شراحيل، ومعها دايَتُها(1)، حاضنة لها، فلما دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "هبي نفسك لي"، قالت: وهل تهب الملِكَة نفسها للسُّوقة(2)، قال، فأهوى بيده(3)، يضع يده عليها؛ لتسكن، فقالت: أعوذ باللَّه منك، فقال: "قد عُذتِ بمعاذ"، ثم خرج علينا، فقال: "يا أبا أسيد، اكسُهَا رازِقيَّتَينِ(4)، وألحقها بأهلها".
قال في "الفتح": قوله: "فأنزلت في بيت الخ" هو بالتنوين و"أُميمة" بالرفع إما بدلاً عن الجونيّة، وإما عطف بيان.
قال ابن المنيّر: قولها: "وهل تهب الملكة الخ" هذا من بقيّة ما كان فيها من الجاهليّة، والسُّوقة عندهم من ليس ملكًا كائنًا من كان، فكأنها استبعدت أن يتزوّج الملكة من ليس بملك، وكان صلى الله عليه وسلم قد خُيّر أن يكون ملكًا نبيًّا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًّا تواضعًا منه صلى الله عليه وسلم لربّه. ولم يؤاخذها النبيّ صلى الله عليه وسلم بكلامها معذرة لها لقرب عهدها بجاهليّتها. وقال غيره: يحتمل أنها لم تعرفه صلى الله عليه وسلم، فخاطبته بذلك. قال الحافظ: وسياق القصّة من مجموع طرقها يأبى هذا الاحتمال. نعم سيأتي في أواخر الأشربة من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: ذَكَر النبيّ صلى الله عليه وسلم امرأةً من العرب، فأمر أبا أُسيد الساعديّ أن يُرسل إليها، فقدمت، فنزلت في أُجُم بني ساعدة، فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى جاء بها، فدخل عليها، فإذا امرأة منَكّسة رأسها، فلما كلّمها قالت: أعوذ باللَّه منك، قال: "لقد أعذتك منّي"، فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ هذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جاء ليخطبك، قالت: كنت أشقى من ذلك. فإن كانت القصّة واحدةً، فلا يكون قوله في حديث الباب: "ألحقها بأهلها"، ولا قوله في حديث عائشة: "الحقي بأهلك" تطليقًا لها، ويتعيّن أنها لم تعرفه. وإن كانت القصّة متعدّدة، ولا مانع من ذلك، فلعلّ هذه--------------------------------------------
(1) البداية: الظئر المرضعة.
(2) السوقة بالضمّ الرعيّة للواحد والجمع.
(3) قال في "الفتح": قوله: "فأهوى بيده" أي أمالها إليها، ووقع في رواية ابن سعد: "فأهوى إليها ليقبلها، وكان إذا اختلى النساء أقعى، وقبّل"، وفي رواية لابن سعد: "فدخل عليها داخل من النساء، وكانت من أجمل النساء، فقالت: إنك من الملوك، فإن كنت تريدين أن تحظي عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءك، فاستعيذي منه". ووقع عنده عن هشام بن محمد، عن عبد الرحمن ابن الغسيل بإسناد حديث الباب: "أن عائشة وحفصة دخلتا عليها أوّل ما قدمت، فمشطتاها، وخضبتاها، وقالت لها إحداهما: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم يُعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول: أعوذ باللَّه منك". انتهى.
قال الجامع: قصّة خديعة عائشة وحفصة رضي الله عنهما يحتاج إلى النظر في سنده، واللَّه تعالى أعلم.
(4) براء، ثم زاي، ثم قاف بالتثنية صفة موصوف محذوف للعلم به، والرازقيّة ثياب من كتان بيض طوال. وقيل: في داخل بياضها زرقة، والرازقيّ الصَّفِيق.

(খণ্ড: 28) (পৃষ্ঠা: 316)