(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر: 9] فالمسلم الذي يؤثر إخوانه في الله بماله ونفسه، فينزلهم أعظم من نفسه، فإن ذلك دليل على كمال إيمانه وعظيم حبه لله تعالى، ولمن يحبهم الله من خلقه، وهذه أعظم منزلة في الإيثار، ودونها منزلة أخرى وهي أن ينزل المسلم إخوانه المؤمنين منزلة نفسه فتسمح نفسه بمشاركتهم له في ماله ومنزله إذا اقتضى الأمر ذلك.
قال الحسن: «كان أحدهم يشق إزاره لأخيه مناصفة بينهما» (1).
ودون المرتبتين السابقتين مرتبة ثالثة، وهي أن ينزل المسلم أخاه مرتبة الصاحب لديه، فيقوم بحاجته من فضل ماله، إذا عرضت له حاجة وهو يملكها بين يديه قدمها دون أن يلجئه إلى السؤال إذا علم بحاله، فإن ألجأه إلى السؤال فهو دليل على تقصيره في حق أخيه عليه، فإذا لم تجد نفسك في رتبة من هذه الرتب مع إخوانك الذين انعقدت رابطة الأخوة بينك وبينهم فاعلم أن الجاري بينكم مخالطة وهمية ليست ذات صفة شرعية صادقة.
فقد روي أن أبا هريرة رضي الله عنه جاءه رجل فقال: إني أريد أن أواخيك في الله فقال: أتدري ما حق الإخاء في الله؟ قال له عرفني قال: أن لا تكون أحق بدينارك ودرهمك مني، فقال الرجل: لم أبلغ هذه المنزلة بعد قال: إذا فاذهب عني (2) اهـ.
ثانيًا: من حقوق الموالاة في الله قضاء حاجات الإخوان والقيام بها--------------------------------------------
(1) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (1605) (556/ 6) الورقة (37) المؤلف غير معروف كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبًا.
(2) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوط بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (1605) فيلم (556/ 6) الورقة (37) المؤلف غير معروف، كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
على قدر الاستطاعة والقدرة، مع البشاشة، وإظهار الفرح والاستبشار بها قال بعض السلف (1): إذا استقضيت أخاك الحاجة فلم يقضها لك فذكره ثانية فلعله قد نسيها، فإن لم يقضها لك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم كبر عليه واقرأ هذه الآية: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) [الأنعام: 36] اهـ.
وكان بعض السلف الصالح يقوم بتفقد عيال أخيه في الله بعد موته عشرات السنين، فيقضي حاجاتهم، ويلبي مطالبهم، ويتودد لهم، ويتردد عليهم، كأنهم بمنزلة أولاده، فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه (2).
قال ميمون بن مهران: (من لم ينفعك بصداقته، لم يضرك بعداوته (3)) اهـ.
وروي في الأثر: ألا إن لله أواني في أرضه وهي القلوب فأحب الأواني إلى الله أصفاها وأصلبها وأرقها، وأخلصها من الذنوب وأصلبها في الدين وأرقها على الإخوان (4).
وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: «إخواننا أحب إلينا من أهلينا وأولادنا لأن أهلينا يذكروننا الدنيا، وإخواننا يذكروننا الآخرة» (5).
ثالثا: من حقوق الموالاة في الله أن يسكت الأخ المسلم عن عيوب إخوانه في غيبتهم وحضرتهم، إذا كانت هذه العيوب لا تمس شيئا من واجبات الدين وأركانه وذلك مثل قلة الأكل عند البعض منهم أو زيادته--------------------------------------------
(1) نفس المصدر السابق نفس المكان.
(2) المصدر السابق الورقة (40).
(3) المصدر السابق نفس المكان.
(4) فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (1605) فيلم (556/ 6) الورقة (40) المؤلف غير معروف، كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبًا.
(5) المصدر السابق الورقة (40، 41).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
عند البعض الآخر أو كثرة النعاس لدى بعضهم أو قلة الكلام من بعضهم وكثرته عند البعض الآخر، فإن هذه الأمور ونحوها من الأولى أن يتجاهلها الأخ من إخوانه فلا يبديها لهم إذا خاف في إبدائها لهم أو مناقشتهم فيها ما يحملهم على قطع رابطة الأخوة ومفارقة الجماعة، فلا يبديها لهم ولا يناقشهم فيها مواجهة، ولكن يعرض بما هو شبيه بحالتهم، فيكون ناصحا لهم بطريق غير مباشر.
