كان كثيراً لإيراد كذب غيره" (1) . وشيطان الطاق وهو محمد بن علي ابن النعمان أو جعفر الأحول توفي سنة (160هـ) (2) ، والمعروف أن شيطان الطاق معاصر لهشام بن الحكم، قال ابن حجر: "قيل إن هشام بن الحكم شيخ الرافضة لما بلغه أنهم لقبوه شيطان الطاق سماه هو مؤمن الطاق" فقد يكون أحد الشركاء في هذه "الجريمة" مع هشام بن الحكم، فهو شريك في التأليف حول مسألة الإمامة والتي هي السبب والأصل للقول بهذا الافتراء كما تدل عليه نصوص هذه الفرية.
شيوع هذه المقالة عندهم كما تقول كتب أهل السنة:
ثم فشت هذه المقالة في الشيعة الاثني عشرية والذي يلقبهم الأشعري وغيره بالرافضة كما أسلفنا حتى أصبحت - كما يذكر الأشعري - (المتوفى سنة 330هـ) مقالة لطائفة من هؤلاء الروافض زعموا: "أن القرآن قد نقص منه، وأما الزيادة فذلك غير جائز أن يكون قد كان، وكذلك لا يجوز أن يكون قد غير منه شيء عما كان عليه، فأما ذهاب كثير منه فقد ذهب كثير منه، والإمام يحيط علماً به" (3) ، بينما اتجهت فرقة أخرى من هؤلاء يصفهم الأشعري بأنه ممن جمع القول بالاعتزال والإمامة إلى إنكار هذا القول وقالت: "إن القرآن ما نقص منه، ولا زيد فيه، وإنه على ما أنزل الله تعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام لم يغير ولم يبدل، ولا زال على ما كان عليه" (4) . وهناك فرقة ثالثة سقط - فيما يظهر- ذكر--------------------------------------------
(1) الفصل: 5/39
(2) نسب إليه أنه يقول: إن الله لا يعلم شيئاً حتى يكون، وضلالات أخرى، تنسب له فرقة "الشيطانية" أو النعمانية من غلاة الشيعة.
(انظر: رجال الكشي: ص 185، رجال النجاشي: ص 249، لسان الميزان: 5/300-301، فرق الشيعة للنوبختي: ص 78، سفينة البحار: 1/333، مقالات الإسلاميين: 1/111، الملل والنحل: 1/186، الانتصار لابن الخياط: ص14-48)
(3) مقالات الإسلاميين: 1/119-120
(4) مقالات الإسلاميين: 1/119-120
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
مذهبها (1) .
كما يشير البغدادي (المتوفى سنة 429هـ) إلى أن من الرافضة من زعم أن الصحابة غيروا بعض القرآن، وحرفوا بعضه، واعتبر ذلك من موجبات الحكم بكفرها وخروجهم عن الإسلام (2) .
ويبدو أن هذا المنكر زاد انتشاره بين هؤلاء القوم حتى إننا نجد ابن حزم (المتوفى 456هـ) ينسب هذه المقالة إلى طائفة الإمام كلها، ولم يستثن من أعلام الإمامية إلا ثلاثة نجوا من الوقوع في هذه الهاوية (3) .
وكذلك القاضي أبو يعلى (المتوفى سنة 458هـ) ينسب هذه المقالة إلى طائفة الرافضة (4) . والتي هي من ألقاب الاثني عشرية - كما سبق -، بينما نجد شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى سنة 728هـ) يعزو هذه المقالة - فيما يظهر - للباطنية حيث قال: "وكذلك - أي يحكم بكفره - من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، ونحو ذلك، وهؤلاء--------------------------------------------
(1) كما يبدو من خلال النسخة المطبوعة من مقالات الإسلاميين تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (جص120) وفي المطبوعة الأخرى للمقالات تحقيق هلموت ريتر ذكر في تحقيقه للكتاب بأنه قد وجد في بعض النسخ الخطية تعليقة في الهامش تقول: "سقط فرقة من الترتيب والعدد وهم الذين يجوزون الزيادة ولا يجوزون النقص منه (انظر: هامش مقالات الإسلاميين: ص 47 تحقيق هلموت ريتر) وقد يكون هذا استنتاج من الناسخ؛ حيث لا يوجد من الشيعة قائل بذلك، فقد ذكر الطوسي في التبيان (1/15) ، والطبرسي في مجمع البيان (1/30) أن الزيادة مجمع على بطلانها عندهم"
(2) انظر: الفرق بين الفرق: ص327
(3) انظر: الفصل: 5/40
(4) المعتمد في أصول الدين: ص 258، ويشير القاضي أبو يعلى إلى جهل هؤلاء الروافض وإنكارهم للقضايا الضرورية ومكابرتهم في ذلك للحقاق المتواترة؛ حيث إن القرآن قد جمع بمحضر من الصحابة - بما فيهم علي رضي الله عنه وأجمعوا عليه، ولم ينكره منكر، وإن مثل هذا لو كان لاستحال كتمانه في مستقر العادة، ولوجب على عليّ وغيره إنكاره، وقد كان علي رضي الله عنه يقرأه ويستعمله.. (المعتمد: ص258)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
يسمون القرامطة والباطنية" (1) .
فهل شيخ الإسلام ابن تيمية يعتبر الاثني عشرية في عداد الباطنية، أو غاب عنه أنهم يذهبون هذا المذهب فلم يذكرهم، أو أن الشيخ في هذه النسبة ركز على المعنى الأخير وهو التأويل الباطني الذي تعتمده القرامطة الباطنية؟
علي أي الأحوال فإني لم أجد - فيما قرأت - لشيخ الإسلام أنه ينسب هذه الفرية لطائفة الاثني عشرية، لا في منهاج السنة الذي رد فيه على شيخهم ابن المطهر الحلي ولا في غيره من كتبه المنشورة التي اطلعت عليها.
ويكشف - ميرزا مخدوم الشيرازي (من القرن العاشر) وقد عاش بين الشيعة وقرأ الكثير من كتبهم - كما يقول (2) .- "أنهم ذكروا في كتب حديثهم وكلامهم أن عثمان رضي الله عنه نقص من آيات القرآن - بزعمهم - ويشير إلى أمثلة مما قالوه في القرآن كقولهم: إنه كان في سورة {أَلَمْ نَشْرَحْ} بعد قوله سبحانه: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} كان بعدها - كما يفترون - "وعلياً صهرك" (3) .
