1) فصلت، آية: 40
(2) تفسير الطبري: 24/123، فتح القدير: 4/520
(3) انظر: القاسمي/ محاسن التأويل: 14/211، الألوسي/ روح المعاني: 24/126
(4) السيوطي/ الإكليل: ص 354 (المطبوع على هامش جامع البيان في تفسير القرآن)
(5) محمد شاه الكشميري/ إكفار الملحدين: ص 2
(6) تقدم تخريج هذا النص من كتب الشيعة: ص (152)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
يستضيء في تأليفه بأقوال أهل السنة، ويأخذ من مصادرهم في التفسير، ويحاول فيه أن يتخلص أو يخفف من ذلك الغلو الظاهر في تفسير القمي والعياشي وفي أصول الكافي وغيرها، وهو وإن كان يدافع عن أصول طائفته ويقرر مبادئهم المبتدعة، إلا أنه لا يهبط ذلك الهبوط الذي نزل إليه القمي ومن تأثر به. ومثل الطوسي في هذا النهج الفضل بن الحسن الطبرسي في "مجمع البيان" وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى ذلك حيث قال: "الطوسي ومن معه في تفسيرهم يأخذون من تفاسير السنة، وما في تفسيرهم من علم يستفاد إنما هو مأخوذ من تفاسير أهل السنة" (1) .
ولكن قد كشف لنا شيخ الشيعة في زمنه ومحدثها وخبير رجالها وصاحب آخر مجموع من مجاميعهم الحديثية، وأستاذ كثير من علمائهم الكبار عندهم كمحمد حسين آل كاشف الغطا، وأغا بزرك الطهراني وغيرهما وعالم الشيعة حسين النوري الطبرسي قد كشف لنا سراً عندهم بقي دفيناً، وأماط اللثام عن حقيقة كانت مجهولة لدينا وهي أن كتاب «التبيان» للطوسي إنما وضع على أسلوب التقية والمداراة للخصوم وإليك نص كلامه:
"ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين، فإنك تراه اقتصر في تفسير الآيات على نقل كلام الحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن جريج والجبائي والزجاج، وابن زيد وأمثالهم. ولم ينقل عن أحد من مفسري الإمامية، ولم يذكر خبراً عن أحد من الأئمة عليهم السلام إلا قليلاً في بعض المواضع لعله وافقه في نقله المخالفون. بل عد الأولين في الطبقة الأولى من المفسرين الذين حمدت طرائقهم ومدحت مذاهبهم. وهو بمكان من الغرابة لو لم يكن على وجه المماشاة.. ومما يؤكد كون وضع هذا الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجيل علي بن طاوس في سعد السعود وهذا لفظه: "ونحن نذكر ما حكاه جدي أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتاب--------------------------------------------
(1) انظر: منهاج السنة: ص 3/246
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
«التبيان» وحملته التقية على الاقتصار عليه من تفضيل المكي على المدني والخلاف في أوقاته.. الخ. (هكذا لم يكمل النوري النص) " ثم قال هذا النوري معقباً على ما نقله على ابن طاوس: "وهو - يعني ابن طاوس - أعرف بما قال من وجوه لا يخفى على من اطلع على مقامه فتأمل" (1) .
فمن هذا النص يتبين أن التبيان للطوسي قد وضع على أسلوب التقية - كما هو رأي شيخ الشيعة المعاصر - أو أن يكون التبيان قد صدر من الطوسي نتيجة اقتناع عقلي بإسفاف ما عليه القوم من تحريف لمعاني القرآن سموه تفسيراً، وبتأثير نزعة معتدلة لاختلاطه مع بعض علماء السنة في بغداد.. ومعنى هذا أن شيعة اليوم - والذي يمثلهم هذا النوري الطبرسي والذي ارتضوا كتابه (مستدرك الوسائل) مصدراً لهم في الحديث (2) ، كدليل على كبير مقامهم عندهم - هم أشد غلواً وتطرفاً، ولذا تراهم يعتبرون تفسير الطوسي ومن سار على منهجه إنما ألفت للخصوم، والتزمت بروح التقية (لتبشر) بالعقيدة الشيعية مع غير الشيعة.
ولعل القارئ يدرك من خلال هذا الرأي لشيخ الشيعة حول كتاب «التبيان» - أن التقية أسهمت في (تكريس) الغلو عند هذه الطائفة، وفي وأد كل صوت عاقل ورأي معتدل بحمله على التقية لأنه يوافق - بزعمهم - ما عند أهل السنة، فبقيت هذه الطائفة في هذه الدائرة المغلقة، قد جعلت من التقية حصناً تلجأ إليه كلما هبت عليها نسمات الإصلاح، ورياح التغيير - كما سيأتي في مبحث التقية -.
