Arabic source text

📘 মাওকিফু ইবনি তাইমিয়্যাহ মিনাল আশাইরাহ (আব্দুর রহমান বিন সালিহ আল-মাহমুদ)

📘 موقف ابن تيمية من الأشاعرة (عبد الرحمن بن صالح المحمود)

📘 মাওকিফু ইবনি তাইমিয়্যাহ মিনাল আশাইরাহ (আব্দুর রহমান বিন সালিহ আল-মাহমুদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
أما الثالث: فهو "أنهم جعلوا ما يوجد من التكلم بالكفر، من سب الله ورسوله والتثليث، وغير ذلك، قد يكون مجامعا لحقيقة الإيمان الذي في القلب، ويكون صاحبه ذلك مؤمنا عند الله حقيقة، سعيدا في الدنيا والآخرة، وهذا يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام".
وأما الرابع فهو: "أنهم جعلوا من لم يتكلم قط بالإيمان مع قدرته على ذلك، ولا أطاع الله طاعة ظاهرة، مع وجوب ذلك عليه وقدرته - يكون مؤمنا بالله، تام الإيمان، سعيداً في الدنيا والآخرة" (1) .
قال شيخ الإسلام بعد هذا: "وهذه الفضائح تختص بها الجهمية، دون المرجئة من الفقهاء وغيرهم" (2) ، أي الذين يوجبون القول مع التصديق، أما الجهمية ومن وافقهم من الأشعرية فيحصرون الإيمان بالتصديق القلبي فقط الذي يفسرونه بالعلم أو المعرفة.
ثم ذكر أخطاءا أخرى تلزم الجهمية ومن افقهم، كما تلزم مرجئة الفقهاء ومنها:
الخامس: "أن العبد قد يكون مؤمنا تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء والصديقين، ولو لم يعمل خيراً، لا صلاة، ولا صلة، ولا صدق حديث، ولم يدع كبيرة إلا ركبها … وهو مع ذلك مؤمن تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء" (3) وهذا بين البطلان.
وقد اعترف الأشاعرة بما في أقوالهم من التناقض، فالتزموا أن كل من حكم الشرع بكفره فإنه ليس في قلبه شيء من معرفة الله ولا معرفة رسوله. وقد أنكر عليهم هذا جماهير العقلاء، وقالوا هذه مكابرة وسفسطة (4) .--------------------------------------------
(1) الإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى - (7/582-583) .
(2) المصدر السابق (7/583) .
(3) المصدر نفسه، نفس الجزء والصفحة.
(4) انظر: الإيمان (ص:140-143) ط المكتب الإسلامي.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1363)

6- أن التصديق نوع من أنواع الكلام، واستعماله في اللغة دالا على اللفظ والمعنى، أكثر من استعماله في المعنى المجرد عن اللفظ الذي هو تصديق القلب.
وهذا المبحث هو نفسه مبحث الكلام النفسي - الذي سبق - حيث زعموا أن الكلام معنى قائم بالنفس فقط، دون الحروف والألفاظ، وقد سبق عرض أدلتهم ومناقشتها في مبحث كلام الله، والعجيب أن شيخ الإسلام استوفى مباحث هذه المسألة - مسألة الكلام النفسي والرد على الأشاعرة فيه - في كتاب الإيمان أكثر من غيره من كتبه ورسائله. وهذا يبين أن مأخذ الأشاعرة في المسألتين واحد (1) .
7- أما احتجاجهم بقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} (يوسف: من الآية17) أي بمصدق لنا، وقولهم إن الإيمان مرادف للتصديق. فقد رد عليهم شيخ الإسلام من عدة وجوه، منها:
أ - أن لفظ الإيمان تكرر في القرآن والحديث أكثر من غيره من الألفاظ، والإيمان أصل الدين، وكل مسلم يحتاج إلى معرفته، فلا بد أن يؤخذ معنى الإيمان من جميع موارده، لا من آية واحدة (2) .
ب - أن الإيمان ليس مرادفا للتصديق من وجوه: منها:
أحدها: أنه يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه، ولا يقال: آمنه وآمن به، بل يقال آمن له، كما قال: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} (العنكبوت: من الآية26) ، وقال: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ} (يونس: من الآية83) ، وقال فرعون: {آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} (الشعراء: من الآية49) ، فلفظ الإيمان يتعدى إلى الضمير باللام دائما، لا يقال آمنته، وإنما يقال آمنت له، كما يقال أقررت له.
الثاني: وليس مرادفا له في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت. أما لفظ الإيمان فلا يستعمل--------------------------------------------
(1) انظر: الإيمان (ص:126-134) ط المكتب الإسلامي.
(2) انظر: المصدر السابق (ص:274) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1364)

