فيعولان على قراءة علي.. وأما نافع وابن كثير وأبو عمرو فمعظم قراءاتهم يرجع إلى ابن عباس، وابن عباس قرأ على أبي بن كعب وعلي، والذي قرأ هؤلاء القراء يخالف قراءة أبي فهو إذاً مأخوذ عن علي عليه السلام.
وأما عاصم فقراه على أبي الرحمن السلمي وقال أبو عبد الرحمن: قرأت القرآن كله على علي بن أبي طالب عليه السلام، فقالوا: أفصح القراءات قراءة عاصم لأنه أتى بالأصل وذلك أنه يظهر ما أدغمه غيره، ويحقق من الهمز ما لينه غيره.. والعدد الكوفي في القرآن منسوب إلى علي عليه السلام وليس في الصحابة من ينسب إليه العدد غيره، وإنما كتب عدد ذلك كل مصر عن بعض التابعين" (1) .
بل يقولون - كما ذكره شيخهم علي بن محمد الطاووسي العلوي الفاطمي في كتابه سعد السعود: "ثم عاد عثمان فجمع المصحف برأي مونا علي بن أبي طالب رضي الله عنه" (2) . يقولون: وقال علي أيضا: "أيها الناس الله الله إياكم والغلو في أمر عثمان وقولكم حراق المصاحف فوالله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" (3) . بل قالوا أكثر من ذلك، قالوا: إنه ورد عن أهل البيت عليهم السلام أن عثمان بن عفان لما رأى اختلاف الصحابة في قراءة القرآن طلب من علي عليه السلام مصحف فاطمة الذي كانت هي - سلام الله عليها - دونته بإشارة أبيها، وطابقه مع المصاحف الأخرى التي كانت بيد الصحابة، فما طابق منها مصحف فاطمة نشره وما لم يطابقه أحرقه. فعلى هذا يكون المصحف الذي بأيدينا مصحف فاطمة لا مصحف عثمان، وعثمان كان ناشره لا مدونه ومرتبه (4) .
أليس هذا كله ينقض كل ما ادعوه، ويهدم كل ما بنوه.. وهو دليل على اختلاف--------------------------------------------
(1) بحار الأنوار: 92/ 53-54، مناقب آل آبي طالب: 2/ 42-43
(2) عن تاريخ القرآن/ للزنجاني (وهو من الاثني عشرية المعاصرين) : ص67
(3) عن تاريخ القرآن/ للزنجاني: ص 68
(4) المرعشي/ المعارف الجلية: ص 27
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
أخبارهم وتناقضها، والتناقض أمارة بطلان المذهب.
ويبدو من خلال النص الأخير أن ذلك محاولة منهم للرجوع عن تلك المقالة بعدما جلبت عليهم العار، وأورثتهم الذي والشماتة، وضرت مذهبهم ولم تنل من كتاب الله شيئاً، لكن الرجوع عن هذه المقالة يوقعهم في تناقض آخر وهو أن هذا القرآن العظيم وصل إلينا عن طريق أبي بكر وعثمان وإخوانهم، وهؤلاء لهم في مذهب الشيعة النصيب الأوفى من اللعن والتكفير، وكيف يجتمع حينئذ في قلب واحد وعقل واحد الاعتقاد بسلامة القرآن وخيانة جامعيه، ولعلهم وضعوا المقالة الأخيرة التي تقول إن عثمان قابل القرآن على مصحف فاطمة المزعوم، وضعوها للخروج من هذا المأزق، ولكن هذا يوقعهم في تناقض ثالث وهو مخالفة أخبارهم التي تقول إن مصحف فاطمة غير القرآن - كما سيأتي - (1) . والثابت عن عثمان أنه أرسل إلى حفصة "أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف.. إلخ" (2) .
وهؤلاء جعلوا ذلك لفاطمة كعادتهم في نسبة فضائل الأنبياء، والصحابة إلى الاثني عشر، عن طريق تحوير الأحاديث، وصياغتها في كتبهم وتركيبها على الأئمة، أما في آيات القرآن فطريق ذلك التأويل الباطني أو دعوى التحريف، كما رأينا.
حجم أخبار هذه الأسطورة في كتب الشيعة ووزنها عندهم:
لقد رأينا أن معظم كتب الشيعة انغمست في هذا المستنقع الآسن، وسقطت في تلك الهوة الخطيرة، فما مقدار هذا السقوط وما مستواه؟ هل تلك الروايات السوداء التي وجدت طريقها إلى كتب القوم، وتسللت إلى مراجعهم الحديثية لتكسو من يركن إليها ثوباً من الخزي والعار، وتسلب من يده آخر علاقة له بالإسلام.. هل تلك الروايات مجرد روايات شاذة مندسة في كتب القوم لم--------------------------------------------
(1) انظر الحديث عن فاطمة في مبحث (الإيمان بالكتب)
(2) انظر: صحيح البخاري - مع فتح الباري -: 13/11
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
تحظ برضى عقلائهم، ولا قبول محققيهم، وأنها قد تسربت إلى كتب هؤلاء، لأن الكذابين على الأئمة - كما تقول كتب الشيعة - قد كثروا في صفوف الشيعة، وكان التشيع مطية لكل من أراد الكيد للإسلام وأهله، كما أثبتته الأحداث والوقائع؟
قد لاحظنا أن هذه الأسطورة بدأت بروايتين اثنتين في كتاب سليم بن قيس حسب النسخة المطبوعة التي بين أيدينا، وما لبثت أن أخذت بعداً أكبر وزادت أخبارها. وقد تولى كبر هذه الفرية ووزر هذا الكفر شيخ الشيعة علي بن إبراهيم القمي، فقد أكثر من الروايات في هذا الباب، ونص في مقدمته على أنها كثيرة، وبدأت عنده محاولة التطبيق العملي لهذه الخرافة كما سبق. ويلاحظ أن معظم روايات الكليني صاحب الكافي هي عن هذا القمي الذي تلقف هذه الروايات عن كل أفاك أثيم وسجلها في تفسيره الذي يحظى بتقدير الشيعة كلها (1) ، وقد قال الذهبي وابن حجر عن تفسيره هذا: "وله تفسير فيه مصائب" (2) .
