والغزالي ذكر تطور تأويل نصوص السمع عند المعتزلة والفلاسفة وغيرهم في أمور المعاد واليوم الآخر والصفات، وقد نقل شيخ الإسلام كلامه، وبين أنه حجة عليه، كما رد عليه تعويله على الكشف والمشاهدة (1) .
الأمر الثالث: هل قال الإمام أحمد بالتأويل؟ "
القول بأن الإمام أحمد قال بالتأويل تلقفته طائفتان:
إحداهما: طائفة من الحنابلة الذين مالوا إلى شيء من بدع أهل الكلام، حيث جعلوا مثل هذا النقل عن الإمام أحمد حجة لهم في مخالفتهم لما هو مشهور عن جمهور أصحابه المتبعين لمذهب السلف.
والأخرى: طائفة من الأشاعرة وغيرهم، ليستدلوا بمثل هذا النقل على صحة مذهبهم في تأويل بعض الصفات، وأنهم مخالفين لمذهب السلف. والذي روى عن الإمام أحمد في هذه المسألة لا يتعدى أحد نقلين:
أحدهما: ما نقله الغزالي - في معرض حديثه عن الإمام أحمد ومنعه من التأويل - قال الغزالي: "سمعت بعض أصحابه يقول: إنه حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ: قوله صلى الله عليه وسلم: الحجر الأسود يمين الله في أرضه (2) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن" (3) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن (4) .." (5) وقد نقل الرازي هذا عن الغزالي مع تبديل في أحد الأحاديث (6) .
الثاني: ما نقله حنبل في المحنة، عن الإمام أحمد، يقول: احتجوا علي يوم المناظرة، فقالوا: تجيء يوم القيامة سورة البقرة، وتجيء سورة تبارك؟--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (5/347غ-357) ، وانظر أيضاً: نقض التأسيس - مخطوط - (3/93-103) .
(2) سبق تخريجه (ص:593) .
(3) رواه مسلم، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء، ورقمه (2654) .
(4) سبق تخريجه قريبا (ص: 1154) .
(5) أحياء علوم الدين (1/103) .
(6) انظر: ساس التقديس للرازي (ص: 81) حيث أبدل حديث أنا جليس من ذكرني بحديث قلوب العبد الذي ذكره الغزالي.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1163)
قال: فقلت لهم: إنما هو الثواب، قال الله جل ذكره: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} (الفجر:22) ، وإنما تأتي قدرته، القرآن أمثال ومواعظ، وأمر ونهي، وكذا وكذا" (1) ، وأحال القاضي أبو يعلي في أبطال التأويلات على رواية حنبل فقال: "وقد قال أحمد في رواية حنبل في قوله {وَجَاءَ رَبُّكَ} قال قدرته" (2) . ونقل هذه الرواية عن القاضي أبي يعلي بعض الحنابلة، منهم ابن الجوزي في تفسيره (3) ، وفي كتابه الباز الأشهب (4) - الذي نصر فيه مذهب أهل التعطيل -، كما نسبه البيهقي إلى الإمام أحمد (5) .
والعجيب أن هؤلاء المعطلة - يعظم عندهم مثل هذين النقلين - مع ما فيهما من كلام كما سيأتي - وأما النصوص المتواترة المشتهرة عن الإمام أحمد في إثبات الصفات، والرد على الجهمية وأتباعهم، والتحذير من الخوض في علم الكلام وتأويل الصفات - فهذه لا حجة فيها عندهم على مذهب هذا الإمام الموافق لمذهب السلف، وغاية ما يقولون فيها أن الإمام أحمد إنما أراد بها التفويض!.
ومع ذلك فلا حجة لهم فيما نقلوه عن هذا الإمام، وبيان ذلك كما يلي: أما النقل الأول - الذي ذكره الغزالي والرازي - فقد قال فيه شيخ الإسلام "هذه الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد، ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه، وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف: لا علمه--------------------------------------------
(1) الجوهر المحصل في مناقب الإمام أحمد (ص: 58) ، وانظر (ص: 82) ، وانظر: الاستقامة (1/74) .
(2) أبطال التأويلات، (ص:61) - مخطوط.
(3) زاد المسير [البقرة: 21] ، (1/225) ، وفي سورة الفجر آية: 22 أحال على آية البقرة.
(4) (ص:61) ، وهو نفسه "دفع شبه التشبيه" والنصف فيه (ص:45) ، وإن كان الباز فيه بعض الزيادات. والعجيب أن محققي الكتابين - الكوثري، ومحمد منير - يشربان من عين واحدة، هي عين التعطيل وقد رد على ابن الجوزي في دعواته نسبة التأويل إلى الإمام أحمد صاحب رسالة: ابن الجوزي بين التفويض والتأويبل (ص: 138-143) - ط على الآلة الكاتبة.