إلا في الخبر عن غائب. فلو قال: طلعت الشمس أو غربت فلا يقال: آمناه كما يقال: صدقناه، لأن الإيمان مشتق من الأمن فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر كالأمر الغائب، ولهذا لم يوجد في القرآن وغيره قط، آمن له، إلا في هذا النوع.
وفي الآية المذكورة قالوا: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} (يوسف: من الآية17) ، ومعناها: أنك لا تقر بخبرنا، ولا تثق به، ولا تطمئن إليه، ولو كنا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك. فلو صدقوا لم يأمن لهم.
الثالث: أن لفظ الإيمان لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، وإنما مقابل الإيمان: الكفر، لأن الكفر ليس هو التكذيب فقط، فكذلك ما يقابله وهو الإيمان ليس هو التصديق فقط (1) .
ج- أنه لو فرض أن الإيمان مرادف للتصديق، فقولهم: إن التصديق لا يكون بالقلب أو اللسان عنه جوابان:
أحدهما: المنع، لأن الأعمال تسمى تصديقا كحديث: "العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ذلك ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (2) ، وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف (3) .
والثاني: أنه إذا كان أصله التصديق، فهو تصديق مخصوص كما أن الصلاة دعاء مخصوص، فالتصديق له لوازم صارت داخلة في مسماه (4) .
‌‌المسألة الثانية: أدلة دخول الأعمال في مسمى الإيمان والرد على المرجئة:
العمل الذي أنكر جمهور الأشاعرة دخوله في الإيمان نوعان:
1- عمل القلب.
2- وعمل الجوارح.--------------------------------------------
(1) انظر: الإيمان (ص: 275-277) ، وانظر: مجموع الفتاوى (10/269-274) .
(2) متفق عليه، وتقدم قريباً.
(3) انظر: الإيمان (ص:278-281) .
(4) انظر: المصدر السابق (ص:281) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1365)

أما عمل القلب من الحب والخوف والخشية والرغبة والرهبة وغيرها فقد سبق بيان أن مجرد تصديق القلب مع عدم عمله لا يمكن أن يكون إيمانا، وإلا لصار إبليس وفرعون من المؤمنين لوجود المعرفة في قلوبهم. وقد زاد شيخ الإسلام مسألة دخول أعمال القلوب في الإيمان إيضاحاً فقال: "وفي الجملة، فلا بد في الإيمان الذي في القلب من تصديق بالله ورسوله، وحب الله ورسوله، وإلا فمجرد التصديق مع البغض لله ولرسوله، ومعاداة الله ورسوله، ليس إيمانا بإتفاق المسلمين، وليس مجرد التصديق والعلم يستلزم الحب، إلا إذا كان القلب سليما من المعارض، كالحسد والكبر، لأن النفس مفطورة على حب الحق، وهو الذي يلائمها، ولا شيء أحب إلى القلوب السليمة من الله وهذا هو الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام الذي اتخذه الله خليلاً …
ثم الحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر والعمل الظاهر ضرورة … فمن جعل مجرد العلم والتصديق موجبا لجميع ما يدخل في مسمى الإيمان، وكل ما سمي إيماناً فقد غلط، بل لا بد من العلم والحب، والعلم شرط في محبة المحبوب، كما أن الحياة شرط في العلم، ولكن لا يلزم من العلم بالشيء والتصديق بثبوته محبته إن لم يكن بين العالم والمعلوم معنى في المحب أحب لأجله، ولهذا كان الإنسان يصدق بثبوت أشياء كثيرة ويعلمها، وهو يبغضها كما يصدق بوجود الشياطين والكفار ويبغضهم …
وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه، ودليله ومعلومه، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضاً تأثير فيما في القلب، فكل منهما يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه" (1) .--------------------------------------------
(1) الإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى (7/537-541) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1366)

وقد بين شيخ الإسلام أن جماهير المرجئة يقرون بأن عمل القلب داخل في الإيمان، كما نقله أهل المقالات عنهم (1) .
وأما عمل الجوارح: ودخوله في الإيمان فقد بينه شيخ الإسلام ورد فيه على الأشاعرة وغيرهم من المرجئة كما يلي:
أسياق أدلة دخول الأعمال في مسمى الإيمان، من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وأئمة السلف،
1- أما نصوص القرآن والسنة فقد أورد بعضها (2) ، ونقل عن المروزي، والإمام أحمد ما استشهدا به منها (3) .
2- كما نقل كلام العلماء وأئمة السلف، الذين حكوا الإجماع، الذي ذكره الشافعي، وابن عبد البر (4) .
وليس بعجيب أن يخالف المرجئة هذه النصوص وتلك الأقوال التي سطرها أئمة السنة، فلهم في مسائل الصفات والقدر أمثلة كثيرة مشابهة. والله المستعان.
ب أما من قال من المرجئة إن الإيمان يتناول الأعمال مجازا فقد رد شيخ الإسلام هذا القول من وجهين:
أحدهما: كلامه في الحقيقة والمجاز - ولشيخ الإسلام في ذلك رأي في ذلك وهو منع المجاز في اللغة والقرآن، وقد سبق بيان ذلك في مبحث الصفات. على رأي شيخ الإسلام يكون القول بأن الأعمال داخلة في الإيمان مجازا، باطل (5) .--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق حيث نقل أقوال المرجئة (7/543-555) .
(2) انظر: الإيمان (ص:152-153) .
(3) انظر: المصدر السابق (ص:300-302، 383-384) .
(4) انظر: المصدر نفسه (ص:292-315) ، وانظر التمهيد لابن عبد البر: (9/238) وما بعدها، (243) وما بعدها، (251) وما بعدها.
(5) انظر: الإيمان (ص:83-112) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1367)