كانت دوائر الغلاة في القرن الثالث تعمل على الإكثار من صنع الروايات في هذا حتى أن شيخهم المفيد الذي يلقبونه بركن الإسلام وآية الله الملك العلام والمتوفى سنة (413هـ) يشهد باستفاضتها عند طائفته (الاثنا عشرية) يقول: "إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان" (3) .
هذه الاستفاضة هي ثمرة الوضع والكذب على أهل البيت والذي نشط في القرن الثالث على يد شرذمة من شيوخهم.
ولو كان عند أهل البيت شيء لقرؤوا به دون ما سواه، ولأخرجوه للناس ولم يسعهم كتمانه. ولكن أهل البيت باعتراف الشيعة لم يقرؤوا إلا بكتاب الله،--------------------------------------------
(1) انظر مقدمة الرسالة
(2) انظر: ميزان الاعتدال: 3/111، ولسان الميزان: 4/191
(3) أوائل المقالات: ص 98
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
فعلم براءتهم من هذا الافتراء.. وثبت أن ديناً يستفيض فيه الباطل باطل.
هذا والمفيد يقول باستفاضة هذا الكفر بين طائفته، رغم أن شيخه ابن بابويه يقول: إن من نسب إلى الشيعة مثل هذا القول فهو كاذب - كما سبق (1) .- وسلالة أهل البيت (الشريف المرتضى وهو من معاصري المفيد بل من تلامذته يقول: إن أخبارهم في هذا لا يعتد بها، لأنها أخبار ضعيفة لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته) (2) . فهل كل شيخ من هؤلاء يمثل ومدرسة ونحلة والتشيع يجمعهم، أو هم يتلونون تلون الحرباء بحكم التقية، أو أنهم قد أحكموا خطتهم، وأزمعوا أمرهم على أن يظهر منهم حسب المناسبات والظروف صوتان مختلفان متعارضان حتى لا يتمكن أحد من الوقوف على حقيقة المذهب؟!
ولهذا نجد أيضاً في القرن السادس ظهور الطبرسي صاحب التفسير وإنكاره هذه المقالة كما سيأتي، ومعاصره الطبرسي الآخر صاحب الاحتجاج يصرح بهذا الكفر ويروي فيه عشر روايات، ويرى أن ما ذكره هو محل إجماع أو اشتهار بين طائفته كما سلف.
أم أن الوضع لهذا الروايات إنما وقع في العصور المتأخرة ونسب لشيوخهم القدامى ليحظى بثقة الأتباع الأغرار؟ سيأتي إن شاء الله دراسة هل الإنكار تقية أو حقيقة؟.. هذا وفي ظل الدولة الصفوة كثر الوضع الأخبار هذه الأسطورة فتجاوزت مرحلة ما سجله القمي أو الكليني، أو المفيد، أو فرات الكوفي، وغيرهم من شيوخهم في القرن الثالث والرابع تجاوزت الحجم الذي سجلته هذه الزمرة إلى درجة أن شهد شيخهم المجلسي صاحب بحار الأنوار بأن أخبارهم في هذا أصبحت تضاهي أخبار الإمامة؛ يقول: "وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً؛ بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة" (3) .
هذه شهادة من المجلسي المتوفى سنة (1111هـ) على تضخم أخبار هذه الأسطورة، والتي كانت مجرد روايتين--------------------------------------------
(1) انظر: ص (218-219)
(2) انظر: مجمع البيان: 1/31
(3) مرأة العقول: 2/536
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
في كتاب سليم بن قيس، وكانت عند ابن بابويه القمي المتوفى سنة (381هـ) لا تكاد توجد حتى قال: إن من نسب للشيعة مثل هذا القول فهو كاذب، وشيخ الشيعة الطوسي أنكر نسبة هذا إلى الشيعة (1) ، وقد أرهق نفسه النوري الطبرسي صاحب فصل الخطاب ليجد وسيلة يتخلص بها من كلام الطوسي فقال: "والطوسي في إنكاره (يعني لتحريف القرآن) معذور لقلة تتبعه الناشئ من قلة تلك الكتب عنده" (2) .
وهذا الاعتذار لا يمكن أن يوافق عليه صاحب فصل الخطاب الذي يصر على أن يجعل كل الشيعة على مذهبه في القول بتحريف القرآن، ذلك لأن الطوسي هو شيخ الشيعة في زمنه، وهو مؤلف كتابين من كتبهم الأربعة المعتمدة في الحديث، وكتابين من كتبهم المعتمدة في الرجال، فلا يتصور أن يوصف بقلة التتبع، أو بقلة الكتب عنده، كما يقول هذا الطبرسي. بل نحن نأخذ منقول الطوسي هذا شهادة هامة أو وثيقة تاريخية تثبت أن الوضع لهذه الأسطورة لم يتسع ويصل إلى هذا المستوى الموجود اليوم إلا في ظل الحكم الصفوي، ولا يستبعد أن تضاف روايات من هذه الروايات إلى شيوخهم القدامى لخدمة هذه الأسطورة، ولاسيما والشواهد قائمة على أن الكذب في الشيعة كثير، كما تشهد بهذا كتب أهل السنة وتقر بذلك كتب الشيعة نفسها - كما سيأتي - (3) .
