Arabic source text

📘 আত-তানকীলু বিমা ফী তানীবিল কাওসারী মিনাল আবাতীল - তবাতুল মাকতাবিল ইসলামী (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

📘 التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي (عبد الرحمن المعلمي اليماني - ت 1386 هـ)

📘 আত-তানকীলু বিমা ফী তানীবিল কাওসারী মিনাল আবাতীল - তবাতুল মাকতাবিল ইসলামী (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
صرف أكثر عمره في تتبع الرواة البغداديين لا يكون إلا مجهولًا، فهذا هو المسقط لتلك الحكاية من جهة السند. ويسقطها من جهة النظر أن مالكًا احتج بهشام في "الموطأ" مع أن مالكًا لا يجيز الأخذ عمن جُرِّب عليه كذب في حديث الناس، فكيف الرواية عنه؟ فكيف الاحتجاج به!
صح عن مالك أنه قال: "لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ عن سفيه معلِن بالسَّفَه وإن كان أروى الناس. ولا تأخذ عن كذّاب يكذب في أحاديث الناس، إذا جُرِّب ذلك عليه، وإن كان لا يُتهم أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم … ".
أسنده الخطيب في "الكفاية" (ص 116) وذكره ابن عبد البر في "كتاب العلم" كما في "مختصره" (ص 122)(1)، وقال: "وقد ذكرنا هذا الخبر عن مالك من طرق في كتاب "التمهيد"(2) … ".
وكأنّ الأستاذ يحاول إثبات أن الأئمة كمالك وابن معين يوثقون الرجل إذا رأوا أنه لا يكذب في الحديث النبويّ، وإن علموا أنه يكذب في الكلام، ويحاول أن يدخل في الكلام ما يرويه الثقات مما فيه غضٌّ من أبي حنيفة. وهكذا ما يرويه أحدهم عن غيره مما فيه غضٌّ من أبي حنيفة، ولو مِن بُعْد، كرواية هشام المذكورة. وعلى هذا فيدخل في الكلام الذي لا يمتنع الأئمة من توثيق الكاذب فيه كلُّ كلام إلا ما فيه إسناد خبر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولو ــ والعياذ بالله ــ تمَّ هذا للأستاذ لسقطت المرويات كلها، ويأبى الله ذلك--------------------------------------------
(1) "جامع بيان العلم": (2/ 821).
(2) (1/ 66).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 26)

والمؤمنون.
أما السنة فإنها لا تثبت إلا بثقة رواتها، وتوثيقُ الأئمة للرواة كلامٌ ليس فيه إسناد خبر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا كانوا يرون أن الكذب في ذلك لا ينافي الثقة لم نأمن أن يكذبوا فيه. وتوثيق مَنْ بعدَهم لهم لا يدفع أن يكونوا يكذبون مثل هذا الكذب، بل يجوز أن يكون ذاك التوثيق نفسه كذبًا وإن كان قائله ثقة. وهكذا رواية مَن بعد الأئمة لكلام الأئمة هي كلام. وبالجملة فيشمل ذلك سائر كلمات الجرح والتعديل، والمدح [1/ 18] والقدح: قولها وروايتها، وحكاية مقتضيها وروايته. وأما ما عدا السنة من آثار الصحابة والتابعين وغير ذلك، فكلُّه كلام.
وسيأتي تمام الكلام في القاعدة الأولى من قسم القواعد إن شاء الله تعالى(1).
وأما كلام الأستاذ في الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، فسيأتي إن شاء الله تعالى في تراجمهم(2). ويكفي العبارة التي قالها في "التأنيب"(3) في معرض الثناء عليهم زَعَم، ونقلها في "الترحيب"(4) في معرض التبرّؤ عن الطعن فيهم.--------------------------------------------
(1) (ص 53 - 58).
(2) في هذا الكتاب رقم (183، 189، 32) على التوالي. وقد أفرد المؤلف الرد على مطاعن الكوثري في الإمام الشافعي برسالة مستقلة سماها "تنزيه الإمام الشافعي عن مطاعن الكوثري" وهي ضمن هذه الموسوعة.
(3) (ص 11 - 15).
(4) (ص 315 - 317 - مع التأنيب).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 27)

وحقيقة الحال أن الأستاذ يرى، أو يتراءى، أو يفرض على الناس أن يروا أن منازل الأئمة هي كما يتحصَّل من مجموع كلامه في "التأنيب". ويرى أنه قد تفضَّل على الأئمة الثلاثة، وجامل أتباعَهم بأن أوهم في بعض عباراته رفعَهم عن تلك المنزلة قليلًا. فلما رآني لم أعتدّ بذاك الإيهام الفارغ كان أقصى ما عنده أن يوهم الجهالَ براءَته، ويُفهم العلماء أن تلك منازلهم عنده، رضوا أم كرهوا. وتمام الكلام في التراجم إن شاء الله تعالى.
* * * *