والثاني: أنه على فرض صحة التقسيم إلى حقيقة ومجاز فهو لا ينفعكم، "بل هو عليكم لا لكم، لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرينة، وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنة دخلت فيه الأعمال" (1) .
وأيضاً فلفظ الإيمان ليس بأقل من لفظ الصلاة والصيام والحج في دلالتها على الصلاة الشرعية، والصيام الشرعي، والحج الشرعي (2) .
ج- أما دليل المرجئة المشهور على عدم دخول الأعمال في الإيمان وهو قولهم: إن الله عطف الأعمال على الإيمان في مواضع كثيرة من القرآن منها: قوله {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات} (البقرة: من الآية25) قالوا: والعطف يقتضي المغايرة.
فقد أجاب شيخ الإسلام أولا بعض أنواع المغايرة بين المعطوفين، وأنها في القرآن وسائر الكلام على أربع مراتب:
1- أعلاها: أن يكونا متباينين، ليس أحدهما هو الآخر، ولا جزؤه ولا يعرف لزومه له كقوله {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض} (الأنعام: من الآية1) ونحو ذلك.
2- ويليه أن يكون بينهما لزوم كقوله: {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقّ} (البقرة: من الآية42) .
3- والثالث: عطف بعض الشيء عليه، كقوله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} (البقرة: من الآية238) .
4- والرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين: كقوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} (الأعلى: من الآية 1-4) (3) .--------------------------------------------
(1) الإيمان (ص:112) .
(2) انظر: المصدر السابق (ص:112-113) ، وانظر: الإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى - (7/576-580) .
(3) انظر: الإيمان (ص:163-168) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1368)

ولكن من أيها عطف العمل على الإيمان؟ يقول شيخ الإسلام بعد كلام طويل بين فيه أن لفظ "الإيمان" إذا أطلق في القرآن يراد به ما يراد بلفظ "البر" و"التقوى"، و"الدين"، وشعب الإيمان هي شعب البر والتقوى والدين (1) - يقول:
"أما قولهم: إن الله فرق بين الإيمان والعمل في مواضع، فهذا صحيح، وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله في الأعمال المأمور بها، وقد يقرن به الأعمال … وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود القلب الواجب، مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولا للملزوم واللازم، وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال فإنه أريد أنه لا يكتفي بإيمان القلب بل لا بد معه من الأعمال الصالحة" (2) .
وهذا تنبيه لطيف جدا إلى منزلة الأعمال الصالحة مع إيمان القلب، وأن في ذكرها معه إشارة إلى أنه لا يكتفي بإيمان القلب. ولعل ذلك راجع إلى أن الأعمال من دلائل الإيمان الظاهرة، وأنها لازمة له، فكلما وجد الإيمان فلا بد أن يوجد العمل معه.
ثم بين أن للناس في هذا العطف قولين:
أحدهما: أنه من باب عطف الخاص على العام، وأن إفراده بالذكر لأهميته وتخصيصا له لئلا يظن أنه لا يدخل في الأول. وأمثلة هذا النوع كثيرة. فذكر الإيمان أولا لبيانه أنه الأصل الذي لا بد منه، ثم ذكر العمل لبيان أنه من تمام الدين، ولئلا يظن الظان أن الإيمان يكفي بدون العمل الصالح (3) .--------------------------------------------
(1) انظر: الإيمان (ص:170) وما بعدها.
(2) المصدر السابق (ص:186-187) .
(3) انظر: المصدر نفسه (187-190) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1369)