هذا وشهادة شيوخ الدولة الصفوية بكثرة هذه الأخبار في زمنهم كثيرة، فكما شهد المجلسي يشهد شيخهم الآخر نعمة الله الجزائري وهو من معاصري المجلسي، ومن تلامذته (4) . وموضع ثقة الشيعة وتقديرهم (5) . يقول: "إن الأخبار--------------------------------------------
(1) انظر: تفسير التبيان: 1/3
(2) فصل الخطاب الورقة 175 (النسخة المخطوطة)
(3) انظر: فصل "اعتقادهم في السنة"
(4) أشار إلى ذلك في الأنوار النعمانية: 4/232
(5) انظر: ص (202) من هذه الرسالة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث" (1) ، كما أنه يضع أساطيره، وكتاب الله سبحانه في كفة ميزان، ويرى أن القول بسلامة القرآن يؤدي إلى انعدام الثقة في أخبارهم فيقول - وهو يرد على شيوخهم المتقدمين - في قولهم بتواتر القراءات السبع.. يقول: "إن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي، وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن" (2) .
يعني والمحافظة على حرمة وسلامة أخباره وأساطيره أولى من القول بصيانة القرآن وحفظه! وهذا هو نفس ما قاله شيخهم المجلسي حينما قال - كما مر -: "وطرح جميعها (يعني جميع أخبار التحريف) يوجب رفع الاعتماد على الأخبار رأساً".
هذا هو الخيار الصعب في نظر هذه الزمرة، هل تفقد أخبارها وبها قوام دينها، ومنها تقتات رزقها باسم الخمس، وبها تستمد قداستها باسم النيابة عن الإمام أتخسر كل هذه المكاسب التي تجنيها.. أم تقول بتغير القرآن فتجني تكفير المسلمين لها، وصعوبة التبشير بدينها، وتقلص أتباعها وضمور مكاسبها من بعد ذلك؟ إنه خيار صعب أمام هؤلاء (الشيوخ) .. هل يخرجون منه بالظهور أمام الناس بوجهين وقولين أو يرجعون إلى التقية والكتمان، أو يراعون الظروف والمناسبات والأجواء؟
الملاحظ أن شيوخ الدولة الصفوية هم أجرأ على التصريح بهذا الكفر بحكم ووجود قوة تسندهم فتخف التقية لديهم، ولهذا كثرت أقوالهم بتواتر هذا الكفر عندهم حتى زعم شيخهم أبو الحسن الشريف وهو من تلامذة المجلسي بأنه: "يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع" (3) .
وقال ثقتهم محمد صالح المازندراني (ت1081هـ) : ".. وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنى كلما يظهر لمن تأمل كتب الأحاديث--------------------------------------------
(1) انظر: فصل الخطاب، الورقة 125 (النسخة المخطوطة) وص 251 من المطبوعة
(2) الأنوار النعمانية: 2/ 356-357
(3) مرآة الأنوار: ص49
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
(يعني كتب أحاديثهم) من أولها إلى آخرها" (1) .
ويقول شيخهم محسن الكاشاني: "المستفاد.. من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه، كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف عنه أشياء كثيرة منها اسم علي عليه السلام في كثير من المواضع، ومنها غير ذلك، وأنه ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وآله وسلم" (2) .
هذا بعض ما قاله شيوخهم في تلك الفترة عن حجم الروايات والأخبار عندهم، وهي شهادة خطيرة تؤكد هذه الفرية عندهم، واستفاضتها في كتبهم، وهذا بلا شك دليل بطلان أخبارهم كلها، فما دام الكذب عندهم يصل إلى حد التواتر فلا ثقة بسائر أخبارهم، وكل من يذهب هذا المذهب فإنه ليس من الإسلام في شيء، وإن دين هؤلاء ليس دين الأئمة، بل هو دين المجلسي أو القمي أو الكليني أو العياشي أو غيرها. وإن مثل هؤلاء كمثل سائر الزنادقة الذين ظهروا في التاريخ الإسلامي، وإن ذلك القناع الذي أضفوه على حقيقتهم المعادية للإسلام وأهله قد انكشف بهذه الدعوى، وإن أخبارهم التي نسبوها زوراً وكذباً لأهل البيت قد ظهر كذبها واستبان زيفها بهذا الكفر المعلن.
وبناءً على حركة الوضع المستمرة عبر القرون، ولاسيما في إبان الدولة الصفوية رأينا شيخ الشيعة ومحدثها، وخبير رجالها، وصاحب آخر مجموع من مجاميعهم الحديثية (مستدرك الوسائل) وأستاذ كثير من شيوخهم المعتبرين كمحمد حسين آل كاشف الغطا، وأغا بزرك الطهراني وغيرهما.. شيخ الشيعة حسين النوري الطبرسي يرى أنه لا ينبغي عندهم النظر في أسانيد تلك الأساطير لتواترها--------------------------------------------
(1) المازندراني/ شرح جامع (على الكافي) : 11/76
(2) تفسير الصافي: 1/49
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
من طرقهم؛ يقول: "إن ملاحظة السند في تلك الأخبار الكثيرة توجب سد باب التواتر المعنوي فيها بل هو أشبه بالوسواس الذي ينبغي الاستعاذة منه" (1) .
والخوئي مرجع الشيعة في العراق وغيره اليوم يقول: "إن كثرة الرويات (رواياتهم في تحريف القرآن) من طريق أهل البيت تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين، ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر" (2) .