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 28)

‌‌4 ــ فصل
ذكر الأستاذ في "التأنيب"(1) أسبابًا اقتضت المنافرة بين الحنفية ومخالفيهم، وأطنب في فتنة القول بخلق القرآن. ثم ذكر في "الترحيب" (ص 18 - 19) أنه يتحتم عليَّ أن أدرس ملابسات تلك الفتنة. يريد أن الدعاة إليها كانوا من أتباع أبي حنيفة كبِشْر المريسى وابن أبي دُواد، ونسبوا تلك المقالة إلى أبي حنيفة، وساعدهم حفيده إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، واستحوذوا على الدولة، فسعت في تنفيذ تلك المقالة بكلّ قواها في جميع البلدان. فكان علماء السنة يكلَّفون بأن يقولوا: إن القرآن مخلوق، فمن أجاب مظهرًا الرضا والاعتقاد صار له منزلة وجاه في الدولة، وأُنعِمَ عليه بالعطاء وولاية القضاء وغير ذلك. ومن أبى حُرم عطاءه، وعُزل عن القضاء أو الولاية، ومُنع من نشر العلم. وكثير منهم سُجنوا، ومنهم من جُلد، ومنهم من قُتل. وأسرف الدعاة في ذلك، حتى كان القضاة لا يجيزون شهادة شاهد حتى يقول: إن القرآن مخلوق، فإن أبى ردوا شهادته، ومن أجاب مكرهًا ربما سجنوه وربما أطلقوه مسخوطًا عليه. وفي كتاب "قضاة مصر"(2) طرفٌ من وصف تلك المحنة. فيرى الأستاذ أن ذلك أوغر صدور أصحاب الحديث على أبي حنيفة، فكان فيهم من يذمه، ومنهم من يختلق الحكايات في ثلبه.
[1/ 19] فأقول: ليس في ذلك ما يبرر صنيع الأستاذ.--------------------------------------------
(1) (ص 16 - 20).
(2) للكندي (ص 445 - 447).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 29)

أما أولًا: فلأن أصحاب الحديث منهم من صرَّح بأنه لم يثبت عنده نسبة تلك المقالة إلى أبي حنيفة، كما رواه الخطيب من طريق المرُّوذي عن أحمد بن حنبل. ومنهم من وقعت له روايات تنسب إلى أبي حنيفة القول بأن القرآن غير مخلوق، وتلك الروايات معروفة في
"تاريخ بغداد" و"مناقب أبي حنيفة" وغيرها. فكيف يُظن بهم أن يحملوا على أبي حنيفة ذنبًا يرونه بريئًا منه، ويخرجوه من صَفّهم ــ مع عدم استغنائهم عنه ــ إلى صفِّ مخالفهم؟
وأما ثانيًا: فهل يريد الأستاذ أن يستنتج من ذلك أن أصحاب الحديث صاروا كلُّهم بين سفيه فاجر كذّاب، وأحمق مغفَّل يستحلُّ الكذب الذي هو في مذهبه من أكبر الكبائر وأقبح القبائح؟ فليت شعري عند من بقي العلم والدين؟ أعند الجهمية الذين يعزلون الله وكتبه ورسله عن الاعتداد في عَظْم الدين وهو الاعتقاديات، ويتبعون فيها الأهواء والأوهام! يقال لأحدهم: قال الله عز وجل … ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فتلتوي عنقه، ويتقبَّض وجهُه تبرُّمًا وتكرُّهًا. ويقال له: قال ابن سينا … ، فيستوي قاعدًا، ويسمو رأسه، وينبسط وجهه، وتتسع عيناه، وتصغي أذناه، كأنه يتلقى بشرى عظيمة كان يتوقعها. فهل هذا هو الإيمان الذي لا يزيد ولا ينقص يا أستاذ!
وأما ثالثًا: فإن ما يسميه الأستاذ "مثالب أبي حنيفة" أكثرها كان معروفًا قبل المحنة. ولهذا احتاج الأستاذ إلى مُساورة كبار الأئمة وأركان الدين وجبال الأمة مثل أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفَزَاري، وسفيان بن سعيد الثوري، وحماد بن سلمة.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 30)