وعلى الأخ أن لا يكثر من مفاتحة إخوانه بأشياء لم يذكروها مخافة أن يحملهم على الكذب اضطرارًا في ذلك، وأن يسكت عن القدح في أحباب إخوانه والمقربين إليهم، ممن لا يظهر عليهم فعل المعاصي والمجاهرة بها.
قال ابن المبارك: «المؤمن يطلب لهفوات إخوانه المعاذير والمنافق يطلب العثرات» (1) اهـ.
ومن حقوق الموالاة في الله (2) ترك سوء الظن بالأخ المسلم، فسوء الظن غيبة القلب، وذلك أمر منهي عنه المسلم، ما لم تتوافر الأدلة اليقينية في حصول الأمر المظنون به، وسوء الظن هو أن تحمل فعل أخيك على--------------------------------------------
(1) هو عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن المروزي مولى بني حنظلة كانت أمه خوارزمية وكان أبوه عبد تركيا لرحل من تجار همدان من بني حنظلة ولد عبد الله بن المبارك في سنة 118 هـ وتعلم العلم حتى أصبح يلقب بأمير المؤمنين في الحديث قدم هارون الرشيد إلى الرقة في غرب بغداد فاستقبله أفراد من الحرس والشرطة، وعندما قدم عبد الله بن المبارك من نفس المكان خرج الناس عن بكرة أبيهم لاستقباله فنظرت جارية في قصر الخليفة إلى المنظر فقالت ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان، فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الرشيد الذي لا يجمع الناس إلى بشرط وأعوان، وقد سئل ابن المبارك من الناس؟ فقال: العلماء، قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد قيل فمن السفلة؟ قال: الذين يعيشون بدينهم توفي رحمه الله مجاهدا في بلاد الروم سنة 181 هـ انظر تاريخ بغداد الخطيب البغدادي (1/ 152) وانظر حلية الأولياء لأبي نعيم (8/ 167).
(2) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات (1605)، فيلم (556/ 6) المؤلف غير معروف الورقة (41، 42) كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
وجه فاسد مع إمكان أن تحمله على وجه حسن، وسوء الظن يمكن تقسيمه إلى قسمين:
القسم الأول: هو ما يسمَّى فراسة المؤمن، وهو الظن الذي يستند إلى علامات ودلائل تشير إلى ذلك فإن هذا يحرك الظن تحريكًا لا يقدر الإنسان على دفعه.
القسم الثاني: الظن السيئ ومنشؤه سوء اعتقاد الأخ بأخيه، فإذا صدر من الأخ المظنون به سوء فعل له وجهان، دفعه سوء اعتقاده بأخيه أن ينزل فعله هذا على الوجه الرديء من غير علامة يقينية ترجع ذلك الأمر الذي حمل فعل أخيه عليه، وهذا الظن المبني على أمور وهمية جناية على الأخ بغير ما اكتسب وهذا هو الظن الذي حذرنا الله منه وحذرنا منه رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [الحجرات: 12].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث (1)» وأقل درجات المعاملة في الأخوة في الله أن يعامل أخاه بمثل ما يجب أن يعامل هو به (2).
رابعا: من حقوق الموالاة في الله أن يذكر الأخ محاسن إخوانه في الله، لأن المحاسن تغطي المساوئ وتجلب المحبة، وهذه الصفة من أخص خصال الأخوة في الله.
فعلى الأخ المسلم أن يتودد لأخيه بلسانه ويتفقده في أحواله التي يحب أن يتفقد فيها فمعنى الموالاة في الله هي أن يساهم الأخ مع إخوانه--------------------------------------------
(1) رواه البخاري انظر فتح الباري (9/ 198) باب النكاح 45.
(2) فضيلة الألفة والأخوة مخطوطة بجامعة الرياض برقم (1605) فيلم (556/ 6) الورقة (42).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
في السراء والضراء، ولذلك روي عن أبي كريمة المقداد بن معد يكرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه» (1).
والحكمة من إخبار الأخ أخاه بمحبته إياه لتحصل بينهما المودة والصلة والتزاور والمناصحة والتعاون، فتزداد المحبة وتتقوى الصلة بينهما وتتوثق عرى الأخوة بين الإخوة في الله (2) حيث أن الأخ إذا عرف أنك تحبه أحبك على ذلك ومعرفة الحب تكون بالقول والفعل، فإذا حصل ذلك بدأ الحب يتزايد بين الجانبين ويتضاعف والمحبة بين المؤمنين مطلوبة في الشرع ولذلك أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أسبابها القولية والفعلية ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (3) هذا في أسباب المحبة القولية.