(5) كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (10/327) - وقد سبقت الإشارة إلى ذلك (ص:584) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1164)
بما قال، ولا صدقه فيما قال" (1) ، والدليل على ذلك اختلاف نقل الرازي عن نقل الغزالي، وله احتمالان: أن يكون الرازي غلط في النقل عن الغزالي، أو أن الغزالي نقل في كتاب آخر - غير الأحياء - خلاف ما ذكره في الإحياء، قال شيخ الإسلام: "وعلى التقديرين فيعلم أن هذا النقل الذي نقله غير مضبوط" (2) . وقال أيضاً عن الغزالي، وعدم علمه بالحديث وشهادته على نفسه بأن بضاعته فيه مزجاة: "ولهذا في كتبه من المنقولات المكذوبة الموضوعة ما شاء الله، مع أن تلك الأبواب يكون فيها من الأحاديث الصحيحة ما فيه كفاية وشفاء، ومن ذلك هذا لا نقل الذي نقله عن أحمد، فإنه نقله عن مجهول لا يعرف، وذلك المجهول أرسله إرسالا عن أحمد، ولا يتنازع من يعرف أحمد وكلامه أن هذا كذب مفتري عليه، ونصوصه المنقولة عنه بنقل الاثبات والمتواتر عنه يرد هذا الهذيان الذي نقله عنه … " (3) .
ثم إن هذه الأحاديث التي أوردها الغزالي والرازي ليس فيها ما يوجب التأويل؛ لأن دلالتها واضحة، فزعمهم أنها - أو غيرها من الأحاديث - بحاجة إلى التأويل، أو أن الإمام أحمد قد تأولها، لا يفيدهم شيئاً في هذا الباب ولهذا ناقش شيخ الإسلام هذه الأحاديث وغيرها، وبينا ما فيها، وقد سبق قبل قليل نقل كلامه فيها.
وخلاصة القول:
1- أن هذا النقل غير صحيح، ولم يورده أحد في مسائل وكلام الإمام أحمد.
2- أن النقول الكثبرة عن الإمام أحمد تدل على إثباته ومنعه من التأويل.
3- أن هذه الأحاديث لا حجة فيها لهم، لأن ما فهموه من الظواهر الفاسدة، قد دلت النصوص نفسها على أنه غير وارد.--------------------------------------------
(1) شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (5/398) ، وانظر: درء التعارض (7/149-150) .
(2) نقض التأسيس - مخطوط - (3/94) .
(3) المصدر السابق (3/100) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1165)
أما النقل الثاني: الذي أورده حنبل في سياق المحنة، فقد ذكر شيخ الإسلام أن الحنابلة اختلفوا في هذه الرواية على خمس طرق:
1- "قال قو: غلط حنبل في نقل الرواية، وحنبل له مفاريد ينفرد بها من الروايات في الفقه، والجماهير يرون خلافه.
وقد اختلف الأصحاب في مفاريد حنل التي خالفه فيها الجمهور، هل تثبت روايته؟ على طريقين، فالخلال وصاحبه قد ينكرانها، ويثبتها غيرهما كابن حامد.
2- وقال قوم منهم: إنما قال ذلك إلزاماً للمنازعين له، فإنهم يتأولون مجيء الرب بمجيء أمره، قال: فكذلك قولوا: مجيء كلامه ثوابه. وهذا قريب.
3- وقال قوم منهم: بل هذه الرواية ثابتة في تأويل ما جاء من جنس الحركة والإتيان والنزول، فيتأول على هذه الرواية بالقصد والعمد لذلك، وهذه طريقة ابن الزاغزني وغيره.
4- وقال قوم: بل يتأول بمجيء ثوابه. وهؤلاء جعلوا الرواية في جنس الحركة، دون بقية الصفات.
5- وقال قوم منهم ابن عقيل وابن الجوزي: بل يتعدى الحكم من هذه الصفة إلى سائر الصفات التي تخالف ظاهرها، للدليل الموجب مخالف الظاهر" (1) .
ويلاحظ أن الأقوال الثلاثة الأخيرة تصحح نسبة التأويل إلى الإمام أحمد، وتجعل ذلك حجة لها على مذهبها المائل إلى الأشاعرة كما هو قول ابن الزاغوني وغيره، أو ما هو أشد غلوا منهم في التعطيل والنفي كما هو المشهور من مذهب ابن عقيل وابن الجوزي.--------------------------------------------
(1) الاستقامة (1/75-76) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1166)
وقد نفي شيخ الإسلام بشكل قاطع ما نسب إلى الإمام أحمد من التأويل وقال: "لا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية، ويبين إنه لا يقول إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره، بل هو ينكر على من يقول ذلك (1) " وقال: "والصواب أن جميع هذه التأويلات مبتدعة، لم يقل أحد من الصحابة شيئاً منها ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث، أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة" (2) . وهذه رسائل وأقوال الإمام أحمد مشهورة معروفة، وما من مسألة من مسائل أصول الدين إلا وله فيها كلام، ولم يرد فيها ما يخالف مذهب السلف، ولذلك عده الناس إماما لأهل السنة بسبب ما ابتلى به من المخالفين من أهل الأهواء الذين ناظرهم وبين بطلان أقوالهم، وهو في ذلك متبع لمن قبله من أئمة السلف (3) .
