Arabic source text

📘 মাওকিফু ইবনি তাইমিয়্যাহ মিনাল আশাইরাহ (আব্দুর রহমান বিন সালিহ আল-মাহমুদ)

📘 موقف ابن تيمية من الأشاعرة (عبد الرحمن بن صالح المحمود)

📘 মাওকিফু ইবনি তাইমিয়্যাহ মিনাল আশাইরাহ (আব্দুর রহমান বিন সালিহ আল-মাহমুদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ولا شك أن الأشاعرة - وكذلك المعتزلة - ليسهم له حجة على قولهم في التحسين والتقبيح، سوى أخذهم ببعض النصوص دون بعض، وشيخ الإسلام كثيرا ما يفصل الخلاف في ذلك مبينا المذهب الحق (1) .
رابعاً: معنى "الظلم":
القول في معنى "الظلم" مبنى على مسألة التحسين والتقبيح، وقد وقع الخلاف في معنى الظلم على ثلاثة أقوال:
1-قول الجهمية والأشاعرة، وهؤلاء قالوا في تعريف الظلم: إما أنه التصرف في ملك الغير، أو أنه مخالفة الآم الذي تجب طاعته، وهؤلاء يقولون: الظلم بالنسبة لله غير ممكن الوجود، بل كل ممكن إذا قدر وجوده فإنه عدل، والظلم منه ممتنع غير مقدور، وهو محال لذاته كالجمع بين الضدين، وكون الشيء موجوداً معدوماً.
وهؤلاء يقولون لو عذب الله المطيعين ونعم العاصين لم يكن ظالما، لأن الظلم عندهم إنما هو التصرف في ملك الغير، والله تعالى مالك الملك، فأي فعل فعله ولو كان تعذيب أنبيائه وملائكته وأهل طاعته، وتكريم أعدائه من الكفار والشياطين لم يكن ظالما، لأنه لم يتصرف إلا في ملكه، وكذلك فليس هناك آمر فوقه حتى يخالفه.
وهذا قول جمهور الأشاعرة، وهو قول كثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، كالقاضي أبي يعلي، وأتباعه، وأبي المعالي الجويني وأتباعه، وأبي الوليد الباجي وأتباعه وغيرهم (2) .--------------------------------------------
(1) انظر: أقوم ما قيل ي القضاء والقدر - مجموع الفتاوى - (8/90) ، قاعدة في المعجزات والكرامات - مجموع الفتاوى - (11/347-355) ، منهاج السنة (1/316-317) ، ط دار العروبة المحققة، الدرء (8/22، 492، 9/49-62) ، شرح الأصفهانية (ص:161) ت مخلوف، الرد على المنطقيين (ص:420-437) ، النبوات (ص:139) وما بعدها، ط دار الكتب العلمية، الجواب الصحيح (1/314-315) ، مجموع الفتاوى (16/498) .
(2) انظر: منهاج السنة (1/90، 2/232) ط دار العروبة المحققة. وجامع الرسائل - رسالة في معنى كون الرب عادلا، وي تنزهه عن الظلم - (1/121-122) ، ورسالة في شرح حديث أبي ذر - مجموعة الرسائل المنيرية (3/207) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1323)

3- قول المعتزلة، وهؤلاء يقولون: إن الظلم مقدور لله تعالى، ولكنه منزه عنه، وهذا حق، ولكنهم يجعلن الظلم الذي حرمه الله وتنزه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، وشبهوه في الأفعال ما يحسن منها وما لا يحسن بعباده، فضربوا له من أنفسهم الأمثار، ولذلك فهم يسمون مشبهة الأفعال.
وبناء على هذا قالوا: "إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة كان ظالما له، والتزموا أنه لا يقدر أن يهدي ضالا كما قالوا: إنه لا يقدر أن يضل مهتديا، وقالوا عن هذا: إذا أمر اثنين بأمر واحد، وخص أحدهما بإعانته على فعل المأمور كان ظالما إلى أمثال ذلك من الأمور التي هي من باب الفضل والإحسان، جعلوا تركه لها ظلما، وكذلك ظنوا أن التعذيب لمن كان فعله مقدرا ظلم له، ولم يفرقوا بين التعذيب لمن قام به سبب استحقاق ذلك ومن لم يقم" (1) .
فالله عند المعتزلة عدل لا يظلم لأنه لم يرد وجود شيء من الذنوب، لا الكفر ولا الفسوق ولا العصيان، بل العباد يفعلون ذلك بغير مشيئته، والله لم يخلق شيئاً من أفعال العباد لا خيراً ولا شراً، لأنه لو كان خالقا لها ثم عاقب العاصين لكان ظالما لهم (2) .
4- قول أهل السنة، قالوا: الظلم وضع الشيء في غير موضعه وهذا معناه في اللغة، يقال: من أشبه أباه فما ظلم، ومن استرعى الذئب فقد ظلم (3) ، وعلى هذا المعنى بنى أهل السنة تعريفهم للظلم الذي نزه الله نفسه عنه فقالوا: إن الله تعالى حكم عدل يضع الأشياء مواضعها، فلا يضع شيئاً إلا في موضعه الذي يناسبه، ولا يفرق بين متماثلين، ولا يسوي بين مختلفين (4) .
وعلى هذا فالظلم الذي حرمه الله على نفسه، وتنزه عنه فعلا وإرادة هو ما فسره به سلف الأمة وأئمتها أنه لا يحمل المرء سيئات غيره، ولا يعذب بما لم تكسب يداه،--------------------------------------------
(1) شرح حديث أبي ذر - مجمو الرسائل المنيرية (3/206) .
(2) انظر: جامع الرسائل (1/123) .
(3) انظر: الصحاح، ولسان العرب مادة - ظلم - وانظر: تأويل مشكل القرن (ص: 467) .
(4) انظر: جامع الرسائل (1/124) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1324)