أما المحبة الفعلية فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت» (4) وفي حديث آخر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهداية ويثيب عليها (5).
ومن مقتضيات الموالاة في الله أن يدفع المسلم عن أخيه في الله ذم--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (1/ 352) رقم الحديث (9/ 384).
(2) انظر: نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (1/ 352).
(3) رواه مسلم انظر: صحيح مسلم (1/ 74).
(4) رواه البخاري انظر: فتح الباري (5/ 199).
(5) المصدر السابق (5/ 210).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
الذامين وقدح القادحين، وأن يرد تعنت المتعنتين وتشويه الحاقدين الذين يريدون أن يصفوا كل مسلم بأوصاف النقيصة والازدراء حتى لا يبقوا لأحد من المسلمين صفة العزة والكرامة والإيمان الصحيح، وإن تسليط الجهال وأنصاف المتعلمين على القدم وتكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات وأقبح الصفات، لأن هؤلاء لا يريدون أن يبقوا على فرد أو جماعة تمثل الإسلام تمثيلا صحيحا وبالتالي كأنهم بلسان حالهم يقولون أن لا وجود للإسلام والمسلمين فينشرون اليأس والتخاذل بين المسلمين، ولم يسلم من تلك المصيدة الخبيثة حتى أولئك الذين يتزعمون الدعوة إلى الله، فهم يربون أتباعهم على الحقد والضغينة نحو الآخرين، وكأن الإسلام وقف عليهم دون غيرهم من الناس، وكأنهم وحدهم المعصومون من الخطأ الذي يشترك فيه عامة الناس، إن المبدأ والمنهاج في تقييم المسلمين إذا انتشر وشاع على هذا الأساس، فسوف تفقد الأمة الثقة بجميع المسلمين عامة والعاملين للإسلام خاصة، وعند ذلك تضيع في متاهات الضلال والانحراف لعدم توفر القيادة الفكرية والقدوة العلمية والجماعة المستقيمة التي يمنحها المسلم ولاءه وانتماءه ونصرته وتأييده في هذه الحياة.
وهذا لا يعني عدم محاسبة الإخوان عن أعمالهم وعيوبهم ومناصحتهم في تقصيرهم، ولكن الذي نقصده هو عدم التجريم الخفي الذي يهدم ولا يبني ويفسد ولا يقوم والذي قد يكون للكذب والمكر السيء مجال واسع فيه.
فالإغضاء عن عيوب الإخوان يعتمد على الغرض الباعث على الإغضاء فإذا أغضيت لسلامة دينك، ولما ترى فيه من إصلاح أخيك بالإغضاء منه، فأنت مدار له والمداراة جائزة كما تقدم (1).--------------------------------------------
(1) انظر ص (209 - 211) من هذه الرسالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
وإن أغضيت عن فعل محرم أو ترك واجب، أو أغضيت لحظ نفسك واستجلاب شهواتك، وسلامة جاهك فأنت مداهن والمداهنة محرمة مذمومة كما تقدم إيضاح ذلك.
خامسًا: من حقوق الموالاة في الله أن لا يسب المسلم إخوانه من أجل الدفاع عن كافر أو نحوه، ودليل ذلك أن أبا سفيان رضي الله عنه أتى قبل إسلامه على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: والله ما أخذت السيوف من عنق عدو الله مأخذها فقال أبو بكر رضي الله عنه أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك.
فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا يغفر الله لك يا أخي (1).
فهم قالوا هذا الكلام موالاة لله ورسوله والمؤمنين، ومعاداة لأعدائهم ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم إثارة غضبهم بهذه الصورة سببًا في غضب الله على من أغضبهم، فإذا كان أبو بكر رضي الله عنه رغم منزلته في الإسلام يقول له الرسول صلى الله عليه وسلم: لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك.
فكيف حال الذين يعاندون المؤمنين في وسائل الإعلام المختلفة فيمدحون الكفار وينشرون الكفر ليل ونهار، ويسخرون من المؤمنين بأقوالهم وأفعالهم؟ أليس هؤلاء قد باءوا بغضب على غضب؟--------------------------------------------
(1) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (4/ 1947) كتاب فضائل الصحابة، وانظر التحفة العراقية لابن تيمية ص 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
واستحقوا لعنة الله وعذابه قال تعالى: (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) [البقرة: 90].
سادسًا: من حقوق الموالاة العفو عن هفوة الأخ والكف عن عثرته وهي لا تخلو إما أن تكون في دينه بارتكاب معصية، أو في دنياه بتقصيره في حقك.