والثاني: قول من يقول: إن الأعمال في الأصل ليست من الإيمان، فإن أصل الإيمان هو ما في القلب، ولكن الأعمال لازمة له، فمن لم يعمل انتفى إيمانه، لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم. ثم إنها صارت في عرف الشارع جزاءا من الإيمان (1) .
وبما سبق يتبين أن الأعمال داخلة في الإيمان خلافا للمرجئة.
‌‌المسألة الثانية: الاستثناء في الإيمان:
وهو قول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله (2) . والأقوال فيه ثلاثة:
1- قول من يحرمه، وهم الجهمية والمرجئة وغيرهم الذين يجعلون الإيمان شيئاً واحدا يعلمه الإنسان من نفسه. ومن استثنى فقد شك، وسموا المستثنين الشكاكة.
2- قول من يوجبه، ولهم فيه مأخذان:
أحدهما: مأخذ الكلابية والأشعرية، الذين يقولون بالموافاة، وهو أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، وكذلك الكفر هو ما مات عليه الإنسان، أما قبل ذلك فلا عبرة به.
فعند هؤلاء بالنسبة لما مضى من إيمان الإنسان لا يجوز له أن يستثنى فيه، ثم لما رأوا المشهور عن أهل الحديث الاستثناء في الإيمان، جعلوا الاستثناء في المستقبل لأنه هو الذي يشك فيه الإنسان فأوجبوه لهذا.
ودعم هذا من مذهبهم منع حلول الحوادث بذات الله، ومن ثم قالوا إن الحب والرضا، والسخط والغضب ونحو ذلك صفات أزلية قديمة. قالوا: والله يحب في أزله من كان كافرا إذا علم أنه يموت مؤمنا، ويبغض في أزله من كان مؤمنا إذا علم أنه يموت كافراً.--------------------------------------------
(1) انظر: الإيمان (ص:190) .
(2) أما الاستثناء في الإسلام وقول الإنسان: أنا مسلم إن شاء الله، فالمشهور عن أهل الحديث أنه لا يستثنى فيه، وهو المشهور عن الإمام أحمد. وروى عنه الاستثناء فيه. انظر: الفرقان بين الحق والباطل - مجموع الفتاوى - (13/43) ، والإيمان (ص:239، 243) ط الكتب الإسلامي.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1370)

ومن ثم ربطوا مسألة الاستثناء في هذا القول، وأوجبوه، بناء على أن الإنسان لا يعلم على أي شيء يموت (1) .
وهم متناقضون في هذا لأنهم يقولون إن الإيمان هو التصديق، ثم يقولون إن الإيمان في الشرع هو ما يوافي به العبد ربه، وأوجبوا الاستثناء لذلك، فهذا عدول منهم عن الإيمان في اللغة إلى معنى آخر، فهلا فعلوا ذلك في الأعمال؟ (2) .
والأشاعرة يحتجون لقولهم في الموافاة بما روى عن ابن مسعود لما قيل له: إن قوما يقولون: إنا مؤمنون؟ فقال: أفلا سألتموهم أفي الجنة هم؟ فلما سألوا أحدهم قال: الله أعلم، قال ابن مسعود: فهلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية؟ (3) .
السلف رحمهم الله كأحمد وغيره، لم يكن مقصودهم الموافاة، وإنما كان مقصدوهم ن الإيمان المطلق يتضمن فعل جميع المأمورات، وهذا لا يضمنه الإنسان.
أما قول ابن مسعود فواضح لأنه "لم يكن يخفى عليه أن الجنة لا تكون إلا لمن مات مؤمنا، وأن الإنسان لا يعلم ماذا يموت، فإن ابن مسعود أجل قدرا من هذا، وإنما أراد: سلوه هل هو في الجنة إن مات على هذه الحال؟ كأنه قال: سلون أيكون من أهل الجنة على هذه الحال؟ فلما قال: الله ورسوله أعلم. قال: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية. يقول: هذا التوقف يدل على أنك لا تشهد لنفسك بفعل الواجبات وترك المحرمات، فإنه من شهد لنفسه بذلك شهد أنه من أهل الجنة إن مات على ذلك" (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: الإيمان (ص:410-411) .
(2) انظر: المصدر السابق (ص:137-138) .
(3) انظر: المصدر نفسه (ص:399) .
(4) انظر: المصدر نفسه (ص:400) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1371)

وقد تدرج الأمر بهؤلاء الذين يوجبون الاستثناء باعتبار الموافاة، أن صار بعض أتباعهم المتأخرين يستثنون في كل شيء فيقول الواحد منهم: هذا ثوب إن شاء الله، وهذا حبل إن شاء الله، وهذا حبل إن شاء الله، وإذا ما اعترض عليهم بأن هذا لا شك فيه، قالوا: إن الله قادر على أن يغبره (1) .
هذا هو المأخذ الأول لمن يوجب الاستثناء، وهو مأخذ الكلابية (2) ، وهو مخالف لما عليه السلف.
المأخذ الثاني: لمن أوجب الاستثناء، وهو مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر، فهؤلاء يقولون: إن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار، فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين، القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه … " (3) .
3- القول الثالث: من يجوز الأمرين باعتبارين؛ فإن أراد المستثنى الشك في أصل إيمانه منع من الاستثناء، وهذا مما لا خلاف فيه. وإن أراد به اعتبارات أخرى:
- مثل أنه لم يقم بجميع ما وجب عليه ولم يترك جميع ما نهى عنه.
- ومثل: عدم علمه بالعاقبة، لأنه لا يدري على ما يموت عليه.
- ومثل أن يستثنى خوفا من تزكية النفس.
فهذا جائز (4) ، وهو الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف (5) .--------------------------------------------
(1) انظر: الإيمان (ص:413) .
(2) انظر أيضاً: مجموع الفتاوى (3/289) ، والاستقامة (1/150) ، والإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى - (7/509-510) .
(3) انظر: الإيمان (ص:426) .
(4) مجموع الفتاوى (8/427) .
(5) انظر: الإيمان (ص:430) ، وما بعدها.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1372)