وأنه لا ينقص من حسناته فلا يجازي بها أو ببعضها، وهذا هو الظلم الذي نفي الله خوفه عن العبد بقوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً} (طه:112) ، قال المفسرون لا يخاف أن يحمل عليه من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وقيل: يظلم بأن يؤاخذ بما لم يعمل (1) .
والله تعالى قادر على الظلم، ولكنه تعالى نزه نفسه عنه، وحرمه على نفسه، كما ورد في ذلك الأدلة الكثيرة، وأشهرها حديث أبي ذر: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم مكرما فلا ظالموا" (2) . وغيره.
ويلاحظ أن الأشاعرة جاء تفسيرهم للظلم مواكبا لمذهبهم في القدر، فهم لميلهم إلى مذهب الجبرية، إذا قيل لهم إن قولكم إن للعبد قدة غير مؤثرة، نتيجته الجبر، فكيف يعذب الله العباد على ما جبرهم عليه، هذا ظلم، قالوا ليس هذا ظلماً لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، وهذا منتفق بالنسبة لله.
ولا شك أن هذا التفسير للظلم مخالف للمعروف من لغة العرب، ولما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة التي ورد فيها هذا اللفظ، كما أن قولهم بأن الظلم ممتنع عليه ليسه فيه مدح ولا كمال، وإنما المدح والكمال أن يقال: إن الله سبحانه منزه عنه، لا يفعله لعدله، والمدح إنما يكون بترك المقدور عليه، لا بترك الممتنع (3) .
خامساً: تكليف ما لا يطاق:
الطاقة هي الإستطاعة، والخلاف بين الطوائف قائم حول تحديد المقصود با لا يطاق، هل هو الممتنع عادة، أو المستحيل كالجمع بين الضدين، أو هو كتكليف الكافر وهو لا يؤمن.--------------------------------------------
(1) انظر: زاد المسير - سورة ط آية: 112- شرحح الطحاوية (ص:50) ط المكتب الإسلامي، ومنهاج السنة (1/90-92) . ط دار العروبة المحققة.
(2) سبق تخريجه (ص:728) .
(3) انظر: في مسألة الظلم والأقوال فيه: جامع الرسائل (1/27-129) ، والجواب الصحيح، (1/219) ، النبوات (ص:143) - ط دار الكتب العلمية، منهاج السنة (1/318) ط دار العروبة المحققة، (1/361) - مكتبة الرياض الحديثة، (3/23-26) - ط بولاق، مجموع الفتاوى (8/505-510، 11/675-676) ، درء التعارض (10/28) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1325)

وشيخ الإسلام يبين أن هذا الخلاف ناتج عن عدم التفريق بين أمرين متعلقين بالنزاع في هذه المسألة:
1- ما يرجع إلى الفعل المأمور به، وهذا فيما يتعلق بالقضاء والقدر.
2- وما يرجع إلى جواز الأمر بالشيء، وهذا فيما يتعلق بمسائل الأمر والنهي.
والذين خلطوا بين هذين القسمين وقعوا في المحذور، مثل قياس بعضهم أمر الله الكافر بالإيمان مع علمه تعالى أنه لا يفعل، بمسألة العاجز الذي لو أراد الفعل لم يقدر عليه، وجعلهم القسمين قسما واحداً وأنه تكليف بما لا يطاق.
فهذا جمع مخالف لما يعلم بالإضطرار من الفرق بينهما، وهو من مثارات الأهواء بين القدرية والجبرية (1) .
ولذى يرى شيرخ الإسلام أن إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام (2) .
وقد وقع الخلاف في تكليف ما لا يطاق على أقوال:
1- جواز تكليف ما لا يطاق، ومنه تكليف الأعمى البصر، والزمن أن يسير إلى مكة. وهذا قول جهم بين صفوان (3) .
2- عدم جواز تكليف ما لا يطاق، وقد معونه لقبحه عقلا، وهذا مبني على مذهبهم في أن القدرة تكون قبل الفعل فقط، حتى يتحقق التكليف، ومن ثم يترتب عليه الثواب والعقاب، ولذلك منعوا أن تكون القدرة مقارنة لمقدورها، لأن معنى ذلك أن يكون تكليف الكافر بالإيمان تكليفاً بما لا يطاق؛ إذ لو أطاقه لوقع منه، فلما يقع منه دلي على أنه غير قادر عليه، وتكليف ما لا يطاق قبيح، وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (1/64-65) .
(2) انظر: المصدر السابق (1/65) .
(3) انظر: مجموع الفتاوى (8/297) .
(4) انظر: شر ح الأصول الخمسة (ص:396) ، والمختصر في أصول الدين لعبد الجبار الهمذاني (ص:218) ، ونظرية التكليف، عبد الكريم عثمان (ص:301) ، وشرح المواقف (ص:331) - الجزء المحقق.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1326)

3- أن تكليف ما لا يطاق جائز، وهذا مذهب الأشاعرة، وبنوا ذلك على ما في مذهبهم من أنه لا يجب على الله شيء ولا يقبح منه شيء. لكن الأشاعرة يقولون، إن ما لا يطاق أقسام:
?- أن يمتنع الفعل لعلم الله بعدم وقوعه، كتكليف الكافر الإيمان في حالة كفره، وهذا جائز عند جميع الأشاعرة، وهذا النوع هو مالا يستطيعه المكلف لاشتغاله بضده فقط وهو الذي منعه المعتزلة (1) .
?- أن يمتنع الفعل لنفسه، بكون محالا كالجمع بين الضدين. وهذا اختلف فيه الأشاعرة، منهم من أجازه كالرازي ومنهم من منعه (2) .
?- ألا تتعلق به القدرة الحادثة عادة، كحمل الجبل، والطيران، فهذا يجوزه بعض الأشاعرة وإن لم يقع من خلال الإستقراء، وبعض المجوزين يحتج لذلك بتكليف أبي لهب الإيمان مع ورود الخبر أنه لا يؤمن (3) .
4- مذهب السلف، التفصيل، وذلك أن يقال: تكليف مالا يطاق على وجهين:
أحدهما: مالا يقدر على فعله لاستحالته، وهو نوعان:
أما وقع ممتنع عادة كالمشي على الوجه والطيران، وكالمقعد الذي لا يقدر على القيام، والأخرس الذي لا يقدر على الكلام.
ب وما هو ممتنع في نفسه كالجمع بين الضدين، وجعل المحدث قديما، والقديم محثدا، ونحو ذلك.
فهذا النوعان قد اتفق حملة الشريعة على أن مثل هذا ليس بواقع، وأنه لا يجوز تكليفه (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: شرح المواقف (ص:331-332) الجزء المحقق.
(2) انظر: الإرشاد (ص:226) ما بعدها، معالم أصول الدين للرازي (ص:85-86) ، ط مكتبة الكليات الأزهرية، وشرح المواقف (ص:332) الجزء المحقق.
(3) انظر: مجموع الفتاوى (8/295) ، وشرح المواقف (ص:333) الجزء المحقق.
(4) انظر: مجموع الفتاوى (8/301) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1327)