فأما ما يكون في الدين من ارتكاب معصية وترك واجب أو اقتراف محرم فلا يخلو ذلك من أمرين:
1 - أن تكون تلك المعصية التي اقترفها، أو الواجب الذي تركه زلة قد ندم عليها وتاب عنها فالعفو والصفح واجب في ذلك.
2 - أن يكون مصرًا على المعصية متلبسًا بها، فالأولى التلطف في نصحه بما يقيم عوجه، ويجمع شمله، ويعيد الورع والصلاح إليه، فإن لم تستطع وبقي مصرًّا، فقد اختلفت طرق الصحابة في حق مودته واستمرار موالاته، أو مقاطعته ومعاداته، ولهم في هذه المسألة قولان:
القول الأول: قول أبي ذر (1) رضي الله عنه حيث يرى أن--------------------------------------------
(1) هو جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل الغفاري، وأمه رملة بنت الوقيعة من بني غفار، وكان أبو ذر رضي الله عنه من كبار الصحابة وفضلائهم، قديم الإسلام يقال: أسلم بعد أربعة وكان خامس من أسلم، ثم انصرف إلى بلاد قومه وأقام بها حتى هاجر رسوله الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فقدم عليه وعندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك تخلف أبو ذر قليلا ثم ركب بعيره ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الطريق كان بعيره بطيئا فتركه وحمل متاعه على ظهره وانطلق ماشيا على قدميه حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر أحد المسلمين إليه وهو مقبل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: كن أبا ذر فقالوا: يا رسول الله هو أبو ذر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أبا ذر يمشي على الطريق وحده ويموت وحده ويحشر وحده، وقد توفي رضي الله عنه على طريق الربذة في أطراف الشام سنة (32) هـ وصلَّى عليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (5/ 186 - 188).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
المسلم إذا انقلب على إخوانه وعصى ربه، وأصرَّ على معصيته، أنه يجب بغضه ومعاداته حيث يقول: إذا انقلب أخوك عمَّا كان عليه من الاستقامة فأبغضه من حيث أحببته، فإنَّ ذلك من مقتضى الحب في الله والبغض فيه (1).
القول الثاني: قول أبي الدرداء رضي الله عنه وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم حيث ذهبوا إلى خلاف القول الأول فقالوا: إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى (2) اهـ.
وقال إبراهيم النخعي (3): لا تقطع أخاك، ولا تهجره عند الذنب بذنبه، فإنه يركبه اليوم ويتركه غدا (4) اهـ.
وهذه الطريقة يرى البعض أنها أقوم وألطف وأفقه، وقد احتج أهل القول الأول بأن مرتكب المعاصي لا تجوز مؤاخاته ابتداء، فيجب مقاطعته انتهاء لأن الحكم إذا ثبت بعلة فالقياس أن يزول بزوالها، وعقد الأخوة في الله لا يستمر مع من يقارف المعاصي ويصرُّ عليها.
وأجاب أهل القول الثاني على ذلك، بأنه إذا قوطع من انحرف عن طريق الأخوة في الله، وانقطع عن صحبة إخوانه الأفاضل الكرام، فإنَّ ذلك يزيده إصرارًا واستمرارًا على معصيته، ويتيح فرصة للشيطان وحزبه،--------------------------------------------
(1) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (1605) فيلم (556/ 6) المؤلف غير معروف، كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبًا الورقة (55).
(2) المصدر السابق الورقة (56).
(3) هو إبراهيم بن يزيد النخعي من كبار التابعين علمًا وورعًا، توفي سنة (95) هـ انظر البداية والنهاية لابن كثير (9/ 140).
(4) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بجامعة الرياض برقم (1605) على ميكروفيلم رقم (556/ 6) الورقة (56).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
أن يجُّروا العاصي من الساحل إلى محيط الكفر والضلال، مما يتحقق معه غلبة الهلاك.