هذه خلاصة الأقوال في الاستثناء (1) . ومنه يتبين رجحان ما عليه أئمة السنة، وضعف مأخذ الكلابية، وتناقضهم فيه، وغاية ما يدل عليه مأخذهم جواز الاستثناء، ولذلك سماه شيخ الإسلام وجها حسنا (2) .
أما مسألة زيادة الإيمان ونقصانه فقد منع منه المرجئة، وفسروا ما ورد من زيادة الإيمان بتجدد أمثاله، وهو قول باطل ترده النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف (3) .
وكذلك مسألة الإسلام والإيمان، أخطأ الأشاعرة حين جعلوا الإيمان خصلة من خصال الإسلام. ورد عليهم شيخ الإسلام وبين تناقضهم (4) . والأقوال في ذلك ثلاثة:
1- أن الإسلام هو الإيمان (5) .
2- الإسلام الكلمة والإيمان والعمل (6) .
3- التحقيق والتفصيل، وأن الإيمان والإسلام كالشهادتين، إذا اجتمعا افترقا، فصار الإيمان الأعمال الباطنة، والإسلام الأعمال الظاهرة، وإذا افترقا اجتمعا، فيدخل الإيمان في الإسلام إذا ذكر مفردا، كما يدخل الإسلام في الإيمان إذا ذكر مفردا، والأصل في الفرق بينهما وبيان درجاتهما مع الإحسان حديث جبريل المشهور (7) .--------------------------------------------
(1) انظر: الإيمان (ص:410) ، ومجموع الفتاوى (7/681) ، والفرقان بين الحق والباطل - مجموع الفتاوى - (13/40-47) .
(2) انظر: الاستقامة (1/150) .
(3) انظر: الإيمان (ص:139، 211-224، 383، 390-391) ، والإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى - (7/562-574) ، ومجموع الفتاوى (6/479-480) ، والفرقان بين الحق والباطل - ومجموع الفتاوى (13/51-55) .
(4) انظر: قول الباقلاني ومناقشته في الإيمان (ص:147-151) .
(5) انظر: الإيمان (ص:227-229) .
(6) انظر: المصدر السابق (ص:245) .
(7) انظر: المصدر نفسه (ص:246-271) ، وانظر أيضاً (ص:301-347، 359) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1373)

أما حكم مرتكب الجريمة فإن جمهور الأشاعرة موافقون لأهل السنة في أن صاحبها تحت مشيئة الله إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له (1) ، وإن كان قد مال منهم من مال - كالباقلاني - إلى التوقف في حال أهل الكبائر حيث جوزوا أن لا يدخل النار أحد من أهل التوحيد، وهذا مخالف لما عليه السلف من القول بالوعيد المجمل، وأنه قد تواترت النصوص الدالة على أنه لا بد أن ينفذ الوعيد في بعض العصاة، لكن أهل التوحيد منهم لا يخلدون في النار (2) .--------------------------------------------
(1) انظر: الإيمان (ص: 338) .
(2) انظر: مجموع الفتاوى (16/196-197) ، وانظر: التسعينية (ص:269-270) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1374)

‌‌المبحث الخامس: مسائل متفرقة
سبق في المباحث السابقة عرض ردود شيخ الإسلام على الاشاعرة في مسائل العقيدة الكبار التي خالفوا فيها مذهب أهل السنة، وهي:
1- توحيد الربوبية والإلوهية.
2- توحيد الأسماء والصفات.
3- القضاء والقدر.
4- الإيمان.
وكما هو واضح مما سبق فإن مسألة الأسماء والصفات هي أهم المسائل وأكثرها تفريعا، وطول مناقشة.
وفي هذا المبحث - المختصر جداً - سيتم عرض بعض المسائل المتفرقة، والكلام عنها بإيجاز.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1375)

‌‌أولاً: الرؤية:
مذهب السلف إثبات الرؤية، وأن المؤمنين يرون ربهم في الجنة كما دل على ذلك الكتاب والسنة والعقل والإجماع، ووافقهم على ذلك الاشاعرة، خلافا للمعتزلة ومن وافقهم.
ولكن الاشاعرة لما كانوا يؤولون الصفات الاختيارية القائمة بالله ومنها المحبة، والرضا، وأن الله يحب ويحب، وكذلك لما كان متأخروهم ينفون صفة العلو والاستواء لله تعالى - لما كان الأشاعرة على هذا وهم يثبتون الرؤية، وقعوا في التناقض، وخالفوا مذهب السلف في أمرين:
أحدهما: قولهم إن الله يرى لا في جهة، لا أمام الرائي، ولا خلفه ولا عن يمينه، ولا عن يساره، ولا فوقه، ولا تحته. وقالوا. ليس من شرط الرؤية المقابلة والجهة، واحتجوا بما ذكره الأشعري من أن كل موجود يصح أن يرى (1) ، وقد يحتجون بالمرآة فإن الإنسان يرى نفسه فيها لا في جهة (2) .
الثاني: أن بعض الأشاعرة - مع إقرارهم بالرؤية - أنكروا أن يكون المؤمن ينعم بنفس رؤية ربه، لأنه لا مناسبة بين المحدث والقديم (3) ، وهذا مخالف لمذهب جمهور السلف.
أما الأمر الثاني: فهو مبني على إنكار هؤلاء أن الله يحب ويحب، ولا شك أن نصوص الرؤية المتواترة دلت على أن المؤمنين يتلذذون بالنظر إلى ربهم تبارك وتعالى في الجنة، وأن ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، والنصوص التي دلت على الرؤية، دلت في بعض رواياتها على ذلك (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: الإرشاد للجويني (ص:180-181) .
(2) انظر: الاقتصاد للغزالي (ص:42) ط دار الكتب العلمية.
(3) انظر: النظامية للجويني (ص:39-40) ، ومنهاج السنة (3/97) ط بولاق، والاستقامة (2/96-97) وهو أيضاً في مجموع الفتاوى (10/695) .
(4) من ذلك رواية مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم ورقمه (181) ، ورواية النسائي، كتاب السهر، باب الدعاء بعد الذكر، ورقمه (1305) سنن النسائي (3/54-55) . ومسند الإمام أحمد (5/191) ، وانظر الاستقامة (2/98-106) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1376)