والثاني: ما لا يقدر عليه لإستحالته، ولا للعجز عنه، لكن لتركه والاشتغال بضده، مثل تكليف الكافر الإيمان في حال كفره، فهذا جائز خلافا للمعتزلة، لأنه من التكليف الذي اتفق المسلمون على وقوعه في الشريعة. ولكن إطلاق تكليف ما لا يطاق على هذا مما منعه جمهور أهل العلم، وإن كان بعض المنتسبين إلى السنة قد أطلقه في ردهم على القدرية (1) .
بقي الكلام في احتج به بعض الأشاعرة من جواز تكليف الممتنع عادة، بقصة أبي لهب (2) ، فشيخ الإسلام يرى أن هذا خطأ، لأن من أخبر الله أنه لا يؤمن وأنه يصلي النار، بعد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له إلى الإيمان، فهذا حق حققت عليه كلمة العذاب، فهو كالذي يعاين الملائكة وقت الموت، فلم يبق هذا مخاطباً من جهة الرسول بالأمرين المتناقضين. وهو أيضاً كقوم نوح حين أخبر الله نوحاً عليه السلام أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، فلم يكن بعد هذا يأمرهم بالإيمان بهذا الخطاب (3) .
"بل إذا قدر أنه أخبر بصليه النار المستلزم لموته على الكفر وأنه سمع هذا الخطاب ففي هذا الحال انقطع تكليفه، ولم ينفعه إيمانه حينئذ، كإيمان من يؤمن بعد معاينة العذاب، قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} (غافر: من الآية85) (4) .
فأبو لهب قد حقت عليه كلمة العذاب، فلا ينفعه الإيمان (5) .
وهكذا فالقول الراجح هو التفصيل فيها. ومن ذلك يتبين خطأ المعتزلة والجهمية وبعض الأشاعرة علما بأن من الأشاعرة من ذلك القول الحق بتفصيله--------------------------------------------
(1) انظر: المعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى (ص:46-147) ، ومجموع الفتاوى (8/298-302) ، ودرء التعارض (1/60) .
(2) كالرازي في معالم أصول الدين (ص:85) ، ط مكتبة الكليات الأزهرية، وانظر: مجموع الفتاوى (8/303) .
(3) انظر: مجموع الفتاوى (8/302) ، ودرء التعارض (1/63) .
(4) انظر: درء التعارض (1/63-64) .
(5) انظر: مجموع الفتاوى (8/438، 473-474) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1328)

في هذه المسألة (1) .
هذه أهم المسائل المتعلقة بالقدر، وهي وإن كانت مسائل فرعية إلا أنها ذات صلة قوية بموضوع القدر، أو هي جزء منه، ولا شك أن الأشاعرة لم يسلكوا فيها المسلك الصحيح الذي هو مسلك السلف رحمهم الله ولذلك جاء مذهبهم في القدر وفي أفعال العباد، منحرفا عن المذهب الحق.--------------------------------------------
(1) انظر: المعتمد في أصول الدين (ص:146) ، والاقتصاد للغزالي (ص:112-114) ط دار الكتب العلمية، ومجموع الفتاوى (8/296، 469-470) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1329)

‌‌الفرع الثاني: أفعال العباد ومسألة "الكسب":
هذه المسألة هي لب الخلاف في القدر، ولأجلها صار الناس فيه فرقا وأحزابا، ولكي تتضح الصورة، وتحديد موضع الخلاف، ينبغي أن يلاحظ ما يلي:
1- القدر له أربع مراتب هي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، فأما مرتبتا العلم والكتابة فلم ينكرهما إلا غلاة القدرية الذين يقولون إن الأمر أنف، أي لم يسبق الله فيه علم، وقد تبرأ منهم الصحابة رضي الله عنه.
أما بقية الطوائف فهم مقرون بهاتين المرتبتين.
2- أما مرتبنا: المشيئة والإرادة، والخلق، فقد وقع فيهما الخلاف على قولين:
أحدهما: إنكار هاتين المرتبتين، وهذا مذهب المعتزلة - ومن وافقهم - الذين يقولون إن الله لا يريد الكفر والمعاصي، ويقولون إن الله لا يخلق أفعال العباد، وإنما هم الخالقون لأفعالهم.
والثاني: الإقرار بهاتين المرتبتين. بإثبات الإرادة والمشيئة الشاملة، والقول بأن الله خالق كل شيء ومن ذلك أفعال العباد. وهذا قول الجمهور من أهل السنة، والجهمية، والأشاعرة والماتريدية ومن وافق هؤلاء.
ولكن أفعال العباد لها متعلقان:
أحدهما: بالخالق تعالى، فهذا قد اتفق فيه أهل السنة والأشاعرة على أن الله خالق أفعال العباد.
والثاني: بالعبد، وله له قدرة أو لا، وهل قدرته مؤثرة أو غير مؤثرة. وهذه وقع فيها الخلاف بين الطوائف إلى حد كبير.
وهذه القدرة التي بها يتمكن العبد من الفعل، هي التي تسمى بالاستطاعة.
ولتوضيح هذه المسألة - مسألة علاقة أفعال العباد بهم - لا بد من عرض الخلاف من خلال أمرين:

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1330)

أحدهما: الاستطاعة أو القدرة، وهل تكون قبل الفعل أو بعده.
والثاني: هل هذه القدرة موجودة أو معدومة، وهل هي مستقلة أو غير مستقلة، وهل إذا كانت غير مستقلة تكون مؤثرة أو غير مؤثرة.
أولاً: الاستطاعة:
الاستطاعة، والقدرة، والقوة، والوسع، والطاقة، كلها متقاربة المعنى. وقد عرف الجرجاني الاستطاعة بأنها: "هي عرض يخلقه الله في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية" (1) ، وهي في عرف المتكلمين: عبارة عن صفة بها يتمكن الحيوان من الفعل والترك (2) .
وقد وقع الخلاف فيها على أقوال:
1- قول الجهمية، وهو أنه ليس للعبد أي استطاعة، لا قبل الفعل ولا معه، بل له قدرة شكلية غير مؤثرة في الفعل أصلا، وتسمى فعلا له تجوزا (3) .
2- قول المعتزلة ومن وافقهم: وهو أن الله تعالى قد مكن الإنسان من الاستطاعة، وهذه الاستطاعة قبل الفعل، وهي قدرة عليه وعلى ضده، وهي غير موجبة للفعل (4) .
3- قول الأشاعرة ومن وافقهم: وهو أن الاستطاعة مع الفعل لا يجوز أن تتقدمه ولا أن تتأخر عنه، بل هي مقارنة له، وهي من الله تعالى، وما يفعله الإنسان بها فهو كسب له (5) .--------------------------------------------
(1) انظر: التعريفات (ص:12) .
(2) انظر: المصدر السابق، نفس الصفحة.
(3) انظر: الملل والنحل (1/85) ، والبحر الزخار (1/123) ، والفرق بين الفرق (ص:211) ، والإرشاد (ص:215) .
(4) انظر: مقالات الإسلاميين (1/300) - ت عبد الحميد، والفرق بين الفرق (ص:116) ، ونظرية التكليف (ص:317) ونما بعدها. وانظر: شرح الأصول الخمسة (ص:398) ، وفي الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه (2/106-107) .
(5) انظر: الإرشاد (ص:219-220) ، والحرة - المطبوعة باسم الإنصاف (ص:46) ، ومعالم أصول الدين للرازي (ص:83) ، ط مكتبة الأزهرية، والمعتمد لأبي يعلى (ص:142) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1331)

4- قول أهل السنة - وهو الذي عليه محققو المتكلمين وأهل الفقه والحديث والتصوف وغيرهم - وهو التفصيل:
أفهناك استطاعة للعبد بمعنى الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات، وهي التي تكون مناط الأمر والنهي، وهي المصححة للفعل، فهذه لا يجب أن تقارن الفعل، بل تكون قبله متقدمة عليه، وهذه الاستطاعة المتقدمة صالحة للضدين ومثالها قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} (آل عمران: من الآية97) ، فهذه الاستطاعة قبل الفعل ولو لم تكن إلا مع الفعل لما وجب الحج إلا على من حج، ولما عصى أحد بترك الحج.
وهذه الاستطاعة هي مناط الأمر والنهي، ويه التي يتكلم فيها الفقهاء وهي الغالبة في عرف الناس.
ب وهناك الاستطاعة التي يجب معها وجود الفعل، وهذه هي الاستطاعة المقارنة للفعل، الموجبة له، ومن أمثلتها قوله تعالى: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} (هود: من الآية20) وقوله: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} (الكهف:101) "فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم وصعوبته على نفسوهم، فنفوسهم لا تستطيع إرادته وإن كانوا قادرين على فعله لو أرادوه. وهذه حال من صده هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة واتباعها وقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك، وهذه الاستطاعة هي المقارنة الموجبة له" (1) ، وهي الاستطاعة الكونية التي هي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل (2) .
وبهذا التفصيل - الوسط - الذي شرحه شيخ الإسلام يحل الاشكال، ويتضح الأمر. والذين حاولوا أن يوجدوا حلا للخلاف القائم بين المعتزلة والأشاعرة لم يجدوه إلا بالرجوع إلى هذا التفصيل الموافق لمذهب أهل--------------------------------------------
(1) درء التعارض (1/61) .
(2) انظر: مجموع الفتاوى (8/129-130، 290-292، 371-376، 441) ، ومنهاج السنة (1/7-8، 369-373) مكتبة الرياض الحديثة، والتحفة العراقية - مجموع الفتاوى - (10/32) ، وشرح حديث أني حرمت الظلم - مجموع الفتاوى - (18/172-173) ، ودرء التعارض (9/241) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1332)