ويذكر مطهر بن عبد الرحمن بن علي بن إسماعيل في كتابه: "تكفير الشيعة" والذي ألفه سنة (990هـ) يذكر ما صنعه شيعة زمانه من إحراق المصاحف--------------------------------------------
(1) الصارم المسلول: ص 586
(2) حيث يذكر أنه اضطر للبقاء بين ظهرانيهم، ولزمته مخالطتهم ومطالعة كتبهم.. وقد اطلع بسبب ذلك على الكثير من ضلالاتهم وأباطيلهم.
(انظر: النواقض: الورقة 110، 115، 165) (مخطوط) حتى قال: «لم يطلع أحد على تفصيل كتبهم وأقوالهم وشروح عاداتهم وأعمالهم كما اطلعت عليه، فلا يقدرون على أن يقولوا قد افترى علينا مثل ما يقولون في مقابلة ما نسبه سلفنا في كتبهم الكلامية إلى الرافضة (المصدر السابق الورقة: 87-أ)
(3) النواقض/ الورقة 103 (مخطوط) قال الشيخ محب الدين الخطيب: «وهم لا يخجلون من هذا الزعم مع عملمهم بأن سورة (أَلَمْ نَشْرَحْ (مكية وإنما كان صهره الوحيد العاص بن الربيع الأموي» (الخطوط العريضة: ص 15)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
وإهانتها واختراعهم - كما يقول - مصحفاً محدثاً (1) .
ويشير الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت1206هـ) إلى ما ذكرته كتب الشيعة من القول بنقص القرآن، ويذكر بأن شيعة زمنه - على ما قيل - أظهروا سورتين يزعمون أنهما من القرآن الذي أخفاه عثمان، كل سورة مقدار جزء وألحقوهما بآخر المصحف إحداهما سورة النورين والأخرى سورة الولاء (2) .
كما أن الصورة تتضح أكثر عند صاحب التحفة الاثني عشرية شاه عبد العزيز الدهلوي المتوفى سنة (1239هـ) الذي يذكر بأن الاثني عشرية تقول بأن الصحابة قد غيروا ونقصوا في كتاب الله ما يتصل بفضل علي وأئمتهم الاثني عشر وذلك أعدائهم، وينقل بعض الشواهد على ذلك من كتبهم، ويبين أنهم خالفوا بذلك المنقول والمعقول، وما علم من الدين بالضرورة، وما تواترت به التواريخ والوقائع، كما يبين براءة أهل البيت من هذه العقيدة، وأن من شيوخ الشيعة أنفسهم من بدأ يتبرأ من هذه العقيدة كابن بابويه (3) .
كما يتعرض أبو الثناء الألوسي (المتوفى سنة 1270هـ) لهذه الفرية في تفسيره، ويذكر بعض شواهدها من كتبهم، ويبين فسادها؛ لما توافر لهذا الكتاب العظيم من أسباب الحفظ بما لا يبقى في ذهن مؤمن احتمال سقوط شيء بعد من القرآن، وإلا لوقع الشك في كثير من ضروريات هذا الدين.
ثم يقول: بأنه لما تفطن بعض علمائهم لما في قولهم هذا من الفساد جعله قولاً لبعض أصحابه، واستشهد على ذلك بما قاله شيخ الشيعة الطبرسي في مجمع البيان من أن الشيعة تنكر هذه المقالة، وأنها قول لقوم من أصحابها،--------------------------------------------
(1) تكفير الشيعة: الورقة 58 (مخطوط) ذكر ذلك في الفصل الذي عقده بعنوان: "فصل في أحوال طهماسب الزنيم وزندقته وبيان كفره وإلحاده" وطهماسب هذا هو: طهماسب بن الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي المولود سنة (919هـ) وهو أحد سلاطين الدولة الصفوية، وتولى الحكم بعد وفاة أبيه سنة (930هـ) وهو من الشيعة الاثني عشرية (انظر: دائرة المعارف (الشيعية) جص321)
(2) انظر: رسالة في الرد على الرافضة: ص14
(3) انظر: مختصر التحفة الأثني عشرية: ص 82، وانظر أيضاً: ص 30، 50، 52
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
والصحيح خلافه، ثم قال الألوسي: وهو كلام دعاه إليه ظهور فساد مذهب أصحابه حتى للأطفال والحمد لله على أن ظهر الحق وكفى الله المؤمنين القتال (1) .
ولعل الألوسي (أبا الثناء) أول من كتب بالعربية عن هذه القضية بذلك الاستيعاب (النسبي) ؛ حيث عرض لهذه الفرية مقرونة بالاستشهاد المباشر من كتبهم، وعرض أحاديثهم كما جاءت في أصول الكافي وغيره، وذكر الجناح الآخر من الشيعة الذي أنكر هذه الفرية واستشهد بكلامه، وناقشه.
وكذلك قام حفيده علامة العراق أبو المعالي الألوسي (ت1342هـ) ببيان وقوع الشيعة في هذا الكفر عبر رسائله التي ألفها أو لخصها حول الشيعة.
هذا ويتولى الشيخ محمد رشيد رضا (المتوفى سنة 1354هـ) بعد ذلك إثارة هذه المسألة، وفضح الشيعة في هذا عبر مجلة المنار (2) ، ثم في رسالته "السنة والشيعة" وذلك حينما ألجأه إلى ذلك تعصب بعض شيوخ الشيعة وعدوانهم - كم يقول - فيذكر أن رافضة الشيعة تزعم أن ما بين الدفتين ليس كلام الله بل حذف منه الصحابة - بزعمهم - بعض الآيات وسورة الولاية (3) .
ومن بعد هؤلاء يأتي الشيخ موسى جار الله (ت1369هـ) والذي عاش بين الشيعة فترة، وتجول في مدنها، وحضر حلقات دروسها في البيوت والمساجد والمدارس، وقرأ في العديد من أمهات كتبها (4) . ورأى أن "القول بتحريف القرآن بإسقاط كلمات وآيات قد نزلت، وبتغيير ترتيب الكلمات والآيات، أجمعت عليه كتب الشيعة" (5) . وأن هذه الكلمات والآيات كانت كما يزعمون في علي وأولاده،--------------------------------------------
(1) روح المعاني: 1/23 وما بعدها
(2) انظر: المجلد 29 ص 436
(3) السنة والشيعة: ص 43
(4) الوشيعة: ص 25-26
(5) المصدر السابق: ص 104
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
وأن الذي حذف ذلك هم صحابة رسول الله، وينقل عن بعض شيوخ الشيعة أنهم قالوا بأن أخبار هذه الفرية متواترة عندهم ويلزم من ردها رد سائر أخبارهم في الإمامة والرجعة وغيرها، والحكم ببطلانها" (1) .