وأما الأمر الأول: وهو قولهم بالرؤية بلا جهة، فقد ناقشه شيخ الإسلام طويلا، وفي مناسبات متعددة، ويمكن تلخيص ردوده عليهم كما يلي:
1- أن النصوص الواردة في الرؤية - وهي كثيرة، وقد أفردها بعض علماء السنة بمؤلفات - دالة على أن رؤية المؤمنين لربهم إنما تكون في جهة، وإذا كانت نصوص الرؤية متواترة، فكذلك دلالتها على أنها في جهة، وتشبيه الرؤية برؤية الشمس ليس دونها سحاب، أو رؤية القمر ليلة البدر صحوا، أو أن الله يكشف الحجاب من فوقهم. وقد أورد شيخ الإسلام أربعة وجوه قاطعة تدل - من خلال حديث واحد فقط من أحاديث الرؤية - على أن الرؤية إنما تكون في جهة (1) .
2- أن كون الله يرى بجهة من الرائي ثبت بإجماع السلف والأئمة، ونصوصهم في ذلك متواترة (2) .
3- أن أئمة هؤلاء المتأخرين كالأشعري وغيره، هم ممن يثبت الرؤية والاحتجاب والعلو وأن الله فوق العرش - وقد سبق بيان ذلك - (3) .
4- أن الأشاعرة - مع كونهم أقرب إلى الحق من المعتزلة، لأنهم أقروا بالرؤية، وإن كانوا قد نفوا العلو - بخلاف المعتزلة الذين نفوا الأمرين - إلا أنهم متناقضون، لأن إثباتهم للرؤية يقتضي إثباتهم للعلو، كما أن نفيهم للعلو يقتضي نفيهم للرؤية أيضاً. فيلزمهم أحد أمرين: إما نفي الرؤية أو اللحاق بأهل السنة في إثباتهما. وأحد الأمرين لازم لهم.
5- أن بعض محققي الأشاعرة كالرازي - والغزالي في بعض أقواله - رأوا أن الإلزام السابق لازم لهم، ومن ثم حرصوا بأن المقصود بالرؤية - التي أثبتوها - زيادة انكشاف بخلق مزيد من الإدراك لهم، أي أنهم فسروها بنوع--------------------------------------------
(1) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (2/409-411) ، وانظر أدلة أخرى (ص: 411 إلى ص:415) .
(2) انظر: المصدر السابق (2/415-421) ، ومجموع الفتاوى (16/82-89) .
(3) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (2/420-423) ، ومنهاج السنة (2/250-252) ط دار العروبة المحققة، درء التعارض (1/250) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1377)

من العلم، ومن ثم أقروا بأن الخلاف بينهم وبين المعتزلة لفظي أو قريب من اللفظي (1) .
ولا شك أن هذا اعترف منهم بفشلهم في الجمع بين نفي العلو والزعم بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، وبين إثبات الرؤية.
6- أما احتجاجهم بأن كل موجود يصح أن يرى، فهو دليل ضعف لأنه يلزم منه أن ترى الأصوات والروائح وهي موجودة. أما دليل المرآة فهو باطل لأن الذي في المرآة الخيال والصورة وليس الذات.
وقد أورد شيخ الإسلام ردودا أخرى عديدة (2) ، ولا شك أن قول الاشاعرة بالرؤية مع نفي العلو في غاية التناقض، وجميع أجاباتهم ومحاولاتهم لإزالة هذا التناقض لم تفلح إلا بأن تفسر الرؤية بما يقربها إلى مذهب المعتزلة، وهذا ما فعله بعض المتأخرين منهم. وهو ما استقر عليه مذهبهم كما في شرح المواقف (3) .
‌‌ثانياً: النبوات والمعجزات:
يوافق الأشاعرة أهل السنة في مسألة النبوات والمعجزات الدالة عليها. ولكنهم - لمذاهبهم المنحرفة في الصفات والقدر - خالفوا أهل السنة في بعض تفاصيل مسألة النبوات والمعجزات والكرامات.
وأول من فصل القول في ذلك من الأشاعرة الباقلاني، حيث أفرد لذلك كتابا مستقلا، وهو رأس الذين اتبعوه كالقاضي أبي يعلى والجويني والرازي والآمدي وغيرهم (4) . وقد سبق عرض مذهبه في ذلك مفصلا (5) .--------------------------------------------
(1) انظر:،قض التأسيس - مطبوع - (1/360، 2/396، 404، 418، ومجموع الفتاوى (6/32، 41، 16/85) ، ودرء التعارض (1/250) ، والمسألة المصرية - مجموع الفتاوى - (12/175) .
(2) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (1/357-368، 2/101-106، 421-431) ، والتسعينية (ص:259، 262) ، ودرء التعارض (1/247-248، 7/239-240) .
(3) (8/115-116) .
(4) انظر: النبوات (ص:3959) .
(5) انظر: (ص:543-545) في ترجمة الباقلاني.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1378)