وإذا كان هذا هو المتواتر عن الإمام أحمد فلا بد من النظر إلى رواية حنبل - في المحنة - على أنها رواية فردة خالفت المشهور عنه، ولهذا قال القاضي أبو يعلى بعد ذكره لرواية حنبل، وتغليط ابن شاقلا له: "وقد قال أحمد في رواية أبي طالب، {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ} (البقرة: من الآية210) ، {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} (الفجر:22) من قال إن الله لا يرى فقد كفر، وظاهر هذا أن أحمد أثبت مجيء ذاته لأنه احتج بذلك على جوازه رؤيته، وإنما يحتج بذلك على جواز رؤيته إذا كان الإتيان والمجيء مضافا إلى الذات" (4) .
وخلاصة الجواب عن رواية حنبل - في المحنة -:
1- أما أن يقال هذه من مفاريده وقد خالفت المتواتر والمشهور عنه.
2- وعلى فرض ثبوت هذه الرواية فيقال: أن الإمام قال هذا إلزاماً لخصومه وقد قال شيخ الإسلام على هذا الاحتمال: "وهذا قريب" (5) .--------------------------------------------
(1) شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (5/401) .
(2) المصدر السابق (5/409) .
(3) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (3/97-103) .
(4) أبطال التأويلات - مخطوط - (ص: 61-62) .
(5) سبق نقله قريباً من الاستقامة (1/75) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1167)
وشرحه في موضع آخر فقال: "ومنهم من قال: بل أحمد قال ذلك على سبيل الإلزام لهم، يقول: إذا كان أخبر عن نفسه بالمجيء والإتيان، ولم يكن ذلك دليلا على أنه مخلوق، بل تأولتم ذلك على أنه جاء أمره، فكذلك قولوا: جاء ثواب القرآن، لا أنه نفسه هو الجائي، فإن التأويل هنا ألزم، فإن المراد هنا الإخبار بثواب قارئ القرآن، وثوابه عمل له، لم يقصد به الإخبار عن نفس القرآن.
فإذا كان الرب قد أخبر بمجيء نفسه، ثم تأولتم ذلك بأمره، فإذا أخبر بمجيء قراءة القرآن فلأن تتأولوا ذلك بمجيء ثوابه بطريق الأولى والأحرى.
وإذا قاله على سبيل الإلزام لم يلزم أ، يكون موافقا لهم عليه، وهو لا يحتاج إلى أ، يلتزم هذا؛ فإن هذا الحديث له نظائر كثيرة في مجيء أعمال العباد، والمراد مجيء قراءة القارئ التي هي عمله، وأعمال العباد مخلوقة، وثوابها مخلوق، ولهذا قال أحمد وغيره من السلف: إنه يجيء ثواب القرآن (1) ، والثواب إنما يقع على أعمال العباد، لا على صفات الرب وأفعاله" (2) .
والخلاصة:
1- أن هذا مخالف لما تواتر عن الإمام أحمد من المنع من التأويل.
2- أن حنبل تفرد بهذه الرواية.
3- وعلى فرض صحته فالإمام قالها إلزاما لخصومه المعتزلة (3) .
هذه خلاصة مباحث "التأويل" تبين سلامة منهج أهل السنة في الصفات، كما شرحه شيخ الإسلام ورد على المجيزين للتأويل، ولا شك أن هذا الباب لما فتحه المتكلمون - وقد يكون عند بعضهم عن حسن نية - ولج منه أهل الإلحاد من القرامطة والباطنية والفلاسفة وغيرهم ليتواصلوا به إلى تعطيل الشرائع، والأمر والنهي، وإنكار المعاد وما فيه، وهذا وحده كاف لوجود سد هذا الباب الخطير.--------------------------------------------
(1) انظر الكلام على مجيء سورة البقرة وآل عمران في نقض التأسيس - مخطوط - (3/116-1126) .
(2) شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (5/400) .
(3) انظر أيضاً: مجموع الفتاوى (16/404، 421-422) ، حيث نقل كلام ابن الزاغوني، وانظر أيضاً (6/156-166) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1168)
ويمكن ذكر نموذج واحد لمقالات هؤلاء الذين فتحوا باب التأويل، يقول شيخ الإسلام: "ولهذا قال كثير منهم - كأبي الحسين البصري، ومن تبعه كالرازي والآمدي وابن الحاجب - أن الأمة إذا اختلفت في تأويل الآية على قولين، جاز لمن بعدهم أحداث قول ثالث، بخلاف ما إذا اختلفوا في الأحكام على قولين. فجوزوا أن تكون الأمة مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث وأن يكون الله أنزل الآية، وأراد بها معنى لم يفهمه الصحابة والتابعون، ولكن قالوا: إن الله أراد معنى آخر. وهم لو تصوروا هذه المقالة لم يقولوا إن هذا فإن أصلهم أن الأمة لا تجتمع على ضلالة" (1) .
ومن تدبر هذا وأمثاله عرف ما فيه وماله من آثار.--------------------------------------------
(1) الفرقان بين الحق والباطل - مجموع الفتاوى (13/59) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1169)
الأمر الرابع: الحقيقة والمجاز:
يشبه هجوم شيخ الإسلام على "المجاز" هجومه على المطق اليوناني، من حيث الدوافع والأسباب وقوة الهجوم، ثم الأثر الذي ترتب عليه، خاصة أثره فيمن جاء بعده من الموافقين والمخالفين. وإذا كان أي باحث في المنطق والفلسفة - المسماة بالإسلامية - لا يمكن أن يغفل أثر ما كتبه شيخ الإسلام في ذلك دفاعا عن مذهب السلف، فكذلك أي باحث في باب المجاز وما يتعلق به لا يمكنه إلا أن يشير إلى مذهب شيخ الإسلام وموقفه منه.