وقد لاحظ من خلال حياته مع الشيعة في تلك الفترة تأثر المجتمع الشيعي بهذه العقيدة؛ حيث إنه لم يجد من التلاميذ ولا من العلماء من يحفظ القرآن، ولا من يعرف وجوه القرآن الأدائية، بل ولا من يقيم القرآن بعض الإقامة بلسانه وأنهم اتخذوا القرآن مهجوراً (2) ، ويقول: هل هذا بسبب أنهم ينتظرون ما وعدَتْهم به أساطيرهم من ظهور القرآن الكامل مع منتظرهم الموعود؟ (3) .
ثم يقوم الأستاذ محب الدين الخطيب (ت1389هـ) بمناسبة إنشاء دار التقريب بين المذاهب الإسلامية التي أنشأها الشيعة في أرض الكنانة لبث عقيدة "الرفض" بين أهلها يقوم بالكتابة عن الشيعة في مجلة الفتح، وفي رسالته "الخطوط العريضة" ويتحدث عن هذه الفرية، ويستشهد بما جاء في كتاب "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" الذي ألفه ميرزا حسين ابن محمد تقي النوري الطبرسي أحد كبار علماء النجف، والذي بلغ من إجلال الشيعة له عند وفاته سنة (1320هـ) أنهم دفنوه في أشرف بقعة عندهم، ويقول بأن هذا الكتاب ينطوي على مئات النصوص عن علمائهم في كتبهم المعتبرة يثبت بها أنهم جازمون--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق: ص 138
(2) وقد استفهم عن هذه الظاهرة الخطيرة بعض شيوخ الشيعة في ورقة صغيرة كتب فيها هذه المسألة مع مسائل أخر فلم يجد إجابة (انظر: الوشيعة ص: 27-28) ، ثم كتب بعد ذلك رسالة ضمنها مجموعة من عقائد الشيعة الباطلة وقدمها لشيخ مجتهدي الكاظمية ببغداد، ثم نسخت في كراريس، ووزعتها الرابطة العلمية لأساتذة النجف، ثم يذكر بأنه بعدما راجع بهذه المسائل مجتهدي الشيعة انتظر سنة وزيادة ولم يسمع جواباً من أحد إلا من كبير مجتهدي الشيعة بالبصرة، فقد أجابه بكتاب من تسعين صفحة بكلمات في الطعن على العصر الأول أشد وأجرح من كلمات كتب الشيعة. (الوشيعة: ص 98، 117-118)
(3) انظر: ص 30-31، 112
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
بالتحريف ومؤمنون به، ويستشهد بما جاء في كتاب الكافي للكليني والذي يقول بأنه كصحيح البخاري عند أهل السنة.
كما ينشر صورة لما يسمى: "سورة الولاية" ويقول بأنها منقولة فوتوغرافياً عن أحد مصاحف إيران، ثم قال: ويبقى أن هناك قرآنين أحدهما عام ومعلوم، والآخر خاص مكتوم ومنه سورة الولاية، ثم يستشهد بما جاء في بعض نصوصهم من الفتوى بقراءة المصحف العثماني، ولكن يقول: إن خاصة الشيعة يعلم بعضهم بعضاً ما يخالف ذلك مما يزعمون وجوده عند أئمتهم من أهل البيت" (1) .
كما أن الشيخ محمود الملاح (ت1389هـ) في العراق فضح الشيعة في هذه المسألة لمواجهة محاولة شيخ الشيعة الخالصي في نشر الرفض باسم الوحدة الإسلامية (2) .
ومن بعد هؤلاء نرى الشيخ إحسان إلهي ظهير يكتب عن هذه القضية في كتابه: "الشيعة والسنة" ويذهب إلى القول بأن الشيعة كلها على هذا الكفر، وينقل الشواهد الكثيرة من كتبهم التي تتضمن أخبار هذه الأسطورة، ويعد إنكار المنكرين لهذه المسألة تقية لا حقيقة، ويرى أنه قام بدراسة هذه المسألة ببيان واضح، مستند، مفصل لم يسبق إليه (3) .
ثم يحاول أن يتوسع أكثر في هذه المسألة فيخصص لها كتاباً مفرداً بعنوان "الشيعة والقرآن" ينتهي فيه إلى نفس الحكم الذي انتهى إليه في كتابه السابق، ومعظم هذا الكتاب هو عبارة عن نقل حرفي بدون أدنى تعليق لكتاب لا يوجد من كتب الشيعة أجمع لنصوص الفرية منه وهو كتاب "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب"، والغريب أن إحسان ينتهي إلى نفس النهاية التي انتهى إليها--------------------------------------------
(1) الخطوط العريضة: ص 10-19
(2) انظر كتابه: "الوحدة الإسلامية بين الأخذ والرد"
(3) السنة والشيعة: ص14
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
صاحب فصل الخطاب، مع أن صاحب فصل الخطاب ألف كتابه - كما سيأتي - لإقناع طائفة من قومه أنكرت هذا الكفر وأبت أن تهضمه، واحتجت بما قاله بعض شيوخها السابقين من إنكار هذه الفرية، فرد عليها صاحب فصل الخطاب بكتابه هذا، وعزا الإنكار من شيوخه السابقين إلى التقية أو إلى عدم توفير المصادر عندهم - كما سيأتي - فذهب إحسان إلى مذهب صاحب فصل الخطاب نفسه (1) ، ونعمة الله الجزائري من أن إنكار المنكرين على سبيل التقية كما سيأتي بحثه ودراسته.
كما أن للأستاذ محمد مال الله كتاباً بعنوان: «الشيعة وتحريف القرآن» انتهى فيه إلى أن شيوخ الشيعة اتفقوا على القول بهذه الفرية، واستشهد على ذلك بكلام اثني عشر شيخاً من شيوخهم يقولون بهذا الافتراء، ولم يشر إلى وجود خلاف بينهم في هذا مع أن طائفة من شيوخهم أنكروه، كما قام بالاستشهاد بأكثر من مائتي رواية لهم قال بأنها نماذج من تحريفات الشيعة للقرآن، كما قام بإعداد جدول لهذا في تعليقه على كتاب الخطوط العريضة ووضعه في نهاية الكتاب، واستخرج ذلك من طائفة من كتب الشيعة في التفسير والحديث، إلا أن فيها ما ليس بصريح في هذا الأمر بل هو يندرج بشكل واضح في باب التأويل.