وأما رابعًا: فقد أثبتها في كتبه، أو أثبت مقتضاها مَنْ عاصر المحنة وعرف ما لها وما عليها كيعقوب بن سفيان والبخاري، وهل يتَّهم البخاريَّ إلا مجنون!
وأما خامسًا: فإن تلك المشادّة لم تقتصر على أصحاب الحديث، بل كان لأصحاب أبي حنيفة النصيب الأوفر من اختلاق الحكايات في مناقبه. بل جاوزوا ذلك إلى وضع الأحاديث كحديث: "يكون في أمتي رجل اسمه النعمان، وكنيته أبو حنيفة. هو سراج أمتي، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي". وزاد بعضهم فيه: "وسيكون في أمتي رجل يقال [1/ 20] له محمد بن إدريس، فتنته على أمتي أضرُّ من إبليس"(1).
وتناول الأعاجم هذه الفرية، فاختلقوا لها عدة طرق، وقبلها علماء الحنفية واحتجُّوا بها، حتى إن البدر العيني شارح "صحيح البخاري" الذي يحاول الأستاذ تفضيله على الحافظ الشهاب ابن حجر، ويقول في تفضيل شرحه على "فتح الباري": "وليس الشهاب كلّ حين بثاقب، بينما البدر ملتمع الأنوار من كل جانب"(2). ذكر العيني تلك الطرق ثم قال كما نقله الأستاذ في "التأنيب" (ص 30): "فهذا الحديث ــ كما ترى ــ قد رُوي بطرق مختلفة (بل مختَلَقة) ومتون متباينة ورواة متعدّدة عن النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا يدل على--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (870 و 871) وغيره، وهو متفق على وضعه.
(2) لا أحب أناقش الأستاذ في هذا، فإنه يعرف حقيقة الحال، والله المستعان. [المؤلف].
أقول: ذكر هذا الكوثري في تعليقه على "لحظ الألحاظ ذيل تذكرة الحفاظ" لابن فهد (ص 334).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 31)

أن له أصلًا وإن كان بعض المحدّثين بل أكثرهم ينكرونه، وبعضهم يدّعون أنه موضوع. وربما كان هذا من أثر التعصب. ورواةُ الحديث أكثرهم علماء وهم من خير الأمم فلا يليق بحالهم الاختلاق على النبي عليه الصلاة والسلام … ".
ولا أدري أأقول: هذا مبلغ علم العيني، أم مبلغ تعصّبه؟ وقد سعى الأستاذ في تأييد كلام العيني، وسيأتي الكلام في ذلك في ترجمة محمد بن سعيد البورقي(1) إن شاء الله تعالى.
والذي تفنن في طرق تلك الفرية هو يونس بن طاهر النضري الملقب شيخ الإسلام. ومن جملة رواياته ما ذكر الموفق في "مناقبه" (ج 1 ص 16) من طريق النضري بسنده: "رأى أبو حنيفة في المنام … فارتحل إلى البصرة، فسأل محمد بن سيرين عن هذه الرؤيا، فقال: لستُ بصاحب هذه الرؤيا، صاحب هذه الرؤيا أبو حنيفة. فقال: أنا أبو حنيفة. فقال: اكشف عن ظهرك. فكشف، فرأى بين كتفيه خالًا، فقال له محمد بن سيرين: أنت أبو حنيفة الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج في أمتي رجلٌ يقال له أبو حنيفة، بين كتفيه خال، يُحيي الله على يديه السنة". ولا يخفى ما في ذكر الخال بين الكتفين من المضارعة لخاتم النبوة.
فالأستاذ ــ عافانا الله وإياه ــ يأخذ روايات الحنفية في مناقب أبي حنيفة كأنها مسلَّمة، بل يصرّح بأنها متواترة، ويتجلّد حقّ التجلّد، فيدافع عن أحمد بن محمد بن الصّلْت، كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى(2).--------------------------------------------
(1) من هذا الكتاب رقم (207).
(2) رقم (34).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 32)

ويطعن في أئمة الدين كأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وأضرابهما، كما يأتي في التراجم إن شاء الله تعالى(1)؛ مع أن ابن الصّلْت مُجمَع [1/ 21] على تكذيبه، والفزاريّ والحميدي وجماعة من أضرابهما الذين طعن فيهم الأستاذ مُجمَع على أنهم أئمة أثبات.
ولا ريب أن في أَتْباع أصحاب الحديث جهّالًا ومغفّلين وفجّارًا، وأنه وقع مِن هؤلاء الكذب؛ ولولا أن الخطيب اجتهد فلم يورد في حكايات الغضّ ما بان له سقوطه لجاء بالعجب العجاب. لكن الجهل في الجانب الآخر أعمّ وأطمّ، لغلبة الجهل بالسنة، وقلة الرواية التي يراقب صاحبها ألسنة النقاد صباح مساء، ويخاف أن يفقد رأس ماله بكلمة واحدة منهم.
وكان مقتضى الحكمة اتّباع ما مضى عليه أهل العلم منذ سبعمائة سنة تقريبًا مِن سَدْل الستار على تلك الأحوال، وتقارض الثناء، واقتصار الحنفية في بعض المناسبات على التألُّم من الخطيب بأنه أورد حكايات لا تصح. فيقتصرون على هذا الإجمال ونحوه، ولا يطعنون في الخطيب، ولا في راوٍ بعينه، ويعوضون أنفسهم بالاستكثار من روايات المناقب؛ فإن جاوز بعضهم ذلك، فعلى قدرٍ ومراعاةٍ للجانب الآخر. فليت الأستاذ اكتفى بما يقرب من ذلك، وطوى الثوب على غَرِّه(2). فإن أبت نفسُه إلّا بعثرة القبور، فليتحرَّ الحق إما تدينًا، وإما علمًا بأن في الناس بقايا، وفي الزوايا خبايا(3)!--------------------------------------------
(1) رقم (8 و 121).
(2) في (ط): "غرة" وهو خطأ.
(3) ومنهم من يقول:
فإن تمنعوا عنا السلاحَ فعندنا … سلاحٌ لنا لا يُشترى بالدراهم
جنادلُ أملاءُ الأكفِّ كأنها … رؤوسُ رجالٍ حُلِّقَتْ بالمواسم [المؤلف].