وبعد هذه الاعترافات من أساطين التشيع وشيوخه هل يشك أحد يقرأ هذه الدعاوى العريضة في أن القوم قد وقعوا في درك مظلوم وفي مستنقع آسن؟ وكم يتألم المسلم وهو يقرأ مثل هذه الكلمات المظلمة، وكم يشفق على قوم اعتمدوا في دينهم على كتب حَوَتْ هذا "الغثاء" وركنوا في أمرهم على شيوخ يجاهرون بهذا الكفر قد باعوا أنفسهم للشيطان، وجعلوا نواصيهم بيده. ولكن هل الشيعة كلهم على هذا الطريق المظلم؟ وهل هم جميعاً قالوا بهذا الكفر والإلحاد؟ هذا ما سنتحدث عنه في الفقرة التالية:
هل الشيعة جميعاً تعتقد صحة هذه الروايات وتقول بتواترها؟
وبعدما رأينا أن معظم كتب الشيعة سقطت في هذه الهوة المظلمة، وعرضنا لشيء من مضامين هذه الروايات مما تتضح به صورتها وتتبين به حقيقتها، ثم حاولنا التعرف على القدر الكمي، والوزن الإسنادي لهذه الروايات، ورأينا أن مهندسي التشيع عملوا جاهدين على الوضع والزيادة لأخبار هذه الأسطورة عبر القرون، حتى اعترف طائفة من شيوخهم المعتبرين عندهم باستفاضتها وتواترها، وأنه لا ينبغي لذلك النظر في أسانيدها.. فهل جميع شيوخ الاثني عشرية يتفقون معهم في هذا الحكم؟
يقول شيخهم المفيد (ت413هـ) في كتابه أوائل المقالات وهو من كتبهم--------------------------------------------
(1) فصل الخطاب - الورقة 124 (النسخة المخطوطة)
(2) الخوئي/ البيان ص 226
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
المعتبرة عندهم باعتراف شيوخهم المعاصرين (1) ، يقول: "واتفقوا - أي الإمامية - على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأجمعت المعتزلة، والخوارج، والزيدية، والمرجئة، وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية" (2) .
وهذه شهادة مهمة واعتراف صريح من مفيد الشيعة بأن سائر الفرق الإسلامية لم تقع في هذا الكفر الذي وقعت فيه طائفته. وهي شهادة تلجم أولئك الروافض الذين يحاولون من منطلق جبان أن يصموا أهل السنة من هذه الفرية؛ كمحاولة مكشوفة لإثبات هذا الكفر بطريق النسبة الكاذبة لأهل السنة. وعصمة أهل السنة من هذا الضلال لا تحتاج إلى هذا الاعتراف، ولكن ذكرناه هنا لأنه صادر من المخالف وإنصاف المخالف أشد وقعاً في النفس من إنصاف الموافق، ولأن في هذا وأمثاله ما يسكت أولئك المفترين الذين يفترون الكذب ولا يؤمنون.
كما أن مفيدهم يعترف أيضاً بأن إجماع طائفته قائم على هذا الكفر البين، ولم يذكر مفيدهم وجود خلاف بين علمائهم في هذا!! مع أن شيخه ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق (ت381هـ) قد أنكر هذا في رسالته في "الاعتقادات" (3) . وأنكر نسبة الاعتقاد بالتحريف إليهم - كما مر -، وتبعه على ذلك الشريف المرتضى (4) . (ت436هـ) ، والطوسي (5) . (ت450هـ) وهما من تلامذة المفيد، ورابعهم الطبرسي (ت548 أو561هـ) فلِمَ لَمْ يشر المفيد إلى خلاف شيخه القمي؟ هل تجاهل المفيد لذلك من قبيل اقتناعه بأن مخالفته بسبب التقية أو ماذا؟! وليس ذلك فحسب بل إن المفيد نفسه، وفي الكتاب ذاته ذكر أن طائفة--------------------------------------------
(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان: ص 14
(2) أوائل المقالات: ص13
(3) الاعتقادات: ص 101-102
(4) انظر: التبيان: 1/3، مجمع البيان: 1/31
(5) انظر: التبيان: 1/3
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
من أهل الإمامة أنكرت ذلك (1) .
ومثل دعوى المفيد يدعي النوري الطبرسي أن إجماع الشيعة قائم على هذا الكفر، إلى أن جاء ابن بابويه القمي فخالف ذلك حتى قال: "إن ابن بابويه القمي أول من أحدث هذا القول في الشيعة في عقائده" (2) .
ولعل القارئ يدرك محاولة هذا الطبرسي، لأن يجعل الشيعة منذ نشأتها كانت على مذهبه، وأن مخالفة هذا المذهب كانت طارئة، والحقيقة التي لا يماري فيها مسلم، ولا يشك فيها من سبر التطور العقدي عند هؤلاء القوم أن أوائل الشيعة ما كانت على هذا الكفر، ما كان خلاف الشيعة في أول الأمر إلا في مسألة الإمامة ومن أحق بالإمامة، ثم ما لبثت أن انجرت من بدعة إلى أخرى حتى رأينا شيوخهم في القرن الثالث يتسابقون للوقوع في هذا الكفر، فأورثهم ذلك ذلاً وعاراً ومقتاً من المسلمين، فأراد ابن بابويه الرجوع بهم إلى الأصل - كما هو الظاهر - ولكن عقيدة التقية لديهم جعلت محاولة ابن بابويه لا تثمر ثمارها، وتبع ابن بابويه ثلاثة آخرون من شيوخهم، كلهم أنكروا هذا - كما مر -.
ويذكر النوري الطبرسي بأنه لا يوجد من القرن الرابع إلى القرن السادس خامس لهؤلاء الأربعة الذين ذكرناهم، ويقول إنه: "لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هؤلاء الأربعة" (3) .
إذن بعدما استشرى هذا البلاء في الإمامية لم نجد من شيوخهم من يعلن إنكاره--------------------------------------------
(1) حيث ذكر أن "جماعة من أهل الإمامة (قالت) : إنه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة" (انظر: أوائل المقالات: ص 55) ، وسنرى في مبحث "عقيدتهم في الإجماع " اضطرابهم في أمر الإجماع حيث تجد الإجماعات المتعارضة، ودعوى الشخص منهم للإجماع مع نقله للخلاف فيه
(2) فصل الخطاب، الورقة 111 (النسخة المخطوطة)
(3) فصل الخطاب: 15 (المخطوط) وص 34
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
لهذا إلا هؤلاء الأربعة (1) . وقد أشرنا من قبل إلى أن ابن حزم يذكر بأن الإمامية كلها على هذا الباطل إلا ثلاثة، ومن هؤلاء الثلاثة الشريف المرتضى.
