ذِكْرُ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ الطَّالِبُ إِلَى الرَّاوِي صَحِيفَةً قَدْ كَتَبَ فِيهَا: إِنْ رَأَى الشَّيْخُ أَنْ يُجِيزَ لِي جَمِيعَ مَا يَصِحُّ عِنْدِي مِنْ حَدِيثِهِ فَعَلَ ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّاوِي بِلَفْظِهِ: قَدْ أَجَزْتُ لَكَ كُلَّ مَا سَأَلْتَ ، أَوْ يَكْتُبُ لَهُ ذَلِكَ تَحْتَ خَطِّهِ فِي الصَّحِيفَةِ ، وَيَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ ، فَهَذَا النَّوْعُ دُونَ الْمُنَاوَلَةِ فِي الْمَرْتَبَةِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ فِي الْإِجَازَةِ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ ، وَلَا أَحَالَهُ عَلَى تَرَاجِمِ كُتُبٍ بِأَعْيَانِهَا مِنْ أُصُولِهِ وَلَا مِنَ الْفُرُوعِ الْمَقْرُوءَةِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أَحَالَهُ عَلَى مَا يَصِحُّ عِنْدَهُ عَنْهُ ، وَهُوَ فِي تَصْحِيحِ مَا رَوَى النَّاسُ عَنْهُ عَلَى خَطَرٍ ، لِأَنَّهُ لَا يَقْطَعُ عَلَى صِحَّةِ مَا رُوِيَ عَنْهُ إِلَّا بِتَوَاتُرٍ مِنَ الْخَبَرِ، أَوِ انْتِشَارٍ يَقُومُ فِي الظَّاهِرِ مَقَامَ التَّوَاتُرِ، وَبَابُ الْمُنَاوَلَةِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا يَقْطَعُ عَلَى صِحَّةِ رِوَايَاتِهِ فِيهَا ، فَيَجِبُ عَلَى الطَّالِبِ الَّذِي أُطْلِقَتْ لَهُ الْإِجَازَةُ أَنْ يَتَفَحَّصَ عَنْ أُصُولِ الرَّاوِي مِنْ جِهَةِ الْعُدُولِ الْأَثْبَاتِ ، فَمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ، وَيَكُونُ مِثَالَ مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: قَدْ وَكَّلْتُكَ فِي جَمِيعِ مَا صَحَّ عِنْدَكَ، أَنَّهُ مِلْكٌ لِي أَنْ تَنْظُرَ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْوِكَالَةِ الْمُفَوَّضَةِ ، فَإِنَّ هَذَا وَنَحْوَهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ صَحِيحٌ ، وَمَتَى صَحَّ عِنْدَهُ وُجُوبُ الْمِلْكِ لِلْمُوَكِّلِ كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْإِجَازَةُ الْمُطْلَقَةُ مَتَى صَحَّ عِنْدَهُ فِي الشَّيْءِ أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ عَنْهُ. سَأَلْتُ أَبَا بَكْرٍ الْبَرْقَانِيَّ عَنِ الْإِجَازَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُكَاتَبِةِ، فَقَالَ: هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي تَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِهِمَا ، إِلَّا أَنْ يُدْفَعَ إِلَى الشَّيْخِ جُزْءٌ مِنْ حَدِيثِهِ ، أَوْ كِتَابٌ مِنْ كُتُبِهِ ، فَيَنْظُرَ فِيهِ ، فَإِذَا عَرَفَهُ وَصَحَّ عِنْدَهُ مَا فِيهِ أَجَازَهُ لِصَاحِبِهِ ، وَأَذِنَ لَهُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ ، فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ: قَدْ أَجَزْتُ لَكَ حَدِيثِي فَارْوِهِ عَنِّي ، وَيُطْلِقُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لَهُ ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَذَلِكَ إِذَا بَعَثَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ كِتَابًا قَدْ نَظَرَ فِيهِ وَصَحَّحَهُ ، وَكَاتَبَهُ بِأَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ ، جَازَ ذَلِكَ ، وَإِذَا كَاتَبَهُ بِأَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ حَدِيثَهُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لَهُ ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أَوْ كَمَا قَالَ قَالَ الْخَطِيبُ: وَلَا أَرَى أَبَا بَكْرٍ وَهَّنَ إِطْلَاقَ الْإِجَازَةِ إِلَّا لِمَا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)