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 33)

أما أنا فقدَّمتُ بيان مقصودي، ولا شأن لي بما عداه. ولو أُلجئت إلى نقد الروايات من الجانبين لتحريت الحق إن شاء الله تعالى. وذلك بالنظر في أحوال الرواة من الفريقين، فمن وثَّقه أهل العلم فلا بد من قبوله، ولا يُعدُّ ميلُه إلى أبي حنيفة ولا انحرافُه عنه مسوغًا لاتهامه بالكذب، كما سيأتي في قاعدة التهمة إن شاء الله تعالى. ولا يلزم من ثقته بنفسه توجُّهُ الذمّ ولا تحقُّقُ المدح، لما تقدم في الفصل الثاني(1). كما لا يلزم من اتجاه عدم قبول المرويّ سقوطُ رجال السند كلهم، بل ولا سقوطُ المتفرِّد به، وإن كان مَنْ فوقه في السند كلّهم ثقاتٍ أثباتًا؛ لاحتمال الخطأ والغلط والتأويل وغير ذلك، كما يعترف الأستاذ. نعم قد لا يكون مساغ لشيء من ذلك، ويتحقّق البطلان؛ لكن الحكم بمثل هذا يحتاج إلى معرفة بالغة، واطلاع واسع، وصدر غنيّ بالتقوى بعيد عن الهوى. وسترى في التراجم ما ترى إن شاء الله تعالى.
* * * *--------------------------------------------
(1) (ص 11 - 12).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 34)

[1/ 22]‌‌ 5 ـ فصل
الأستاذ من أهل الرأي، ويظهر أنه من غلاة المقلِّدين في فروع الفقه، ومن مقلِّدي المتكلّمين، ومن المجارين لكُتَّاب العصر إلى حدٍّ ما. وكلّ واحدة من هذه الأربع تقتضي قلَّةَ مبالاة بالمرويات، ودربةً على التمحُّل في ردِّها، وجرأةً على مخالفتها واتهام رواتها.
أما أهل الرأي، فهذه بدايتهم:
في "الصحيح"(1) عن أبي هريرة قال: "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يُكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله الموعد. إني كنتُ امرأً مسكينًا أصْحَب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مِلء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفَقُ بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم … ".
ومَن تتبّع السيرة والسنة علم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ربما يقضي بالقضية، أو يحدِّث بالحديث، أو يفتي في مسألة، وليس عنده من أصحابه إلا الواحد أو الاثنان. ثم كان معظم أصحابه لا يحدِّثون بالحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم إلّا عندما تدعو الحاجة(2)، ومِن لازمِ ما تقدّم مع احتمال نسيان بعضهم، أو موته قبل أن يخبر بالحديث: أن يكون كثير من السنن ينفرد بسماعها أو بحفظها أو بروايتها آحادُ الصحابة. ثم تفرَّق الصحابةُ في الأقطار، فمنهم من هو في باديته، ومنهم مَن صار إلى الشام والعراق ومصر واليمن، فكان عند أهل كلّ جهة أحاديث من السنة لم تكن--------------------------------------------
(1) البخاري (7354، 2350، 2047) ومسلم (2492).
(2) وانظر "الأنوار الكاشفة" (ص 58 وما بعدها) للمؤلف.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 35)