كما أنه وقع - كما وقع إحسان من قبله - بذكر بعض الروايات للشيعة والتي فيها ذكر قراءة للآية مروية عن السلف واعتبرها - بجهل - من قبيل التحريف. والسبب في ذلك هو اعتمادهم بدون تدبر على كتاب فصل الخطاب، وهناك كتابات أخرى تشابه--------------------------------------------
(1) في فصل الخطاب يتبين أن هناك جناحين من الشيعة، جناح يقول بالتحريف، ويعتبر إنكار من أنكر تقية ويدعي إجماع الشيعة على ذلك الكفر، ويشايع هذا الجناح صاحب فصل الخطاب والذي ألف هذا الكتاب كما قلنا من أجل الرد على من أنكر ذلك.
والجناح الآخر المنكر لرأي أولئك ويدعي الإجماع على خلافه ويسرد الأدلة القوية التي تؤيد مذهبه، إلا أن صاحب الشيعة والقرآن أغفل ذكر أدلة هذه الطائفة واكتفى بسرد ما عند الطائفة الأخرى بدون أي تعليق، وكأنه اعتبر هذا الإنكار تقية فلا لزوم لذكره، ولا شك أن الأمانة تقتضي ذكر المذهبين، كما أن بذكرهما يتبين أمور كثيرة تتصل باضطراب المذهب الشيعي وفساده
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
ما ذكرناه (1) ، لكن الدكتور علي أحمد السالوس وهو أحد المهتمين بقضية الشيعة، لا يتفق مع الأستاذ محب الدين الخطيب وغيره في نسبة هذا الجرم الشنيع إلى الإمامية عامة ويرى أن ذلك خاص بالإخباريين فقط، أما الأصوليين منهم فهم يتبرؤون من هذه المقالة، لكن هذا التقسيم لم يكد يسلم له بطريقة جازمة، حيث قام بمقابلة أحد مراجع الشيعة الأخبارية وسأله عن رأيه في ذلك فقال: إن التحريف وقع في القرآن الكريم من جهة المعنى فقط.
يقول الدكتور السالوس: وأعطاني كتيباً كتبه تعليقاً على مقال يهاجم الشيعة، ومما جاء في هذا الكتيب: "مذهبنا - ومذهب كل مسلم - بأن القرآن الكريم المتداول بين أيدينا ليس فيه أي تحريف بزيادة أو نقصان، وما ذكر في بعض الأحاديث بأن فيه تحريفاً ونقصاناً فهو مخالف لعقيدتنا في القرآن الكريم الذي هو الذكر الحكيم، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه".
وقال الدكتور: لعل القائلين بهذه الفرية هم فريق من الأخباريين لا كلهم، أو يكون الكلام في ذلك الكتيب مبعثه التقية، ويستدل على ذلك بأنه قال في نفس ذلك الكتيب: "لم يقل الشيعة وأئمتهم بما يحط من كرامة الخلفاء المرضيين.. وقد أجري الفتح والخير للمسلمين على يد أولئك الصالحين - عليهم سلام الله ورحمته ورضوانه أجمعين - ويقول بأنه من الواضح البين أن هذا ليس رأي الشيعة" (2) .
هذا ولعلماء الهند وباكستان جهود في كشف هذه الفرية في كتب الشيعة وإعلانها للمسلمين بغير اللغة العربية (3) .--------------------------------------------
(1) مثل كتاب: وجاء دور المجوس (ص114) الذي يرى أنه إنكارهم للتحريف تقية، لأنهم يعتقدون خيانة الخلفاء الثلاثة ونفاقهم، وغيرهم من جلة الصحابة، والقرآن وصلنا عن طريقهم، كما أنهم يترحمون على شيوخهم المجاهرين بهذه الفرية ويجلونهم. (ص117)
(2) انظر: فقه الشيعة: ص148
(3) انظر- مثلاً - ما كتبه الشيخ عبد الشكور فاروقي الكهنوي بعنوان: «إفسانة تحريف قرآن. ومعنى إفسانة: حكاية أو رواية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
هذا ونكتفي بهذه الإشارة للدراسات التي قامت حول هذه "الفرية" وندع الجانب التفصيلي من التقييم، والملاحظات على بعض هذه الدراسات حتى لا نخرج من موضوعنا الأساسي؛ لأنني سأحاول أن أكتب عن هذه القضية وفق منهج آخر، وذلك بدارسة أصولها وجذورها الأساسية، وتتبع مسارها التاريخي، وإفساح المجال للصوت المنكر لهذه الأسطورة، لسماعه وتحليله، فلم أر من اعتنى بمثل ذلك. بالإضافة لمسائل أخرى قد تكون جديدة تتعلق بهذه القضية.
وقبل أن أرفع القلم أشير إلى أن تلك الدراسات والأقوال قوبلت من طائفة من شيوخ الشيعة بالإنكار، وأخذوا ينادون ويصرخون بأنهم قد ظلموا في هذه القضية وأنهم أبرياء من هذه التهمة، فما حقيقة الأمر؟ لقد رأينا من المنتمين لأهل السنة (1) . من بلغ به الحماس إلى أن يجمع ما جاء في كتاب إحسان إلهي ظهير ومحب الدين الخطيب من نصوص حول هذه الفرية، مقروناً بمصادره التي نقلت عنها ويعرضه على أحد شيوخ الشيعة (2) . ويطلب منه الإجابة على ذلك.. فكان من جواب هذا الشيعي أن: سلامة القرآن الكريم من التحريف موضع اتفاق وإجماع علماء الشيعة الإمامية، ومن شذ منهم في هذه المسألة فلا يعبأ برأيه كما من شذ عن هذا الإجماع من علماء السنة" (3) .
ثم استدل ببعض أقوال شيوخهم في إنكار هذه الفرية، كما ذكر أن في كتب الحديث عندهم الصحيح وغيره، وأن الروايات التي ذكرها في رسالته غير معتبرة إجمالاً وقال: "وقد عرفنا إجماع الطائفة واتفاقها قائم على رفض التحريف في كتاب الله، فهذه الروايات إذن مهما كثرت فهي مردودة عندنا، ولا تسل لماذا تثبت هذه الروايات في المجاميع عندنا،--------------------------------------------
(1) سالم البهنساوي في كتابه: "السنة المفترى عليها"
(2) وهو كما قال "محمد مهدي الآصفي" ووصفه بأنه: "الأخ الصديق الإمام" وهو يقيم في الكويت
(3) لاحظ الكذب على علماء السنة، فلا يوجد من علمائهم من قال بهذا الافتراء.