وقد أشار إلى هذا أحد الباحثين، ممن أفرد للمجاز كتابا مطولا، بلغ جزأين كبيرين (1)
- فقال في مقدمة كتابه بعد عرض مختصر لتاريخ القول بالمجاز بين مثبتيه ونفاته: "والمتابع لسير النزاع بين الفريقين يرى أن الخلاف بينهما كان هادئاً طوال القرون الأولى، حتى النصف الثاني من القرن السابع، والربع الأول من القرن الثامن، فقد اتجه الخلاف إلى الشدة والعنف - ولكن من جانب منكريه وحدهم، دون مجوزيه - فقد برز على الساحة الإمام أبو العباس أحمد ابن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (661-728هـ) وقد وهبه الله ذاكرة واعية، وقلبا ذكيا، ولسانا فصيحاً، وقلما جريئا، وتبنى مذهب السلف--------------------------------------------
(1) اسمه: المجاز في اللغة والقرآن بين الإجازة والمنع، للدكتور عبد العظيم المطعني، وقد استعرض تاريخ هذه المسألة بإسهاب، ولم كان ممن يرجح جواز المجاز في اللغة والقرآن فقد تصدى للدر على شيخ الإسلام وأطال في ذلك، انظر (2/639-903) من الكتاب السابق، وفي نقاشه لشيخ الإسلام يلاحظ أمران:
أحدهما: أنه كثيرا ما يصادر على المطلوب، فيحتج ببعض النصوص، وينقل كلام السابقين فيها، وأنهم قصدوا بذلك المجاز، وشيخ الإسلام يرى أن هذه النصوص حجة له، وكلام السابقين فيها يدل على سعة اللغة لا على المجاز، فشيخ الإسلام مثلا لا يشك في أن المقصود بسؤال القرية هم أهلها وليس البنيان، ولكن من قال إن هذا مجاز؟ بل القرية تطلق على هذا وهذا. فإذا جاء المؤلف أو غيره ليحتج على شيخ الإسلام بأن من السلف من قال المقصود: أهل القرية، وهذا مجاز، كان هذا مصادرة على المطلوب، لأنه هو موضع الخلاف.
والثاني: أن المؤلف مع أنه رجح إلى كتاب "الإيمان" والرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز، إلا أنه غفل عن بحث آخر مطول ومهم جدا عنوانه: "الحقيقة والمجاز" وهو ضمن مجموع الفتاوى (20/400-497) وقد أفرده للرد على الآمدي.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1170)
من حيث الجملة (1) ، وتصدي لأقاويل كثير من الفرق ولم يترك مجالا من مجالات الفكر الإسلامي إلا وكان له فيه قصب السبق، وكان مما أدلى فيه بدلوه موضوع المجاز، فاختار مذهب المنع … ومن يقرأ كتابه: "الإيمان" يجد نفسه أمام صخرة عاتية، لا تعمل فيها المعاول إذا أريد النيل منها … " (2) .
وعلى الرغم من أن المؤلف رد على شيخ الإسلام واشتد في الرد أحيانا إلا أنه ذكر السبب الصحيح لموقف شيخ الإسلام من المجاز، فقال "إن الضرورات والظروف التي جعلت الإمام يقف تلك الوقفة من المجاز في كتابه الإيمان، وفي رسالته المدنية، هي في الواقع ظروف جد خطيرة ومن يقف على خطورتها يسوغ للشيخ الإمام وقوفه ضدها، والعمل بكل طاقة على دفعها وكف شرها، ولو أدى ذلك إلى إنكار المجاز، إذ ليس هو عقيدة أو معلوما من الدين بالضرورة، وإنما هو مذهب قولي، وهو فن من فنون البيان لا يفسق منكره ولا يذم.
ومجمل ما يمكن تصوره هو كثرة التأويلات التي تعدى بها قائلوها على النصوص الشرعية، وتجاوزوا بها مرحلة المعقول المقبول، إلى المدخول المنحول، الذي يكاد يذهب بكل الحقائق التي جاء بها الإسلام وأقرها. فلم تكن المسألة مسألة تأويل مجازي، وإلا لهان الخطب، وإنما طم شرها وعم، وأغرب قائلوها كل الإغراب، حتى صارت بعض الألفاظ ليس لها مدلول محقق في خضم تلك التأويلات العمياء.
ومنشأ تلك التأويلات هو الفرق الكلامية والاعتقادية، والفلاسفة، وغلاة الصوفية، وقد وقف الإمام رحمه الله من تحريفات الفرق والمتكلمين وقفات جادة وطويلة وشاقة … " (3) .
ولا شك أن شيخ الإسلام ما كان ليعترض على المجاز أو غيره من العلوم الحادثة لو أنها بقيت مثل كثير من العلوم والفنون التي أفردت بمؤلفات خاصة بها--------------------------------------------
(1) هذا بحسب رأي المؤلف، لا بحسب الواقع.