عند غيرهم في أول الأمر، كما رُوي عن مالك(1)؛ ثم اجتهد أصحاب الحديث في جمع السنة من كلّ وجه.
وقد عُلِم من الشريعة أنه ليس على العالم الإحاطة بالعلم كله، وأن مَنْ شهد له أهلُ العلم بأنه عالم، فإنما عليه إذا احتاج إلى قضاء أو فتوى أن ينظر في كتاب الله عز وجل وفيما يعلمه من السنة، فإن لم يجد فيهما النصَّ على تلك المسألة سأل مَن يَسْهُل عليه ممن يرجو أن يكون عنده دليل. فإن لم يجد وعَرَف أن لبعض الصحابة قولًا في تلك المسألة لم يَعْلَم له مخالفًا أخذ به، وإن علم خلافًا رجَّح. فإن لم يجد قول صحابيّ ووجد قول تابعيّ ممن تقدمه لم يعلم له مخالفًا فيه أخذ به، وإن علم خلافًا رجَّح.
[1/ 23] وكان الغالب في الترجيح أن يرجِّح العالمُ قولَ مَن كان ببلده من الصحابة أو التابعين، لمزيد معرفته بهم المقتضية لزيادة الوثوق، هذا مع ما للإلف والعادة من الأثر الخفيّ. فإن لم يجد شيئًا مما تقدّم اجتهد رأيه، وقضى وأفتى بما يظهر له. ثم إذا قضى أو أفتى مستنِدًا إلى شيء مما تقدم، ثم وجد دليلًا أقوى مما استند إليه يخالف ما ذهب إليه سابقًا، أخذ من حينئذ بالأقوى.
على هذا جرى الخلفاء الراشدون وغيرهم، كما هو مبسوط في مواضعه، ومنها: "إعلام الموقعين"(2).--------------------------------------------
(1) في قصته مع أبي جعفر المنصور، لما عزم أن يلزم الناس بما في "الموطأ" فقال مالك: "لا تفعل فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به … " إلخ. أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم": (1/ 532).
(2) (2/ 153 - 158).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 36)

وكان كثير من أهل العلم من الصحابة وغيرهم يتَّقون النظر فيما لم يجدوا فيه نصًّا، وكان منهم من يتوسّع في ذلك. ثم نشأ من أهل العلم ولاسيَّما بالكوفة من توسَّع في ذلك، وتوسّع في النظر في القضايا التي لم تقع، وأخذوا يبحثون في ذلك، ويتناظرون ويصرفون أوقاتهم في ذلك. واتصل بهم جماعة من طلبة العلم تشاغلوا بذلك، ورأوه أشهى لأنفسهم وأيسر عليهم من تتبع الرواة في البلدان، والإمعان في جمع الأحاديث والآثار، ومعرفة أحوال الرواة وعاداتهم والإمعان في ذلك؛ ليعرف الصحيح من السقيم، والصواب من الخطأ، والراجح من المرجوح، ويعرف العام والخاص، والمطلق والمبين وغير ذلك. فوقعوا فيما رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "إياكم والرأي، فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يَعُوها، وتفلّتت منهم أن يحفظوها، فقالوا في الدين برأيهم". راجع "إعلام الموقعين" طبعة مطبعة النيل بمصر (ج 1 ص 62)(1)، وراجع "كتاب العلم"(2) لابن عبد البر.
فوقع فيما ذهبوا إليه وعملوا به وأفتوا مسائلُ ثبتت فيها السنةُ مخالفةً لما ذهبوا إليه، لم يكونوا اطلعوا عليها، فكان الحديث من تلك الأحاديث إذا بلغهم ارتابوا فيه؛ لمخالفته ما ذهب إليه أسلافُهم واستمرَّ عليه عملُهم، ورأوا أنه هو الذي يقتضيه النظر المعقول (القياس). فمِن تلك الأحاديث ما كان من الثبوت والصراحة بحيث قَهَرهم، فلم يجدوا بدًّا من الأخذ به. وكثير منها كانوا يردُّونها، ويتلمَّسون المعاذير، مع أن منها ما هو أثبت وأظهر--------------------------------------------
(1) (2/ 102 - دار ابن الجوزي).
(2) (2/ 1042).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 37)