ثم لا ننسى أن نشير إلى أن ما قلناه عن كتاب الطوسي ينطبق على تفسير مجمع البيان للطبرسي لأنه سار على نهج الطوسي وأشار إلى ذلك في مقدمة تفسيره حيث قال: ".. إلا ما جمعه الشيخ الأجل السعيد أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس الله روحه من كتاب التبيان، فإنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق ويلوح عليه رواء الصدق.. وهو القدوة أستضيء بأنواره وأطأ مواقع آثاره" (3) .--------------------------------------------
(1) فصل الخطاب: ص 35 (والورقة 17 من النسخة المخطوطة من الكتاب المذكور)
(2) انظر: فصل "السنة" من هذه الرسالة
(3) مجمع البيان: 1/20
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
المبحث الثالث: هل الشيعة تقول بأن في كتاب الله نقصاً أو تغييراً
مدخل للموضوع:
وجاء في هذا المبحث بهذه الصيغة الاستفهامية لثلاث أسباب:
أولاً: أن طائفة من أعلام الاثني عشرية يتبرأون من هذه المقالة - مثل الشريف المرتضى، وابن بابويه القمي وغيرهما -.
ثانيا: إن إجماع المسلمين كلهم قام على أن كتاب الله سبحانه محفوظ بحفظ الله له {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} . ومن قال بأن في القرآن نقصاً وتحريفاً فليس من أهل القبلة وليس من الإسلام في شيء، ومن هنا فإن العدل يقتضي أن نحتاط في دراستنا لهذه المسألة أبلغ الاحتياط، وأن نعدل في القول، فلا نرمي طائفة بهذه المقالة إلا بعد الدراسة والتثبت.
ثالثاً: إن هناك طائفة من المفكرين يرمون الشيعة بالقول بهذا الكفر، ويعممون ذلك، ولاشك بأن الشيعة فرقٌ، والشيعة طبقات، فلا يصح أن يقال مثلاً بأن متقدمي الشيعة يقولون بهذه المقالة (1) ، ولا يقبل أن يقال بأن الزيدية تقول بهذه الفرية.. فأسلوب التعميم غير مرضي ولا مقبول.--------------------------------------------
(1) وقد انساق "إحسان إلهي ظهير" وراء مقالة صاحب فصل الخطاب بأنه لا يوجد من أنكر مقالة التحريف من الشيعة في القرون المتقدمة إلا هؤلاء الأربعة (يعني ابن بابويه القمي، والمرتضى، والطبرسي، والطوسي) فقال إحسان: "والحاصل أن متقدمي الشيعة ومتأخريهم تقريباً جميعهم متفقون على أن القرآن محرف، مغير فيه". (الشيعة والسنة ص 122) (ط. دار الأنصار) . الحقيقة أن هذه القضية بدأت عند الشيعة متأخرة عن نشأة الشيعة نفسها، وأن أوائل الشيعة ليسوا على هذا الضلال، وأن فرقاً من الشيعة ليست على هذا "الباطل"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
وبعد: فإن الباحث المسلم يعاني بلا شك من قراءة تلك الحروف السوداء، ومن الاستماع لأولئك الأقزام الذين يتطاولون على كلام الله سبحانه، يعاني من ذلك أبلغ المعاناة. وليعلم القارئ أن دراسة هذا الموضوع ليست من أجل الرد والدفاع، فكتاب الله لا تصل إلى مقامه بغاث الأحلام، ولا تنال من عظمته دعوى حاقد، ومزاعم مغرض. فهل تستر الشمس، أو تحجب القمر كف إنسان؟! ثم ما أسهل الادعاء الكاذب على حاقد مَوْتور، ومن ثم فليس علينا أن نتتبع كل دعوى كاذبة لنردها:
لو أن كل كلب عوى ألقمته حجراً لكان كل مثقال بدينار
كما أن إهمال القول الكاذب قد يكون أحرى لإماتته وانصراف الأنظار عنه، ما لم يتفش هذا القول ويشتهر وتحمله طائفة، وتسير به كتب، فحينئذ يجب كشف المطبل وباطله.