(2) المجاز في اللغة والقرآن الكريم - المطعمني (1/ح - ط) .
(3) المجاز في اللغة والقرآن الكريم (2/890) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1171)
- وصار لأصحاب كل فن اصطلاح خاص بهم - ولكن لما أخذ المعتزلة وغيرهم - ومن عنى منهم باللغة وفنونها - يبتدعون هذا المصطلح ليتواصلوا به إلى تصحيح عقائدهم الفاسدة، ودعمها بما يدعونه من الأدلة، بناء على مصطلح المجاز أو غيره، كان لا بد من الوقوف أمام هذه المصطلحات وبيان فسادها أصلا وفرعا. وهذا ما فعله شيخ الإسلام بالنسبة لطاغوت المجاز.
ولهذا يقول شيخ الإسلام في معرض رده على الآمدي ودعواه أن الخلاف بين مثبتي المجاز ونفاته، نزاع لفظي: "يقال: هو قد سلم أن النزاع لفظي، فيقال: إذا كان النزاع لفظيا، وهذا التفريق اصطلاح حادث لم يتكلم به العرب، ولا أمة من الأمم، ولا الصحابة والتابعون، ولا السلف - كان المتكلم بالألفاظ الموجودة التي تكلموا بها ونزل بها القرآن أولى من التكلم باصطلاح حادث لو لم يكن فيه مفسدة، وإذا كان فيه مفاسد، كان ينبغي تركه لو كان الفرق معقولا، فكيف إذا كان الفرق غير معقول، وفيه مفاسد شرعية، وهو إحداث في اللغة - كان باطلا عقلا، وشرعا، ولغة. أما العقل فإنه لا يتميز فيه هذا عن هذا. وأما الشرع فإن فيه مفاسد يوجب الشرع إزالتها. وأما اللغة فلأن تغيير الأوضاع اللغوية غير مصلحة راجحة، بل مع وجود المفسدة (1) .
فإن قيل: وما المفاسد؟ قيل: من المفاسد أن لفظ المجاز المقابل للحقيقة، سواء جعل من عوارض الألفاظ أو من عوارض الاستعمال، يفهم ويوهم نقص درجة المجاز عن درجة الحقيقة، لا سيما ومن علامات الجاز صحة إطلاق نفيه، فإذا قال القائل: إن الله تعالى ليس برحيم ولا رحمن، لا حقيقة، بل مجاز، إلى غير ذلك مما يطلقونه على كثير من أسمائه وصفاته وقال: "لا إله إلا الله" مجاز لا حقيقة، ما ذكره هذا الآمدي من أن العموم المخصوص مجاز … . ومعلوم أن هذا الكلام من أعظم المنكرات في الشرع، وقائله إلى أن يستتاب - فإن تاب وإلا قتل - أقرب منه إلى أن يجعل من علماء المسلمين … " (2) .--------------------------------------------
(1) كذا في مجموع الفتاوى، ولعل صحة العبارة: "وأما اللغة فلأن تغيير الأوضاع اللغوية ليس فيه مصلحة راجحة، بل معه توجد المفسدة".
(2) الحقيقة والمجاز - مجموع الفتاوى (20/454-456) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1172)
ثم ذكر شيخ الإسلام أن من هذه المفاسد: "جعل عامة القرآن مجازا كما صنف بعضهم مجازات القراءات (1) ، وكما يكثرون من تسمية آيات القرآن مجازا، وذلك يفهم ويوهمالمعاني الفاسدة، هذا إذا كان ما ذكروه من المعاني صحيحا، فكيف وأكثر هؤلاء يجعلون ما ليس بمجازا؟ وينفون ما أثبته الله من المعاني الثابتة، ويلحدون في أسماء الله وآياته، كما وجد ذلك للمتوسعين في المجاز من الملاحدة أهل البدع" (2) .
والخلاف في المجاز مشهورن وأشهر الأقوال فيه ثلاثة:
1- قيل بوجوده في اللغة والقرآن، وهو قول كثير من المتأخرين.
2- وقيل بوجوده في اللغة دون القرآن، وهذا قول داود الظاهري وابنه محمد، وابن حامد، وأبي الحسن الجزري، وأبي الفضل التميمي، ومحمد بن خويز منداد ومنذر بن سعيد البلوطي وغيرهم.
3- وقيل بعدم وجوده في اللغة والقرآن. وهو قول أبي إسحاق الاسفراييني وغيره (3) .
وليس المقصود مناقشة هذه الأقوال واستقصاء أدلتها، والترجيح بينها، وإنما المقصود بيان منهج شيخ الإسلام في ذلك، ويمكن تلخيصه من خلال ما يلي:
1- الذي دفع شيخ الإسلام إلى بحث المجاز وإنكار وجوده في القرآن وفي اللغة، أمران:--------------------------------------------
(1) لعله يقصد مجاز القرآن لأبي عبيدة.
(2) الحقيقة والمجاز - مجموع الفتاوى (20/458) .
(3) انظر: الإيمان (ص:85) - ط المكتب الإسلامي، ورسالة منع جواز المجاز للشنقيطي (ص:7-8) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1173)
أحدهما: القول بالمجاز في أسماء الله وصفاته، وما سببه ذلك من الإلحاد فيها كما سبق.