والأصل أن ينزل عقد الأخوة في الله منزلة عقد القرابة فإذا انعقدت القرابة تأكَّد الحق ووجب الوفاء به، وكذلك الأخوة في الله، إذا انعقدت وجب بقاؤها حتى ولو حصل ما يناقضها من معصية لا توجب الكفر، أو حصل ما ينقصها أو يضعفها، لأن استمرار الملاطفة والرفق والاستمالة، يفضي إلى الرجوع والتوبة إلى الله، عند استمرار الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولأن استمرار الصحبة يؤدي إلى استمراء الحياء عند العاصي أو المخالف مما قد يكون سببا معينا على الإقلاع عن المعصية ومخالفة الجماعة، ولأن من الحق الوفاء بحق الأخوة في الله والأخ العاصي أو المخالف لنهج الجماعة المسلمة بأشدَّ الحاجة إلى من يقف معه في مصيبته تلك، أرأيت هذا الأخ لو كان مستقيما على الصراط السوي، وأصابته حاجة مالية أو فقر شديد، ألا يجب شرعًا مساعدته ومعاونته؟ وكذلك الأمر بالنسبة لمصائب الاعتقاد والعمل، فإن فقر الدين أعظم رزية من فقر المال، فهذا الأخ الذي انحرف بعصيانه وخرج على منهج الجماعة قد أصابته مصيبة وألمت به نازلة، حيث افتقر في دينه وأصيب في عقيدته فينبغي أن يراقب وأن يراعى ولا يهمل بل يجب أن يتلطف به، ليعان على الخلاص من الواقعة التي ألمت به، فأخوة الإيمان عدة للنوائب وحوادث الزمان، فهي مؤازرة في البلاء ومشاركة في الرخاء وأي حادثة أشد من حادثة الإصابة في الدين؟ وأما ابتداء مصاحبة الفاسق أو مؤاخاته فلا تقاس على هذه الحال، فمؤاخاة الفاسق ابتداء لم يتقدم لها حق سابق، ولذلك يجوز ترك المؤاخاة له ابتداء، وهذا ليس بمذموم ولا مكروه، بل قال البعض: إن هذا هو الأولى (1).--------------------------------------------
(1) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (1605) على ميكروفيلم (556/ 6) الورقة (56).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
أما قطع الأخوة بعد اتصالها فمنهي عنه، ومذموم في نفسه، ونسبة قطعها إلى تركها ابتداء، كنسبة الطلاق إلى ترك النكاح.
فالطلاق في معظم أحواله أبغض إلى الله من ترك النكاح، فمخالطة الفساق ابتداء محذورة، ومفارقة إخوان العقيدة والإيمان أيضا محذورة حيث إن المسلم مطلوب منه شرعا، أن يصحب الأخيار وينبذ الأشرار، لأن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، وهذا الأخ الذي شذ عن إخوانه في الله هو كالمريض الذي يجب الاعتناء به وعلاجه بكل مستطاع فالمريض لا ييأس منه أهله بمجرد ظهور المرض عليه، فيسعون إلى قبره ودفنه وهو على قيد الحياة، بل الواجب بذل الطاقة واستفراغ الوسع في معرفة أسباب المرض ونوعه، ثم معرفة العلاج النافع لمثل تلك الحال، وكذلك الشأن في معاملة من يشذُّ عن طريق الجماعة المسلمة، فإنه يجب أن تصله وإن قطعها، وأن تترفق به وإن جفاها، وأن تحسن إليه وإن أساء إليها، وأنت تصبر عليه كصبر أهل المريض على علاج مريضهم ما لم تيأس منه كيأس أهل المريض من مريضهم بالموت (1).
وهذا القول هو القول الراجح في نظري للأسباب التي ذكرتها فيما سبق، لأن القول الأول وهو قول أبي ذر رضي الله عنه في وجوب معاداة من انحرف بمعصيته عن طريق الأخوة في الله، فيه شدة وخشونة وغلظة قد يترتب عليها من المفاسد أكثر مما يترتب عليها من المصالح.
وإن كان الأمر في نظري أنه يختلف باختلاف الأشخاص والأوضاع المحيطة بالجماعة المسلمة، لأن هذه المسألة مما يدخل في نطاق السياسة الشرعية لمصلحة الدعوة إلى الله عز وجل.
هذا الكلام المتقدم يتعلق بالخلاف بين الإخوة في الله، إذا ارتكب أحدهم معصية تؤدي به إلى الانحراف عن طريق الجماعة المسلمة.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق نفس المكان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
أما ما يتعلق بتقصير الأخ في حق أخيه بما يوجب إيحاشه وإثارة غضبه فالأولى أن لا يلجأ المسلم إلى ذلك مع إخوانه، ولكن لو حصل زلة من أخ على أخيه فالواجب العفو والاحتمال، وأن يحمل أقواله وأفعاله على المحمل الحسن، وأن يطلب له العذر في ذلك.
وعلى الأخ المسلم أن يكون معتدلاً مع إخوانه في الحب، فلا يتكلف ما لا يطيق، ويكون معتدلا مع أعدائه في البغض فلا يبالغ في البغض عند الوقيعة بالأعداء، فقد يتحول الأعداء إلى أصدقاء يوما من الأيام قال تعالى: (عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الممتحنة: 7] كما أن تحول الأصدقاء إلى أعداء أمر غير ممتنع الحصول، روي الترمذي عن علي موقوفًا:
«أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما» (1).