وقد تحدث شيوخهم أن الإمامية لم تتفق على هذا الكفر. يقول صاحب "قوامع الفضول": "إن المحكي عن ظاهر الكليني وشيخه عليّ بن إبراهيم القمي والشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج وقوع التحريف والزيادة والنقصان فيه، بل وحكي ذلك عن أكثر الأخباريين، وعن السيد الصدوق (2) . والمحقق (3) . إنكار ذلك، بل وحكي عن جمهور المجتهدين، وظاهر الصدوق في اعتقاداته أن المراد بما ورد في الأخبار الدالة على أن في القرآن الذي جمعه أمير المؤمنين رضي الله عنه كان زيادة لم يكن في غيرها أنها كانت من باب الأحاديث القدسية لا القرآن" (4) .--------------------------------------------
(1) وقد نقل الشيخ إحسان إلهي ظهير هذا القول، وتحدى الشيعة أن تأتي بخامس لهؤلاء (الشيعة والسنة ص 124) . والذي يجب ملاحظته في هذا الأمر ما يلي:
أولاً: أن مفيدهم ذكر أن الخلافة لهذا الكفر قد ذهب إليه جماعة من أهل الإمامة (انظر: أوائل المقالات ص 55) ، فهل هو يشير بهذا إلى خلاف الثلاثة (لأن الطبرسي من القرن السادس) أو يشير إلى أكثر من ذلك ولاسيما أن وصفهم بأنهم جماعة، يشعر بكثرتهم؟.
وقد شك في هذا صاحب فصل الخطاب نفسه وقال: "ولم يعرف من القدماء موافق لهم إلا ما حكاه المفيد من جماعة من أهل الإمامة، والظاهر أنه أراد منها الصدوق وأتباعه" (انظر: فصل الخطاب ص 33) .
ثانياً: أن أوائل الشيعة كلهم على خلاف هذا الكفر، وقد استحدث هذا القول فئة من الزنادقة قد اندسوا في الروافض، فقول النوري: "لم يعرف من القدماء موافق لهم" هو كذب ظاهر؛ إذ إن كل أوائل الشيعة وقدمائها معهم.
ثالثاً: أن الأشعري في مقالات الإسلاميين نسب الإنكار لهذه الفرية إلى طائفة منهم، وهو يشعر بأنهم ليسوا بثلاثة فقط (انظر مقالات الإسلاميين: 1/ 119-120)
(2) لقب يطلقونه على ابن بابويه القمي صاحب من لا يحضره الفقيه
(3) يطلق لقب المحقق على محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، وعلى جعفر بن الحسن ابن يحيى المتوفى سنة (676هـ) (انظر: أغابزرك/ الأنوار الساطعة ص 146) وهو هنا يريد الأول (الطوسي)
(4) قوامع الفصول: ص 298
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
وكذلك أشار الطبرسي في فصل الخطاب إلى مثل ذلك وتوسع في ذكر الذاهبين إلى التحريف فمما قاله: "اعلم أن لهم في ذلك أقوالاً مشورها اثنان: الأول وقع التغيير والنقصان فيه"، ثم ذكر من قال بذلك من شيوخهم، ونقل كلمات بعضهم في هذا، ويلاحظ أنه يحاول المبالغة في جعل معظم رجالات طائفته على هذا القول، بل إنه ذكر مصنفات لا يوجد لها عين ولا أثر، وذكر أنها تسمى باسم "التحريف" أو "التبديل"، واستظهر أن أصحابها كانوا على مذهبه (1) ، ولمعارضه أن يقول: ما المانع أن تكون هذه المصنفات لنقد تحريف الشيعة لمعاني القرآن، أو لنقد دعواهم تحريف ألفاظه وأخذت ذلك الاسم.
ثم ذكر القول الثاني فقال: "الثاني: عدم وقوع التغيير والنقصان فيه وأن جميع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله هو الموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين، وإليه ذهب الصدوق في عقائده والسيد المرتضى، وشيخ الطائفة في التبيان، ولم يعرف من القدماء موافق لهم إلا ما حكاه المفيد عن جماعة من أهل الإمامة، والظاهر أنه أراد منها الصدوق وأتباعه" (2) .
وقوله: "لم يعرف من القدماء موافق لهم" يعني قدماء شيوخه الإمامية، الرافضة، أم أسلافهم من الشيعة فلم يصل بهم الأمر إلى هذا الحد - كما تقدم -.
ثم قال هذا النوري: "ثم شاع هذا المذهب (يعني إنكار التحريف) بين الأصوليين من أصحابنا واشتهر بينهم حتى قال المحقق الكاظمي في شرح الوافية: إنه حكي عليه الإجماع" (3) . ثم حاول رد دعوى الإجماع.. ليجعل جل الشيعة الاثني عشرية على مذهبه.
فإذن هل ننتهي من هذا إلى أن الاثني عشرية لم يتفقوا على هذا الكفر،--------------------------------------------
(1) انظر: فصل الخطاب: 30-31
(2) فصل الخطاب: ص 33
(3) فصل الخطاب: ص 38
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
بل لهم قولان في هذه المسألة، كما أشار إلى ذلك الأشعري في مقالاته كما سلف، أو أنه قول واحد والإنكار تقية؟ هذا ما سنعرض له في المسألة التالية:
هل إنكار المنكرين لهذا الكفر (من الشيعة) من قبيل التقية؟
بعدما بيّنا أن الأمامية لم تتفق على هذا الضلال، وأنه قد أنكر ذلك كبار محققيهم كالشريف المترضى، وابن بابويه القمي والطوسي والطبرسي، ومن اتبعهم من المتأخرين، فإنه مع ذلك قد برز ناعق من شيوخ الدولة الصفوية يقول: إن إنكار هؤلاء كان على سبيل التقية.