والثاني: قول المرجئة أن القول بأن الأعمال من الإيمان مجاز (1) .
2- تقريره أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز حادث في كلام المتأخرين بعد القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين. لا الأئمة المشهورين. وأن الغالب أن هذا حادث من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين (2) .
3- أن التقسيم إلى حقيقة ومجاز لا حقيقة له، إذ ليس لمن فرق بينهما فرق معقول يمكن التمييز به بين نوعين، والتعريفات التي ذكروها لكل منهما غير دقيقة (3) .
4- مناقشة الأمثلة والأدلة التي يذكرونها ويحتجون بها على وجود المجاز في القرآن، والكلام حول كل واحد منها وتوجيهه (4) .
5- أن أخطر القضايا - في هذه المسألة - القول بأن بعض كلام الله تعالى مجاز، وقد بين شيخ الإسلام أن صرف الكلام عن حقيقته إلى المجاز لا بد فيه من أمور أربعة، يقول شيخ الإسلام في مناظرته لأحد الأشاعرة: "قلت له: إذا وصف الله نفسه بصفة، أو وصفه بها رسوله، أو وصفه بها المؤمنون - الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم - فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه، وحقيقتها المفهومة منها، إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز ينافي الحقيقة، لا بد فيه من أربعة أشياء:--------------------------------------------
(1) انظر: الإيمان (ص:83) - المكتب الإسلامي.
(2) انظر: المصدر السابق (ص: 83-84) ، وانظر الحقيقة والمجاز - مجموع الفتاوى (20/451-454) .
(3) انظر: الإيمان (ص:92-102) .
(4) انظر: المصدر السابق (ص:103-107) ، والحقيقة والمجاز - مجموع الفتاوى (20/462-467) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1174)
أحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي؛ لأن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب، أو خلاف الألسنة كلها، فلا أن يكون ذلك المعنى المجازي مما يراد به اللفظ، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له، وإن لم يكن له أصل في اللغة.
الثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة، وفي معنى بطريق المجاز، لم يجز حمله على المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف، وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز.
الثالث: أنه لا بد من أن يسلم ذلك الدليل - الصارف - عن معارض، وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع تركها، ثم إن كان هذا الدليل نصا قاطعا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرا فلا بد من الترجيح.
الرابع: أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلام، وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته، وأنه أراد مجازه سواء عينه، أو لم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم، دون عمل الجوارح؛ فإنه سبحانه وتعالى جعل القرآن نورا وهدى وبيانا للناس وشفاء لما في الصدور، وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم، وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
ثم هذا الرسول الأمي العربي بعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات، ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علما، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة، فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهرة إلا وقد نصب دليلا يمنع من حمله على ظاهره … " (1) .--------------------------------------------
(1) الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز - مجموع الفتاوى (6/360-361) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1175)
ثم طبق شيخ الإسلام هذه على صفة "اليد" لتكون انموذجا يحتدذي عليه، وناقش ذلك مناقشة عظيمة ونافعة، بين في آخرها أن هذا الأشعري الذي ناقشه أظهر التوبة وتبين له الحق (1) .--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق (6/362-372) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1176)
الفرع الثالث: هل مذهب السلف هو التفويض؟
سبق مناقشة الفرعين السابقين:
الفرع الأول: في معنى المتشابه، وهل الصفات أو بعضها منه؟
والفرع الثاني: في التأويل والمجاز.
وهذان الفرعان يتكئ عليهما نفاة الصفات أو بعضها، حيث إنهم يجعلونها من المتشابه، ثم يقولون لا بد من تأويل النصوص الدالة عليها وحملها على المجاز. وقد سبقت مناقشتهم في ذلك بالتفصيل.
أما هذا الفرع - الثالث - فهو مرتبط مما سبق من جهة أن هؤلاء المتكلمين يزعمون أن مذهب السلف في الصفات ليس إلا التفويض الكامل للنصوص - معنى، وكيفية..
وموضوع "التفويض" أفرد له أحد الباحثين كتابا مستقلا (1) ، يبين فيه وجه الحق في هذه المسألة من خلال نقل أقوال ومذهب السلف، ومن خلال مناقشات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.
وقد اهتم شيخ الإسلام ببيان الحق في هذه المسألة، وذكر فيما ذكر - في مناسبات مختلفة - مجمل حجج الذين زعموا أن مذهبهم هو التفويض، وأهمها:
1- ما أثر عن كثير من السلف أنهم قالوا في الصفات: "أمروها كما جاءت"، قالوا: وهذا يدل على أن مذهبهم فيها الإيمان والتسليم وإمرارها كما جاءت وعدم الخوض في تأوليها، والوقوف عن تفسيرها.
2- قول الإمام مالك - وغيره: "الاستواء معلوم والكيف مجهول،--------------------------------------------
(1) اسمه: علاقة الاثبات والتفويض بصفات رب العالمين، تأليف رضا نعسان معطي. وانظر بالأخص (ص:30) وما بعدها و (ص:74) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1177)
والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة" (1)
قالوا: ومعنى قوله إنه معلوم أي إنه وارد في القرآن، ونفيه للكيف وإيجاب الإيمان به دليل على أنهم يسلمون ورود نصوص الصفات ويفوضون معانيها إلى الله تعالى.