وأقرب إلى القياس من أحاديث قد أخذوا بها. لكن هذه التي أخذوا بها ــ مع ما فيها من الضعف ومخالفة القياس ــ وردت عليهم قبل أن يذهبوا إلى خلافها، فقبلوها اتباعًا. وتلك التي ردُّوها مع [1/ 24] قوة ثبوتها إنما بلغتهم بعد أن استقرَّ عندهم خلافُها، واستمروا على العمل بذلك، ومضى عليه أشياخهم. وربما أخذوا بشيء من النقل، ثم بلغهم من السنة ما يخالفه، فأعجزهم أن ينظروا كما ينظر أئمة الحديث لمعرفة الصحيح من السقيم، والخطأ من الصواب، والراجح من المرجوح؛ فقنعوا بالرأي، كما ترى أمثلة لذلك في قسم الفقهيات، ولاسيَّما في مسألة ما تقطع فيه يد السارق(1). وهذا ديدنهم، وعليه يعتمد الطحاوي وغيره منهم.
ولهذا بينما تجد الحنفية يتبجَّحون بأن مذهب أبي حنيفة وسائر فقهاء العراق تقديم الحديث الضعيف على القياس ــ وقد ذكر الأستاذ ذلك في "التأنيب" (ص 161) ــ إذا بهم يردُّون كثيرًا من الأحاديث الصحيحة، لمخالفتها آراءَ سلفهم، وآراءَهم التي أخذوا بها. وقد كان الشافعي ينعى عليهم ذلك. ومن كلامه كما في "سنن البيهقي" (ج 1 ص 148): "والذي يزعم أن عليه الوضوء في القهقهة يزعم أن القياس أن لا ينتقض، ولكنه يتبع الآثار. فلو كان يتبع منها الصحيح المعروف كان بذلك عندنا حميدًا، ولكنه يردّ منها الصحيح الموصول المعروف، ويقبل الضعيف المنقطع".
فالحنفية يعرفون شناعة ردِّ السنة بالرأي، ولكنهم يتلمَّسون المعاذير، فيحاولون استنباط أصول يمكنهم إذا تشبثوا بها أن يعتذروا عن الأحاديث--------------------------------------------
(1) (2/ 156 - 238).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 38)

التي ردُّوها بعذر سوى مخالفة القياس، وسوى الجمود على اتباع أشياخهم. ولكن تلك الأصول مع ضعفها لا تطَّرد لهم؛ لأن أشياخهم قد أخذوا بما يخالفها؛ ولهذا يكثر تناقضهم. وفي مناظرات الشافعي لهم كثير من بيان تناقضهم، بل من تدبَّر ما كتبوه في أصول الفقه بان له كثير من التناقض. كما ترى المتأخر منهم يخالف المتقدم حتى إن الأستاذ الكوثري ذكر في "التأنيب" (ص 152 - 153) عدة أصول لمحاربة السنن الثابتة، ومنها ما خالف فيه مَن تقدَّمه منهم. ولما تعقبته في "الطليعة" (ص 102)(1) في قوله: "عنعنة قتادة متكلم فيها" بأن ذلك الحديث في "صحيح البخاري"(2) وفيه: "حدثنا قتادة حدثنا أنس … "، وفي "مسند أحمد"(3) وفيه: "أنا قتادة أن أنسًا أخبره … " أجاب في "الترحيب" (ص 49) بقوله: "مِنْ مذهب أبي حنيفة أيضًا كما يقول ابن رجب في "شرح علل الترمذي" ردُّ الزائد [1/ 25] إلى الناقص في الحديث متنًا وسندًا. وهذا احتياط بالغ في دين الله … فهل عرفت الآن يا معلِّمي مذهب الإمام لتقلع عن نسج الأوهام؟ ".
هذا، والأستاذ يعلم أولًا: أن النسبة إلى أبي حنيفة لا يكفي في إثباتها قول رجل حنبليّ بينه وبين أبي حنيفة عدة قرون!
ويعلم ثانيًا: ما في كتب مذهبه مما يخالف هذا.
ويعلم ثالثًا: أن قول الراوي: "قتادة عن أنس"، وقوله مرة أخرى أو قول--------------------------------------------
(1) (ص 80).
(2) (6884).
(3) (13840).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 39)

غيره: "قتادة حدثنا أنس"، ومرة أخرى: "قتادة أن أنسًا أخبره" ليس من باب النقص والزيادة، وإنما هو من باب المحتمل والمعيَّن، أو المجمل والمبيَّن.
ويعلم رابعًا: أن من أصل الحنفية الاحتجاج بالمنقطع، فما لم يتبين انقطاعه بل هو متردّد بين الاتصال والانقطاع أولى، فإذا ثبت مع ذلك اتصاله من وجه آخر فآكد.
ويعلم خامسًا: أنه لا ينبغي له أن يدافع عن نفسه بإلقاء التُّهَم على إمامه.
فأما الاحتياط البالغ في دين الله الذي يموِّه به الأستاذ، فالتحرِّي(1) البالغ الذي سبق ما فيه في الفصل الثالث، فلا نعيده.
هذا، وحديث الرّضْخ سيأتي بسط الكلام فيه في الفقهيات إن شاء الله تعالى(2).
والمقصود هنا أن أصحاب الرأي لهم عادة ودُرْبة في دفع الروايات الصحيحة، ومحاولة القدح في بعض الرواة، حتى لم يسلم منهم الصحابة رضي الله عنهم؛ على أن الأستاذ لم يقتصر على كلام أسلافه وما يقرب منه، بل أربى عليهم جميعًا، كما تراه في "الطليعة"(3) ويأتي بقيته في التراجم إن شاء الله تعالى.--------------------------------------------
(1) كذا في (ط) ولعلها: "فكالتحرِّي .. " يعني: أن ما زعمه الأستاذ هنا من الاحتياط البالغ فهو مثل التحرِّي المزعوم الذي سبق كشفه، وبيان أن نتيجته ردّ السنة. انظر (ص 22 - 23).
(2) (2/ 147 وما بعدها). وتقدم تخريجه.
(3) (ص).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 40)