وأقول: إن دراسة هذه المسألة ليست من أجل الرد والنقض، إنما هي لبيان هل الشيعة تقول بهذه المقالة أو لا؟ -، وفي ثبوت ذلك أكبر فضيحة للشيعة يهدم بنيانها من الأساس ويزلزل كيانها من القواعد، ولن يقبل منها قول ولا يسمع منها كلمة.. ومن ذا الذي يمس كتاب الله ويقبل منه مسلم قولاً أو يرتضي منه حكماً (1) . ومن ثم فنحن نكتب هذه الدارسة لبيان حقيقة نسبة هذه المسألة للشيعة؛ لأن من حاول المساس بكتاب الله والنيل من قدسيته فإنه بعيد عن الإسلام وإن تسمى به، وأنه يجب كشفه لتعرف الأمة عدواته؛ لأنه يحارب الإسلام في أصله العظيم وركنه المتين.
ثم إن حكاية قول من قال ذلك - كما يقول أبو بكر الباقلاني - يغني عن--------------------------------------------
(1) ولهذا رأينا الإمام بن احزم رحمه الله حينما احتج النصارى بما ينسب إلى الرافضة من القول بنقص القرآن وتغييره.. أجابهم ابن حزم بأن هؤلاء ليسوا من المسلمين وإنما هي فرقة طارئة على الإسلام والمسلمين حدث أولها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة. (انظر: الفصل: 2/80)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
الرد عليه (1) .؛ لما توافر لكتاب الله من وسائل الحفظ وأسباب الضبط التي يستحيل معها أن يتطرق إليه نقص أو تغيير تحقيقاً لوعد الله سبحانه في حفظه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (2) . هذا ومن أمر هذه الدعوى والتي وجدت في محيط الشيعة (وسندرس مدى موافقة الشيعة لها أو رفضها) أنها ولدت وفي أحشائها أسباب فنائها، وبراهين زيفها وكذبها، لم يحكم واضعها الصنعة في صياغتها، ولم يجد الحيلة في حبكها، فجاءت على صورة مفضوحة، وبطريقة مكشوفة، ولذلك نقضت نفسها بنفسها، فهي تقوم على دعوى أن القرآن ناقص ومغير.. وأن القرآن الكامل المحفوظ من أي تغيير هو عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم أورثه الأئمة من بعده وهو اليوم عند مهديهم المنتظر.
فهذه الدعوى ربطوها بأمير المؤمنين علي، ولكن علياً هو الذي حكّم القرآن في خلافته وقرأه وتعبد به، ولو كان لديه غيره لأخرجه للناس ولم يجز أن يتعبد الله بكتاب محرف وناقص، ولو كان شيء مما يدعون لأخرج علي القرآن الكامل الذي جمعه، وعارض به هذا القرآن المحرف - كما يدعون - ولتدارك الأمر حين أفضت إليه الخلافة، لأن من أقر الخائن على خيانته كان كفاعلها.. وقد حارب علي معاوية على أقل من هذا الأمر، فكيف لم يفعل ذلك أمير المؤمنين؟!!
لم يجد أصحاب هذا الافتراء ما يجيبون به عن هذا السؤال الكبير الذي ينسف بنيانهم من القواعد سوى قولهم على لسان عالمهم نعمة الله الجزائري (3) : "ولما جلس أمير المؤمنين عليه السلام على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن: ص 24، تحقيق أحمد صقر
(2) الحجر، آية: 9
(3) وله منزلته عندهم، وصفوه بأنه السيد السند، والركن المعتمد، المحدث النبيه، المحقق، النحرير، المدقق العزيز النظير، وقالوا بأنه من أكابر متأخري علماء الإمامية، محدث جليل القدر، ومحقق عظيم الشأن، إلى آخر أوصافهم، توفي سنة (1112هـ) (انظر: أمل الآمل: 2/336، الكنى والألقاب: 3/298، سفينة البحار: 2/601، مقدمة الأنوار النعمانية)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
ذلك القرآن وإخفاء هذا لما فيه من إظهار الشنعة على ما سبقه" (1) .
هكذا يجيبون وبهذا يعتذرون.. وأي قدح وسب لأمير المؤمنين ممن يزعم التشيع له أبلغ من هذا وأشد.. إنهم يتهمون علياً رضي الله عنه بأنه راعى المجاملة لمن سبقه على هداية الأمة، ولهذا لم يخرج ما عنده من القرآن.. سبحانك هذا بهتان عظيم!.
كما أنهم ربطوا وجود المصحف بإمامهم المنتظر الذي لم يولد أصلاً ولا وجود له - كما سيأتي - والإمام الغائب والمصحف الغائب كلاهما وهم وخيال.