السنة (1) .
أما من خالفهم فقد وقع في الانحراف، فالمعتزلة حصروا القدرة والاستطاعة عند الإنسان بأنها تكون قبل الفعل، وأنكروا الاستطاعة الكونية المقارنة. والأشاعرة جعلوا الاستطاعة كلها مقارنة للفعل فلم يجدوا حلا صحيحاً للاستطاعة والقدرة التي هي شرط للعمل والتي هي بمعنى الصحة وسلامة الآلات. أما أهل السنة فجعلوا الاستطاعة نوعين، نوعا قبل الفعل وهو سلامة الجوارح، ونوعا معه وهو ما يجب به وجود الفعل.
ثانياً: مدى قدرة العباد على أفعالهم:
وكثيرا ما يعرض الخلاف حولها باسم الأقوال في أفعال العباد، وهي أهم قضية وقع فيها الخلاف، ويمكن عرض الأقوال فيها - مع شرح واضح لمذهب الأشاعرة - كما يلي:
القول الأول: إن العباد مجبورون على أعمالهم، لا قدرة لهم ولا إرادة ولا اختيار، والله وحده هو خالق أفعال العباد، وأعمالهم إنما تنسب إليهم مجازاًن وحركتهم واختيارهم كورق الشجر تحركه الرياح، وكحركة الشمس والقمر والأفلاك. وهذا هو مذهب الجبرية وأشهر فرقهم الجهمية (2) .
القول الثاني: إن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، وإنما العباد هم الخالقون لها، ولهم إرادة وقدرة مستقلة عن إرادة الله وقدرته، فأفعالهم لا فاعل لها ولا محدث سواهم، ومن قال: إن الله خالقها ومحدثها فقد عظم خطؤه - كما يقول عبد الجبار الهمذاني (3) .--------------------------------------------
(1) انظر: محاولة الرازي في معالم أصول الدين (ص:83) ، ط الأزهرية، وانظر: حاشية محقق رسالة الحرة - المطبوعة باسم الأنصاف (ص:46) .
(2) انظر: الفرق بين الفرق (ص:211) ، والملل والنحل للشهرستاني (1/87) ، ومقالات الإسلاميين (1/238) ، ت عبد الحميد، واعتقادات فرق المسلمين للرازي (ص:103) ، وانظر "جهم بن صفوان ومكانته في الفكر الإسلامي" تأليف خالد العسلي، (ص:114-177) .
(3) انظر: المغنى لعبد الجبار (8/8، 16، 43، 9/95) وما بعدها، وشرح الأصول الخمسة (ص:336) وما بعدها، وإنقاذ البشر من الجبر والقدر (ص:49) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1333)

والمعتزلة قالوا إن العبد يخلق، فعله، ليصح ثوابه وعقابه على أعماله (1) .
القول الثالث: قول الماتريدية، وهم يقولون: إن الله تعالى خالق أفعال العباد كلها، ولا خالق إلا هو، كما يقول الأشاعرة وجميع أهل السنة (2) ، يقول الماتريدي: - عند تفسيره لقوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (البقرة: من الآية15) رادا على المعتزلة: "وفي هذا أنه إذا كان هو الذي يمدهم في الطغيان قدر على ضده من فعل الإيمان، فدل أن الله خالق فعل العباد، إذ من قولهم: إن القدرة التامة هي التي إذا قدر على شيء قدر على ضده" (3) ، ويقول عند تفسير قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} (البقرة: من الآية109) بعد رده على المعتزلة "ولكن نقول: خلق فعل الحسد من الخلق، وكذلك يقال في الأنجاس والأقذار والحيات والعقارب ونحوها: إنه لا يجوز أن تضاف إلى الله تعالى، فيقال يا خالق الأنجاس والحيات والعقارب، وإن كان ذلك كله خلقه، وهو خالق كل شيء" (4) .
ويقول النسفي:
"والله سبحانه وتعالى خالق لأفعال العباد من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان لا كما زعمت المعتزلة أن العبد خالق لأفعاله" (5) .--------------------------------------------
(1) انظر: كتاب العدل والتوحيد للرسي - ضمن رسائل العدل والتوحيد (1/118) .
(2) انظر: شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة: أعداد عبد الكريم تتان (ص:28-29) . نشر مكتبة الغزالي ومكتبة ابن الفارض - حماة، وانظر: شرح الفقه الأكبر ملا علي قاري (ص:44) ، والوصية لأبي حنيفة (ص:74) ، بقلم فؤاد علي رضا، مكتبة الجماهير - بيروت، مكتبة مدبولي - القاهرة، ط الأولى 1970م.
(3) تفسير الماتريدي: المسمى: تأويلات أهل السنة ج1 (ص:51-52) طبعة 1391هـ.
(4) تفسير الماتريدية (1/249) .
(5) شرح العقائد النسفية: سعد الدين التفتاراني (ص:77-78) ، تحقيق: كلود سلامة ط دمشق، وزارة الثقافة والإرشاد القومي 1974م. وانظر: كتاب بحر الكلام في علم التوحيد" تأليف: أبي المعين النسفي (ص:41) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1334)

فالماتريدية - وجمهور الحنفية منهم - موافقون لأهل السنة في أن الله سبحانه وتعالى خالق أفعال العباد، ولكن تعلق العباد بأفعالهم لهم فيه رأي خاص اشتهروا به وهو: أنهم يثبتون للعباد إرادة جزئية، ويه غير مخلوقة، وأمرها بأيديهم، فهم "جعلوا كسب العباد عبارة عن إرادتهم الجزئية … وربما عبروا عنها بالقصد وصرف الإرادة الكلية نحو الفعل، قالوا: إن هذه الإرادة الجزئية صادرة من العباد، وهي لا موجودة ولا معدومة، وإما من قبيل الحال المتوسط بينهما أو من الأمور الاعتبارية، فلا يتضمن صدورها منهم معنى الخلق، إذ الخلق يتعلق بالموجود" (1) ، فالعبد عند الماتريدية له قدرة يخلقها الله تعالى فيه عنده قصده الفاعل قصداً مصمما، طاعة كان أو معصية، وإن لم تؤثر قدرته في وجود الفعل لمانع هو تعلق قدرة الله التي لا يقاومها شيء في إيجاد ذلك (2) .
ويلاحظ أن مذهب الماتريدية هذا قربهم قليلاً من مذهب المعتزلة، كما أن مذهب جمهور الأشاعرة قريب من قول الجهمية، فكلا قولي الأشاعرة والماتريدية متفق على أن الله هو الخالق والعبد كاسب، بمعنى أنه متسبب بعزمه في أن يخلق الله الفعل ويجريه على يديه، لكن اختلفوا في هذا العزم، أمن عمل العبد هو أم من عمل الرب؟ بمعنى: هل العبد هو الذي يوه إرادة نفسه مختارا في هذا التوجيه؟ أم الله هو الذي يوجه إرادة العبد إلى الشيء أو ضده ولا يملك العبد لذلك نقضا ولا تحويلا؟ قال بالأول الماتريدية، وبالثاني الأشاعرة (3) .
القول الرابع: قول الأشاعرة وأتباعهم:
وهؤلاء يقولون: إن الله سبحانه وتعالى خالق أفعال العباد، وبهذا الأصل خالفوا المعتزلة القائلين بأن الله لا يخلق أفعال العباد بل هم الخالقون لها،--------------------------------------------
(1) موقف البشر تحت سلطان القدر: مصطفى صبري (ص:69) ، وانظر الإنسان هل مسير أم مخير؟ الدكتور فؤاد العقلي (ص:50) - طبعة أولى 1980م.
(2) انظر: شرح الفقه الأكبر: علي قاري (ص:46 - وانظر: شرح العقائد النسفية (ص:86-87-88) ، تحقيق كلود سلامة.
(3) انظر: المختار من كنوز السنة النبوية: الدكتور: محمد عبد الله دراز (ص:247) ، وانظر أيضاً: "شيخ الإسلام الهروي" للدكتور محمد سعيد الأفغاني (ص:154-155) .
وانظر في مذهب الماتريدية: في الفلسفة الإسلامية (2/123-124) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1335)