يقول شيخهم نعمة الله الجزائري (وهو من الأخبارين) (1) . والذي قال عنه الخوانساري: "كان من أعاظم علمائنا المتأخرين وأفاخم فضلائنا المتبحرين.." (2) : "والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة، منها سد باب الطعن عليهم بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها" (3) .
ثم قدم برهان دعواه بقوله: "كيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخباراً تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن، وأن الآية هكذا أنزلت ثم غيرت إلى هذا" (4) .
وكذلك يرى هذا صاحب فصل الخطاب؛ فإنه نقل كلام الجزائري المذكور مؤيداً له، كما نقل ما ذكره شيخهم ابن طاوس من أن كتاب التبيان الذي أنكر فيه الطوسي هذا الضلال موضوع على غاية الحذر والمدارة للمخالفين (5) .--------------------------------------------
(1) ولهذا قال الخوانساري: "كان مع شرب الإخبارية كثير الاعتناء والاعتداد بأرباب الاجتهاد.." (روضات الجنات: 8/150)
(2) روضات الجنات: 8/150
(3) الجزائري/ الأنوار النعمانية: 2/358
(4) الجزائري/ الأنوار النعمانية: 2/358-359
(5) فصل الخطاب: ص38 (النسخة المخطوطة)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
وقد نقلنا النص بتمامه فيما سبق (1) . فهل ما يقوله هؤلاء حقيقة؟
أقول: لا شك أن الجزائري وصحاب فصل الخطاب وغيرهما هم ممن يجاهر بهذا الكفر ويعلنه، ومن يفعل ذلك فليس من الإسلام في شيء، وإذا كنا نتثبت في خبر الفاسق، فما بالك بأخبار هؤلاء، فهم يودون أن يجعلوا كل شيعي على هذا الكفر فليس بغريب أن يحملوا آراء المعارضين على التقية. وأرى خطأ من يأخذ كلام هذا الجزائري ومن على شاكلته بإطلاق، ويحكم على طائفة بأكملها بهذا الكفر من غير دراسة وتحقيق.
وإذا كنا لا نأخذ بكلام هؤلاء الأفاكين الآثمين فهذا لا يعني أيضاً أن نتقبل بسذاجة ظاهرة، وبسطحية غافلة ما يقوله أصحاب الرأي الآخر بإطلاق، ونحن نعلم أن التقية من أصولهم، وأنها عندهم تسعة أعشار الدين، ولا دين لمن لا تقية له - كما سيأتي -.
وعلى هذا فلابد من دراسة متأنية وأمينة لهذا القضية، فأقول: كما نقل شيخهم المفيد إجماع طائفته على هذا الكفر كما أسلفنا، فإن من كبار شيوخهم المتأخرين من نقل إجماع الأصوليين من الشيعة على إنكار هذا الكفر (2) .
واعترف صاحب فصل الخطاب بأن مذهب إنكار التحريف قد شاع واشتهر بين أصحابه فقال: ".. شاع هذا المذهب بين الأصوليين من أصحابنا واشتهر بينهم حتى قال المحقق الكاظمي في شرح الوافية: إنه حكي عليه الإجماع" (3) .
وقد غضب من هذا الأمر صاحب فصل الخطاب، لأنه - كما أسلفت - يريد أن يجعل مذهبه هو الأشهر والأكثر.. فقال: ".. إن دعواه - يعني دعوى--------------------------------------------
(1) انظر: ص (197-198)
(2) فصل الخطاب: ص38 (النسخة المخطوطة)
(3) فصل الخطاب: ص38 (النسخة المخطوطة)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
الإجماع - جرأة عظيمة (!) وكيف يمكن دعوى الإجماع بل الشهرة المطلقة على مسألة خالفها جمهور القدماء وجل المحدثين وأساطين المتأخرين، بل رأينا كثيراً من كتب الأصول خالية عن ذكر هذه المسألة، ولعل المتتبع يجد صدق ما قلناه، ومع ذلك كله فالمتبع هو الدليل، وإن لم يذهب إليه إلا قليل كما قال السيد المرتضى رحمه الله في بعض مسائله: لا يجب أن يوحش من المذهب قلة الذاهب إليه والعاثر عليه، بل ينبغي ألا يوحش منه إلا ما لا دلالة له تعضده ولا حجة تعمده، وقال المفيد في موضع من المقالات: ولم يوحشني من خالف فيه؛ إذ بالحجة له أتم أنس ولا وحشة من حق" (1) .
نلاحظ من خلال هذه الكلمات أن هناك وميض نار مشتعلة بين فريقين وكل يدعي الشهرة والأحقية لمذهبه.. وأن هذا الرجل قد ارتدى ثوب الواعظ كما يصنع الشيطان أحياناً وراح يدعو قومه إلى نار جنهم وبئس المصير، وينادي بأن قوله هو الذي عليه الدليل من كتبهم، وهو الأصل الذي عليه قدماء الشيعة، وخلافه قول طارئ على مذهبهم، ودعوى الإجماع عليه أو الشهرة في نظره جرأة عظيمة.
إذن هناك - بلاشك - فئة من الشيعة لم تعد تهضم هذا المعتقد، وقد كثر أتباعها، ولهؤلاء - فيما يظهر - ألَّف صاحب فصل الخطاب كتابه ليردهم عن هذا الطريق الذي سلكوه، ويرفع عنهم تلك العماوة التي غشيتهم في نظره ويقول: إن الدليل أحق أن يتبع، وإن لم يذهب إليه أحد. وكأنه استوحش من مذهبه، والكفر كهف موحش مخيف، وخاف تقلص أتباعه واندراس أشياعه فراح يدعو إلى عدم الوحشة عند القلة فهي في نظره عنوان الحق على هذا القول، ومن الغريب أن يستعير كلمات الشريف المرتضى الذي يتبرأ من هذا الكفر، ويكفر من قاله، ويعظ بها قومه ويدعوهم إلى هذا الإلحاد.--------------------------------------------
(1) فصل الخطاب: ص 38-39
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
ومن خلال قراءتي لكتاب فصل الخطاب تبين لي أن فئة من الشيعة لم تعد تصدق بهذه الخرافة، وقد هاجمهم صاحب فصل الخطاب في مواضع متعددة، وقال معلقاً على كلام بعضهم: "ليس لداء قلة التتبع دواء إلا تعب المراجعة" (1) .