ولكن هذه إشارة لها مغزى سيأتي الوقوف عندها وعند سائر أخطائه وتناقضاته في مبحث «الشيعة المعاصرون وصلتهم بأسلافهم» إن شاء الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
فهي مجاميع خاضعة للنقد والاجتهاد، وليست صحاحاً للأخذ والعمل" (1) .
ولكثرة إنكار الشيعة وشيوخها لهذا الفرية - إن حقيقة أو تقية - قال الدكتور رشدي عليان: "وأرى مادام المعتمدون من علماء الطائفة يذهبون إلى أنه لا تبديل ولا تحريف ولا نقص ولا زيادة في كتاب الله أن نكتفي بذلك ولا داعي لترديد بعض الآراء الشاذة وذكر الروايات الواهية الموضوعة في ذلك" (2) .
وقال الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه إظهار الحق بعد نقله لكلام طائفة من شيوخهم في إنكار هذه الفرية: "فظهر أن المذهب المحقق عند علماء الفرقة الإمامية الاثني عشرية أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه هو ما بين الدفتين وهو مما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك.." (3) .
وبعدما عرفنا ما جاء في كتب المنتمين لأهل السنة، ولاحظنا أن المتقدمين من أهل السنة كالأشعري يرى أن الشيعة فريقان: فريق يقول بهذا الكفر وفريق ينكره، ثم نرى هذه الفرية عند البغدادي وأبي يعلي تنسب إلى الرافضة عموماً، ولكن نلاحظ في بعض كتابات المتأخرين كأبي الثناء الألوسي، والدكتور السالوس وغيرهما أن الشيعة في هذا طائفتان، ويميز بينهما الدكتور السالسوس بالاسم فيرى بأن الأصوليين قد ردوا أخبار هذه الأسطورة بحكم منهجهم في نقد النصوص، بينما قبلها الأخباريون لأنهم يقبلون كل ما نسب لأئمتهم من روايات، كما ترى إشارة إلى شيء من الخلاف فيما جاء على لسان الشيخ رحمه الله الهندي، بينما يرى د. رشدي عليان ألا يذكر سوى هذا القول عن الشيعة؛ لأن ما سواه عندهم رأي شاذ موضوع. بينما نرى صنفاً آخر من المعاصرين كالشيخ محب الدين--------------------------------------------
(1) الآصفى/ البيان التوضيحي حول دعوى تحريف القرآن، ضمن كتاب: "السنة المفترى عليها": ص 68-75
(2) العقل عند الشيعة الإمامية: ص 49
(3) إظهار الحق: ص 77
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
الخطيب وإحسان إلهي ظهير وغيرهما يرى أن الاثني عشرية كلها على هذا، ومن أنكر منهم ذلك فإنكاره من قبيل التقية وليس بحقيقة.
وبعد هذا نرجع إلى مصادر الشيعة المعتمدة عندها نستنطقها علّنا نعرف جلية الخبر عندها، هل ما يقال عنهم ليس بثابت عندهم؟ فلقد وجد من الطوائف ومن العلماء من افترى عليه وظلم وقيل عنه ما ليس فيه، وما ورد في كتب الفرق والمقالات نقول عن المخالف، وقد تكون تخريجات وإلزامات بعيدة عما يقتضيه المذهب، أو تكون ليست بثابتة، أو لها تأويل آخر عندهم، ولذا قبل: "إن نقل المخالف لا يعتد به" (1) .
والعدل والإنصاف واجب ولازم {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} (2) ، {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (3) .
ما تقوله مصادر الشيعة في هذه الفرية:
وقبل أن نأخذ بيد القارئ في رحلة تبدأ من نقطة الصفر من أول كتاب وضعه الشيعة وألفوه، نعرض لصوتين مختلفتين ومتعارضين، هذان الصوتان المتعارضان كان لهما - في الغالب - وجود وصدى في كل الكتب الشيعية التي تعرضت لهذه القضية، فلنستمع إليهما ليتسنى إدراك وتصور هذه المسألة عند هؤلاء حتى لا يحصل غبش في تصورها في رحلة قد تطول مراحلها بين محطات الكتب الشيعية المختلفة.
يقول شيخ الشيعة في زمنه ابن بابويه القمي (ت381هـ) صاحب من لا يحضره الفقيه.. وهو واحد من أهم كتبهم الأربعة المعتمدة في الحديث، يقول: "اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد وهو ما بين الدفتين--------------------------------------------
(1) القاسمي/ تاريخ الجهمية والمعتزلة: ص 22
(2) النساء، آية: 58
(3) المائدة، آية: 8
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك.. ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب" (1) .
هذا قول شيخهم الملقب عندهم بالصدوق، ويشايعه في قوله هذا آخرون من شيعته. ويقول المفيد (ت413هـ) : "إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الطاعنين فيه من الحذف والنقصان" (2) . ويقول: "واتفقوا - أي الإمامية - على أن أئمة الضلال (3) . خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم" (4) . ويقول بما قاله مفيدهم - الذي يلقبونه بركن الإسلام وآية الله الملك العلام - طائفة من شيوخهم.
هذان قولان مختلفان ومتعارضان صدرا من شيخين من شيوخهم يجمعهما وحدة الزمان والمكان، ويتفقان في الهوية المذهبية، بل إن هذا المفيد هو تلميذ لابن بابويه القمي. فمن نصدق منهما؟ وأي القولين يعبر عن مذهب الشيعة؟ ونجد أن تلميذين من تلامذة المفيد ومن أكبر شيوخ الشيعة - وهما الطوسي، وابن المرتضى - يقولان بما قاله ابن بابويه وأن مذهب أهل التحقيق من الشيعة إنكار هذه الفرية - كما سيأتي -، وكل قول من هذين القولين يؤيده جناح من الشيعة، بل يدعي حيناً أن لا قول للشيعة سواه وغيره افتراء على الشيعة وكذب.. والتعرف على الحقيقة وسط هذا الركام من الأقوال المتعارضة والمتناقضة ليس بسهل المنال..