3- أن السلف لم يكونوا يفهمون من النصوص ما يستلزم التجسيم وأن ذاته تعالى فوق العرش، قالوا فلما جاء المتأخرون وصاروا يفهمون منها مثل هذا وجب التأويل.
4- ثم إنهم احتجوا بالوقف على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} (آل عمران: من الآية7) . قالوا وهذا دليل على التفويض.
وقد رد شيخ الإسلام على ذلك كما يلي:
1- أما قول السلف في الصفات "أمروها كما جاءت" فمعناه عندهم الإيمان بها وإثباتها، والرد على المعطلة الذين أنكروها أو خاضوا في تأويلها، فقول السلف هذا "يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معان، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها، مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" (2) .--------------------------------------------
(1) هذا القول روى عن الإمام مالك: رواد الدارمي في الرد على الجهمية (ص:55-56) - ت البدر - واللالكاني في شرخ السنة (3/398) ، ورقمه (664) ، والصابوني في عقيدة السلف، رقم (24-26) - ت البدر، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص:408) من طريقين، وابن عبد البر في التمهيد (7/138،151) وأبو نعيم في الحلية (6/325-326) . وجود ابن حجر في الفتح (13/406-407) أحد اسنادي البيهقي.
كما روى هذا القول عن أم سلمة: رواه اللاكلاني في شرح السنة (3/397) ورقمه (663) ، والصابوني في عقيدة السلف رقم (23) ، وابن قدامة في صفة العلو رقم (82) ، والذهبي في العلو (ص:65) ، وضعف رواية أم سلمة ابن تيمية في الفتاوى (5/365) ، والذهبي في العلو (ص:65) وقال أنه محفوظ عن جماعة كربيعة ومالك.
(2) الفتوى الحموية - مجموع الفتاوى (5/41-42) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1178)
والسلف من الصحابة والتابعين كان اهتمامهم الأول والأخير منصبا على القرآن والحديث، فهل كانوا عندما يتلون القرآن ويعلمونه، ويروون السنة ويتناقلونها ويحدثون بها، يفرقون بين آية وآية، وحديث وحديث؟ ويقولون للناس: هذه آمنوا بألفاظها مجردة، وهذه لا مانع من فهم معانيها؟ ومعلوم أنه كان يتلقى ذلك عنهم أصناف الناس وطبقاتهم. إن المتواتر عنهم - رضي الله عنه أنهم لم يكونوا يفرقون بين نصوص الصفات وغيرها، بل كانوا يردون على المعطلة وأهل الكلام ما كانوا يخوضون فيه من ذلك، ولذلك قالوا: أمروها كما جاءت، وواضح أن قصدهم الرد على هؤلاء النفاة، ولو كان قصدهم التفويض الذي أراده المتأخرون النفاة لقالوا - موضحين - أمروا ألفاظها، مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، ولو كان الأمر كذلك لكان نفي الكيف عنها مع مثل هذا القول لغو.
على أن شيخ الإسلام يشير في سياق مناقشته لهذه الدعوى إلى ناحية مهمة في منهج السلف وتعاملهم مع النصوص ربما غفل عنها من يتصدى لمثل هذا الموضوع - وهي تدل على ما حبا الله هذا الإمام من فهم قوي وبصر نافذ وإطلاع واسع - وذلك أنه ذكر أن عبارة: تمر كما جاءت، أو نحوها، قد قالها الإمام أحمد في غير أحاديث الصفات، وإذا ثبت هذا بطل احتجاج هؤلاء الذين يدعون أن قصد السلف من ثمل هذه العبارة: تفويض نصوص الصفات.
يقول شيخ الإسلام عن الإمام أحمد وغيره - بعد بيانه أنهم لم يقولوا بأن القرآن لا يفهم معناه، وإنما قالوا كلمات صحيحة، مثل: أمروها كما جاءت، ونهوا عن تأويلات الجهمية: "ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك. وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت (1) ،--------------------------------------------
(1) انظر مثلا قوله عن الحرورية والمارقة لما سئل عنهم هل يكفرون أو يرى قتالهم؟ قال: "اعفني من هذا، وقل كما جاء فيهم في الحديث". مسائل الإمام أحمد لابن هاني (2/158) ، رقم (1884) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1179)
وفي أحاديث الوعيد مثل قوله: "من غشنا فليس منا" (1) وأحاديث الفضائل (2) ، ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كلمة عن مواضعه كما يفعله من يحرفه، ويسمى تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر" (3) .
وهذا يدل على أن السلف كانوا يتعاملون مع النصوص على حد سواء لا يفرقون بين نصوص الصفات وغيرها، وحينما يأتي أحد من أهل الأهواء من المعطلة، أو الرافضة، أو المرجئة أو غيرهم يتأول بعض النصوص التي تخالف مذهبه، يكون جواب السلف أن هذه النصوص تروي كما جاءت، ولا يدخلون في تأويلات وانحرافات هؤلاء.
2- أما قول الإمام مالك في الاستواء فهو موافق لمذهب السلف - رحمهم الله تعالى، وهو حجة على أهل التفويض، يقول شيخ الإسلام: "فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه - على ما يليق بالله - لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف؛ فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما، بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم.