وروي عن عمر رضي الله عنه قوله: لا يكن حبك كلفًا ولا بغضك تلفًا (2) اهـ.
أي لا يكن حبك شديدًا إلى درجة الهيام والإفراط، فيكون مشقة على النفس والمال، ولا تلفًا وهو أن تحب تلف صاحبك، ولو كان في هلاكه هلاكك.
سابعًا: من حقوق الموالاة بين الإخوة في الله دوام المحبة والمودة إلى الموت، فالمحبة والموالاة والمناصرة للمؤمنين عبادة يتقرب بها العبد--------------------------------------------
(1) رواه الترمذي: وقال: عن علي موقوفًا، انظر سنن الترمذي (3/ 234).
(2) انظر فضيلة الألفة والأخوة مخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (1605) فيلم (556/ 6) المؤلف غير معروف كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبا (57).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
إلى ربه والعبادة ليس لها أجل دون الموت قال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: 99].
قال القرطبي: اليقين الموت (1) فمعنى ذلك أن المحبة في الله يجب أن تستمر مع أهل الإيمان إلى الموت، وحتى ولو مات بعض الإخوة في الله فإن المحبة تستمر مع أولادهم وقراباتهم حيث إن الحب في الله يراد به الآخرة فإذا انقطع قبل الموت بغير عذر شرعي حبط العمل وضاع السعي بين المنقطعين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه (2).
فإذا قصَّر العبد في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه وذلك أن مجالسة الإخوان في الله مسلاة من الهموم، وعون على الدين والدنيا.
ولذلك قال ابن المبارك: ألذُّ الأشياء مجالسة الإخوان والاجتماع بهم (3) اهـ.
والمودة الدائمة هي التي تكون بسبب الموالاة في الله والحب فيه، أما المودة لغرض دنيوي فهي تزول بزوال الغرض الذي حدثت المودة من أجله.--------------------------------------------
(1) انظر تفسير القرطبي (10/ 64).
(2) رواه مسلم: انظر صحيح مسلم (2/ 715) كتاب الزكاة باب: فضل إخفاء الصدقة.
(3) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (1605) فيلم (556/ 6) المؤلف غير معروف، يعتقد أنها كتبت في القرن التاسع الهجري الورقة (57).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
فقد روي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما توادَّ اثنان في الله عز وجل، أو في الإسلام فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما» (1).
ومن الوفاء بحق الأخوة في الله، عدم موافقة الأخ على ما يخالف الحق، بل من الوفاء المخالفة في ذلك إذا كان لدى المخالف دليل صريح فيما ذهب إليه.
ثامنا: من حقوق الموالاة في الله أن الإنسان إذا عجز عن تقديم العون المادي لإخوانه فلا أقلَّ من أن يدعو لهم في حياتهم بالنصر والتمكين، وبعد مماتهم بالمغفرة والرضوان، فقد ورد في الحديث: «ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب، إلا قال الملك: ولك بمثل» (2).--------------------------------------------
(1) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (2/ 232).
(2) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (4/ 2094) باب الذكر (23).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
المبحث الثالث: موالاة الأقليَّات الإسلامية
إن موالاة ونصرة الأقليات المسلمة، بل الأكثرية المسلمة الممزقة تحت أقدام المجرمين الكفرة واجب شرعي لا يعذر المسلمون بتركه ويأثمون إثما عظيمًا في تقاعسهم عن ذلك، كيف لا يكون ذلك؟ والله عز وجل يقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الأنفال: 72]
فيتبين من هذه الآية أن الأصل أن يكون المجتمع المسلم كلاًّ لا يتجزأ وجماعة لا تفترق، ووحدة لا تنفصم، والأصل أيضًا أن يفتح المجتمع المسلم أبوابه لتقبل كل من يدين بالإسلام بلا فارق أو تمييز على أساس من اللون، أو العرق، أو لنشأة أو مكان الولادة أو غير ذلك من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
الفوارق الجاهلية، فبلاد الإسلام هي المأوى الشرعي لكل مسلم، فالدخول إلى دار الإسلام حقٌّ شرعي لكل مسلم على المسلمين جميعا، لا فضل لهم بذلك أو منة إذا كانوا مسلمين يطبقون الإسلام تطبيقا صحيحا.