وإذا لاحظنا أن من أركان الدين عند هؤلاء «التقية» ولادين لمن لا تقية له؛ أدركنا أن الحقيقة محجوبة بغيوم من الكذب والتزوير، وركام من التناقضات والتعارضات،--------------------------------------------
(1) الاعتقادات: ص 101-102
(2) أوائل المقالات: ص 54
(3) يعني بهم كبار صحابة رسول صلى الله عليه وسلم الذين رضي الله عنه ورضوا عنه، وعلى رأسهم الخلفاء الثلاثة قبل علي رضي الله عنهم
(4) أوائل المقالات: ص 13
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
وعقبات من التقية والكتمان.. ولهذا سنرى في مبحث التقية أن الحقيقة التي تعبر عن مذهب الأئمة قد تخفى على شيوخ الشيعة أنفسهم فلا يعلمون أي القولين تقية، فكان هذا من أسباب ضياع مذهب الأئمة واستمرار الغلو.
ولهذا سنبدأ بدراسة هذه القضية من بدايتها، والتحري في صدق الأقوال من تقيتها، بتحليل الأقوال ومقارنتها مما صدر عن صاحبها في كتبه الأخرى، وأسأل الله سبحانه أن يعصمنا من اتهام الآخرين بما ليس فيهم، وأن يجنبنا مواضع الزلل في أقوالنا وأحكامنا.
وسنتناول هذه القضية الخطيرة التي يترتب على رمي الشيعة بها انفصالها عن المسلمين لمفارقتها للأصل الذي يتفقون عليه - سنتناولها فيما يلي وفق التصوير التالي:
أقوم أولاً بتتبع الكتب التي شاركت في وضع هذا الكفر بين الشيعة، وأعرض لها، وأتوقف في أول الأمر لدراسة أول كتاب تسجل فيه هذه الفرية، ومن الذي وضعه، ورأى شيوخ الشيعة فيه؛ لما في ذلك من أهمية في بيان جذور هذا البلاء، واكتشاف الأيدي السبئية التي شاركت في هذه الجريمة، ثم نتحدث كيف امتدت منه إلى سائر كتب الشيعة.
وبعد ذلك نعرض لمضامين هذه الكتب ونصوصها المتصلة بقضية التحريف، وحجمها ووزنها عندهم، وما يقولونه في مصحف علي، وما يقال بأن عندهم مصحفاً سرياً يتداولونه فيما بينهم، وإنكار جملة من شيوخ الشيعة لهذا الكفر، وهل هذا الإنكار تقية أو حقيقة. كل ذلك نعرض له من كتب الشيعة نفسها، إلا ما جاء عرضاً في مناقشة بعض المسائل، وإن رأيت شيئاً من الإطالة في هذا المبحث فللخطورة الكبرى له، واختلاف الناس حول رمي الشيعة به - كما سلف الإشارة إلى ذلك -.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
بداية الافتراء كما يؤخذ من كتب الشيعة:
أول كتاب تسجل فيه هذه الفرية هو: "كتاب سليم بن قيس (1) . الذي رواه عنه أبان بن أبي عياش (2) ، لم يروه عنه غيره (3) ، وهو: "أول كتاب ظهر للشيعة" كما يقول ابن النديم (4) . وغيره.
وقد أكثر الشيعة من مدحه وتوثيقه والثناء على كتابه (5) . رغم أنني لم أجد--------------------------------------------
(1) تقول كتب الشيعة: "سليم بن قيس الهلالي يكنى أبا صادق، كان من أصحاب أمير المؤمنين وكان هارباً من الحجاج لأنه طلبه ليقتله ولجأ إلى أبان بن أبي عياش فأواه، فلما حضرته الوفاة أعطاه (سليم) كتاباً وهو كتاب سليم بن قيس. توفي سنة (90هـ) ". (البرقي/ الرجال: ص 3-4، الطوسي/ الفهرست: ص 111، الأردبيلي/ جامع الرواة: 1/374، رجال الكشي: ص 167، رجال الحلي: ص 82، 83)
(2) أبان بن أبي عياش فيروز أبو إسماعيل، قال الإمام أحمد: متروك الحديث ترك الناس حديثه منذ دهر، وقال: لا يكتب حديثه كان منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن المديني: كان ضعيفاً، وقال شعبة: ابن أبي عياش كان يكذب في الحديث. توفي سنة (138هـ) .
(انظر: تهذيب التهذيب: 1/97-101، العقيلي/ الضعفاء: 1/38-41، ابن أبي حاتم/ الجرح والتعديل: 2/295-296) هذا بعض ما قاله أئمة أهل السنة، وفي كتب الشيعة. يقول ابن المطهر الحلي: أبان بن أبي عياش ضعيف جداً، وينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه، ومثل ذلك قال الأردبيلي (انظر: رجال الحلي: ص 206، جامع الرواة: 1/9)
(3) انظر: الفهرست: ص 219، الخوانساري/ روضات الجنات: 4/67، رجال الحلي: ص83، الأردبيلي/ جامع الرواة: 1/374، البروجردي/ البرهان: ص104
(4) الفهرست: ص 219، وانظر: الذريعة: 2/152
(5) يروون عن أبي عبد الله أنه قال فيه: "من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم ابن قيس الهلالي فليس عنده من أمرنا شيء ولا يعلم من أسبابنا شيئاً، وهو أبجد الشيعة وهو سر من أسرار آل محمد صلى الله عليه وآله" مقدمة كتاب سليم بن قيس ص: 4، أغا بزرك الطهراني/ الذريعة: 2/152، وانظر: هامش وسائل الشيعة: 2/42 رقم (4) .
وقال النعماني: "وليس بين جميع الشيعة ممن حمل العلم ورواه عن الأئمة عليهم السلام خلاف في أن كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الأصول التي رواه أهل العلم وحملة حديث أهل البيت عليهم السلام وأقدمها، لأن جميع ما اشتمل عليه الأصل إنما هو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين، والمقداد، وسلمان الفارسي، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
لمؤلفه ذكراً فيما رجعت إليه من مصادر (1) ، ولو صدق بعض ما تذكره الشيعة فيه لكان شيئاً مذكوراً، ولكنه لم يذكر إلا في كتب الشيعة وحدها، بل إن من متقدمي الشيعة من قال: "إن سليماً لا يعرف ولا ذكر في خبر" (2) . وإن كان هذا ليس بمرضي عند متأخري الشيعة. ورغم أن الكتاب يحمل أخطر آراء السبئية وهو تأليه علي ووصفه بأوصاف لا يوصف بها إلا رب العالمين (3) . فإن كل ذلك لم يحد من مبالغات الشيعة في مدحه وتوثيقه في روايات ينسبونها لآل البيت،--------------------------------------------
= وأبي ذر ومن جرى مجراهم ممن شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام وسمع منهما، وهو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها وتعول عليها". (انظر: النعماني/ الغيبية ص 61ط. الأعلمي بيروت، وص47 ط. إيران، وانظر: وسائل الشيعة: 20-210) .