وبتميز هذا الجانب عند الأشاعرة والماتريدية صار مذهبهم مشهوراً بأنه مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا حق.
ولكن عند عرض مذهبهم في الجاني الثاني من قضية خلق أفعال العباد وهو جانب تعلق أفعال العباد بهم، وهل هم الفاعلون لها؟ أم هي كسب لهم، وما مدى تعلق قدرة العباد بأفعالهم … الخ.
أقول: عند عرض مذهبهم في هذا يتضح مدى اختلافهم وبعدهم عن مذهب أهل السنة والجماعة الحقيقي.
وهناك آمر آخر، وهو أن بعض كبار الأشاعرة قد رجعوا عن آرائهم التي كانوا يقولون بها في القدر إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا يستلزم الدقة في عرض الآراء، وخاصة في نسبة الأقوال إلى أصحابها من الناحية التاريخية.
وقد عرض آراء الأشاعرة - من خلال كتبهم - نورد ما أورده الشهرستاني حول مذهب الأشاعرة في القدر، وتطور آرائهم على يد كبار علمائهم، الواحد تلو الآخر، يقول: "قال (أي أبو الحسن الأشعري) : والعبد قادر على أفعاله إذ الإنسان يجد من نفسه تفرقة ضرورية بين حركات الرعدة والرعشة، وبين حركات الاختيار والإرادة، والتفرقة راجعة إلى أن الحركات الاختيارية حاصلة تحت القدرة، متوقفة على اختيار القادر، فمن هذا قال: المكتسب هو المقدور بالقدرة الحاصلة، والحاصل تحت القدرة الحادثة.
ثم على أصل أبي الحسن: لا تأثير للقدرة الحادثة في الإحداث، لأن جهة الحدوث قضية واحدة لا تختلف بالنسبة إلى الجوهر والعرض، فلو أثرت في قضية الحدوث لأثرت في حدوث كل محدث حتى تصلح لإحداث الألوان والطعوم والروائح وتصلح لإحداث الجواهر والأجسام، فيؤدي إلى تجويز وقوع السماع على الأرض بالقدرة الحادثة، غير أن الله تعالى أجرى سننه بأن يحقق عقيب القدرة الحادثة أو تحتها، أو معها: الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له، ويسمى هذا الفعل كسباً، فيكون خلقا من الله تعالى إبداعاً وإحداثاً، وكسبا من العبد: حصولا تحت قدرته.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1336)

والقاضي أبو بكر الباقلاني تخطى عن هذا القدر قليلا، فقال: الدليل قد قام على أن القدرة الحادثة لا تصلح للإيجاد، لكن ليست تقتصر صفات الفعل أو وجوهه واعتباراته على جهة الحدوث فقط، بل ها هنا وجوه أخرهن وراء الحدوث من كون الجوهر جوهرا متحيزاً، قابلاً للعرض، ومن كون العرض عرضا، ولونا، وسوادا، وغير ذلك … قال: فجهة كون الفاعل حاصلا بالقدرة الحادثة أو تحتها نسبة خاصة، ويسمى ذلك كسبا، وذلك هو أثر القدرة الحادثة … فأثبت القاضي تأثيراً للقدرة الحادثة وأثرها … .
ثم إن إمام الحرمين أبو المعالي الجويني تخطى عن هذا البيان قليلا، قال: أما نفي هذه القدرة والاستطاعة فمما يأباها العقل والحس، وأما إثبات قدرة لا أثر لها يوجه فهي كنفي القدرة أصلاً، وأما إثبات في حالة لا يفعل فهو كنفي التأثير، خصوصا والأحوال على أصلهم لا توصف بالوجود والعدم، فلا بد إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة لا على وجه الإحداث والخلق، فإن الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، والإنسان كما يحس من نفسه الاقتدار يحس من نفسه أيضاً عدم الاستقلال … " (1) .
فهذا النص - عن الشهرستاني - يوضح كيف أن قول الأشاعرة في أفعال العباد لم يثبت على قدم الإستقرار، ولم يكن مقنعا لكبار علمائهم الذين بحثوا هذه المسألة، ويلاحظ في عرض هذا التطور لمذهب الأشاعرة أنهم يسرون نحو القول الحق الذي يقول به أهل السنة والجماعة - كما سيأتي - مع العلم بأن الذي استقر عليه مذهب الأشاعرة موافق لما قالوه أولا، والذي ذكر الشهرستاني أنه قول أبي الحسن الأشعري، وأنه لا تأثير للقدرة الحادثة.
ونعرض لأهم أقوال الأشاعرة:
1- قول جمهور الأشاعرة ومتأخريهم، وهؤلاء يقولون إن الله خالق أفعال العباد فيثبتون مرتبتي المشيئة والخلق، ولكن يقولون: "إن أفعال العباد--------------------------------------------
(1) الملل والنحل للشهرستاني (1/96-99) ، وانظر: نهاية الأقدام له (ص:72-78) ، وانظر: مذهب الإسلاميين: عبد الرحمن بدوي (1/557-561) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1337)

الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيهان بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما، فيكون الفعل مخلوقاً لله إبداعاص وإحداثاً، ومكسوباً، للعبد، والمراد بكسبه إياه: مقارنته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له" (1) .
فأفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى، وهي كسب للعباد، وعلى ذلك يترتب الثواب والعقاب، ولا تأثير لقدرة العبد في الفعل، وهذا قول جمهور الأشاعرة وهو القول الذي شنع بسببه المعتزلة على الأشاعرة لأنهم لما لم يثبتوا للعبد قدرة مؤثرة لم يكونوا بعيدين عن قول الجبرية (الجهمية) .
وللكسب عند هؤلاء تعريفات، أهمها:
1- ما يقع به المقدور من غير صحة انفراد القادر به (2) .
2- ما يقع به المقدور في محل قدرته (3) .
3- وبعض الأشاعرة يعرف الكسب بأنه: "ما وجد بالقادر وله عليه قدرة محدثة" (4) . ويضرب بعضهم للكسب مثلا "في الحجر الكبير قد يعجز عن حمله رجل، ويقدر آخر على حمله منفردا به، إذا اجتمعا جميعاً على حمله كان حصول الحمل بأقواهما ولا خرج أضعفهما بذلك عن كونه حاملا، كذلك العبد لا يقدر على الانفراد بفعله ولو أراد الله الانفراد بإحداث ما هو كسب للعبد--------------------------------------------
(1) شرح المواقف: للجرجاني (237) ، تحقيق الدكتور أحمد المهدي، وانظر: عيون المناظرات لأبي علي عمر السكوني (ص:164، 176، 224) .
(2) الإنسان هل هو مسير أم مخير؟ الدكتور فؤاد العقلي (ص:11) ، الطبعة الأولى 1980م، مكتبة الخانجي القاهرة. وانظر: شرح جوهرة التوحيد للباجوري (ص:219) ، ط 1392هـ.
(3) شرح جوهرة التوحيد (ص:219) .
(4) المعتمد في أصول الدين: (ص:128) ، وانظر: التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية: لجمال الدين الأفنغاني (ص:309) من الجزء الأول، ضمن الأعمال الكاملة لمؤلفات جمال الدين الأفغاني، تحقيق محمد عمارة، ط الأولى 1979م.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1338)

قدر عليه ووجد مقدوره، فوجوده على الحقيقة بقدرة الله تعالى ولا يخرج مع ذلك المكتسب من كونه فاعلا وإن وجد الفعل بقدرة الله تعالى" (1) .
وكسب الأشعري هذا هو الذي قيل فيه: ثلاثة أشياء لا حقيقة لها ومنها كسب الأشعري (2) ، وقد دار حوله نقاش طوي لوعريض، ولم ينته الأشاعرة فيه إلو قول مستقيم (3) .
2- قول أبي بكر الباقلاني: وهو كقول جمهور الأشاعرة إلا أنه خالفهم بأن الأفعال واقعة بمجموع القدرتين "على أن تتعلق قدرة الله بأصل الفعل وقدرة العبد بصفته، أعين بكونه طاعة ومعصية، إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا توصف بها أفعال تعالى، كما في لطم اليتيم تأديبا أو إيذاء، فإن ذات اللطم واقعة بقدرة الله وتأثيره، وكونه طاعة على الأول، ومعصية على الثاني بقدرة العبد وتأثيره" (4) ، يقول الباقلاني في رسالة الحرة: "ويجب أن يعلم أن العبد له كسب وليس مجبوراً، بل مكتسب لأفعاله من طاعة ومعصية لأنه تعالى قال: {لَهَا مَا كَسَبَت} (البقرة: من الآية134) يعني من ثواب طاعة {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت} (البقرة: من الآية286) يعني من عقاب معصية … ويدل على صحة هذا أيضاً: أن العاقل منا يفرق بين تحرك يده جبرا وسائر بدنه عند وقوع الحمى به، أو الارتعاش، وبين أن يحرك هو عضوا من أعضائه قاصدا إلى ذلك باختياره، فأفعال العباد هي كسب لهم وهي خلق الله تعالى، فما يتصف به الحق لا يتصف به الخلق، وما يتصف به الخلق لا يتصف به الحق، وكما لا يقال لله تعالى إنه مكتسب، كذلك لا يقال للعبد إنها خالق" (5) .--------------------------------------------
(1) أصول الدين للبغدادي (ص:133-134) ، وانظر: نشأة الأشعرية وتطورها، دكتور: جلال محمد موسى (ص:238) .
(2) وطفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، انظر: مجموع الفتاى (8/128*.
(3) انظر: مثلا: النشر الطيب على شرح الطيب، ادريس بن أحمد الوزاني الفاسي، (1/461) ، ط الأولى 1348هـ، وانظر: كتاب المسامرة، للكمال بن أبي شريف، بشرح المسايرة لابن الهمام (ص:107) ، ط الأولى، بولاق، 1317هـ، وانظر: حاشية الكلنبوي على شرح الدواني، مع حاشية المرجاني والخلخاني (1/251) ، ط 1317هـ.
(4) شرح المواقف (ص:239) - الجزء المحقق.
(5) رسالة الحرة - المطبوعة باسم الإنصاف (ص:43-44) .