والكلمات المفتراة والتي قدموها على أنها آيات ساقطة من المصحف انكشف بها كذبهم وظهر بها بهتانهم، فهي أشبه ما تكون بمفتريات مسيلمة المتنبئ الكذاب وادعاءاته.. لا تربطها بلغة العرب، وبلاغة اللسان العربي أدنى رابطة - كما سيأتي -، ثم إنهم رجعوا على أنفسهم وقالوا: لا اعتماد على تلك الكلمات ولا تعتبر من القرآن، ولا يجوز القراءة بها، لأن طريقها آحاد، والأئمة قرأوا هذا القرآن واستعملوه فلا يترك ما أجمعوا عليه بمثل هذه الروايات.. ثم انفصل منهم طائفة عاقلة تبرأت من هذا الكفر لما رأت من تناقضه ووضوح بطلانه.. وهاجمت من قال به من أصحابها وكشفت كذبه وكفى الله المؤمنين القتال.. وهذا الصراع الدائر بين الطائفتين ينكشف من خلال كتاب فصل الخطاب كما سيأتي تفصيله إن شاء الله، فحملت هذه المقالة أسباب فنائها في أحشائها، وانكشف عوارها وكذبها بكلمات أصحابها، وفي هذا آيات للمؤمنين، وبرهان من براهين عظمة هذا القرآن، وسر من أسرار إعجازه والتي لا تحيط بها العقول، وشاهد من شواهد تحقيق وعد الله بحفظه لكتابه العزيز.
وفيما يلي نبدأ بدراسة هذه القضية عند الشيعة، ومتى بدأت، وكيف امتدت، ومن الذي تولى كبر وضعها، وهل تقول الشيعة كلها بذلك أو فيها من--------------------------------------------
(1) الأنوار النعمانية: 2/362
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
أنكر وتبرأ؟ وسنذكر أولاً ما تقوله كتب السنة، ثم نرجع لتحقيق ذلك من كتب الشيعة الاثني عشرية نفسها:
بداية هذا الافتراء - كما تقوله مصادر أهل السنة:
يقول الإمام أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري (1) : "لم يزل أهل الفضل والعقل يعرفون شرف القرآن وعلو منزلته.. حتى نبغ في زماننا هذا زائع عن الملة وهجم على الأمة بما يحاول به إبطال الشريعة.. فزعم أن المصحف الذي جمعه عثمان رضي الله عنه باتفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على تصويبه فيما فعل لا يشتمل على جميع القرآن، إذا كان قد سقط منه خمسمائة حرف.. (ثم ذكر ابن الأبناري) أن هذا الزنديق أخذ يقرأ آيات من القرآن على غير وجهها زندقة وإلحاداً، فكان يقرأ: (ولقد نصركم الله ببدر بسيف علي وأنتم أذلة) " (2) .
هذا النص قاله ابن الأنباري المولود سنة (271هـ) والمتوفى سنة (328هـ) وهو يشير إلى أن هذا الافتراء بدأ في زمنه في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع. ويدل النص المذكور أيضاً على: أن مصدر هذا الافتراء من طائفة الشيعة كما تفيده تلك الزيادة المفتراة (بسيف علي) كما يدل على أنه لم يكن للأمة المسلمة في ماضيها عهد بهذه المفتريات حتى ظهر هذا الزائغ عن الملة، وكأن ابن الأنباري بهذا يشير إلى شخص بعينه إلا أنه لم يذكره باسمه.. ولكن بدت هويته المذهبية من خلال افتراءاته.
بينما نجد المطلي (ت 377هـ) يشير إلى أن هذا الشخص صاحب هذه--------------------------------------------
(1) محمد بن القاسم بن محمد.. أبو بكر بن الأنباري، قال الخطيب البغدادي: "كان صدوقاً فاضلاً ديناً خيراً من أهل السنة، وصنف كتباً كثيرة في علوم القرآن.. والوقف والابتداء والرد على من خالف مصحف العامة.. وكان من أحفظ الناس للغة وتفسير القرآن". (انظر: تاريخ بغداد: 3/181-186)
(2) تفسير القرطبي: 1/28
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
الفرية هو هشام بن الحكم (1) . فإنه زعم أن القرآن الذي في أيدي الناس وضع أيام عثمان، وأما القرآن فقد صعد به إلى السماء لردة الصحابة بزعمه (2) .
