وإلى هذا أشار الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية السيرة"، حيث قال:
أَمَّا قُرَيشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ … جَمَّاعُهَا وَالأَكَثَرُونَ النَّضْرُ
وأصل القَرْش: الجمع، وتقرّشوا: إذا تجمّعوا، وبذلك سمّيت قريشٌ. وقيل: قُريش دابّةٌ تسكن البحر، وبه سُمّي الرجل، قال الشاعر [من الخفيف]:
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْـ … ـرَ بهَا سُمَّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا
وُينسب إلى قُريش بحذف الياء، فيقال. قرشيّ، وربّما نُسب إليه في الشعر من غير تغيير، فيقال: قُريشيّ. أفاده الفيّوميّ.
(فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ) أي عمهم بالإنذار (وَخَصَّ) أي خصّ من كان أهلاً لذلك بالخطاب والنداء (فَقَالَ: "يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَيَا بَني عَبْدِ مَنَافٍ، وَيَا بَنِي هَاشِمٍ، وَيَا بَنِي عَبدِ الْمُطَّلِبِ) وفي حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما: "فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عديّ، لبطون قريش". ووقع عند البلاذريّ من وجه آخر عن ابن عباس أبين من هذا، ولفظه: "فقال: يا بني فهر، فاجتمعوا، ثم قال: يا بني غالب، فرجع بنو محارب، والحارث ابنا فهر، فقال: يا بني لؤيّ، فرجع بنو الأدرم بن غالب، فقال: يا آل كعب، فرجع بنو عديّ، وسهم، وجمح، فقال: يا آل كلاب، فرجع بنو مخزوم، وتيم، فقال: يا آل قُصيّ، فرجع بنو زهرة، فقال: يا آل عبد مناف، فرجع بنو عبد الدار، وعبد العزّى، فقال له أبو لهب: هؤلاء بنو عبدمناف عندك". وعند الواقديّ أنه قصر الدعوة على بني هاشم والمطّلب، وهم يومئذ خمسة وأربعون رجلاً. وفي حديث عليّ رضي الله عنه عند ابن إسحاق، والطبريّ، والبيهقيّ في "الدلائل" أنهم كانوا حينئذ أربعين، يزيدون رجلاً، أو ينقصون، وفيه عمومته: أبو طالب، وحمزة، والعبّاس، وأبو لهب. ولابن أبي حاتم من وجه آخر عنه أنهم يومئذ أربعون غير رجل، أو أربعون ورجل. وفي حديث عليّ من الزيادة: صنع لهم شاةً على ثريد، وقعب لبن، وأن الجميع أكلوا من ذلك، وشربوا، وفضلت فضلة، وقد كان الواحد منهم يأتي على جميع ذلك. قاله في "الفتح".
(أَنْقِذُوا) من الإنقاذ: أي خلّصوها من النار بترك أسبابها، والاشتغال بأسباب الجنّة (أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ) وفي الرواية الآتية: "اشتروا أنفسكم من ربّكم"، وفي لفظ: "من اللَّه". أي باعتبار تخليصها من النار، كأنه قال: أسلموا تَسلَموا من العذاب، فكان ذلك كالشراء، كأنهم جعلوا الطاعة ثمن النجاة. وأما قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ} الآية [التوبة: 111] فهناك المؤمن بائع، باعتبار تحصيل الثواب، والثمن الجنّة، وفيه إشارة إلى أن النفوس كلها ملك للَّه تعالى، وأن من أطاعه حقّ

(খণ্ড: 30) (পৃষ্ঠা: 143)