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1339)

إذن فمذهب الباقلاني أن الفعل واقع بقدرة العبد بوصفه طاعة أو معصية يترتب عليه الثواب والعقاب.
3- قول أبي المعالي الجويني: كان في الو أمره يقول بقول عامة الأشاعرة وقد صرح بمذهبه هذا في الإرشاد: قال "اتفق سلف الأمة قبل ظهور البدع والأهواء واضطراب الآراء على أن الخالق المبدع رب العالمين، ولا خالق سواه، ولا مخترع إلا هو، فهذا هو مذهب أهل الحق، فالحوادث كلها حدثت بقدرة الله تعالى، ولا فرق بين ما تعلقت قدرة العباد به، وبين ما تفرد الرب بالاقتدار عليه ويخرج من مضمون هذا الأصل أن كل مقدور لقادر فالله تعالى قادر عليه وهو مخترعه ومنشئه" (1) . ثم قال: "فالوجه القطع بأن القدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها أصلا، وليس من شرط تعلق الصفة أن تؤثر في متعلقها، إذ العلم معقول تعلقه بالمعلوم مع أنه لا يؤثر فيه، وكذلك الإرادة المتعلقة بفعل العبد لا تؤثر في متعلقها" (2) . وواضح من هذا الكلام تمسك الجويني بمذهب الأشاعرة، وكلننا نجد في "العقيدة النظامية" وهي آخر ما كتب في العقيدة يرد قوله هذا وقول عموم الأشاعرة (3) وقد أطال الكلام في هذه المسألة ووضح مذهبه الذي انتهى إليه، وهو موافق لمذهب أهل السنة والجماعة.--------------------------------------------
(1) الإرشاد (ص:187) .
(2) المصدر السابق (ص:210) .
(3) انظر: العقيدة النظامية (ص:43-56) ، تحقيق أحمد حجازي السقا، ط الأولى 1398هـ، وانظر في مذهب الجويني: النشر الطيب (1/464) ، والملم والنحل للشهرستاني (1/98) ، ونهاية الأقدام (ص:78) وما بعدها. وفي الفلسفة الإسلامية (2/118) وما بعدها، ومذاهب الإسلاميين (1/739) وما بعدها.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1340)

4- قول أبي حامد الغزالي، وهو أن أفعال العباد واقعة بمجموع القدرتين على فعل واحد، وجوز اجتماع المؤثرين على فعل واحد، يقول "وإنما الحق إثبات القدرتين على فعل واحد، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين فلا يبقى إلا استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد، وهذا إنما يبعد إذا كان تعلق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقهما، فتوارد التعلقين على شيء واحد غير محال" (1) ، فالمؤثر عنده مجموع القدرتين، قدرة الله وقدرة العباد (2) .
القول الخامس: قول أهل السنة والجماعة، وهؤلاء يقرون بالمراتب الأربع الثابتة والتي دلت عليها النصوص، وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة والخلق، أما أفعال العباد فهي داخلة في المرتبة الرابعة، ولذلك فهم يقولون فهيا: إن الله خالق أفعال العباد كلها، والعباد فاعلون حقيقة، ولهم قدرة حقيقة على أعمالهم ولهم إرادة، ولكنها خاضعة لمشيئة الله الكونية فلا تخرج عنها.
منهج شيخ الإسلام في الرد على الأشاعرة في القدر:
أولاً: يوافق الأشاعرة أهل السنة في إثبات القدر، وأن الله خالق أفعال العباد.
ثانياً: أما قولهم بإثبات قدرة للعبد غير مؤثرة، وتسمية فعله كسبا، فشيخ الإسلام يرجع أصل قولهم هنا إلى قضية سبق شرحها في باب الصفات وهي قولهم: إن الفعل هو المفعول، والخلق هو المخلوق، وعدم تفريقهم بين ما يقوم بالله من الأفعال، وما هو منفصل عنه، وجعلهم كل أفعال الله مفعولة له منفصلة عنه.
فلما جاءوا إلى مسألة القدر وأفعال العباد واعتقدوا أنها مفعولة لله، قالوا: هي فعله، لأن الفعل عندهم هو المفعول، فيقيل لهم في ذلك: أهي فعل العبد؟ فاضطربوا في الإجابة، وانقسموا حيالها إلى أقوال ثلاثة:--------------------------------------------
(1) الاقتصاد (ص:58-59) ، ط دار الكتب العلمية.
(2) انظر: الأربعين للرازي (ص:13) ، ط دار الآفاق.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1341)

- جمهورهم قالوا: هي كسب العبد لا فعله، ولم يفرقوا بين الكسب والفعل بفرق محقق.
- ومنهم من قال: بل هي فعل بين فاعلين. وهو قول الغزالي الذي سبق.
- ومنهم من قال: بل الرب فعل ذات الفعل والعبد صفته وهذا قول الباقلاني - كما سبق - (1) .
"والتحقيق الذي عليه أئمة السنة وجمهور الأمة من الفرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق. فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله، ما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعول لله، وليس ذلك نفس خلقه وفعله، بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به، ليست قائمة بالله ولا يتصف بها، فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه وفعله كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعل لهذه الأفعال وهو المتصف بها، وله عليها قدرة، وهو فاعلها باختياره ومشيئته، وذلك كله مخلوق لله، فهي فعل العبد، وهي مفعول للرب" (2) .
وبهذا التفصيل الجيد يتبين غلط الأشاعرة حين جعلوا الفعل هو المفعول، فأوقعهم هذا في مأزق الكسب الذي اشتهروا به ولم يستطيعوا التخلص منه.
ومع هذا الرد المجمل فإن لشيخ الإسلام كثيراً من الردود التفصيلية، وأهمها:
1- أن كسب الأشعري لا حقيقة له، لأنهم فسروه بأنه عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة، وقالوا: الخلق هو المقدور بالقدرة القديمة. وما دام العبد ليس بفاعل، ولا له قدرة مؤثرة في الفعل فالزعم بأنه كاسب، وتسمية فعله كسبا لا حقيقة له، لأنه القائل بذلك لا يستطيع أن يوجد فرقا بين الفعل الذي نفاه عن العبد، والكسب الذي أثبته له. وكثيرا ما يشير شيخ الإسلام إلى أن قول--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (2/119) .
(2) المصدر السابق (2/119-129) ، وانظر: منهاج السنة (1/322-326) - ط دار العروبة المحققة.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 1342)