وأما غلاة المقلّدين، فأمرهم ظاهر. وذلك أن المتبوع قد لا تبلغه السنة، وقد يغفل عن الدليل أو الدلالة، وقد يسهو أو يخطئ أو يزلّ، فيقع في قول تجيء الأحاديث بخلافه، فيحتاج مقلِّدوه إلى دفعها والتمحّل في ردها. ولو اقتصر الأستاذ على نحو ما عُرِف عنهم لهان الخطب، ولكنه يعدُّ غلوّهم تقصيرًا!
وأما المتكلِّمون، فأول مَن بلغنا أنه خاض في ذلك عمرو بن عبيد. ذُكر له حديث يخالف [1/ 26] هواه، رواه الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عمرو: "لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذَّبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدَّقته، ولو سمعت ابن مسعود يقوله لما قبلته، ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله عز وجل يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذتَ ميثاقنا"(1). وتعدّى إلى القرآن، فقال في: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1]، وقوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [المدثر: 11] "لم يكونا في اللوح المحفوظ"(2). كأنه يريد أن الله تبارك وتعالى لم يكن يعلم بما سيكون من أبي لهب ومن الوحيد.
ثم كان في القرن الثاني جماعة ممن عُرف بسوء السيرة، والجهل بالسنة، ورقة الدين، كثمامة بن أشرس، والنظَّام، والجاحظ؛ خاضوا في--------------------------------------------
(1) أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد": (12/ 170) في ترجمته.
(2) أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد": (12/ 170).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 41)

ذلك كما أشار إليه ابن قتيبة(1) وغيره. وجماعة آخرون كانوا يتعاطون الرأي والكلام يردُّون الأخبار كلَّها. وآخرون يردُّون أخبار الآحاد أي ما دون المتواتر، كسر الله تعالى شوكتهم بالشافعي، حتى إن شيوخه ومن في طبقتهم من الأكابر كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي انتفعوا بكتبه. قال الشافعي في "الأم" (ج 7 ص 250)(2): "باب حكاية قول الطائفة التي ردَّت الأخبار كلها"، ثم ذكر مناظرته لهم. ثم قال بعد ذلك: "باب حكاية قول من رد خبر الخاصة"، فذكر كلامه معهم. وبسط الكلام في ذلك في "الرسالة"، وفي "كتاب اختلاف الحديث".
ثم كانت المحنة(3) وويلاتها. وكان دعاتها لا يجرؤون على ردِّ الحديث، وسيأتي في ترجمة علي بن عبد الله ابن المديني(4) بعض ما يتعلّق بذلك. ثم جاء محمد بن شجاع بن الثلجي فلم يجرؤ على الردّ، وإنما لفَّق ما حاول به إسقاط حماد بن سلمة ــ كما يأتي في ترجمة حماد(5) إن شاء الله تعالى ــ وجمع كتابًا تكلَّف فيه تأويل الأحاديث، وتَبِعه من الأشعرية ابنُ فُورَك في كتابه المطبوع(6). ثم اشتهر بين المتكلمين أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة لا تصلح حجة في صفات الله عز وجل ونحوها--------------------------------------------
(1) في "تأويل مختلف الحديث" (ص 61 وما بعدها).
(2) (9/ 5 - 19).
(3) يعني محنة القول بخلق القرآن.
(4) في هذا الكتاب رقم (163).
(5) رقم (85).
(6) يعني كتابه "مشكل الحديث وبيانه".

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 42)

من الاعتقاديات، وصرَّحوا بذلك في كتب الكلام والعقائد كـ"المواقف" و"شرحها". والأمر أشدُّ من ذلك، كما يأتي في الاعتقاديات(1) إن شاء الله تعالى. والأستاذ يدين بالكلام ويتشدّد.
ومع هذا كله، فغالب أصحاب الرأي وغلاة المقلدين وأكثر المتكلمين لم يُقدِموا على [1/ 27] اتهام الرواة الذين وثَّقهم أهلُ الحديث، وإنما يحملون على الخطأ والغلط والتأويل، وذلك معروف في كتب أصحاب الرأي والمقلدين. أما الأستاذ، فبرَّز على هؤلاء جميعًا!
وأما كُتَّاب العصر، فإنهم مقتدون بكُتَّاب الإفرنج الذين يتعاطون النظر في الإسلاميات ونحوها، وهم مع ما في نفوسهم من الهوى والعداء للإسلام إنما يعرفون الدواعي إلى الكذب، ولا يعرفون معظم الموانع منه(2).
فمن الموانع: التديُّن والخوف من رب العالمين الذي بيده ملكوت الدنيا والآخرة، وقد قال سبحانه: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النحل: 105]. وفي "الصحيح"(3) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "علامة المنافق ثلاث، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدَّث كذَب، وإذا اؤتُمِن خان، وإذا وعد أخلَفَ". وإخلاف الوعد أغلب ما يكون--------------------------------------------
(1) (2/ 411 وما بعدها).
(2) وانظر "الأنوار الكاشفة" (ص 397 - 399) للمؤلف.
(3) أخرجه مسلم رقم (59) بنحوه من حديث أبي هريرة، وروي بألفاظ أخرى في الصحيحين وغيرهما.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 43)