وقال المجلسي: "وهو أصل من أصول الشيعة وأقدم كتاب صنف في الإسلام"، ثم أورد المجلسي أربع روايات لهم تفيد أن علياً ابن الحسين - برأه الله مما يفترون - قرئ عليه الكتاب وقال: "صدق سليم" (بحار الأنوار: 1/156-158، وانظر في بعض الروايات التي أشرنا إليها: رجال الكشي: ص 104-105)
(1) رجعت في البحث عنه إلى مصادر كثيرة من كتب أهل السنة فلم أجد له ذكراً، فلم أجده مثلاً في تاريخ الطبري كما يظهر ذلك من خلال فهرس الأعلام الذي وضعه أبو الفضل إبراهيم، وكذلك تاريخ ابن الأثير كما يبدو من فهارسه التي وضعها إحسان عباس (أو سيف الدين الكاتب) وليس له ذكر في شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، والبداية والنهاية لابن كثير، وطبقات ابن سعد، ولا في مجموعة من كتب الرجال مثل: لسان الميزان، أو التاريخ الكبير والصغير للبخاري، أو تهذيب الكمال للمزي.. إلخ مع أنه مؤلف أول كتاب في الإسلام، ولاحقه الحجاج لقتله.. إلخ فمن برز في هذين الاتجاهين الفكري، والسياسي يستبعد أن ينسى، ونسيانه دليل على أن ما تقوله الشيعة عنه مجرد دعوى، فقد يكون شخصية خيالية، أو نكرة من النكرات
(2) رجال الحلي: ص83
(3) جاء في بعض روايات الكتاب مخاطبة علي هذه الألقاب: "يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن، يا من هو بكل شيء عليم"، ويقول: "إن هذا الوصف صدر من الشمس لعلي وأنه سمعه أبو بكر وعمر والمهاجرون والأنصار فصعقوا ثم أفاقوا بعد ساعات" (كتاب سليم بن قيس ص 38 ط: الأعلمي، وص 31-32 ط: النجف) ، وهذه الأوصاف هي آثار السبئية التي تؤله =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
وأقوال صدرت من كبار شيوخهم (1) . حتى اعتبروه أصلاً من أصول آل محمد وسراً من أسرارهم، رغم أنه يحمل برهان وضعه سنداً ومتناً فهو من روايات أبان وهو متروك أو ضعيف عند أهل السنة، وضعيف في كتب الرجال عند الشيعة (2) . أيضاً، وسليم الذي يزعمون أنه مؤلف الكتاب مجهول، وقد لا يكون له وجود في إلا في خيالات الشيعة (3) ، والكتاب مضطربة طرقه ولكنهم يقولون: "ما يتراءى من الاضطراب في الطريق غير قادح وهو واقع في أكثر طرق كتب أصحابنا" (4) . وجملة من متون الكتاب تجعله في عداد الكتب الباطنية الإلحادية، ومع ذلك فقد اعتمد النقل عنه أصحاب الكتب الأربعة المعتمدة عندهم وآخرون من شيوخهم (5) . وسجل في هذا الكتاب جملة من عقائد غلاة الشيعة.
والمفاجأة في هذا الموضوع أن بعض شيوخ الشيعة أماط اللثام عن حقيقة هذا الكتاب، وكشف النقاب عن هويته؛ إذ قد رابهم شيء في هذا الكتاب فرأوا من الواجب كشفه قبل أن يقوض أساس التشيع الاثني عشري نفسه، ولا يظن القارئ أن هذا الذي رابهم وأشكل عليهم هو تأليه علي، أو الطعن في القرآن--------------------------------------------
= علياً، والتي ورثتها الاثنا عشرية، واستبقت أقوالها في مصادرها، ونسبتها لآل البيت، فأزرت على الآل بهذا وأمثاله، وهي تدعي التشيع لهم.. وهذه أوصاف لرب العالمين: قال تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} الحديد، آية: 3.
(1) انظر: ص (270) هامش رقم: (5)
(2) انظر: ص (270) هامش رقم: (2)
(3) انظر: ص (271) هامش رقم: (1)
(4) الخوانساري/ روضات الجنات: 4/68
(5) الكليني يعتمد عليه وأخرج له في عدة أبواب؛ كباب ما جاء في الاثني عشرية (انظر أصول الكافي: 1/252) وباب دعائم الكفر (انظر: المصدر السابق: 2/391) وغيرها. ومثله شيخهم ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق في من لا يحضره الفقيه (انظر: روضات الجنات 4/68، الذريعة: 2/154) ومثله الاحتجاج للطبرسي، والاختصاص للمفيد، وتفسير فرات وغيرها. انظر: مقدمة كتاب سليم ابن قيس ص 6
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
أو غير ذلك من المطاعن في الإسلام نفسه، إنما الخطر الذي اكتشفوه في الكتاب: "هو أنه جعل الأئمة ثلاث عشر" وهذه طامة كبرى تهدد بنيان الاثني عشرية بالسقوط، ولاسيما أن هذا وجد في كتاب يعتبر أبجد الشيعة، وأول كتاب ظهر لهم، ولهذا كفونا مؤنة نقض هذا الكتاب. فقرر فريق منهم أن "الكتاب موضوع لا مرية فيه" (1) .
وبدأوا يبينون عيوب الكتاب وأمارات وضعه فقالوا: إنه خالف التاريخ بقوله: "إن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت لأنه غصب الإمامة من علي" مع أن محمد بن أبي بكر ولد في سنة حجة الوداع فكيف يعظ أباه وعمره ثلاث سنوات (2) ، كما أنه جعل الأئمة ثلاث عشر، وقالوا: بأن سليماً لا يعرف ولا ذكر في خبر، وأن أسانيد الكتاب مختلفة مضطربة (3) ، واتهموا في وضع الكتاب أبان بن أبي عياش (4) .
وحدد بعض المعاصرين تاريخ وضعه فقال: إنه موضوع في آخر الدولة الأموية لغرض صحيح (5) .- ولم يبين دليله فيما ذهب إليه - وفريق منهم عزّ عليهم - فيما يبدو - أنه يفقدوا هذا الكتاب جملة واحدة مع أنه أصل من أصولهم وعمدة لشيوخهم.. فقال هذا الفريق: "والوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه والتوقف في الفاسد من كتابه" (6) . مع أن هذا الفاسد ينقض بنيان الاثني عشرية من الأساس وذلك في جعله الأئمة ثلاثة عشر.