وكتاب النبوات أفرده شيخ الإسلام للرد على الباقلاني وغيره من الأشاعرة، ومجمل ملاحظات وردود شيخ الإسلام عليهم يمكن عرضها - باختصار - كما يلي:
1- حصرهم دلائل النبوة بالمعجزات التي هي خوارق، وهذا موافق لرأي المعتزلة، وإن اختلوفا معهم في كيفية دلالتها على صدق النبي. أم رأي جمهور أهل السنة، فهو أن دلائل ثبوت نبوة الأنبياء كثيرة، ومنها المعجزات (1) .
2- قول بعض الاشاعرة: إن المعجزة تدل على صدق النبي لئلا يفضي إلى تعجيز الرب، لأنه لا دليل على الصدق إلا خلق المعجز، فلو لم يكن دليلا لزم أن يكون الرب غير قادر على تصديق الرسول الصادق. وهذه طريقة الأشعري - في أحمد قوليه - والقاضي أحيانا، والاسفراييني وابن فورك، وأبو يعلى وغيرهم.
وبعض الأشاعرة قالوا العلم بصدق المعجز يحصل ضرورة، وهذه طريقة الجويني والرازي، لأنهم عرفوا ضعف مسلك أولئك، بسبب أنهم يقولون بتجويز أن يفعل الله كل شيء ولو كان قبيحا، ومن ذلك إظهار المعجزة على يد كذاب. فلما علم أن هذا قد يؤدي إلى عدم التفريق بين الصادق والكاذب، جعلوا المعجزة تدل على صدق النبي، وأن الله لا يظهرها على يد كاذب لئلا يفضي إلى ذلك إلى تعجيز الرب عن إثبات صدق أنبيائه. وهذا تناقض منهم. والحق أن الله لا يظهرها على يد كاذب لأنه يفعل لحكمة ولأنه منزه عن ذلك. أما من جز على الله كل قبيح فقوله باطل ومتناقض كما فعلوا هنا (2) .
3- وعلى مذهبهم في تعريف المعجزة، وأنها أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي يظهر على يد نبي، سالم من المعارضة - يجعل الفرق بين المعجزة وبين السحر والشعوذة هو فقط عدم المعارضة، وكونها جاءت على يد مدعي النبوة - وهذا فرق ضعيف جدا، لأن مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي وغيرهما لم يعارضوا، فلو أنهم أتوا بسحر وكهانة وادعوا النبوة، فما الفرق بينهم وبين--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (9/40) .
(2) انظر: النبوات (ص:51-57، 148-149) ط دار الكتب العلمية، والجواب الصحيح (4/259-261) ، ودرء التعارض (1/89-90، 96، 9/52-53) ، وشرح الأصفهانية (ص:156-165) ت مخلوف.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1379)