ولكن مع ذلك لو بقيت قلة من المسلمين بدار الكفر، ثم اعتدى عليها بعد التسهيلات التي يمنحها المسلمون لهذه القلة في الدخول في دار الإسلام، فإن الواجب الإسلامي يفرض على المسلمين مناصرة تلك الأقلية المسلمة التي رضيت بالبقاء في دار الكفر بدون عذر أو مبرر شرعي، حيث إن دار الإسلام قد فتحت أبوابها لدخولهم ودخول كل مسلم إليها، قال تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الأنفال: 72].
فهؤلاء ليسوا من أعضاء المجتمع الإسلامي الموحد المتحد على الإسلام قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) [الأنفال: 72] ومع ذلك أوجب علينا مناصرتهم بموجب رابطة الإسلام والإيمان ثم استثنى في مناصرة هؤلاء، أن لا تكون مناصرتهم مخلة بشرط من شروط الاتفاق بين المسلمين والكفار، لأن مصلحة المجتمع المسلم في دار الإسلام أولى من مصلحة قلة من المسلمين اختارت البقاء في دار الكفر على النزوح إلى دار الإسلام مع تمكنها من الدخول في دار الإسلام لو أرادت ذلك (1).
فإذا كانت مناصرة هذه القلة بتلك الصفات واجبة في الإسلام فما ظنك بمناصرة المسلمين المأسورين عند الكفار، والذين لا يستطيعون للخروج حيلة ولا يهتدون سبيلا، ولو خرجوا من دار الكفر لما وجدوا دار إسلام تؤويهم أو تضمهم، أو تدافع عنهم؟--------------------------------------------
(1) انظر في ظلال القرآن/ سيد قطب (10/ 73).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
إن الواجب الإسلامي يفرض على الدول والشعوب المنتسبة إلى الإسلام أن تكون بين خيارين في تعاملها مع المسلمين المضطهدين.
الأول: أن تفتح أبواب بلادها لتقبل المضطهدين من المسلمين من مختلف أنحاء العالم، فتؤويهم في دار الإسلام وتقدم لهم المساعدات السخيَّة، وفرص العمل الشريف ويشتركون معهم في جميع الحقوق والامتيازات كما اشترك المهاجرون والأنصار بالمدينة عند قدوم المهاجرين إليها، وهذا الأمر قد يترتب عليه بعض الصعوبات نظرا إلى أنه قد يهاجر إلى البلاد الإسلامية من لا يعمل بالإسلام على الوجه الصحيح، ونظرا لوجود فئات كثيرة من أهل الكفر والنفاق تعيش بداخل البلاد الإسلامية، ولا ترضى بمثل هذا الإجراء حيث يتعارض مع رغباتها ومنهجها في الحياة، ولذلك فإن من الأولى في بداية الأمر أن لا يكثر المسلمون من سواد خصومهم بمثل هذا التصرف حتى يتكون لديهم القاعدة الصلبة التي تتحدى قوى الكفر والنفاق في الداخل والخارج، كما أن فتح باب الهجرة لبعض الأقليات الإسلامية قد يؤدي إلى أن تكون هجرتهم لمصالح دنيوية ويؤدي إلى خلو كثير من البلاد التي كانت تحكم بالإسلام إلى أن تكون دار كفر لا وجود للمسلمين فيها، مع أن المسلمين اليوم ليسوا بحاجة ماسة إلى العدد الكمي بقدر ما هم بحاجة ماسة إلى النوعية المخلصة الصادقة التي تفهم الإسلام كما فهمه السلف الصالح.
الثاني: أن يعدل المسلمون عن فتح باب الهجرة للأكثرية المسلمة المضطهدة في معظم البلاد الإسلامية، وأن يستبدلوا ذلك بالدعم السخيّ لإخوانهم بالمال والنفس والرأي، فيكون المسلمون بدار الكفر مجاهدين في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم ويكون إخوانهم في الإسلام مجاهدين معهم بالمال والرأي والنفس إن تطلب الأمر ذلك وبذلك يتحقق للمسلمين هدفان:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
(1) كسر شوكة الكفار وحماية المسلمين من سيطرة الكفر وهيمنته على المسلمين
(2) رفع راية الجهاد التي أمر الله بها أن ترفع حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) [الأنفال: 39].
يقول أبو بكر بن العربي: إذا كان من المسلمين أسراء أو مستضعفون فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن والمال والرأي وبأن لا تبقى منا عين تطرف، حتى نخرج إلى اسنتقاذهم، إن كان عددنا يحتمل لذلك، وأن نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد منا درهم أو دينار يبخل به عن ذلك (1) اهـ.