ولهذا لم يرتض هذا القول من الدوائر الشيعية فرأى فريق منهم القيام بعمل جذري ينهي المشكلة التي أقلقتهم من أساسها فقاموا بتعديل الكتاب ليتلاءم والمنطق الشيعي.
وأشار الخوانساري إلى التغير في الكتاب فقال: "إن ما وصل إلينا من--------------------------------------------
(1) انظر: رجال الحلي: ص 83، ابن داود/ الرجال: ص 413، 414
(2) انظر: الخوانساري/ روضات الجنات: 4/67، رجال الحلي: ص83
(3) انظر: رجال الحلي: ص83، الخوانساري/ روضات الجنات: 4/67، ابن داود/ الرجال: ص 413-414
(4) انظر: رجال الحلي: ص206، ابن داود/ الرجال: ص413-414
(5) هو: أبو الحسن الشعراني/ في تعليقه على الكافي مع شرحه للمازندراني: 2/373-374
(6) رجال الحلي: ص83، وسائل الشيعة: 20/210
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
نسخ الكتاب هو أن عبد الله بن عمر وعظ أباه عند الموت" (1) . وقال الحر العاملي: "والذي وصل إلينا من نسخه ليس فيه شيء فاسد، ولا شيء مما استدل به على الوضع" (2) . وقد بحثت عن عيوب الكتاب في نظر الشيعة والتي أشار إليها الفرق الأول في طبعتين من طبعات الكتاب (3) . فلم أجد لها ذكراً فيه، وهذا يدل على أنهم يغيرون في كتبهم ويزيدون وينقصون. ومع هذا فقد أصبح هذا الكتاب عمدة عند متأخري الشيعة كما قرره المجلسي في البحار (4) ، والحر العاملي في الوسائل (5) . وغيرهما.
هذه الوقفة عند كتاب سليم بن قيس أرى أنها ضرورية لمحاولة اكتشاف الأيدي السبئية التي افترت هذه الفرية، إذ إننا نلاحظ أن الفرية بدأت من كتاب سليم بن قيس الذي اتهموا في وضعه أبان، وحدد بعضهم تاريخ وضعه بأنه في آخر الدولة الأموية. أما من تولى كبر هذا الوضع لهذه الفرية فإن بعض شيوخ الشيعة يتهم فيه أبان، وقد سبق أن ذكرنا أن الملطي يتهم فيه هشان بن الحكم، يعني أن هذه الفرية لم يكن لها وجود قبل القرن الثاني، وقد تتبعت الآراء المنسوبة لابن سبأ وطائفة السبئية فلم أجد أن هذه المقالة قد نقلت عن ابن سبأ لأنها - فيما يبدو - لم تخطر على باله لوضوح بطلانها أمام الجيل الذي عاصر التنزيل، ولأنها وسيلة سريعة لانكشاف كذبه، فلم يتجرأ ابن سبأ على إشاعة هذه الفرية. لم يقل إن الصحابة حرفوا القرآن ولكن عدل عن ذلك إلى القول: "بأن هذا القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي" (6) ، وهي مقالة مجملة لم يفصح فيها عن مراده، وقد يوضحها ما جاء في رسالة الحسن بن محمد بن الحنفية (ت95هـ) وهو قوله: "ومن خصومه هذه السبئية--------------------------------------------
(1) روضات الجنات: 4/69
(2) وسائل الشيعة: 20/210
(3) ط: النجف بالمطبعة الحيدرية، وطبعة الأعلمي ببيروت
(4) بحار الأنوار: 1/32
(5) وسائل الشيعة: 20/210
(6) الجوزجاني/ أحوال الرجال: ص38
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
التي أدركنا يقولوا (كذا) هدينا لوحي ضل عنه الناس وعلم خفي ويزعمون أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن، ولو كان نبي الله كاتماً شيئاً مما أنزل الله لكتم شأن امرأة زيد {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ} (1) .
فإذن لم تكن هذه القضية من مقالات السبئية بل حدثت فيما بعد، أما من هو الذي تولى كبر وضع هذا الكفر بين الشيعة؟ فإن الإجابة الجازمة المحددة قد لا تكون ميسرة، ولا يجدي في هذا تتبع أسانيد روايات التحريف؛ لأن في أخبارها ما هو عار من السند كالروايات التي جاءت في كتاب الاحتجاج للطبرسي، ولأن مسألة الإسناد عندهم قد وجدت بعض القرائن - كما سيأتي - التي تدل على أنها صنعت متأخرة، كما أن من أساليبهم وضع الأسانيد الصحيحة لمتون مكذوبة فلا يعطي سلوك هذا المنهج نتيجة جازمة.
شيوع هذه الفرية في كتب الشيعة:
قد لاحظنا أن البداية - إذا أخذنا بأقوالهم - كانت بكتاب سُليم وبدأت القضية بروايتين فقط، وليس فيها الصراحة التي نجدها عند من بعده - كما سترى أثناء عرضنا لروايات التحريف بعد نهاية هذه المسألة - فكأن المسألة في كتابه لا تزال في بدايتها لم يكثر الوضع والكذب حولها، ولكنها بداية في كتاب قوبل بالرفض من بعض الشيعة؛ فهذا يعني الحكم بالموت على هذه المقالة، لولا أنه جاء في القرن الثالث من تلقف هذه الأسطورة وزاد عليها، وأرسى دعائمها الباطلة.
جاء شيخهم علي بن إبراهيم القمي هو شيخ الكليني صاحب الكافي وحشا تفسيره بهذه الأسطورة (2) . وصرح بها في مقدمة تفسيره (3) . ولهذا قال شيخهم الكاشاني: "فإن تفسيره مملوء منه وله غلو فيه" (4) . وكذلك قال شيخهم--------------------------------------------
(1) كتاب الإيمان لمحمد بن أبي عمر المكي العدني: ص249-250 (مخطوط) والآية رقم (37) من سورة الأحزاب
(2) انظر - على سبيل المثال -: تفسير القمي: 1/48، 100، 110، 118، 122، 123، 142، 159، جص21، 111، 125، وغيرها كثير، وسيأتي ذكر بعضها
(3) تفسير القمي: 1/10
(4) تفسير الصافي: 1/52
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)