وأيضاً: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.
وأيضاً: فإن من ينفي الصفات الخبرية - أو الصفات مطلقا - لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف"، فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج--------------------------------------------
(1) انظر قول الإمام أحمد لما سئل عن هذا الحديث ما وجهه؟ قال: "لا أدري إلا على ما روى. السنة للخلال - رقم (999) (ص:674) - ط على الآلة الكاتبة. وحديث: من غشنا فليس منا، رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم من غشنا فليس منا، ورقمه (101-102) .
(2) لما سئل الإمام أحمد عن أحاديث جاءت في علي في الفضائل. قال: على ما جاءت، لا نقول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خيرا. مسائل ابن هاني (2/169) - رقم (193) .
(3) الأكليل في المتشابه والتأويل - مجموع الفتاوى (13/295) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1180)
أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: "بلا كيف" (1) .
فالإمام مالك وشيخه ربيعة بينا أمرين: أن الاستواء معلوم وأن الكيف مجهول، وهذا حقيقة مذهب السلف، يؤمنون بالصفات الواردة، ويفهمون ما دلت عليه من المعاني اللائقة بالله تعالى، أما الكيفية فيفوضونها لعالمها.
ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام تلقي الناس قوله الإمام مالك بالقبول، ذكر اعتراضا وأجاب عنه. قال: "فإن قيل: معنى قوله "الاستواء معلوم، أن ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم، كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذي استأثر الله بعلمه.
قيل: هذا ضعيف، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، فإن السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن، وقد تلا الآية. وأيضاً فلم يقل: ذكر الاستواء في القرآن، ولا أخبار الله بالاستواء، وإنما قال: الاستواء معلوم، فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم، لم يخبر عن الجملة.
وأيضاً فقد قال: "والكيف مجهول" فلو أراد ذلك لقال: معنى الاستواء مجهول، أو تفسير الاستواء مجهول، أو بيان الاستواء غير معلوم، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء، لا العلم بنفس الاستواء، وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه، لو قال في قوله: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} (طه: من الآية46) : كيف يسمع، وكيف يرى؟ لقلنا: السمع والرؤيا معلوم والكيف مجهول، ولو قال: كيف كلم موسى تكليما؟ لقلنا: التكليم معلوم والكيف غير معلوم.
وأيضاً فإن من قال هذا من أصحابنا وغيرهم من أهل السنة يقرون بأن الله فوق العرش حقيقة، وأن ذاته فوق ذات العرش، لا ينكرون معنى الاستواء، ولا يرون هذا من المتشابه الذي لا يعلم معناه بالكلية.--------------------------------------------
(1) الحموية - مجموع الفتاوى (5/41) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1181)
ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة، قال بعض: ارتفع على العرش، علا على العرش، وقال بعضهم عبارات أخرى، وهذه ثابتة عن السلف، قد ذكر البخاري في صحيحه بعضها في آخر كتاب الرد على الجهمية (1) " (2) .
وتفاسير السلف لمعاني صفات الله تعالى يدل بشكل قاطع على أن ما يقصدونه بإمرار الصفات تفويض الكيفية التي لا يعلمها إلا الله تعالى، أما المعاني فإنهم كانوا يفهمونها (3) .
3- أما قولهم إن السلف لم يكونوا يفهموه من النصوص ما يدل على التجسيمن ولا أن ذاته تعالى فوق العرش - وهذا في مسألة العلو والاستواء - فقد رد عليهم شيخ الإسلام من وجوه منها:
أ "أحدها: أن يقال: فعلى هذا التقدير لا يكون المفهوم الظاهر من هذه النصوص إثبات العلو على العالم والصفات، ولا يجوز أن يقال: ظواهر هذه النصوص غير مراد، ولا أنه قد تعارضت الدلائل النقلية والعقلية، فإنه إذا قدر أنها لا تدل على الإثبات - لا دلالة قطعية ولا ظاهرة - بطل أن يكون في ظاهرها ما يفهم منه الإثبات.
ومن المعلوم أن هذه خلاف قول الطوائف كلها من المثبتة والنفاة حتى من الفلاسفة القائلين بقدم العالم وإنكار معاد الأبدان، فإنهم معترفون بما اعترف به سائر الخلق من أن الظاهر المفهوم منها هو إثبات الصفات … (4) .--------------------------------------------
(1) ذكر ابن حجر في الفتح (13/344) عند كلامه على عنوان "كتاب التوحيد" أن المستملى زاد: "الرد على الجهمية وغيرهم"، وأنه وقع لابن بطال وابن التين: "كتاب رد الجهمية"، وغيرهم: "التوحيد" وعبارات السلف في الاستواء ورد في باب (وكان عرشه على الماء) من هذا الكتاب. الفتح (13/403) .
(2) الأكليل في المتشابه والتأويل - مجموع الفتاوى (5/309-310) .
(3) انظر: شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (5/365-413) ، وتفسير سورة الإخلاص - مجموع الفتاوى (17/373-3749، ونقض التأسيس - مخطوط - (2/236) .
(4) انظر: درء التعارض (7/107-108) .
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1182)