معجزة الأنبياء؟ (1) .
ومعلوم أن آيات الأنبياء الدالة على نبوتهم "هي التي تعلم أنها مختصة بالأنبياء، وأنها مستلزمة لصدقهم، ولا تكون إلا مع صدقهم، وهي لا بد أن تكون خارقة للعادة، خارجة عن قدرة الإنس والجن، ولا يمكن أحد أن يعارضها. لكن كونها خارقة للعادة، ولا تمكن معارضتها هو من لوازمها، ليس هو حدا مطابقا لها، والعلم بأنها مستلزمة لصدقهم قد يكون ضروريا كانشقاق القرم، وجعل العصا حية وخروج الناقة، فمجر العلم بهذه الآيات يوجب علما ضروريا بأن الله جعلها آية لصدق هذا الذي استدل بها … وقد تكون الآيات على جنس الصدق، وهو صدق صاحبها، فيلزم صدقه إذا قال: أن نبي، ولكن يمتنع أن يكون لكاذب" (2) .
4- أنهم لم يفرقوا بين المعجزات والسحر، بل جعلوا الفرق فقط هو تحدي الرسول بالإتيان بمثله، قالوا ولو احتج الساحر بسحره وادعي به النبوة أبطله الله بوجهين: أحدهما: أن ينسبه عمل السحر، والثاني: أن تمكن معارضته. ولما طولب الباقلاني بالفرق بين السحر والمعجزات التي للأنبياء عول على أن المعجز لا يكون معجزا حتى يكون واقعا من فعل الله، على وجه خارق للعادة، مع تحدي الرسول بالإتيان بمثله (3) .
وقد ناقش شيخ الإسلام هذا الكلام ورد عليه من وجوه عديدة منها:
أ - أن كون آيات الأنبياء مساوية في الحد والحقيقة لسحر السحرة معلوم الفساد بالإضطرار من دين الرسل.
ب - أن في هذا قدحا في الأنبياء حيث جعلت آياتهم من جنس السحر والكهانة.
ت - أنه على تقديم قولهم: يمكن للساحر أن يدعي النبوة، وما ذكر--------------------------------------------
(1) انظر: النبوات (ص:282-283) ط دار الكتب العلمية.
(2) النبوت (ص:283) ، وانظر أيضاً (ص:297-298، 315-316، 320) وما بعدها.
(3) انظر: النبوات (ص:47-49) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1380)

من إبطال بدعواه بأمرين، منقوض بمذهبه الذي جوزوا فيه على الله فعل كل شيء ولو كان قبيحا كإظهار المعجزة على يد الكاذب.
ث - أنه، أي الباقلاني، جوز أن تظهر المعجزات على يد كاذب إذا خلق الله مثلها على يد من يعارضه فعمدته سلامته من المعارضة بالمثل.
ج - أن من الناس من اعدى النبوة، وكان كاذبا وظهرت على يده بعض هذه الخوارق، فلم يمنع منها، ولم يعارضه أحد، كما حدث للأسود العنسي ومسيلمة، وبابك وغيرهم. وإنما عرف كذبهم بطرق متعددة. فدعواهم أن الكذاب لا يأتي بمثل هذه الخوارق ليس كما يدعونه (1) .
5- وأخيرا فإن أقوال الأشاعرة في هذه المسائل أدى بهم إلى بعض الأقوال - أو تجويز بعض الأمور - الباطلة، ومنها:
أ - تجويز بعضهم أن يقع الفسخ في شرائع الأنبياء في الأصول الجامعة، كالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبر الوالدين، والصدق، والعدل، وتحريم الفواحش. وهذا لأنهم جوزوا أن يأمر الله بكل شيء وينهى عن كل شيء، وأن مرد ذلك إلى محض المشيئة.
وهم وإن قالوا إن شيئا من ذلك لم يقع، إلا أن تجويزهم له خالفوا به قول جمهور السلف الذين لا يجوزون دخول النسخ في هذه الأمور (2) .
ب - تجويز بعضهم - كالباقلاني - أن يكون النبي فاعلا للكبائر، بناء على نفيهم للتحسين والتقبيح العقلي (3) .
ت - قولهم إن كرامات الأولياء ليست من آيات الأنبياء نظرا لمذهبهم--------------------------------------------
(1) انظر: النبوات (ص:49-51) .
(2) انظر: المصدر السابق (ص:321-323) .
(3) انظر: المصدر السابق (ص:146) ، ومنهاج السنة (2/324-327) ط دار العروبة المحققة.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1381)

في شروط المعجزة حيث جعلوا منها: أن تقارن دعوى النبوة. وهذا مخالف لمذهب الجمهور الذين جعلوا من آيات الأنبياء، لأنها مستلزمة لنبوتهم وتصديقهم فيهان ولولا تصديقهم للأنبياء واتباعهم لهم، لم تكن لهم كرامات (1) .
ث - تناقضهم في قولهم إن كل ممكن فهو جائز على الله، مع قولهم، إنه لا يظهر المعجزة على يد الكاذب (2) .
ج - تناقضهم أيضاً، حيث جعلوا من شرط المعجزة أن تكون مما ينفرد الرب بالقدرة عليه، مع قولهم: كل ما في الوجود فهو مقدور لله، حتى قدرة العبد عندهم غير مؤثرة في مقدورها. فإذا صح هذا فما معنى الشرط السابق؟ (3) .
ح - قول الباقلاني: إن الخوارق تدل على الولاية بالإجماع، مع تجويزه ظهورها على يدي الكفار والسحرة. وهذا تناقض (4) .
هذه لمحات في مسألة المعجزات وما يتعلق بها، وهي تدل على تداخل أمور العقيدة، وتأثير الانحراف في بعضها على الانحراف في جوانبها الأخرى.
وفي ختام هذا المبحث الذي هو آخر مباحث هذا الفصل الذي اشتمل على ردود شيخ الإسلام التفصيلية على الأشاعرة، لا بد من الإشارة إلى أن هناك--------------------------------------------
(1) انظر: النبوات (ص:306-307) .
(2) انظر: النبوات (ص:372) .
(3) انظر: المصدر السابق (ص:206) .
(4) انظر: المصدر نفسه (ص:181) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1382)