كما ضاق ذرعاً بأمر الصدوق صاحب "من لا يحضره الفقيه" أحد كتبهم الأربعة المعتمدة في إنكاره لهذه الخرافة، وقال: إن أمره مضطرب، ويغير بعض الروايات لتوافق مذهبه في نفي هذه الخرافة، وأنه غير في بعض الروايات تغييرات تورث سوء الظن (2) . به، كما سيأتي بعد قليل إيراد نصوصه في هذا، مع العلم بأن كتابه "من لا يحضره الفقيه" هو أحد جوامعهم المعتمدة عندهم.
كما يعتذر أحياناً عن المنكرين من أصحابه لهذا الاعتقاد - الذي يؤكد أنه متواتر من طرقهم الكاذبة - بقوله: "إن أخبار التحريف متفرقة فلهذا لم يعرفوها" (3) .
ولقائل أن يقول: إنها لم تكن موجودة فلهذا لم يعرفوها ولدت فيما بعد، ونمت أخبارها وكثرت أساطيرها فأخذت بها أنت ومن معك اغتراراً أو تغريراً؛ إذ كيف يعقل أن تخفى على أمثال ابن بابويه وغيره من مؤسسي مذهبكم ومؤلفي مجاميعكم المعتمدة، وكذلك اعتذر عن الطوسي بنحو هذا - كما سيأتي - وحتى نعمة الله الجزائري الذي قال: إن إنكارهم تقية لم يكن على يقين من هذا، فتراه في شرح الصحيفة السجادية يتعجب من صنيعهم، ويحاول أن يرد على حجتهم، حيث يقول: "وأخبارنا متواترة بوقوع التحريف والسقط منه بحيث لا يسعنا إنكاره، والعجب العجيب من الصدوق وأمين الإسلام الطبرسي، والمرتضى في بعض كتبه كيف أنكروه وزعموا أن ما أنزله الله تعالى هو هذا المكتوب مع أن فيه رد متواتر الأخبار (يعني أساطيرهم) ".
ثم حاول أن يجيب عما اعترض به عقلاء قومه من أن القول بتحريف--------------------------------------------
(1) فصل الخطاب: الورقة 84 (النسخة المخطوطة) وص 169 (من المطبوعة)
(2) فصل الخطاب: الورقة 120 (من المخطوطة) وص 240 (من المطبوعة)
(3) فصل الخطاب: الورقة 176 (النسخة المخطوطة)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
القرآن يلزم منه ألا يعمل به لارتفاع الثقة عنه، وهذا مخالف لما عليه الشيعة والأئمة.. فقال: "وما قيل من طرفهم أنه يلزم عليه ارتفاع الموثوق بالآيات الأحكامية، وينتفي جواز الاستدلال بها لمكان جواز التحريف عليها. فجوابه: أنهم عليهم السلام أمرونا في هذه الأعصار بتلاوة هذا القرآن والعمل بما تضمنته آياته لأنه زمن هدنة، فإذا قامت دولتهم وظهر القرآن كما أنزل الذي ألفه أمير المؤمنين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وشده في ردائه وأتى إلى أبي بكر وعمر وهما في المسجد في جماعة من الناس فعرضه عليهم فقالوا: لا حاجة لنا في قرآنك ولا فيك عندنا من القرآن ما يكفينا. فقال: لن تروه بعد هذا اليوم حتى يقوم قائمنا. فعند ذلك يكون ذلك القرآن هو المتداول بين الناس مع أن ما وقع من التحريف في الآيات الأحكامية أظهروه عليهم السلام، فيقوم الظن بأن ما لم يعرفونا تحريفه لم يكن فيه تحريف" (1) .
وبعد هذا هل يحق لأحد أن يجزم بالقول: إن إنكار هؤلاء كان على سبيل التقية، والخلاف جاري بينهم وبين قومهم على أشده، والصراع واضح من خلال ما كتبه صاحب فصل الخطاب وغيره؟!
ولكن بقي أن ندرس البرهان الذي قدمه نعمة الله الجزائري في أن إنكار هؤلاء المنكرين كان على سبيل التقية بدليل أنهم "رووا في مؤلفاتهم أخباراً كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن، وأن الآية هكذا أنزلت ثم غيرت إلى هذا" (2) . كما سبق نقله، فهل هذا حقيقي بالنسبة لأولئك المنكرين؟
نبدأ بابن بابويه القمي "الصدوق" (ت381هـ) باعتباره أول من أنكر على هؤلاء الغلاة، وأعلن أن هذا لا يمثل مذهب الشيعة وذلك في رسالته "الاعتقادات".--------------------------------------------
(1) شرح الصحيفة السجادية: ص 43
(2) الأنوار النعمانية: 2/358-359
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
1- ابن بابويه وإنكاره لما ينسب لطائفته:
يقول: "اعتقادنا أن القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيه محمد وهو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس، وليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربعة عشر (1) . سورة، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة، ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب"، ثم استدل بما جاء في رواياتهم في ثواب من قرأ سورة من القرآن، وثواب من ختم القرآن كله، وأن هذا ينفي تلك الدعاوى الباطلة.
