61 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ:
[البحر الكامل]
زَعَمَ الَّذِينَ تَشَرَّقُوا وَتَغَرَّبُوا … أَنَّ الْغَرِيبَ وَإِنْ أَعَزَّ ذَلِيلُ
فَأَجْبُتُهُمْ أَنَّ الْغَرِيبَ إِذَا اتَّقَى … حَيْثُ اسْتَقَلَّ بِهِ الرِّكَابُ خَلِيلُ
قَالُوا الْغَرِيبُ يُهَانُ قُلْتُ تَجَلَّدَا … إِنَّ الْإِلَهَ بِنَصْرِهِ لَكَفِيلُ
قَالُوا الْغَرِيبُ إِذَا يَمُوتُ بِبَلْدَةٍ … لَمْ يُبْكَ أَوْ يُسْمَعْ عَلَيْهِ عَوِيلُ
قُلْتُ الْغَرِيبُ كَفَاهُ رَحْمَةُ رَبِّهِ … وَغِنَى الْبُكَاءِ عَلَى الْفَقِيدِ قَلِيلُ

62 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ:
[البحر الطويل]
تَغَرَّبْتُ عَنْ أَهْلِي فَظَلْتُ مُشَرَّدًا … وَحِيدًا طَرِيدًا فِي الْبِلَادِ أَدُورُ
وَخَلَّفْتُ إِخْوَانِي وَأَهْلِي وَجِيرَتِي … يَنُوحُونَ شَجْوًا إِنَّنِي لَصَبُورُ
وَلِي وَطَنٌ مَا إِنْ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلُهُ … وَلَكِنْ مَقَادِيرُ جَرَتْ وَأُمُورُ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: أَغْرَبُ الْغُرَبَاء فِي وَقْتِنَا هَذَا مَنْ أَخَذَ بِالسُّنَنِ وَصَبَرَ عَلَيْهَا ، وَحَذِرَ الْبِدَعَ وَصَبَرَ عَنْهَا ، وَاتَّبَعَ آثَارَ مَنْ سَلَفَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَرَفَ زَمَانَهُ وَشِدَّةَ فَسَادِهِ وَفَسَادَ أَهْلِهِ ، فَاشْتَغْلَ بِإِصْلَاحِ شَأْنِ نَفْسِهِ مِنْ حِفْظِ جَوَارِحِهِ ، وَتَرْكِ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَعَمِلَ فِي إِصْلَاحِ كَسْرَتِهِ ، وَكَانَ طَلَبُهُ مِنَ الدُّنْيَا مَا فِيهِ كِفَايَتُهُ وَتَرْكُ الْفَضْلِ الَّذِي يُطْغِيهِ ، وَدَارَى أَهْلَ زَمَانِهِ وَلَمْ يُدَاهِنُهُمْ ، وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ ، فَهَذَا غَرِيبٌ وَقَلَّ مَنْ يَأْنَسُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَشِيرَةِ وَالْإِخْوَانِ ، وَلَا يَضُرَّهُ ذَلِكَ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: افْرُقْ لَنَا بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ ، قِيلَ لَهُ: الْمُدَارَاةُ الَّتِي يُثَابُ عَلَيْهَا الْعَاقِلُ ، وَيَكُونُ مَحْمُودًا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ عز وجل ، وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُدَارِي جَمِيعَ النَّاسِ الَّذِينَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُمْ ، وَمِنْ مُعَاشَرَتِهِمْ لَا يُبَالِي مَا نَقَصَ مِنْ دُنْيَاهُ ، وَمَا انْتُهِكَ بِهِ مِنْ عِرْضِهِ بَعْدَ أَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ ، فَهَذَا رَجُلٌ كَرِيمٌ غَرِيبٌ فِي زَمَانِهِ. وَالْمُدَاهَنَةُ: فَهُوَ الَّذِي لَا يُبَالِي مَا نَقَصَ مِنْ دِينِهِ إِذَا سَلِمَتْ لَهُ دُنْيَاهُ ، قَدْ هَانَ عَلَيْهِ ذَهَابُ دِينِهِ وَانْتِهَاكُ عِرْضِهِ ، بَعْدَ أَنْ تَسْلَمَ لَهُ دُنْيَاهُ ، فَهَذَا فِعْلُ مَغْرُورٍ ، فَإِذَا عَارَضَهُ الْعَاقِلُ فَقَالَ: هَذَا لَا يَجُوزُ لَكَ فِعْلُهُ قَالَ: نُدَارِي فَيَكْسُو الْمُدَاهَنَةَ الْمُحَرَّمَةَ اسْمَ الْمُدَارَاةِ ، وَهَذَا غَلَطٌ كَبِيرٌ مِنْ قَائِلِهِ ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُؤْمِنُ يُدَارِي وَلَا يُمَارِي ، يَنْشُرُ حِكْمَةَ اللَّهِ ، فَإِنْ قُبِلَتْ حَمِدَ اللَّهَ ، وَإِنْ رُدَّتْ حَمِدَ اللَّهَ عز وجل ، وَقَالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ رضي الله عنه: لَيْسَ بِحَكِيمٍ مَنْ لَمْ يُعَاشِرْ بِالْمَعْرُوفِ لِمَنْ لَا يَجِدُ مِنْ مُعَاشَرَتِهِ بُدًّا ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ عز وجل لَهُ مِنْهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَهُوَ غَرِيبٌ طُوبَى لَهُ ثُمَّ طُوبَى لَهُ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)