ولا ريب أن تطيبق مثل هذه التعاليم كان هو السبب الرئيسي في نصرة المسلمين وعزتهم عبر قرون طويلة من تاريخ هذه الأمة المجيدة كما أن إهمالهم لهذا الأمر هو الذي أطمع الأعداء في بلاد المسلمين، فبدءوا في كل يوم يفترسون جزءا من المسلمين، والبقية الباقية من المسلمين في لهو وعبث ومجون وضياع (2).
فالدول المحسوبة على الإسلام اليوم لا تقوم بواجب الأقليات الإسلامية على المستوى المطلوب منها شرعا وإنما اكتفت بإنشاء إدارة هزيلة ضعيفة واهية بموجب قرار وزراء خارجية المؤتمر الإسلامي التاسع الذي عقد في داكا عام (1398هـ -1978) ونشاط هذه الإدارة محدود جدًّا فهي تقوم بطلب المساعدات من الأعضاء ثم تقوم بتوزيعها على المراكز الإسلامية بشكل إعانات نادرة محدودة لا تسمن ولا تغني من جوع--------------------------------------------
(1) انظر أحكام القرآن لابن العربي (2/ 876) وانظر تفسير القرطبي (8/ 57، 58).
(2) انظر فقه السير محمد سعيد رمضان البوطي (139).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
فقد ذكر أحد المسئولين في هذه الإدارة أنهم قدموا مساعدة مالية إلى خمسة عشر مركزا بالولايات المتحدة الأميركية ودول الكاريبي، وعشرين مركزا في أوروبا، وثلاثين مركزا في آسيا، وستة وستين مركزا في أفريقيا، ولم يذكر المسئول الرقم الخاص بكل قارة ولا الرقم الإجمالي لهذه المساعدات (1) مما يدل على أن المساعدات ليست على المستوى المطلوب وأنها لا تعادل ما يتقاضاه حمار من الحمير الناهقة أو الرافسة، والآثار الظاهرة لتلك المراكز تدل على ضعفها وعجزها عن الجدية والنشاط، فهي لا تخدم المسلمين إلا في قضايا جزئية، أما أن تتبنى قضايا الاعتقاد والعبادة والسياسة والاقتصاد والاجتماع ونحو ذلك فهي غير مؤهلة لذلك، ولا يسمح لها الأعضاء بمزاولة مثل ذلك، في الوقت الذي نجد فيه أن مجلس الكنائس العالمي قد اعتمد مبلغ خمسين مليون دولار لإنفاقها على مراكز تكفير المسلمين في كل من تركيا وسوريا والأردن ومصر والسودان وتونس والجزائر والسنغال وملاوي وباكستان وبنغلاديش، وهذه كلها دول إسلامية فيما مضى من الزمن (2).
ولم يكتف الصليبيون بذلك بل إن قضايا النصارى في مصر والشام ترعى من قبل الدول الكبرى الصليبية في العالم أجمع.
ولذلك نحن لا نطالب بمثل تلك الإدارة الهزيلة لحقوق الأقليات الإسلامية في العالم، بل نطالب الأمة بأجمعها أن تكون في حسها ووجدانها مساعدة الأقليات الإسلامية، وأن تضغط على الحكومات التي تمثلها تمثيلاً زائفًا في أن تهتم بأمور المسلمين وقضاياهم في العالم أجمع، لأن ذلك من مسئوليات المسلمين عامة وحكوماتهم خاصة وقد تعتذر--------------------------------------------
(1) انظر مجلة البلاغ عدد (533) في (29/ 4/ 1400) هـ (26).
(2) انظر مجلة الدعوة السعودية عدد (809) في (17/ 10/ 1401) هـ (12).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
بعض الحكومات بأنها تلتزم مبدأ الحياد مع شقيقاتها، أو مع دول العالم، والحق أنه لا حياد مع من حارب الله ورسوله والمؤمنين قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة: 22] فهذا العذر غير مقبول فأي ارتباط يتعارض مع الكتاب والسنة يجب أن يضرب به عرض الحائط، والأدلة على وجوب مناصرة الأقليات الإسلامية سبق ذكر البعض منها والبعض الآخر كما يلي:
(1) قال تعالى: (لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) [النساء: 148].
(2) وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) [الشورى: 39].
(3) قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) [الشورى: 40، 41].
ومن السنة قول الرسول صلى الله عليه وسلم ما يلي:
(1) روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما (1)».
(2) وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع، فذكر عيادة المريض واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإبرار القسم (2).
(3) قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل--------------------------------------------
(1) رواه البخاري. انظر فتح الباري (5/ 98) كتاب المظالم.
(2) المصدر السابق (99).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)