ثم قال: "بل نقول: إنه قد نزل من الوحي الذي ليس بقرآن ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه مقدراً سبع عشرة ألف آية". واستشهد على ذلك ببعض الأحاديث القدسية الواردة عندهم، ثم قال: "ومثل هذا كثير كله وحي ليس بقرآن، ولو كان قرآناً لكان مقروناً به وموصولاً إليه غير مفصول عنه كما قال أمير المؤمنين لما جمعه، فلما جاء به فقال لهم: هذا كتاب الله ربكم كما أنزل على نبيكم لم يزد فيه حرف ولم ينقص منه حرف، فقالوا: لا حاجة لنا فيه، عندنا مثل الذي عندك. فانصرف وهو يقول: فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون" (2) .
هذا ما قاله ابن بابويه نقلته بطوله لندرة المصدر المنقول عنه، ولأن معظم من ينقل عنه من كتب الشيعة وغيرها يكتفي بنقل صدر كلامه مما لا يعطي تصوراً كاملاً عن مذهب الرجل.
ومن خلال الكلمات السابقة يلاحظ ما يلي:
أولاً: إن الرجل يعد هذا القول مذهب الشيعة الإمامية كلها، ولهذا قال صاحب فصل الخطاب بعد نقله لهذا النص: "وظاهر قوله: اعتقادنا، وقوله: نسب إلينا، اعتقاد الإمامية" (3) . ثم انتقده في ذلك وقال: "وقد ذكر في هذا الكتاب ما لم يقل به--------------------------------------------
(1) كذا في الأصل وهو خطأ لغوي، والصحيح "أربعة عشرة سورة"
(2) الاعتقادات: ص 101-103
(3) فصل الخطاب: ص33
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
غيره أو قال به قليل" (1) .
وقد سبق أن قلت: إن صاحب فصل الخطاب متحمس لأن يجعل جميع الشيعة على مذهبه.
ثانياً: في قوله: "ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب" تكذيب للكليني صاحب الكافي وشيخه القمي صاحب التفسير والنعماني صاحب الغيبة وغيرهم الذين يجاهرون بهذا المعتقد، ويعدونه من مذهب الإمامية، أو كأنه يعتبر من يقول بهذا ليس في عداد الشيعة.
ثالثاً: لا نرى إشارة منه إلى وجود رأي آخر في هذا عندهم، كما أشار إلى ذلك الأشعري وغيره، وكأنه يعتبر من يخالف في هذا خارج نطاق التشيع إلا إن كان في الأمر تقية.
رابعاً: كأنه في قوله: " … ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه سبع عشرة ألف آية" يفسر فيه رواية الكليني والتي تقول: "إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة عشر ألف آية" وآيات القرآن كما هو معروف لا تتجاوز ستة آلاف آية إلا قليلاً، لكن الكليني ينص كما ترى على أنها من القرآن، بينما ابن بابويه ينص على أنها ليست من القرآن ويحملها على الأحاديث القدسية - كما سلف -.
خامساً: لم يتحرر - كما ترى - من رواسب وآثاره الروايات الأسطورية والتي علقت في ذهنه في هذا الباب.. فتراه يكاد ينقص ما قرره.. بالرواية الأخيرة التي ذكرها في عرض علي المصحف على الصحابة وردهم له.. إن إقراره لهذه الخرافة يفتح الباب لأن يقال فيه بأن إنكاره كان على سبيل التقية وهو ما قيل فعلاً من قبل بعض الشيعة، ومن لدن بعض أهل السنة، ولكنه على أية حال لم يتجرأ أن يقول--------------------------------------------
(1) فصل الخطاب: ص33
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
في كتاب الله شيئاً وأراد إنقاذ سمعة طائفته من العار الذي لحقها، ولم يستطع أن يجابه قومه بإنكار روايتهم رأساً، أو لم يتمكن من الخلاص النهائي عن تلك السموم، أو أراد الإنكار على سبيل التقية وزرع في كلامه ما ينبئ عن ذلك. الله أعلم بالسرائر.
لكن أرى من الشيعة من يذهب إلى القول بأن إنكاره تقية كنعمة الله الجزائري، ولكن لا يقدم دليلاً معيناً على هذا القول، ويكتفي بمجرد الدعوى بأنه روى في كتبه بأن الآية هكذا أنزلت ثم غيرت إلى هذا.. وبالرجوع إلى بعض كتب ابن بابويه المعروف عندهم بالصدوق للبحث عن روايات هذه الأسطورة في كتبه، فنجد من روايات هذه الأسطورة حكاية الزنديق الذي جاء لسؤال علي بن أبي طالب - كما يزعمون - والذي مر بنا نقل بعض نصوصه، والذي رواه شيخهم الطبرسي (من القرن السادس) في كتابه الاحتجاج وفيه تسعة مواضع كلها تدل على هذا الكفر (1) . كما شهد بذلك النوري الطبرسي (2) ، نجد أن هذا الخبر يورده صدوقهم هذا في كتابه التوحيد وليس فيه ما يدل على أسطورة التحريف (3) . فهل هذه الأسطورة زادت بعد قرنين من عصر ابن بابويه لتحشى بهذا الكفر، أو أن ابن بابويه نفسه حذف ذلك.. على آية حال هي تشهد بسلامته من التلبس بحكاية هذا الكفر الذي حملته رواية الطبرسي.
وقد احتار صاحب فصل الخطاب في تعليل هذا فقال: "وساق (يعني صدوقهم) الخبر (خبر الزنديق) مع نقصان كثير عما في الاحتجاج، منه ما يتعلق بنقصان القرآن وتغييره، إما لعدم الحاجة إليه كما يفعل ذلك كثيراً، أو لعدم موافقته لمذهبه" (4) . ولكن ألا يحتمل أن يكون الأصل هو ما في كتاب التوحيد، وأن تلك--------------------------------------------
(1) انظر: الاحتجاج ص 240
(2) النوري/ فصل الخطاب: ص 240
(3) انظر: التوحيد ص 255 وما بعدها
(4) فصل الخطاب: ص 240
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)