ولكن هشام بن الحكم توفي سنة (190هـ) وهذا يعني أن هذا الافتراء أقدم مما يذكره ابن الأنباري، وإذا لاحظنا أن هذه الفرية مرتبطة أشد الارتباط بمسألة الإمامة والأئمة عند الشيعة، وذلك حينما بدأ شيوخ الشيعة في الاستدلال عليها فلم يجدوا في كتاب الله ما يثبت مزاعمهم في ذلك فأدى بهم هذا إلى القول بهذه الفرية وغيرها.. إذا أدركنا ذلك فإنه لا يبعد أن يكون ما يقوله المطلي في أن هشاماً هو الذي تولى كبر هذا الافتراء.. لا يبعد أن يكون هذا واقعاً لاسيماً أن هشاماً كان من أول من تكلم في الإمامة، حتى قال ابن النديم: "إن هشام بن الحكم ممن فتق الكلام في الإمامة، وله من الكتب كتاب الإمامة" (3) ، وقال ابن المطهر الحلي: "وكان ممن فتق الكلام في الإمامة وهذب المذهب بالنظر" (4) .
ويشفع لتأهيل هشام بن الحكم - أيضاً - لهذه الفرية ما جاء في رجال الكشي- عمدة الشيعة في كتب الرجال - ونصه: "هشان بن الحكم من غلمان أبي شاكر، وأبو شاكر زنديق" (5) . وقال القاضي عبد الجبار (المعتزلي) : "هشام.. ليس من أهل القبلة، وهو معروف بعداوة الأنبياء، وقد أخذ مع أبي شاكر الديصاني (6) . صاحب الديصانية (7) . وكان--------------------------------------------
(1) هشام بن الحكم: أصله كوفي، وسكن بغداد، وتربى في أحضان بعض الزنادقة، وكان في الأصل على مذهب الجهمية، ثم قال بالتجسيم.. نقلت عنه مقالات ضالة وتنسب له كتب الفرق فرقة "الهشامية" من الشيعة. توفي سنة (179هـ) كما في رجال الكشي، وقيل: (190هـ) انظر: رجال الكشي: ص 255-280، رجال النجاشي: ص 338، وانظر: ابن حجر/ لسان الميزان: 6/194، وانظر عن الهشامية: الملطي/ التنبيه والرد: ص 24، الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/106، البغدادي الفرق بين الفرق: ص 65، الشهرستاني/ الملل والنحل: 1/184وغيرها
(2) التنبيه والرد: ص 25
(3) الفهرست: ص175
(4) رجال الحلي: ص 178
(5) رجال الكشي: ص 278
(6) انظر: ابن النديم/ الفهرست: ص 338
(7) الديصانية: إحدى فرق الثنوية القائلين بالأصلين النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما، وتعتبر أصلاً للمانوية، وإنما اختلفت الفرقتان في كيفية اختلاط النور بالظلمة (الملل والنحل: 1/250، الفهرست لابن النديم: ص 338-339)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
معروفاً به وبصحبته، فادعى أنه من الشيعة، فخلصه بعض أصحاب المهدي حين ادعى أنه يتشيع لبني هاشم فلم يصلبه مع أبي شاكر (1) ، فهو قد تربى في أحضان الزنادقة، والشيء من معدنه لا يستغرب.. وقد أوعز إليه - كما في رجال الكشي - بلزوم الصمت حين جدّ المهدي العباسي بتتبع الزنادقة" (2) . قال هشام: "فكففت عن الكلام حتى مات المهدي" (3) .
فتشير القرائن - كما ترى - إلى هشام وشيعته، فهذا يدل على أقل الافتراضات أن هذه "الفرية" وجدت في عصر هشام، ومما يدل على وجود هذه الدعوى في تلك الفترة ما ذكره ابن حزم عن الجاحظ قال: "أخبرني أبو إسحاق إبراهيم النظام وبشر بن خالد أنهما قالا لمحمد بن جعفر (4) . الرافضي المعروف بشيطان الطاق: ويحك! أما استحيت من الله أن تقول في كتابك في الإمامة: إن الله تعالى لم يقل قط في القرآن: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (5) . قالا: فضحك والله شيطان الطاق طويلاً حتى كأنّا نحن الذي أذنبنا" (6) .
هذه الحكاية أوردها ابن حزم عن الجاحظ، وقد قال ابن حزم عن الجاحظ بأنه رغم مجونه وضلاله: "فإننا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتاً لها، وإن--------------------------------------------
(1) انظر: تثبيت دلائل النبوة: ص 225
(2) انظر: رجال الكشي: ص 265-266
(3) رجال الكشي: ص 266
(4) كذا في الطبعة المحققة من "الفصل" ولعل الصواب أبو جعفر، لأن أباه علي كما هو المشهور في كتب التراجم
(5) التوبة، آية: 40
(6) الفصل: 5/39
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)