إذا كان الوعد كذبًا، والخيانة تعتمد الكذب كما لا يخفى.
وقال أبو بكر الصديق: "الكذب مجانب للإيمان"(1).
فأما توهُم حِلّ الكذب في مصلحة الدين، فلا يكون إلا من أجهل الناس وأشدّهم غفلة؛ لأن حَظْر الكذب مطلقًا هو من أظهر الأحكام الشرعية.
وأولئك الكُتَّاب لا يعرفون هذا المانع، لأنهم لا يجدونه في أنفسهم، ولا يجدون فيمن يخالطونه مَن تقهرهم سيرتُه على اعتقاد اتصافه بهذا المانع؛ لضعف الإيمان في غالب الناس ورقَّة التديُّن. ولا يعرفون من أحوال سلف المسلمين ما يقهرهم على العلم باتصافهم بذلك المانع، لأنهم إنما يطالعون التواريخ وكتب الأدب ك "الأغاني" ونحوها.
وهذه الكتب يكثر فيها الكذب والحكايات الفاجرة، كان فَجَرةُ الأخباريين يضعون تلك الحكايات لأغراض منها: دفع الملامة عن أنفسهم. يقولون: ليس هذا العيب خاصًّا بنا، بل كان مَن قبلنا كذلك حتى المشهورون بالفضل. ومنها: ترويج الفجور والدعاية إليه، ليكثر أهلُه، فيجد الداعي مساعدين عليه؛ ويقوى عذرُه. ومنها: ترغيب الأمراء والأغنياء في الفجور، وتشجيعهم عليه ليجد الدعاة المتأدِّبون مراعي خصبة يتمتّعون فيها بلذّاتهم وشهواتهم. ومنها: التقرُّب إلى الأمراء والأغنياء بالحكايات الفاجرة التي يلذّ لهم سماعُها، إلى غير ذلك. وما يوجد في تلك [1/ 28] الكتب من الصدق إنما يصوِّر طائفةً مخصوصة كالأمراء المترفين، والشعراء والأدباء ونحوهم.--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد في "المسند" (16)، ووكيع في "الزهد" (399) وغيرهما. وهو صحيح.

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 44)

ولو عكف أولئك الكُتَّاب على كتب السنة ورجالها وأخبارهم، لعلموا أن هذه الطائفة ــ وهي طائفة أصحاب الحديث ــ كان ذلك المانع غالبًا فيهم.
وقد احتجّ بعضُهم بما في "الأغاني" في أخبار عُمر بن أبي ربيعة من طريق عبد العزيز بن أبي ثابت (وهو عبد العزيز بن عمران) عن محمد بن عبد العزيز، عن ابن أبي نهشل، عن أبيه قال: قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام .... ولو راجع تراجم هؤلاء في كتب رجال الحديث، وفكَّر في أحوالهم وفي حال القصة، لعَلِم بطلان القصة حتمًا.
ومن الموانع: خوف الضرر الدنيوي. وأولئك الكُتَّاب يعرفون شطر(1) هذا المانع، وهو الضرر المادي؛ فإنهم يعلمون أن أرباب المصانع والمتاجر الكبيرة يتجنَّبون الخيانةَ والكذبَ في المعاملات خوفًا من أن يسقط اعتماد المعاملين عليهم، فيعدلوا إلى معاملة غيرهم. بل أصحاب المصانع والمتاجر الصغيرة يجرون على ذلك غالبًا، وإلا لكانت الخصومات مستمرة في الأسواق، بل لعلها تتعطل الأسواق؛ فليتدبر القارئ ذلك.
فأما الشطر المعنويّ فإن أولئك الكُتَّاب لا يقدرون قدره. فأقول: كان العرب يحبون الشرف، ويرون أن الكذب من أفحش العيوب المسقطة للرجل. وفي أوائل "صحيح البخاري"(2) في قصة أبي سفيان بن حرب أن هرقل لما جاءه كتاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم دعا بمن كان بالشام من تجّار قريش،--------------------------------------------
(1) (ط): "شرط" تحريف.
(2) (7).

(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 45)